رواية الراتل الفصل التاسع و العشرون 29 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل التاسع و العشرون 


وقفت نغم أمام الزجاج الفاصل بينها وبين غرفة العناية بالأطفال، ترفع هاتفها تلتقط مقطع مصور للصغير "مالك" بابتسامة هادئة، تدعو بداخلها أن يحفظه الله من كل شر .
بينما هي منشغلة في تأملها للصغير بمنتهى الحب، كانت غافلة عن عزيز الذي يقف بالقرب منها يتأمل حركاتها بذات الحب، وعندما أغلقت الهاتف ووضعته في حقيبتها تقدم منها بخطى هادئة، وحين أصبح جوارها مباشرةً شاكسها بجملة مازحة :
_ عقبال ما اخواتك يحنو علينا، ونجيب عيل شبهه

تخضبت وجنتيها بحُمرة الخجل، وأخذت تتلمس سوارها الذهبي اللامع تلتهي به عن جملته، فزادت ابتسامته اتساعًا وقال متحمسًا :
_ ما تقوليلهم يا بنتي إنك موافقة بقى 

رفعت كفها ترتب خصلات شعرها المصففة بعناية، ثم تحدثت إليه بلغة الإشارة تسأل متى يخرج الصغير ويعود إلى أحضان أمه، أومأ بتفهمٍ ورفع سبابته يشير عليها قائلًا :
_ عارف إنك بتهربي من الموضوع .. على العموم إن شاء الله هيخرج كمان أسبوع 

استغلت خروجه عن هذا الموضوع الذي يبعث الرجفة إلى قلبها، لازالت تستوعب متى وقعت في حب صديق طفولتها، التي كانت ترفض دومًا أن يخرج من زاوية شقيقها الثالث، فرفعت يدها تشير إليه تخبره أنها تريد شراء هدية للصغير تناسب له .
نظر إلى الصغير نظرة خاطفة قبل أن يسألها بجدية :
_ في دماغك تجيبي اية ؟

رفعت كتفيها كدليل واضح على حيرتها، فغمر كفها الرقيق بين طيات كفه دون ترددٍ وقال :
_ تعالي نروح سوا، أنا كمان هشتريله هدية 

علا وجيب قلبها بغتة حتى شعرت أنه سيحطم قفصها الصدري، ونظرت إلى أيديهما المتشابكة نظرة تحمل داخلها العديد من المشاعر ما بين سعادةٍ وتعجب، وجزء منها يريد الاحتفاظ بتلك اللحظة المضطربة مدى الحياة .
جذبها برفقٍ خلفه يتوجها إلى الخارج، مستغل تلك الفرصة في التواجد جوارها وقضاء وقت سعيدة وذكرى جديدة معها .

مر عزيز مع نغم سريعًا من أمام الغرفة التي تقطن بها كنزي لفك قطب الجراحة، ثم خرج حمزة يدعم خطوات زوجته رغم أنها أخبرته بحالتها الصحية المستقرة، بحث بعينيه عن عزيز فلم يجده ليعلم أنه استغل الفرصة وغادر رفقة ابنة عمه .
توقفا سويًا أمام غرفة العناية بالأطفال يطمئنون على الصغير التي كانت كنزي تتلهف لضمه، وتعد الأيام ليخرج من ذلك الحاجز الذي يمنعها عنه، ابتسمت باتساع على براءة الصغير وقالت :
_ امتى يطلع من الحضانة بقى 

أحاط كتفها يضمها إليه قائلًا :
_ هيطلع باذن الله الاسبوع الجاي، وهعمله احلى سبوع وهدبح عجل كمان غير اللي إلياس هيجيبه 

ابتهجت ملامحها بسعادةٍ ومالت برأسها على صدره، فاردف بنبرةٍ هادئة واعدة :
_ ومش ناسي السنتر بتاعك، وهعرف مين اللي حرقوا، رغم إني متاكد من اللي عمل كدا 

كانت تعلم علم اليقين من المتسبب في حرق صالون التجميل، وكان سيودي بحياتها وحياة ابنها في طرف عين، تنهدت بثقلٍ يجثو فوق صدرها وقالت :
_ أنا مش هاممني لا السنتر ولا اي حاجة، المهم أن مالك كويس 

صك على أسنانه عندما راودته ذكريات يوم ولادتها، وكم كان في حالة يرثى لها، ليزيد من ضمها إلى أحضانه يهمس غاضبًا :
_ وحياة كل لحظة خوف عدت عليا اليوم دا ما هسيب حقك 

رفعت رأسها عن صدره، ونظرت بعينه تستشف ما يريد فعه قبل أن ترفع سبابتها محذرة بجدية :
_ بالقانون يا حمزة 

لم تلاحظ تلك الابتسامة التهكمية على طرف شفتيه، وقال بسخريةٍ مُبطنة :
_ بالقانون يا قلب حمزة

