![]() |
رواية انتقام الوريثة الفصل العشرون بقلم اسماء حميدة
استيقظت بيلا في صباحٍ باهتٍ ينوء بالثِقل وما إن فتحت عينيها حتى اندفع جسدها يرفض ما بقي من الليلة الماضية فتقيأت مجددًا كأن روحها تلفظ سمۏم الأمس.
أسرع أكسل نحوها قلقه يتقدّم على خطواته يناولها كوبًا من الماء بيدٍ مرتجفة بينما الأخرى تبحث في علبة الأدوية عن مسكّن يخفف صداعها العڼيف ومن ثم قال وهو يراقبها بلهفة:
ــ "بيلا... أذكر أنك كنتِ قادرة على مجاراة الشراب من قبل… كيف حدث معك هكذا البارحة؟"
ابتلعت بيلا جرعة ماء ثم أسندت رأسها إلى الوسادة تتنفس بصعوبة وأجابت بصوتٍ مبحوحٍ فيه أثر انكسار:
ــ "لم أذق المشروب منذ ثلاث سنوات... منذ زواجي بجاستن… كنت أعلم كم يمقت النساء اللواتي
تفوح منهن رائحة المشروب... لذلك أقلعتُ تمامًا."
ارتجفت كلماتها وكأنها تعترف بخيانةٍ لنفسها قبل أن تكون لجاستن… حاول أكسل أن يخفف وطأة اللحظة بابتسامةٍ مازحة إلا أن صوته لم يُخفِ قلقه الحقيقي:
ــ "أعلم أنكِ ثملة... لكن من يراكِ هكذا قد يظن أن الأمر... غثيان الصباح."
ارتسمت على وجه بيلا ابتسامة باهتة لكنها كانت كالسيف المغروس في قلبها وقالت بمرارةٍ تتخللها سخرية مُبطّنة:
ــ "ها... لو كنتُ حاملًا حقًا بطفل جاستن... ماذا كنتم ستفعلون؟"
تجمّدت ملامح أكسل للحظة ثم لان صوته وهو يجيبها بإصرارٍ يحمل في طيّاته حنانًا غريبًا:
ــ "وماذا عسانا أن نفعل غير ذلك؟ سنقف بجانبك ونساعدك في تربية الطفل…
بجميع الأحوال لا ذنب له في صراعات الكبار... إنه بريء مهما كان أصله."
انكسرت نظرة بيلا بين يديه بينما لمعت عيناها بوميضٍ مختلطٍ من الحزن والعرفان كأنها لأول مرة تدرك أن هناك من قد يحتضن ضعفها بلا شروط.
رغم أن أكسل كان يحمل في صدره كراهيةً جارفةً لجاستن، كراهيةً تتغذّى على كل ذكرى بينهما إلا أنّ استقامته ظلّت عصيّة على التلوث ربما كانت تلك هي أخلاقيات أكسل الراسخة كمدّعٍ عام، أو لعلها بقايا الضمير الذي لا يساوم.
قالت بيلا ساخرة وقد رفعت الكوب لتتجرع رشفة ماء كأنها تغسل بها بقايا السخرية من حلقها:
ــ "لا تقلق، لن أحمل بطفله... إنه لا يستحق شيئًا كهذا."
ضاقت عينا أكسل وهو يتأملها، ثم تساءل
فجأة:
ــ "بالمناسبة... هل تتذكرين ما جرى الليلة الماضية؟"
ارتبكت ملامحها وصوتها خرج مترددًا:
ــ "أتذكر أنّني اصطدمت بزيك... وأظن أنّ جاستن ظهر لاحقًا، لكن... بعدها لا أذكر شيئًا واضحًا."
ارتفع حاجبا أكسل بدهشة، وقال:
ــ "أحقًا لا تتذكرين؟"
أطرقت بيلا برأسها قليلاً تحاول أن تفتّش بين ضباب عقلها، ثم تمتمت:
ــ "أظن أن شابًا وسيمًا ظهر ليساعدني... آه، كنتُ ثملةً جدًا، وإلا لكنتُ طلبت رقم هاتفه!"
ابتسم أكسل متهكماً وقال:
ــ "ذلك كان رايان هوفمان... ACE أصبح ناديه الجديد."
تبدّد كل فضولها حين سمعت الاسم وقالت بفتور:
ــ "لا بأس... لا يهمني."
انحنى أكسل نحوها، وصوته يقطر استنكارًا:
ــ
"هل تعلمين أن جاستن جرّك إلى حمام الرجال بعد ذلك؟"
اتسعت عيناها في ذهول:
ــ "ماذا؟!"
شهقت بيلا ووضعت كفها على جبينها:
ــ "لا... لن يفعل شيئًا سيئًا... جاستن ليس كرايان."
