رواية الراتل الفصل الثامن و العشرون 28 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل الثامن و العشرون 


أغمضت عينيها تحاول كبح التوتر الذي اجتاح جسدها، فكلما أقترب موعد وصول زوجها كلما ازداد ارتباكها، شدت أصابعها ببعضها محاولة إيقاف ارتجاف يدها، ثم ألقت نظرة قلقة عبر المرآة إلى هيئتها من جديد، عيناها الكحيلة التي ستبرز من أسفل النقاب، وملامحها المزينة بمستحضرات تجميل بسيطة، حجابها المعقود بإحكام مع النقاب، فستانها الأبيض المطرز بقطع براقة كالكريستال .
كانت مميزة، تتألق كنجمة وسط عتمة السماء، رغم ذلك كانت تعتقد أنه لن يعجب بهيئتها، تأففت بضيقٍ حين شعرت بأنفاسها تنحصر داخل صدرها، ووقفت تقطع الغرفة بخطى عنيفة لعلها تخرج ما يؤرق راحتها .
دق الباب قبل أن يُفتح وتدلف والدتها بهدوءٍ إلى الداخل، فأسرعت يثرب نحوها بلهفةٍ تمسك بذراعها قائلة :
_ كنتِ فين بس يا ماما

شعرت والدتها بخوفها، فارتسمت على ثغرها بسمة لطيفة، وربتت على كتفها قائلة :
_ يا حبيبتي البنات كلموني أنزل اخدهم عشان مش عارفين الأوضة 

أنتهت والدتها جملته وفتحت الباب على مصراعيه، ودخلت نغم المبتسمة ببشاشة ترتدي ثوب من اللون الفضي اللامع، تترك خصلات شعرها خلف ظهرها في تموجات رقيقة، وتطلي شفتيها المكتنزة بأحمر شفاه بلون الدماء .
وخلفها دخلت رحيل التي ارغمت ثغرها على الانفراج في ابتسامة هادئة، عيناها تحكيان بصمتٍ ما تعانيه، احتضنت يثرب بقوةٍ تربت على ظهرها قائلة :
_ مبارك يا عروسة، اية القمر دا 

دارت يثرب حول نفسها، وسألت بارتجاف :
_ بجد شكلي حلو 

أقتربت منها نغم تربت على كتفها بحنوٍ، وتشير إليها بيدها الأخرى تخبرها أنها حقًا تبدو كأميرة من أميرات الحكايات، ابتسمت يثرب واحتضنتها سعيدة بكلماتها الرقيقة التي فهمتها بصعوبةٍ، وقالت بامتنان :
_ تسلميلي يا نغم، عقبالك 

تسللت الطمأنينة إليها في وجود الفتيات، والتقطت أنفاسها المنحصرة بارتياح، لكنها لاحظت عينا رحيل الحمراء المنتفختين، فسألت في قلقٍ :
_ عينيكِ مالها ؟

تهربت رحيل بعينيها التي يتضح عليها الإرهاق بعيدًا عنها، ووضعت يدها على عينيها وقالت :
_ دخل فيها حاجة ومن ساعتها وجعاني

كادت يثرب أن تتحدث حتى قاطعها صوت دقات على باب الغرفة، وأصوات الشباب تتعالى في الخارج بعبارات تهليل وتهنئة لصهيب، لتهتف رحيل بسعادة وتتوجه نحو الباب :
_ العريس جيه

فتحت رحيل الباب، فالتقطت عيناها بعينا زوجها الذي كان يقف خلف صهيب، يتحاشى النظر إليه وخرجت تفسح المجال لصهيب بالعبور من الباب،
وما أن دخل حتى خرجت نغم ووالدة يثرب تاركين لهما الغرفة قليلًا .
أغلق الباب خلفه، وتقدم نحوها يتجلى الانبهار على محياه من هيئتها البراقة، وصل أمامها مباشرةً يبتسم ابتسامة هادئة تليق به، يتأمل بدقةٍ ويتمعن في سحر جمالها بصمتٍ خيم عليهما، ولم يبقى طريقة للتواصل سوا نظراتهما التي تخبر الآخر عما يريد قوله بتلك اللحظة، فأمسك بكفها يقبل باطنه بحُب قائلًا :
_ زي القمر يا حبيبتي 

