رواية الراتل الفصل السابع و العشرون 27 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل السابع و العشرون 

صدح صوت بوق سيارة مزعج، فانتفضت رحيل بعدما غفت رغمًا عنها في طريقة العودة، لتفتح بصعوبة عينيها المنتفختين من كثرة البكاء . 
التفتت إلى زوجها وهي تمسح على وجهها برفق، فابتسم لها يمد كفه ليعبث بخصلات شعرها، وقال بنبرةٍ خافتة يشوبها الحنان :
_ صحي النوم، وحشتني عيونك يا جُلناري 

ارتسمت ابتسامة باهتة على ثغرها، ومالت تقبل  وجنته بامتنانٍ لمساندتها، ثم دارت عيناها تستكشف إلى أين وصلا، وقالت بصوتٍ بح :
_ خلاص قربنا نوصل البيت 

انحرف في طريقة ودلف شارع عمومي آخر، وقال :
_ هنروح شقتنا الجديد، مش هنروح على بيت العيلة

أومأت إليه موافقة، فقد كانت تنتظر أن تنتقل على شقتها الجديد بفارغ الصبر، لكنها بحاجة إلى صديقتها كنزي الآن، كي تفرغ ما بداخلها من غضبٍ وقهر، لذا أشارت إليه بيدها على الشارع القادم تقول :
_ ممكن تدخل من الشارع الجاي، عايزة اروح لكنزي 

رفع يده يتطلع إلى ساعة يده، وعندما وجد الساعة قد اقتربت على الحادية عشر، نبهها قائلًا :
_ الوقت اتأخر، زمانها روحت 

نفت برأسها، وأصرت عليه ولا زالت تشير نحو الشارع قائلة :
_ لا كانت بتقول هتتأخر النهاردة، عشان وراها شغل تاني 

أومأ برأسه وتحرك بالسيارة ينفذ ما أرادت، يكفي أن تسترجع حالتها الطبيعي، وأن يرى الابتسامة تزين محياها من جديد، وبينما هو غارق في أفكاره كي يحسن من حالتها النفسية اخترق أذنه صراخها المرتعب :
_ داوود، محل كنزي بيتحرق 

انتبه إلى ما تقول، ووجه بصره نحو المركز التجميلي الخاص بكنزي، فوجد النيران تلتهم المكان بشراسة، وبعض الجيران يحاولون السيطرة عليها بالماء والاغطية الثقيلة .
اتسعت عيناه وأسرع يترجل من السيارة، يبحث عن مطفأة الحرائق الصغيرة، وما ان لمح رحيل تستعد للترجل حتى قال بتحذير :
_ خليكِ في العربية

انتزع المطفأة على عجلٍ وهرع نحو مركز التجميل، وصرخ في تلك العنيدة التي فتحت باب السيارة بإنفعال :
_ قولت خليكِ في العربية

أغلقت الباب مجددًا، لكنها كانت ترتجف من شدة خوفها على صديقتها، صدرها يعلو ويهبط من اضطراب دقات قلبها، وبدأت الدموع تنساب على وجنتيها تدعو من قلبها ألا تكون كنزي بالداخل .
بينما عند داوود اقتحم تجمع الناس، وأخذ يحاول إطفاء الحريق بالمطفأة، وبعد عدة محاولات خمدت النيران شيئًا فشيئًا، واستطاع العبور من الباب الذي تحطم ودخل يبحث عن كنزي وسط الضباب والنيران التي لم تخمد تمامًا .

وجدها أخيرًا ممدة على الأرض فاقدة للوعي، ألقى من يده المطفأة وأسرع نحوها يحاول افاقتها، وحين لم يجد أمل حملها بين ذراعيه، يركض بخطى واسعة نحو سيارته .

_ كنزي !!