اڼفجر أكسل مستنكرًا:
ــ "ولماذا تُدافعين عنه إذن؟!"
أجابته بهدوءٍ يائس:
ــ "أنا لا أدافع... فقط أظنّه رجلًا يعرف معنى الاحترام رغم قسوته معي."
كلماتها انزلقت من فمها محمّلة بالحزن كمن تعترف لنفسها قبل أن تعترف له.
اقترب منها أكسل يجلس بجانبها على حافة السرير وصوته يقطر سخرية لاذعة:
ــ "هل تعلمين ما قاله لي؟! لقد طلب منّي أن أتزوجك! تخيلي جرأته... أوصاني ألا أعبث بمشاعرك وأنك ضعيفة هشة لا تقوين على جرحٍ جديد."
ضحك باستهزاء وأردف:
ــ "أي حق يملك ليتدخل في شؤونك؟!"
نظرت إليه بيلا بعينين متسعتين غير مصدقة:
ــ "انتظر! ولماذا قال لك ذلك أصلاً؟"
تنهد أكسل ببرود وأجاب:
ــ
"لأنه ظنّني آشر... فسرتُ معه في وهمه وقلتُ له أن يبتعد عن حبيبتي… ربما استفزه كلامي حتى الڠضب."
عندها ثارت بيلا وضړبته بقبضتيها على صدره كطفلةٍ غاضبة من قسۏة أخيها:
ــ "أخبرني... ماذا حدث بعد ذلك؟!"
تركها أكسل تضربه بضعف، لم يردعها، بل نظر إليها نظرة أخٍ ممزق تتناوب في قلبه رغبة عارمة في حمايتها وڠضب مكتوم لأنها تجادل فيمن لا يستحقها.
كان ستيفن قد أعدّ مائدة الإفطار بعناية تشي بالاهتمام، يعرف أن رأس بيلا مثقل بصداعٍ يدق طبوله في جمجمتها فأراد أن يخفف عنها بثوبٍ من العناية الأخوية وأن يكسو صباحها بشيء من الطمأنينة.
ارتبك ستيفن واحمرّ وجهه
قال أكسل بنبرة صارمة وهو يضغط بيضة مسلوقة على خده :
ــ "مهلًا!. ألا ترأفين بمشاعرنا؟"
رفعت بيلا عينيها متحدية وفي فمها قضمة من شطيرة ثم قالت بنبرة تنضح بالتمرّد:
ــ
"لقد سئمتُ الأبيض... سئمتُ الأحذية الرياضية التي كبّلتني ثلاث سنوات كاملة! الآن سأرتدي ما أشاء ومن يملك أن يمنعني؟"
حدّق ستيفن فيها بجدية مبالغ فيها وسأل بلهجة أقرب إلى الاستجواب:
ــ "ولماذا يا ترى كنتِ تحصرين نفسك بثياب بيضاء وأحذية رياضية طَوال تلك السنوات؟ هل كنتِ تُدرّسين في مدرسة؟! ستُضلّلين جيلًا كاملًا من الأطفال!"
ارتفعت الأصوات في لحظة واحدة كأن الأشقاء الثلاثة كانوا يتقاسمون اللسان ذاته:
ــ "هذا ليس من شأنك!"
ابتسمت بيلا ابتسامة غامضة وهي تنهي فطورها ثم نهضت لتستعيد ملامح شخصيتها الأخرى ومن ثم وضعت مساحيق تجميل بعناية جعلت وجهها لوحة من السحر الممزوج بالصلابة وارتدت تنورة بيضاء وحذاءً أنيقًا وعادت تتحول تدريجيًا إلى تلك المرأة الحازمة؛ مديرة فندق KS World هذا رغم رغم أن رأسها كان يطرق كالطبل
تحت قبضات غير مرئية وكأن غوريلا ضخمة صڤعتها على صدغيها بلا رحمة.
جلست خلف مكتبها الفخم لكن صوت شقيقها أكسل في الصباح ظل يطنّ في أذنها كجرسٍ عنيد… التبست مشاعرها إذ عادت إلى أحداث الليلة الماضية... تذكرت كيف تدخّل جاستن وكيف وجّه تلك الكلمات لأكسل. تساءلت في داخلها:
ــهل كان حقًا يهتم لأمري؟
قهقهت فجأة بمرحٍ كمن يحاول تحليل المشهد بعين ناقدة لا مټألمة، وتمتمت لنفسها:
ــ "ههه... أهذه حقيقة؟! جاستن لا يطيق أن تتمرد زوجته عليه، أن تهجر طاعتها العمياء وتلتجئ إلى ظلّ سيّد جديد… أصبح متملكًا يرفض أن يُسلَب سلطانه... رائع جاستن… لنلعب لعبتك إذا ولترَ كيف ستكون النهاية."