اتسعت ابتسامتها وحلق قلبها كفراشة وجدت غذائها بين الأغصان من شدة سعادتها، فمسدت على كتفه بحنوٍ وهمست :
_ وأنتَ شكلك حلو اوي 

قبل جبهتها بعمقٍ يرسل الدفء إلى أعماقها، والطمأنينة إلى قلبها المضطرب فسكن وهدأ .
أمسك بكفها المرتجف بارتباك، ومد لها باقة الورود البيضاء، فأخذتها منه مبتسمة برقةٍ وما كاد أن يجذبها معه للخارج حتى أوقفه همسها :
_ صهيب 

التفت ينظر إليها بإهتمام منتظر ما ستقول، تصارعت دقات قلبها حتى اضطربت أنفاسها، ونظرت إلى الأسفل بخجل قبل أن تهمس بصوتٍ بالكاد وصل إليه :
_ أنا بحبك 

تعالى صوت ضحكاته رغمًا عنه، يتذكر يوم طلب منها تفصح عن مشاعرها إتجاهه كما فعل سابقًا، وقد وعدته أن يكون موعدها يوم زفافهما، والآن قد أوفت بودعها، جذبها نحوه يغمرها بين ذراعيه بحنانٍ بالغ، وهمس بجوار أذنها :
_ وفيتي بوعدك، وأنا بحبك يا يثرب 

أحاطت عنقه تضمه إليها، تمسد على خصلات شعره بلطف، قطع تلك اللحظات الرقيقة بينهما طرقات على باب الغرفة وصوت حمزة يصدح من الخارج بحنق :
_ يلا يا نحنوح، اتأخرنا على الناس

أوقف صهيب سبه في حق أخيه على طرف لسانه وأبدلها بالاستغفار مبتعدًا عن زوجته، ومد ذراعه نحوها حتى تتعلق به قائلًا :
_ يلا يا حبيبي 

خرجا من الغرفة وسط تهليل وزغاريد أقاربها، ومن بينهن رحيل التي أسرعت خلف العروس متهربة من تواجدها جوار زوجها، لكنها تعثرت بثوبها وكادت أن تسقط لولا يده التي قبضت على ذراعها يمنع بصعوبةٍ سقوطها، ثم سأل في قلقٍ :
_ على مهلك، أنتِ كويسة ؟

أومأت إليه وهمست :
_ الحمد لله 

شمل وجهها بنظرةٍ خاطفة قبل أن يقول :
_ شكلك بيقول العكس

ابتعدت ذراعها عنه، ورفعت طرف ثوبها عن الأرض حتى لا تتعثر به مجددًا، وقالت بجدية أكدت شكه في وجود ما تخفيه عنه :
_ مفيش حاجة أنا تمام 

ذهبت مع نغم خلف العروس، وظل هو ينظر في أثرها بحيرةٍ ترجمتها ملامحه على الفور، ثم تنهد بقوةٍ وتوجه مع باقي الشباب القاعة الخاصة بهم .

جلس الشباب ينظرون أن يأتي صهيب، بعدما أكد لهم أنه سيجلس مع زوجته في قاعة النساء لدقائق معدودة فقط، واقتحم الصمت السائد بينهم صوت حمزة الذي وجه سؤاله مباشرةً إلى داوود دون تنبهٍ :
_ أنا روحت أجيب العربية من عند البيوتي سنتر ملقتهاش، أنتَ ركنتها في حتة تانية يا داوود ؟

وقبل أن يجيب داوود، لوح إلياس بيده وأجاب :
_ لا، استعوض ربنا فيها بقى، أنتَ كنت سايبها مفتوحة واتسرقت.

جحظت عينا حمزة في صدمةٍ ونظر نحو داوود الذي أومأ برأسه مؤكدًا على حديث شقيقه، ليصرخ بحسرةٍ غير مهتم بالحضور :
_ نعم !، اتسرقت، شقا عمري اتسرقت .. عربية أحلامي راحت 

تأوه بألم واضعًا يده على قلبه، وبدأ يصرخ بصوتٍ أعلى ينعي نفسه على ما ينتظره :
_ و كمان سنتر كنزي عايزة يتجدد، آه على قطمت ضهرك يا حمزة 

حذره داوود من أفعاله وسط الحضور وقد تسلطت الأنظاره عليهم، وما كاد أن يهدأ حتى تحدث عزيز مذكرًا إياه :
_ ولسة عجل العقيقة بتاعت مالك يا حمزة 