***********************************
كانت ممددة على الفراش تتأمل الغرفة بملل، وتدندن بعض الأغاني التي تحفظها من الطراز الغجري التي نشأت عليه، تلهي عقلها عن التفكير فيه، ولكنها لم تستطع أن تلهي قلبها عن الاشتياق له، مر أسبوع كامل منذ واجهته بحقيقة تجارته للسلاح، لم تره في ذلك الأسبوع سوا مرة واحدة كما رغبت وطلبت هي، فقد انتهت النقاشات بينهما أنها لن تعود إلى العشيرة بشرط أن يتركها بمفردها، وقد كان لها ما أرادت وغادر الشقة متوجهًا نحو منزل عائلته .

رغم صدمتها أنه يبادلها مشاعر الحب، لكن لم تكن اللحظة المناسبة لذلك كانت تنتظر ذلك الاعتراف دائمًا إلا أنه أخطأ في اختيار الوقت، لن تشجعه على الخطأ نيتها واضحة أن يبتعد عن تلك التجارة الدموية التي تراق بها دماء الأبرياء بلا رحمة .

حاولت تجاوز أفكارها عن ذلك اليوم برفع صوتها بدندنة أعلى، فجاء إشعار منه على هاتفها دمر قشرة الصمود التي كونتها بصعوبةٍ، وكان محتوى رسالته جملة صغيرة من أغانية المفضلة :
_ وحشاني عيونه السودا يا بويا ومدوبني الحنين يا عين 

تبًا لاضطراباتها الهرمونية التي تجعلها تتراجع في قرارها العديد من المرات في اليوم الواحد، رسالة واحدة جعلت الابتسامة البلاهاء ترتسم على محياها وعينيها تلتمعان ببريق السعادة، ثم جاء رسالة أخرى منه كانت أشد تأثيرًا عليها من السابق :
_ وحشتيني .. أنا تحت، هطلع أشوفك 

التفتت تنظر إلى نفسها في المرآة، ثم انتفضت من مكانها، تهرول نحو خزانة الملابس لتغيير ملابسها التي كانت كل قطعة لا تمت للأخرى بصلة .
ولم يأخذ الأمر سوا دقيقتين فقط من حركتها السريعة، فابدلت ملابسها، وارتدت منامة خريفية تليق بالأجواء، وجلست أمام طاولة الزينة ترتب خصلات شعرها وتتعطر بأفضل العطور لديها .

فتح الباب بهدوءٍ وأغلقه كذلك، فتسللت رائحتها التي فاحت عبقها في أرجاء المكان إلى أنفه تزيد من نيران اشتياقه لها، باحث بعينيها عنها بعدما وضع الحقائب البلاستيكية التي بيده على الطاولة، وجدها تخرج من غرفتهما بخطى هادئة وملامح جامدة لا يظهر عليها أي تعبير .
ضم شفتيه بضيقٍ عندما قاطعت خطواته إتجاهها بنبرة لامبالية : 
_ جاي لية ؟، مش احنا اتفقنا ؟

ابتلع ذلك الضيق وأكمل طريقه نحوها حتى وقف أمامها مباشرةً، ورفع كفه يزيح خصلة كادت تدخل عينها، وقال بنبرةٍ هادئة محبة :
_ مراتي وحشتني وجاي اطمن عليها، واطمن على ابني 

انهى حديثه واضعًا كفه على بطنها التي ازداد بروزها أثر الحمل، فازاحت يده عنها برفقٍ معترضة على لمسته لها، وقالت :
_ احنا بخير الحمد لله 

امتعض وجهه بضيقٍ من ابتعادها عنه، وباغتها حين أحاط خصرها يقربها منه، ثم قيدها بين ذراعيه محتضنًا إياها عنوة، فلم يصدر منها أعتراض حين شعرت بدفء أحضانه، وما كان منها إلا أن تنهدت بارتياحٍ واضح رسم ابتسامة راضية على ثغره، فزاد من ضمها يعبر بذلك عن اشياقه لها، وهمس مازحًا بالقرب من أذنها بعد أن طبع قبلة حانية على رأسها :
_ لا بس انا مش وحشك خالص 

لكمته في صدره في غيظٍ، فتعالت ضحكته الصاخبة بالأرجاء، ثم أمسك بذقنها يرفع رأسها إليه، ودنى يداعب أنفها بأنفه، وقال بنبرةٍ يغمرها الصدق :
_ اليوم وحش من غير وجودك فيه

تهللت أساريرها بجملته، وتجلت السعادة بعينيها، فرفعت كفيها تحيط بوجهه قائلة :
_ أنا مش عايزة غير أنك تبعد عن الطريق دا، أنا أبويا اتقتلت عشان رافض فكرة التجارة دي، ومش هتقبل فكرة إني أعيش معاك وأنتَ ...