كانت صُراخ خرج من رحيل التي ترجلت من السيارة سريعًا حين لمحت صديقتها فاقدة للوعي على ذراع زوجها، تزامنًا مع صراخ حمزة الذي وصل للتو بسيارته، ترجل سريعًا، يتوجه نحوهم في خطى متعثرة كاد أن يسقط عدة مرات، ينظر في ذهولٍ إلى زوجته التي لا يصدر منها صوت أو نفس .
راقبها وداوود يضعها بالمقعد الخلفي للسيارة، وسأل بارتباكٍ وصوت مبحوح :
_ عايشة، رد عليا كنزي عايشة 

التفت إليه داوود يربت على كتفه حتى يهدأ، وقال من بين أنفاسه اللاهثة أثر المجهود الذي بذله :
_ عايشة متخافش، لازم نروح المستشفى 

جلس حمزة على المقعد المجاور لداوود بعدما انتقلت رحيل إلى جوار كنزي، رفعت رحيل كفها تفحص نبضها الذي وجدته ضعيف، ليزداد بكاؤها تحتضن رأس كنزي إلى صدرها، وهتفت بنبرةٍ مرتجفة :
_ سوق أسرع يا داوود 

أسرع داوود بقيادته يشدد قبضته على مقود السيارة، يخرج توتر تلك اللحظات في شعوره بالألم، وصراخ زوجته عليه أن يسرع كان يزيد من توتره أكثر حتى كاد يصطدم بسيارة أخرى .
وفي وقتٍ قياسي استطاع صف سيارته أمام المشفى، فترجل حمزة بلهفةٍ يحمل زوجته، وهرع بها إلى الداخل، فأستقبلته الممرضة بالنقالة الذي وضع عليها زوجته بحرصٍ شديد، وكأنها قطعة من الزجاج المهشم، وتحدث بنبرةٍ مرتجفة تحمل ما يعانيه منذ أن رآها مغشيًا عليها :
_ حامل في السابع، حصل حريق في مكان شغلها وأغمى عليها 

سحبت الممرضة النقالة هي وزمايلتها التي انضمت لها للتو، وقالت توجه حديثها لموظف الإستقبال :
_ نادي على دكتور محمد بسرعة 

ومن بعدها فقد كل طاقته الذي كان يجاهد لاستجماعها، تراخى جسده على المقعد المعدني خلفه، وتراجعت رأسه إلى الخلف يستند على الحائط، عقله تجمد تمامًا عن التفكير وجسده لا يستجيب لأي تشجيع منه للتواجد معها بالداخل، كأن عالمه يتحطم أمام عيناه في مشهد مهيب، وشيطانه يوسوس له بكل ما هو سئ وأسوء قد يحدث مع زوجته وابنه، فلم يدرى سوا ودموعه تتساقط على وجنتيه في صمتٍ يحاكي صمت الموتى .

هدهد داوود زوجته التي تبكي بلا توقف، وجعلها تنشغل في الدعاء إلى كنزي بدلّا من ذلك، وأسرع نحو ابن عمه الذي يجلس كتمثال نحت من صخر، داخل عيناه نظرة عميقة يختلط بها الحزن والخوف، ودموع التي تنساب لأول مرة أمام أحد جعلته يتيقن أنه في عالم آخر من الظلام .
جلس داوود إلى جواره، وربت على كتفه بموازاة، فما صدر من حمزة سوا همسة خافتة يعبر بها عما بداخله :
_ أنا خايف .

جذبه داوود من كتفه يضمه نحوه بحنان أخوي، وقال بهدوءٍ كي يطمئن قلبه :
_ متقلقش من حاجة، هتعدي على خير وهتخرج بالسلامة إن شاء الله

ابتعد عنه، وحثه على القيام حين جذب ذراعه، وقال :
_ قوم نشوف الدكتور 

أومأ حمزة، ووقف بصعوبةٍ يتوجه نحو الغرفة التي انتقلت زوجته عليها، وقد انشغل الطبيب بفصحها بدقة منذ ولجت الغرفة، فهي بالنهاية حالة حرجة سيدة في شهرها السابع تعرضت للاختناق والإغماء، فكان على الطبيب سرعة التدخل .
ما كاد حمزة أن يدلف الغرفة للأطمئنان على زوجته حتى خرج الطبيب على عجلٍ، فسأل حمزة بقلقٍ وعيناه تبحثان عنها داخل الغرفة :
_ خير يا دكتور، طمني

أخبره الطبيب سريعّا بما توصل إليه مع فحص الحالة :
_ حالة ولادة مبكرة، لازم تدخل العمليات دلوقتي