صك حمزة على أسنانه بغيظٍ، ودفع عزيز في صدرع بعنفٍ، وقال :
_ امشي يالا اخفى من قدامي، أنتَ شكلك شمتان فيا

حاول داوود السيطرة على تصرفاتهما الغير لائقة، وحدجهما بنظرات حادة كانت رسالة واضحة لهما عما سيفعله أن لم يصمتا، ثم ربت على كتف حمزة يخبره :
_ معلش فدا مالك .. أنا عليا ارجعلك سنتر كنزي زي ما كان

اتسعت عينا حمزة في سعادة، والتفت إليه متسائلًا :
_ وحياة أمك بتتكلم بجد ؟

أومأ داوود وقال بهدوء :
_ وعد، هظبطهولك 

اعتدل حمزة في جلسته يعدل من ياقة قميصه مبتسمًا بسعادة، ثم قال مشيرًا بكفه نحو داوود :
_ طب محدش هيطلع شهم زيه كدا ويجيبلي عربية بدل اللي اتسرقت

تجلى التهكم على ملامح إلياس وقال ساخرًا :
_ عربية مرة واحدة، أنا عليا هديك فلوس العجل 

شكرهما حمزة، والتفت ينظر إلى عزيز منتظر أن يخبره بما سيقدمه له في تلك الورطة، فرفع عزيز ذراعيه إلى الأعلى وقال :
_ اية بتبصلي كدا لية، أنا هنقط في السبوع عادي، ملكش دعوة بيا

رمقه حمزة بغضبٍ وربت على ظهره بحدةٍ يقول :
_ طب ابقى نقط نقوط حلو متبقاش بخيل بدل ما اوصي عليك، واخليك متشوفش ريحة الخطوبة دي 

نظر عزيز إلى داوود وإلياس بحقدٍ وغيظ وقال :
_ متقلقش عندي اللي مش هيخلوني أشوف دبلة في ايدي

بينما في قاعة النساء كانت رحيل تجلس صامتة، شاردة لا تبدي أي ردة فعل مع أحاديث الفتيات، حتى عندما جاءت مايان لم تنتبه إلى ما تقوله لها، كانت منشغلة في ضجيج عقلها الذي لم يتوقف لدقيقة، تحاول ترتيب أفكارها وتحسب بحذرٍ خطواتها القادمة .
قطع شرودها يد السيدة لقاء التي ربتت على ظهرها في حنانٍ بالغ، وسألتها عن سبب شرودها، لترسم ابتسامة لطيفة على ثغرها تجيبها بنبرةٍ هادئة :
_ مفيش حاجة يا حبيبتي أنا كويسة

أومأت لها السيدة لقاء رغم عدم اقتناعها، والتفتت تنظر إلى صهيب وزوجته التي نزعت نقابها لعدم وجود أي شاب داخل القاعة، وعادت رحيل تغرق في حزنٍ مرير وذكريات لا تمحى من بالها، تزيد من شعورها بالاختناق .

بجانبها كانت تتحدث مايان مع نغم التي كانت تشرح لها معاناة عزيز مع أشقائها، فضحكت مايان على تعابير نغم اللطيفة، وقالت :
_ دا اخواتك بيعذبوا حرفيًا 

عبرت نغم عن استياءها من ذلك، لتحاول مايان مواساتها قائلة :
_ أنا هحاول اتكلم مع إلياس 

شعرت مايان باهتزاز الهاتف بيدها، ففتحت تلك الرسالة الصوتية التي وصلتها للتو، ووضعت الهاتف على أذنها تصنت إلى محتوى تلك الرسالة، وكانت كل كلمة تُنطق في تلك الرسالة تفتت قلبها كزجاجٍ مهشم، انتهت الرسالة وظهر أثرها جليًا على ملامحها، بهتت أشراقتها المميزة، وغاب في عينيها سحاب من الدموع تهدد بالسقوط، وكل ما استطاعت التفوه به بنبرةٍ ضعيفة :
_ أنا همشي

انتبهت إليها نغم وأشارت متسائلة عما بها، لكنها نفت وجود شيء خطير، ازدردت لعابها ووقف عن المقعد تقول بنبرةٍ مهتزة، تعتذر عن استعجالها للسيدة لقاء التي سألتها لِمَ تغادر بتلك السرعة :
_ معلش أخويا مستني برا ولازم أمشي 

بتلك الحالة المشوشة ودعت الجميع، وخرجت من القاعة في خطوات أشبه بالركض، كي تسمح لنفسها بالانهيار بعيدًا عن أنظار الجميع .