توقفت عن إكمال حديثها، وخفضت عيناها عنه، فتنهد يقبل رأسها وقال بهدوء :
_ اوعدك، يعدي اللي ناوي عليه على خير وأنا هقولك على كل حاجة أنتِ متعرفيهاش 

ما زادتها جملته إلا قلقًا عليه، وخوفًا مما ينوي على فعله، فانزعت نفسها من أحضانه بعدما كان يتشبث بها وقالت راجية :
_ أنا خايفة عليك، وقف الشغل دا يا داوود عشان خاطري

_ صدقيني قريب اوي هينتهي كل حاجة، ثقي فيا 

كانت نبرته صادقة، نظراته واعدة، فأومأت برأسها تتخلى عن فكرة ابتعاده عنها، فهي تتألم بذلك أكثر منه، قبل وجنتيها بامتنان لتفهمها، وأشار إلى الحقائب البلاستيكية الموضوعة على الطاولة يقول :
_ أنا جعان، هروح أجيب أطباق عشان جايب اكل سخن من عند لوكا 

فهمت أنه يقصد عمته لقاء، فأشارت إليه أن يجلس وذهبت هي لتأتي بالصحون، لتختلي بنفسها بالمطبخ تعبر عن سعادتها بوجوده ببعض الحركات العشوائية والابتسامة البلاهاء، لكنها اجفلت حين صدح ضحكات داوود مع جملته المشاكسة :
_ بيعجبني فيكِ ثباتك على الموقف

حركت ذراعيها تتماطع، وقالت مبررة :
_ على فكرة كنت بفك جسمي عشان متشنج مش أكتر، أنتَ فهمت اية

_ مانا واخد بالي 

قالها مازحًا وتقدم نحو حزانة الأكواب يحمل كوبين، ويقول مبررًا مجيئه خلفها :
_ لقيت عصير مع الأكل 

خرج من المطبخ بعدما أخذ الصحون والأكواب، تاركًا إياها تتلوى من فرط خجلها من ذلك الموقف التي وضعت به أمامه، ليأتيها صوته المازح من جديد ليزيد من حرجها :
_ تعالي، أنتِ كمان وحشتيني 

جلسا يتناولون الطعام سويًا، جوار بعضهما البعض، تارة يضع لها الطعام بصحنها وتارة أخرى يتأملها بنظرات هائمة، لتتنهد بقوةٍ تعتدل بجلستها لتصبح مقابلة له، وهمست :
_ داوود 

انتبه إليها، فالتفت بجسده يجلس أمامها تمامًا، وأجاب بحنو :
_ عيونه يا جُلناري

ظهر تأثرها بجملته بعينيها التي توهجت بوميض جذاب، فأصبحت أكثر فتنة ينجذب ليغرق بعسلها الأسود اللامع، وسألت بتوجسٍ تستشف أن كان صادق بذلك الاعتراف :
_ أنتَ قولتها عشان متخلنيش أمشي 

أخذ كفيها بين كفيه يحيطها بلطفٍ، وانحنى نحوها يقترب منها ليصلها همسه المتفهم لأفكارها المتضاربة :
_ أولًا أنا اقدر امنعك تمشي بكل الطرق إلا بالطريقة دي، ثانيًا أنا قولتها عشان حسيت أن دا وقتها 

انحنى أكثر طابعًا قبلة حانية على علامة الجُلنار بعنقها، وهمس بأذنها بصدقٍ وأصرار على تصديقه :
_ أنا بحبك يا رحيل

**********************************
_ طب خليني اروح اتكلم معاها أنا المرادي 

قالت تلك الجملة السيدة لقاء التي كانت تقف أمام باب شقتها، تمسك بذراع إلياس تمنعه من الذهاب إلى مايان، وقبل أن يفتح فمه بالاعتراض، صححت جملتها قائلة :
_ تعالى معايا، بس أنا هتكلم معاها

_ معلش يا عمتي، أنا حابب نقفل الموضوع دا مع بعض، احنا رايحين نفتح بيت مع بعض يعني 

قاطعته السيدة لقاء قبل أن يكمل جملته المترددة، فكانت تتفهم شخصيته جيدًا، ربتت على كتفه تقول :
_ فهماك يا حبيبي، خلاص روح ولو بردو مصممة على اللي في دماغها أنا هروحلها