كدلو ماء مثلج فوق رأس حمزة، ليقف محله دون أن يصدر منه أي ردة فعل، فتدخل داوود كي يخرجه من تلك الصدمة التي لا وقت لها الآن، وقال مخرجًا هاتفه :
_ خد كلم أمها خليها تيجي، اكيد كنزي هتحتاج أمها

تأفف داوود حين طال صمت الآخر، فصفعه بقوةٍ على مؤخرة رقبته، ومد يده له بالهاتف مجددًا :
_ يلا يا حمزة متنحش، مش وقته خالص

استفاق حمزة على نفسه، وأخذ الهاتف يتواصل مع والدة زوجته يخبرها بولادتها المُبكر، بينما تقدمت رحيل من داوود تسأل عما قال الطبيب، فأخبرها داوود بهدوءٍ عن ولادة كنزي، وأمرها أن تجلس هادئة حتى لا يتأذى جنينها يكفي ما مرت به طوال اليوم،
رضخت لطلبه وعادت تجلس على المقعد تدعو الله أن تخرج صديقتها من غرفة العمليات بخير وسلامة .

***********************************
ارتسمت بسمة هائمة على ثغر مايان، في عينيها ألق من السعادة، يتلألأ وهي تراقب إلياس الذي يعاون شقيقها في ترتيب شقتهما الجديدة .
حركت كتفها بدلالٍ دون قصد، حين تذكرت قلقه على حالتها التي تبدلت بعد مكالمة شقيقها، وأصراره أن يصعد معها كي يساعدها وشقيقها في تريب الشقة، ومرت الساعات وهو يعمل على الإنتهاء من ترتيب الشقة كاملة .
أخرجت من الثلاجة زجاجة عصير الليمون البارد، وصب محتوى الزجاجة في أكواب زجاجية، ووضعتهم على حامل معدني صغير، ثم توجهت نحوهما، قائلة بمزاحٍ :
_ استراحة قصيرة يا شباب

ارتمى عمر على الفراش خلفه يتنهد بقوةٍ، وكأن جملة مايان انقذته من بين براثن إلياس الذي لم يهدأ، ولم يظهر عليه التعب حتى، وأشار بيده نحو الكوب الخاص به، قائلًا بارهاق :
_ ناوليني، وانقذيني من المفتري اللي مرمطني تحت ايده دا

ضحكت مايان بخفةٍ ومدت له الحامل ليلتقط كوبه، والتفتت من بعدها إلى إلياس الذي استند على الحائط يلتقط أنفاسه اللاهثة أثر المجهود، تمد له كوب العصير، وقالت :
_ كفاية كدا النهاردة، كملوا بكرا 

تناول إلياس الكوب، وقال بهدوءٍ :
_ لسة أوضتك بس 

ابتسمت وقالت بإصرار :
_ خليها لبكرا

ارتشف من الكوب عدة رشفات قبل أن يسأل :
_و هتنامي فين ؟

وضح المكر بعينيها، واتسعت ابتسامتها وهي تشير نحو الفراش الذي يجلس عليه عمر قائلة :
_ هنا، وعمر هيروح زي الشاطر ينام في الصالة 

انتفض عمر من مجلسه، وصاح بضيقٍ :
_ صالة مين ياما، دا انا هروح افرشلك أوضتك حالّا 

وضعت مايان الحامل المعدني على وحدة الادراج بعدما أنتهى إلياس من كوبه، وتوجهت نحو عمر لتشاكسه، لكن خانتها قدمها وكاد ينخلع الحذاء الطبي من قدمها، واختل توازنها حتى كانت على وشك السقوط، فأسرع إلياس يساندها في لمح البصر، واستندت على ذراعه حتى توقفت بشكلٍ سليم، ليسأل بقلق عليها :
_ أنتِ كويسة ؟

خبا بريق عيناها، وحاولت فرض حُسن النية لنظراته التي كانت مليئة بالشفقة، ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت بحلقها، وابتعدت عنه قليلًا تهمس بنبرةٍ لم يندثر بها الحزن :
_ تمام، الحمد لله 

توجهت تجلس جوار أخيها بعدما رن هاتف إلياس، وقد شعر بدواخلها بنظرةٍ واحدة، وعلى الفور كان يضمها تحت ذراعه ويقبل رأسها بحنوٍ، بينما أجاب إلياس على إتصال شقيقه :
_ ايوة يا داوود، خير في اية؟