***********************************
أنتهى الحفل وودعت يثرب والديها بالدموع، مستعدة للمغادرة مع زوجها في عشهما السعيد في أولى خطوات حياة جديدة .
بحث إلياس بينهن عن خطيبته ولم يجدها، فتقدم من السيدة لقاء يسألها متعجبًا :
_ فين مايان يا عمتي؟

أخبرته السيدة لقاء بهدوءٍ مشيرة حيث الباب التي خرجت منه مايان :
_ مشت من فترة يا حبيبي، اخوها كان مستني برا وهي روحت معاه 

قطب حاجبيه بتعجبٍ وأخرج الهاتف من جيب بنطاله قائلًا :
_ اخوها اية، عمر في شغل أصلًا عشان كدا محضرش الفرح 

_ هي قالت كدا

انهت الحديث وتقدمت من سيارة صهيب لتوديعه، بينما أجرى إلياس إتصال بمايان، لكنه لم يجد إجابة، زفر بقوةٍ، وقد تسلل القلق إلى قلبه يحتل قلاعه، فأسرع بخطى واسعة نحو الخارج، وقبل أن يصعد سيارته أخبر داوود بصوتٍ مرتفع :
_ أنا مش جاي معاكم الزفة 

سأل داوود متعجبًا من التوتر الذي يكسو ملامحه :
_ رايح فين ؟

صرح إلياس عن غضبه قائلًا من بين أسنانه :
_ هشوف المجنونة دي راحت فين لوحدها

أنطلق إلياس بالسيارة سريعًا، يسبق الرياح في سرعته لإيجادها، عقله يعج بالأسئلة عن ما بها ومن أحزنها حتى تغادر الحفل بتلك الطريقة، ودون أخباره .

ذهب داوود بسيارته خلف صهيب حتى شقته في أجواء من السعادة والفرحة بالعروسين، كانت أصوات بوق السيارات وزغاريد النساء تملئ الزفة بهجة حتى وصلا إلى منزلهما، كان توديع حافل بالتهليل والتهاني من الشباب ومزحات حمزة التي لا تنتهي .
وأخيرًا انتهى اليوم على خير، وقاد داوود سيارته إتجاه شقته، متعجبًا من صمت زوجته وتغيرها الواضح، كانت متحمسة أكثر منه لحضور زفاف صهيب والآن بدت كأنها مجبرة على الحضور، ألقى عليها نظرة خاطفة قبل أن ينتبه إلى الطريق مجددًا، وسأل بنبرةٍ هادئة :
_ مش هتقوليلي مالك ؟

اضطربت دقات قلبها عندما ايقنت أنها على وشك مواجهة ضارية، ابتلعت لعابها بتوترٍ وهمست :
_ نتكلم في البيت أحسن 

_ يعني في حوار اهو

لم تجيبه بل التفتت تتطلع على الطريق عبر نافذة السيارة، بينما هو أخذ يراجع أحداث اليوم ليجد ما يمكنه أن ينزع سعادتها وألق عينيها، لكن كانت الأمور  تسير على خير حال قبل ذهابه إلى صهيب، وعندما عاد لأخذها كانت قد تبدلت تمامًا، حتى أنها لم تنظر إليه ولو نظرة عابرة .
زفر بضيقٍ يخرج من تشتت أفكاره، وأسرع في قيادته حتى وصل أمام البناية .
خرجت من السيارة متوجهة نحو الشقة، وتركته يصف السيارة، وحين أنتهى صعد خلفها يدفعه الفضول لمعرفة ما يؤرقها، دخل من باب الشقة التي تركته مفتوحًا، ليجدها تجلس على الأريكة تتأمل صورتهما الفوتوغرافيه في هدوءٍ، أقترب يجلس إلى جوارها وسألها مجددًا عما بها، رفعت رأسها تنظر إليه للحظات قبل أن تسأل :
_ أنتَ كنت بتعمل اية في الفيوم اليوم اللي قابلتك فيه يا داوود 

عقد ما بين حاحبيه متعجبًا، وقال يعيد على مسامعها إجابته السابقة :
_ لية السؤال دا مانا قولتلك قبل كدا أننا شركة شحن و..

لكنها قاطعته حين قالت بصوتٍ خافت ضعيف :
_ وكنت بتسلم شحنة أسلحة هناك، مش كدا ؟

غلف الجمود ملامحه الحادة فجعلتها أكثر حدة وقسوة، و التفت ينظر إليها متسائلًا :
_ سلاح اية؟، مين قالك كدا ؟

انسابت دموعها على وجنتيها، وارتجفت نظراتها المرتبكة تهمس راجية :
_ بلاش تتقفل وحشة يا داوود، بلاش تكدب 

شهقت شهقة حادة، ومسحت دمعة سقطت على فمها، وقالت بتحسر :
_ اللي قتل أبويا تجار السلاح عشان حاول كتير يبعدهم عن العشيرة 

تأملته بتمعن، تدقق في ملامحه المُحببة لقلبها، وقالت بنبرةٍ تُظهر انكسارها :
_ يعني أنتَ زيك زي اللي قتل أبويا يا داوود 

طعن أنكسارها قلبه بسكين كليل، ونزف مع دموعها ليبتلع غصته ومد يده يمسك بيدها قائلًا :
_ رحيل الموضوع مش كدا، أنتِ مش فاهمة حاجة 

ازاحت يده عنها بعنفٍ وابتعدت عن الأريكة، ومسحت الدموع عن عينيها، وقالت منهارة يخنقها مرارة وثقل الحديث :
_ كنت مش فاهمة حاجة، حبك كان عامي عيني وقلبي .. أنا عمري ما كرهت في حياتي اد اللي قتله ابويا، اللي كان ليا في الدنيا دي 

خفت صوتها وتحكمت بنبرتها حشرجة بهمسها :
_ بس مش عارفة اكرهك، ومش عايزة أكرهك 

أمسك بيدها يجذبها برفقٍ حتى تجلس جواره، وقال راجيًا منها الهدوء والسماع إليه :
_ اقعدي اسمعيني الأول

سحبت يدها منه مجددًا، وجلست على المقعد البعيد عنه، يخط الحزن على تقاسيم وجهها المليح :
_ مانا معاك دلوقتي عشان أسمع

ساد الصمت بينهما عدة دقائق قبل أن يبادر هو بالحديث بنبرةٍ هادئة يشرح لها السبب الذي اقحمه هو وأخوته في تلك الورطة .
وعندما أنتهى كان ينتظر منها كلمة يهدأ بها قلبه الذي هاجت دقاتها خشية فقدانها، لكنها قابلته بدموعٍ صامتة وقلب مكلوم، فتوجه نحوها يجلس أمامها القرفصاء، ومد يده يزيح دموعها المنهمرة عن وجنتيها المخضبة بالحمرة، يهمس لها معتذرًا عن إخفاء الأمر عنها .

نظراتها خاوية لا تخبره ككل مرة عن دواخلها، قائد عائلته يجلس أسفل قدميها حائرًا وخائفًا من لحظة قد تفصله عنها، مسد على وجنتها وعلامة الجُلنار المميزة بعنقها حتى ابعدت يده عنه برفقٍ، ووقفت عن المقعد تهمس بخفوتٍ مرتجف :
_ بس أنا أخدت قراري يا داوود 

انتبه إلى جملتها الأخيرة، تحفزت كل خلية بجسده بإهتمامٍ وقلق، وسأل :
_ اللي هو ؟

لم تجيب، فكرر عليها سؤاله بنبرةٍ حادة تحمل التوجس في طياتها، وقالت بحزم :
_ أنا راجعة العشيرة، ولما توقف الموضوع دا .. أنا ملكك 

أنتفض داوود واقفًا على قدميه، وقد ارتسم الغضب والاستياء من جملتها على ملامحه، وصاح بحدةٍ وعصبية مكبوتة :
_ على جثتي تخرجي من هنا 

تقدم منها بخطى واسعة، يمسك بذراعها الأيمن يجذبها بعيدًا عن الباب التي كانت على بُعد خطوات منه، واستطرد حديثه :
_ مش هسمحلك تمشي من هنا يا رحيل 

استنشقت الهواء لتهدئة شهقاتها المتلاحقة، وحاولت التملص من قبضته المُحكمة، تهمس برجاءٍ أن يتفهمها :
_ مش هقدر، الموضوع صعب بالنسبالي، عارف يعني اية تكون بتحقد على حد طول الوقت وفجأة اكتشف أن زيك زيه