جاء صوت داوود متعجل، يفسر له ما يريد :
_ عربية حمزة مركونة غلط عند شغل كنزي ومعرفش قفلها اصلًا ولا لا، عايزك تروح تشوفها

سأل إلياس متعجبًا :
_ عربية حمزة مركونة هناك لية ؟

وحين وصله رد داوود أن كنزي الآن تلد وهي في غرفة العمليات، أومأ بتفهمٍ وقال :
_ طب أنا جاي حالًا 

أغلق الهاتف بعدما أنهى المكالمة، ليصله صوت مايان الخافت حين سألت :
_ في حاجة و لا اية ؟

وضع الهاتف بجيب بنطاله، وبحث عن أغراضه الشخصية بتوترٍ، ثم أجاب :
_ كنزي بتولد، ولازم انزل اروحلهم المستشفى 

وقفت عن الفراش بحذرٍ، وقالت :
_ طب استنى اجي معاك 

أشار إلياس إلى ساعة يده، وقال وهو يتوجه نحو باب الخروج :
_ الوقت أتأخر، خليكِ أنا هبقى أطمنك 

أغلقت الباب بعدما وعدته، تخفي عمق حزنها في ابتسامةٍ هادئة، وعادت إلى الغرفة بروحٍ تتألم دون صوتٍ، قابلتها جملة شقيقها ذات المغزى :
_ بتهيألك صدقيني 

افطنت ما يرمي إليه شقيقها، إذا هو لاحظ حزنها من نظرات إلياس، ابتسمت ابتسامة باهتة، وجلست جواره قائلة :
_ بتهيألي اية يا عمر، أنتَ مشوفتش نظرته كانت عاملة ازاي 

دفعها عمر بكتفها، وبرر قائلًا :
_ متبقيش حساسة زيادة من اللزوم، دا كان قلقان عليكِ 

تجاوزت الأمر على مضضٍ، وحتى لا تزعج شقيقها أشارت بيدها نحو الخارج وقالت مازحة :
_ يلا بقى اطلع نام في الصالة يا حلو

تأفف عمر بضيقٍ، ووقف عن الفراش يصرخ بها :
_ أنتِ معاكِ مفيش راحة بجد 

شاكسته حين حركت حاجبيها، وأشارت إلى الباب بكبرياءٍ جعله يستشيط غضبًا منها :
_ أقفل الباب وراك يا عمورة 

***********************************
ركض إلياس حيث تقف عائلته تنتظر خروج كنزي من غرفة العمليات، حاول الحديث مع حمزة كي يشد من أزره، لكنه بدا كأنه في عالم منفصل عنهم، ولسانه لا يتوقف عن ذكر الله والدعاء لزوجته وطفله .
كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، ليتقدم من شقيقه الذي سأل عن سيارة حمزة :
_ ركنت العربية؟

استند إلياس على الحائط، وعقد ذراعيه أمام صدره، يقول بسخريةٍ :
_ عربية اية يا داوود، العربية مش موجودة، شكله كان سايبها مفتوحة، واتسرقت

ما كاد داوود أن يتحدث حتى قطعه صوت باب الغرفة يُفتح، وخرجت الممرضة وعلى ذراعها الصغير، تقدمت من حمزة الذي اعتدل بتوجسٍ حتى تضع الصغير بين أحضانه وقالت مبتسمة :
_ مبارك عليكم، ولد زي القمر هتسموا اية

ارتجف بدن حمزة حين غمر الصغير بين أحضانه باشتياق عجيب، وتسربت دمعة من بين أهدابه إلى ثغره الباسم برضا وسعادة، وهمس بحب بينما يدقق في ملامح الصغير :
_ مالك حمزة القاضي 

التفت العائلة حوله لرؤية الصغير "مالك"، وأنهالت عليه التهاني منهم بسعادة غمرت الجميع، وصل الطفل الأول للعائلة الذي سيصبح مدلل الجميع هنا .
ضم حمزة ابنه إلى صدره قبل أن يسأل عن حالة زوجته، فطمأنته الممرضة بكلمات سريعة قبل أن تنبهه :
_ لو سمحت أذن في ودنه عشان لازم يروح الحضانة 