استطاعت التخلص من أسر قبضته لذراعها، وابتعدت عنه خطوة إلى الوراء، تردف مستشعرة مرارة الكلمات :
_ أنا عند وعدي، لما تبطل تتاجر في ارواح البشر أنا ملكك، طول ما أنتَ بتبيع السلاح أنا برا حياتك يا داوود 

تجمد بمحله أثر كلماتها، لم يظن يومًا أن يتأثر بأي كلمة قد تتردد على أذنه في ذلك الموضوع، الآن وقف عاجزًا أمامها لا يقدر على الرد، واقصاءها عن قرارها .
فاق من شروده على صوت إغلاق الباب، نظر إليه لحظات دون ردة فعل واضحة، كأنه لا يبالي بخروجها، لكن سرعان ما تبدلت ملامحه إلى شراسة معهودة، وفتح الباب بعنفٍ يخرج من الشقة كإعصار على وشك ابتلاع الأخضر واليابس .
وعندما خرج من البناية وجدها تقف على جانب الطريق المقابل، تشير إلى سيارات الأجرة بيدها والأخرى تتمسك بحقيبتها القماشية القديمة ولا يعلم متى أخذتها، كاد أن يقطع الطريق ليصل إليها، فوجد سيارة أجرة قد وقفت لها بالفعل، ليرفع سترته يخرج من سلاحه الناري المُزود بكاتم الصوت دائمًا، يطلق رصاصة اخترقت إطار السيارة الخلفية حتى يعطل حركتها .

أشار إلى أحد رجاله الذي يقف أمام البناية في حراسته، فأسرع نحوه منتظر أوامره، ليربت داوود على كتفه مشيرًا نحو سائق السيارة العجوز الذي يقف بجوار السيارة بقلة حيلة، وقال :
_ روح ساعد الحاج وغير العجلة

أومأ الشاب وأسرع نحو السائق، بينما تقدم داوود نحوها بسرعة قبل أن توقف سيارة أخرى، قبض على ذراعها بإحكام دون سابق إنذار، وجذبها برفقٍ معه نحو البناية، لتحاول التملص منه تصرخ به أن يتركها، ليهمس من بين أسنانه بغضب :
_ رحيل، بلاش عند وتعالي نطلع شقتنا

لم تجد سبيل من المقاومة، فسكنت محلها تنظر إليه من بين غيوم دموعها، وقالت :
_ مش هطلع معاك يا داوود غير لما تنهي الموضوع دا

أمسكت بيده تبعدها عن ذراعها، وقالت راجية :
_ سيبني ارجع مكاني لو سمحت

تعمق في عينيها الواسعتين، يرفض فكرة التخلي عنها حتى ولو بشكل مؤقت، جذبها إليه أكثر حتى أصبحت تقف أمامه مباشرةً لا يفصل بينهما سوا سنتيمترات بسيطة، ونطق قلبه بالصدق قلب لسانه حين قال :
_ مكانك جنبي ومعايا، عمري ما حسيت بالخطر في حياتي قد ما حسيته دلوقتي، وقت ما خرجتِ وعايزة تبعدي

دافعت عن نفسها وبررت موقفها قائلة :
_  أنا مش عايزة ابعد عنك لحظة، وأنتَ عارف

زفر أنفاسه المُثقلة تاركًا ذراعها، وكوب وجهها بين كفيه، وقال بجدية :
_ اللي أنا عارفه دلوقتي حاجة واحدة 

رفعت رأسها نحوه، تسأل بنظراتها عن قصده، فارتسمت ابتسامة هادئة على ثغره واردف :
_ إني بحبك، ومش هسمحلك تبعدي عني مهما حصل ومهما كان التمن .