سألت والدة كنزي عن السبب خوفًا على الصغير، فأجابت الممرضة بابتسامة بشوشة :
_ لأنه محتاجة عناية خاصة في الحضانة لحد ما حالته تستقر 

ردد الأذان بصوتٍ هادئ يتخلله ارتجافة واضحة أثر كبحه للبكاء، وانتهى يردد أسم الصغير بهمسٍ، شعور لن يقدر على وصفه مدى الحياة، شعور فريد حرك قلبه إتجاه الصغير تلقائيًا .
طبع قبلة لطيفة على رأس "مالك"، وحينها خرجت 
كنزي من غرفة العمليات على النقالة، تسيل دموعها بغزارةٍ تأثرًا بلحظات الولادة ورؤية رضيعها .
أخذت الممرضة مالك من بين يدي والده، واتجه حمزة سريعًا إليها، يمسك بكفها البارد بيده وبيده الأخرى يمسد على خصلات شعرها برفقٍ :
_ كنزي، حمد الله على سلامتك يا حبيبتي 

من وسط دموعها وشهقاتها المتقطعة، همست متسائلة :
_ شوفته، شوفت ابننا 

كان يعلم كم هي متأثرة رغم السعادة التي تصرح عن وجودها بنظراتها التي تشي بالكثير من المشاعر المختلطة داخلها؛ لذا انحنى يقبل باطن كفها، وقال بسعادةٍ :
_ شوفته يا عيوني، شوفته 

انتقلت كنزي إلى غرفتها، تتمدد مستقرة على الفراش جوارها والدتها تحاول بث الهدوء والطمأنينة في نفسها، اقتربت منها رحيل تجلس على طرف الفراش، وقالت بصدقٍ :
_ حمد الله على سلامتك يا كنزي، قلقتينا عليكِ

_ الله يسلمك يا حبيبتي 

ردت كنزي بصوتٍ بح، قبل أن تلتفت إلى والدتها تسأل بقلقٍ تسرب إلى قلبها بغتة :
_ هو مالك هيفضل في الحضانة كتير 

دخل حمزة تزامنًا مع سؤالها، فأجاب وهو يقترب منها مبتسمًا بسعادةٍ غامرة :
_ لا يا حبيبتي اسبوع أو اتنين وهينور بيتنا 

أستأذنت رحيل منهم وخرجت لترى زوجها، كان وجهها شاحب بخوفٍ سكن قلبها، لا تدري أن كان بسبب أحداث اليوم التي لم تنتهِ أم أنها تأثرت بلحظات التوتر التي خلفتها ولادة كنزي، انتبه داوود إلى حالها، فترك شقيقه وصهيب، وتوجه نحوها يكوب وجهها بين كفيه متسائلّا :
_ مالك، أنتِ كويسة ؟

كان يسعى ألا تتأثر بتلك الحقائق التي ضربت بصيرتها فجأة، فجاءت حادثة كنزي لتحطم ما حاول تشيده داخل نفسيتها، لذلك يشعر بالخوف أن يصيبها مكروه بعد كل تلك الأحداث .
تشابكت أعينهما للحظات قبل أن تهمس بشرودٍ :
_ تعرف أنا ولّدت كام واحدة في العشيرة، بكل شجاعة

كانت تتحدث بكل جدية، فنظر إليها باهتمام لِمَ ستقول، ليجدها تقول بنظرات متوترة :
_ أنا دلوقتي مرعوبة أولد 

ضحك داوود بخفةٍ وسأل بمزاحٍ :
_ طب والشجاعة اللي لسة كنتِ بتتكلمي عليها

_ شجاعة اية، كله راح، دا أنا كان عليا ثقة وأنا بقول بكل فخر إني أنا الوحيدة اللي مش هخاف من الولادة 

ردت بنبرةٍ يتخللها الندم لثقتها الزائدة بحالها، لتنطلق ضحكاته الرجولية المميزة في رواق المشفى، وضمها تحت ذراعه يقبل رأسها بحنوٍ وقال :
_ إن شاء الله هتعدي على خير، وهتقوموا بالسلامة 

نظر في ساعة يده ليجد الساعة تشير إلى الخامسة صباحًا، ليضمها إليه أكثر يحثها على السير خارج المشفى قائلًا :
_ يلا يا حبيبتي هنروح، أنتِ تعبتِ أوي النهاردة 

أومأت إليه بسكونٍ وتحركت معه طواعية لشدة ما تشعر به من إرهاقٍ، كان اليوم ثقيل أكثر من اللازم، لا تريد سوا أن يغمرها فراشها الوثير ووسادتها العضلية حتى ينتهي اليوم نهاية هادئة على الأقل .