***********************************
وصل إلياس أسفل البناية التي تقطن بها مايان، خرج من السيارة مهرولًا إتجاه شقتها، لا ترد على أي من إتصالاته حتى تمكن القلق منه وأنهى على ثباته نهائيًا .
وصل لاهثًا أمام الشقة وأخذ يقرع الجرس مرات متتالية، ويطرق بيده الأخرى على الباب في لهفةٍ ورغبة في الإطمئنان عليها .
كاد أن يفقد الأمل في وجودها بالمنزل ويغادر ليبحث عنها، لولا سماعه صوت الباب يُفتح، وعندما فتحت زفر بارتياحٍ، ثم صاح بها غاضبًا :
_ اية حركات العيال دي، يعني اية تمشي من القاعة من غير ما تقوليلي

نظرت له نظرة جامدة لا تحتوي على أي مشاعر، وهمست بصوتٍ محشرج :
_ كويس إنك جيت 

انتبه إلى عينيها التي تتجمع بها الدموع، والكحل الأسود الذي لطخ أسفل عينيها، فسأل قلقًا على حالها :
_ مالك؟، كنتِ بتعيطي لية؟

نفت برأسها وهي تمسح على عينيها بعنفٍ تمحو أثر الدموع، وقالت في إيجاز :
_ مفيش حاجة، ثواني وجاية 

غابت داخل الشقة دقائق كان يتفاقم فيها قلقه وخوفه عليها، وحين عادت كان بيدها تلك العُلبة المخملية الخضراء، تمدها له قائلة :
_ أتفضل 

تجمد عيناه بصدمةٍ على العُلبة التي يعلم ماهيتها جيدًا، فابتلعت غصتها وفتحت العُلبة تؤكد له على ما بداخلها واردفت :
_ دي الشبكة، كل شيء قسمة ونصيب 

لم يتحمل هذا العبث أكثر، فصاح بصوتٍ مرتفع يرج الأرجاء من شدة الغضب :
_ نعم يا ماما !!، بتقولي اية كدا سمعيني

تنهدت بضيق وما زالت تمد يدها بالعُلبة، ومسحت على وجهها بكفها، قائلة بثبات :
_ أنتَ من طريق وأنا من طريق 

تجاهل يدها الممدودة له، وضرب بقبضته على الباب في غضبٍ يكاد يحرقها، يهتف بعصبية :
_ أنتِ عبيطة، هو اية اللي حصل؟

اقتربت منه تضع العُلبة في جيب سترته الكلاسيكية الرمادية، وأمسكت بالباب كي تغلقه، قائلة :
_ ملناش نصيب مع بعض، بعد إذنك 

لكن يده حالت دون إغلاقه، ودفع الباب يزيد من فتحه، وحاول فهم ما ازعجها وجعلها تقرر الإنفصال :
_ مش همشي غير لما افهم في اية، احنا رايحين الفرح كويسين، حد قالك حاجة زعلتك أو ضايقك من أهلي ؟

_ مفيش حد ضايقني، أهلك ناس محترمة 

زاد برودها من غضبه، فصرخ مجددًا :
_ أومال في اية أنتِ عايزة تجننيني 

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بهدوء :
_ الإنسان ساعات بياخد قرارات غلط، وبيحاول يصلحها 

أمسك بذراعها يجرها جرًا نحو الخارج غالقًا الباب بيده الأخرى، وقال بضيق :
_ لا أنتِ موالك طويل، تعالي 

جلست إلى جواره بالسيارة تلتزم الصمت، في حين كان يغلي هو كالمرجل ينتظر إجابتها عن العديد من الأسئلة، وعندما لم يجد منها إجابة تجلس كالدمى المحشوة، ضرب عجلة القيادة وهتف بإنفعال :
_ ما تتكلمي، في حد بيفركش من غير سبب 

زفر أنفاسًا حارة تدل ما يعانيه من عصبية، وأخرج الهاتف يضغط على رقم شقيقها ليعلم منها ما تخفيه عنها، وعندما وصل إليه صوت عمر فتح مكبر الصوت وقال :
_ ألو، ايوة يا عمر، دلوقتي أختك عايزة تفركش

أخبره عمر بهدوءٍ أنه على درايه بذلك، ليضغط إلياس على شفتيه للحظات متقبل أن هناك شيء لا يعلمه، فسأل عمر مجددًا :
_ دي هرمونات يومين وهتعدي واروح انام، ولا في سبب ولا في سبب بجد

قال عمر أن هناك سبب أجبرها على تركه، فسأل بفضول :
_ اية هو ؟

وقبل أن ينطق عمر بالسبب، حذرته مايان :
_ عمر، لو سمحت 

حدجها إلياس بنظرات حادة، وقال موجهًا حديثه لعمر :
_ أتكلم يا عمر، مينفعش كدا احنا مش عيال عشان الحوارات الغامضة دي 

صمت عمر للحظات مترددًا، لكنه حسم أمره وأخبره بضيق :
_ جالها ريكورد بصوتك، بكلامك اللي قولته عليها 