***********************************
دلفا سويًا إلى شقتهما الجديدة التي كانت أكثر اتساعًا من السابقة، ألوان الطلاء هادئة والأثاث ذو الطراز الحديث .
دارت عيناها بارجاء المكان برضا، وابتسمت باتساع حين وقعت عيناها على صورة فوتوغرافية لهما في عقد قرانهما، وعندما لاحظ سعادتها بوجود صورتهما مد يده يمسد على خصلات شعرها، متسائلًا :
_ اية رأيك في الشقة ؟

مالت برأسها على صدره، وردت بكلماتٍ صادقة :
_ تحفة، أحلى من التانية بكتير 

ابتسم على حركاتها التلقائية، ومرر كفه على شعرها برفقٍ وحنو، وقال :
_ هجيب حاجة نأكلها على ما تشوفي الشقة كلها، زمانك جوعتِ

أحاطت عنقه بذراعيها، وارتفعت على أطراف أصابعها تقبل وجنته بحُب، قائلة :
_ تسلملي يا حبيبي 

تنهدت بقوة بعدما استقامت في وقفتها، وقالت :
_ الحمد لله أن فرح صهيب مكنش النهاردة، كان زمان بنجري ورا بعض

رفع كتفيه ورد بضيقٍ :
_ مش هتفرق ما هو بكرا، وورانا حاجات كتير يعني بردو هنجري متقلقيش 

مررت كفيها على وجهه بمواساة، فقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه، فهمست بأسف معتذرة :
_ تعبت النهاردة معايا، حقك عليا 

داعب أنفها بأنفه، وغرقت عيناهما في تواصل بصري عميق كلًا يعبر بطريقته الخاصة عما يشعر به، ونطق لسانه بمقطع من أغنية "التوبة" بشاعرية :
_ يا رموش قتالة وجارحة يا بويا وعيون نعسانة وسارحة يا عين، اديكِ عمر بحاله يا بويا واديني أنتِ الفرحة يا عين .

تلألأ في عينيها ألق، يفضح مشاعرها إتجاهه في تلك اللحظة، وتصارعت دقات قلبها بضراوةٍ داخل صدرها،  وقالت بنبرةٍ مازحة يتخللها السعادة :
_ وعاملي فيها تقيل 

مال يقبل وجنتها، ثم أحاط خصرها بذراعه يقربها منه أكثر، وقال مجيبًا عليها بعد أن غمز مشاكسًا :
_ أنا تقيل مع الكل، معاكِ ببقى في خف الريشة شوية هوا يجبوني لحد عندك

ضحكت بذهولٍ غير مصدقة مشاكسته ولطافته التي فاقت التلميحات المعتادة، فسألت مندهشة :
_ هو دا بجد ؟

ضرب رأسها برفق برأسه وأستمرت مشاكسته حين سأل بنبرةٍ ماكرة :
_ هو لسة في مجال للشك أصلًا ؟

ولم تجد إجابة على سؤاله أنسب من أن تلقي بنفسها بين ذراعيه، تحتضنه بقوةٍ تناسب امتنانها لمشاعره التي فاضت بكلماته الملامسة لقلبها، قلبها الذي كان ينتظر منه تلك الكلمات ليترمم من كسره وثقل الحمل عليه .