_ كلام اية يا عمر، مش فاهم حاجة 

استفسر إلياس بعدم فهم، ليتحدث عمر بهدوءٍ :
_ أنا من رأيي تتكلمي يا مايان عشان تقدروا تتفهموا وتصلحوا أي سوء تفاهم بينكم

أغلق إلياس الهاتف بعدما ودعه، والتفت إلى مايان يقول :
_ مايان، مينفعش كدا احنا رايحين نبني بيت سوا، يعني المفروض نتكلم مع بعض في اي حاجة تضايقنا 

عادت الدموع تزين وجنتيها بغزارةٍ، وهمست بخفوتٍ ونبرة مرتجفة ضعيفة :
_ كلام اية اللي هقوله بعد ما عرفت إنك كنت طول الوقت دا بتشفق عليا، وحاسس إني عاجزة ومحتاجلك 

وضعت كفها المرتجف على فمها تمنع صوت بكاؤها، وهمست بصوتٍ مكتوم :
_ حتى صلاح موجعنيش كدا، أنا زعلانة منك أوي يا إلياس، زعل الدنيا كله في قلبي من كلامك، كل كلمة سمعتها منك هتعلم في قلبي العمر كله 

رغم ضيقه من ذكرها لصلاح، وحزنه على حديثها المتأثر من تلك الكلمات التي سمعتها، حاول إخراجها من تلك الحالة السوداوية التي تلبست روحها فقال بمزاح :
_ يارب صبرني عليها يارب، أنا لسة شباب ومش حمل أمراض 

ضرب جانب رأسها بخفة، ووبخها بضيق من تفكيرها المنحسر على عجزها :
_ أنتِ عبيطة رسمي، أنا هاجي اخطبك عشان بشفق عليكِ، مانا شغلتك في المحل بمرتب أعلى، ما كنت استكفيت بكدا، دا أنتِ دماغك دي لقطة لصلاح والله 

_ كان صوتك أنتَ، صوتك والله

رددتها بضعفٍ واستمرت في البكاء ولم ترفع رأسها نحوه، فتنهد بثقل، وحاول التحكم في انفعالاته حتى يستطيع تهدئتها، فأعاد ظهره إلى الخلف متوعدًا لصلاح بالهلاك على يده، فقط لتهدأ وتفهم أنه فخ وقعت به ليس أكثر، هو أكثر نضجًا من أن يتلاعب بها أو أن لا يعلم ما يكنه من مشاعر إتجاهها .

***********************************
_ أنا نفذت كل حاجة قولتلي عليها، عايز أخد ابني وأسافر .

قالها رؤوف متوسلًا لرب عمله عبر الهاتف كي يتركه ولده الأسير لديه، يخشى أن يحدث له مكروه بسببه ويكون ذنبًا آخر معلق بعنقه، وسيكون الأكثر قسوة على الإطلاق .
فجاء رد الطرف الآخر بارد، جعل الخوف يتسلل إلى قلبه أكثر :
_ لما تنفذ كل اللي اطلبه 

استند رؤوف رأسه إلى الخلف حيث مستند مقعد السيارة وتحدث بقلة حيلة، وقد ضاقت عليه الأمور لدرجة الاختناق :
_ ما نفذتلك كل حاجة، عايز اية تاني 

_ هيجيلك أوامر في خلال يومين تنفذها من غير مجادلة .

قالها الطرف الآخر قبل أن يغلق الهاتف دون كلمة وداع، ألقى الهاتف على المقعد المجاور غاضبًا كون أصبح ماريونيت بين أصابعه، ولم تمر دقيقتين حتى دق هاتفه من جديد، ليأخذه بضيقٍ يفتح الإتصال قائلًا :
_ الو، خير أنتَ كمان عايز اية 

_ متصدقوش في اي كلمة يقولها، ابنك مات امبارح من التعذيب 

كانت الجملة كبركان انفجر داخل قلبه، فصرخ بهسترية صرخات متتالية لم يكف عنها حتى عندما تجمع بعض المارة على سيارته، وبدأت بالبكاء حسرة على ابنه الذي أهدر هو دمه بيده، ضرب بكلتا يديه على عجلة القيادة بعنفٍ وهتف متوعدًا :
_ و ديني وما أعبد ما هسيبك في حياتي وهاخد حقي وحق ابني منك .

تعليقات