***********************************
الساعة العاشرة صباحًا، كانت كنزي تقف أمام غرفة رعاية الأطفال "الحضانة" بدعم من ذراع زوجها المساند لها حتى تستطيع الوقوف، تتأمل صغيرها بابتسامة سعيدة، همست تحمد الله أنها رأت تلك اللحظات التي طالما تمنتها، والآن أمنيتها أمام عينيها، لمست أناملها الزجاج الفاصل بينها وبين ابنها وقالت :
_ يا عمري على حلاوته 

أحاطها أكثر يساندها بكل قوته، وقال بحب :
_ شبهك أوي 

ضمت شفتيها بتأثر، وتمسكت أكثر بذراعه تقول :
_ مش هاين عليا أسيبه وأمشي بجد 

ردد يواسيها :
_ معلش يا حبيبتي، كلها كام يوم ويبقى في حضنك 

تنهدت بارتياح وقالت ممتنة :
_ الحمد لله أنها عدت علي خير 

ضمها برفقٍ وعيناه لا تفارقان الصغير، وهمس بصدقٍ بما شعر به :
_ الحمد لله، أنا عمري ما خوفت زي امبارح 

_ كنت خايفة يحصل حاجة لمالك، مكنتش خايفة على نفسي

_ أنا مقدرش استغنى عنكم انتم الاتنين 

قبل رأسها في ختام جملته، فابتسم تمسد على كفه المحاوط لخصرها .
وبعد عدة دقائق أخرى يتأملان فيها الصغير بحب، قال حمزة بهدوءٍ :
_ يلا بقى اروحك، عشان اروح اشوف اخويا اللي جاي فرحه في وقت غير مناسب دا 

ضحكت على تعابير زوجها المضحكة، وقالت تذكره بالحقيقة :
_ الصراحة بقى أن مالك هو اللي جيه في وقت غير مناسب 

لوح حمزة بيده بلا إهتمام، وقال :
_ ابني يعمل اللي هو عايزه، صهيب هو الغلطان بردو 

ضحكت من جديد وربتت على كتفه تقول :
_ طب يلا يا حبيبي خليك تروح لصهيب 

لو الأمر بيدها لم تكن لتتحرك خطوة واحدة من أمام ولدها، لكنها تعلم أن زوجها يرغب في التواجد مع شقيقه؛ لذا قررت المغادرة مؤقتًا والعودة في وقت لاحق، لوحت بالوداع لصغيرها وبعثت له قبلة عبر الهواء قبل أن تخطو ببطء مع زوجها إلى غرفتها للمغادرة .

***********************************
انتهت رحيل من ارتداء ملابسها قبل أن يصل زوجها، لأخذها والذهاب إلى حفل زفاف صهيب، عقدت رباط ثوبها الوردي الذي ينساب قماشه الحرير على جسدها ويظهر بروز بطنها البسيط، ورفعت خصلات شعرها إلى الأعلى .
جلست على الأريكة تنتظره، تشعر بالتوتر كونها ستظل وحدها من دونه طوال الحفل، فحسب ما فهمت منه أنهم سيفصلون السيدات عن الرجال، فستكون مضطربة في غيابه ولن تتأقلم مع الأجواء، يشعرها بالأمان والطمأنينة دائمًا .
قطع شرودها صوت جرس الباب، فأسرعت تفتح ظنًا منها أنه زوجها، لكنها تراجعت قبل أن تدير مقبض الباب، تنظر من ثقب الباب وعندما وجدت شاب غريب شعرت بالخوف وسألت :
_ مين ؟

_ دليفري يا مدام 

عقدت حاجبيها بتعجبٍ وازداد توترها من نبرته الرخيمة، فقالت نافية برأسها :
_ بس أنا مطلبتش حاجة 

صمت الشاب لحظات قبل أن يقول :
_ الاوردر بأسم استاذ داوود ومدفوع تمنه 

ابتسمت باطمئنان حين ذكر أسم زوجها، وفتحت الباب تأخذ عُلبة البيتزا الكرتونية، وشكرته مبتسمة قبل أن تغلق مجددًا .
ابتسمت بحب لأنه يفكر بها وسط انشغاله، فتحت العُلبة بعدما جلست على الأريكة، لكنها وجدت ورقة صغيرة على البيتزا، مدت يدها ببطء تأخذ الورقة، علا وجيب قلبها فجأة وهي تقرأ ما هو مدون فوق الورقة، ارتجفت أناملها حتى سقطت الورقة من يدها، وتصلب جسدها، تنحصر أنفاسها داخل صدرها، تبلع ريقها كأشواك تجرح حلقها .
وضعت يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط بأضطراب، وهمست بنبرةٍ باكية مرتجفة :
_ تاجر سلاح !!! 

تعليقات