قبل إلياس رأسها ممتنًا لها على تفهمها، وغادر البناية متوجهًا نحو منزل مايان، تلك العنيدة التي رغم كل التبريرات لم تتجاوز الأمر، وأصرت على الإنفصال عنه، وطوال هذا الأسبوع لم ترد على مكالمته أبدًا، حتى عندما ذهب إليها لم يكن أخيها موجود فتراجع عن الصعود لها .
اليوم هو مُصر على رؤيتها مهما تمنعت، ووسط ضجيج أفكاره التي لا تصمت، وجد نفسه وصل أمام باب شقتها، ويده تضغط على الجرس بلا توقف .
فتح عمر الباب، وابتسم ببشاشة مرحبًا به، ثم أشار بيده إلى الداخل يفسح له المجال للدخول، فقال إلياس باقتضاب :
_ ازيك يا عمر

أغلق عمر الباب خلفه بعدما دخل، وقال بهدوء :
_ اتفضل يا إلياس، جيت في وقتك

أشار إلى غرفة شقيقته المغلقة، وقال بنبرةٍ يغمرها الغضب :
_ قافلة على نفسها ومبتاكلش، ولا حتى راضية تفتحلي الباب

ضرب إلياس كف بالآخر، وسخر مما يحدث قائلًا :
_ تصعيد غير مبرر للأمور

طرق عمر الباب على شقيقته، وقال بنبرةٍ حادة :
_ مايان إلياس هنا، اخرجي 

رغم غضبه منه إلا أنه لم يتحمل نبرة الحدة في الحديث الموجه لها، فتقدم من الباب يزيح عمر إلى الخلف، وقال :
_ مايان، اخرجي نتكلم، أنا نفسي اعرف اية اللي اقنعك بالكلام دا ومش مصدقاني

خفضت نبرته تلقائيًا عندما قال بخيبة أمل واضحة :
_ معقول هتدي فرصة لصلاح يدمر علاقتنا

صمت عندما يشعر بخطواتها تتقدم من الباب، ثم جاء صوتها الباكي من الداخل :
_ أنا مش عايزة اتجوز، أنا كان قراري صح من الأول، أنا مش هينفع أكون لا معاك ولا مع غيرك .

زفر أنفاسه بصبرٍ نافذ، وطرق على الباب يصيح بضيق :
_ أخرجي نتكلم يا مايان

زاد نحيبها فجأة، وصرخت من بين شهقاتها الحادة التي تمزق صدرها قهرًا :
_ أنا عارفة إني عاجزة، ومش زي بنات جيلي، لكن دا مش ذنبي وأنا مطلبتش من حد يقرب مني

تفاقم غضبه الذي كان يحاول إخماده منذ البداية، فضرب الباب بقبضته غاضبًا، وصرخ بصوتٍ جهوري :
_ لو الكلام دا صح يا بنتي هخطبك لية، هو أنا عيل

شهقت بفزعٍ مبتعدة عن الباب التي ظنت أنه سيخلع أثر قبضته، وما كاد أن يتحدث من جديد حتى صدح صوت جرس الباب، فتوجه عمر لفتحه بينما حاول إلياس التقاط أنفاسه بهدوء .

تبدد ذلك الهدوء الذي حاول بقدر المستطاع استجماعه، ليكمل مناقشته معها حين جاء صوت صلاح من الخارج يسأل عن مايان، تشرست ملامحه وارتسمت ابتسامة سوداوية على ثغره، والتفت متوجهًا نحو الباب، وبدون سابق إنذار مد يده يجذبه من ياقة قميصه إلى داخل الشقة، فسقطت باقة الورود الحمراء التي بيده على الأرض واندفع جسده إلى الداخل بتعثر، قبض إلياس على ملابسه بكل ما يعتمل صدره من حقد وقال متوعدًا :
_ جيت في وقتك 

عقب جملته نال منه بلكمة قوية كادت تطيح به أرضًا، فتمسك به حتى لا يفلت من بين يديه، وسدد لكمة أخرى في معدته، تعالى صوته المتألم التي خرجت هي على أثره ترى ما يحدث بالخارج .

تفاجأت بصلاح يعاني تحت قبضة إلياس القاسية، فإتجهت نحو إلياس تجذب ذراعه متوسلة أن يبتعد عنه، فأزاحها عنه بعنفٍ غير مقصود منه، وصرخ بها :
_ ارجعي الأوضة بدل ما اعجنك معاه، أنا على أخري 

ابتعدت على الفور، وأسرعت إتجاه شقيقها الذي يتابع ما يحدث بتشفي في صلاح، أحاط عمر كتف شقيقته المرتجفة، حتى أخذ إلياس الهاتف من ذلك المتسطح أمامه ومده إتجاه عمر يقول بجدية :
_ شوف الزفت دا وطلعلي التسجيل 

ثم صفع صلاح من جديد، وقال بغضب :
_ وجايبلها ورد، حياة أمي ما هحلك

وقف عن الأرض، يعدل من ملابسه التي تبعثرت أثر المجهود، وتقدم يجلس على الأريكة في وضع استرخاء لعضلاته المتشنجة، يريح ظهره إلى الخلف، ثم أشار إليها قائلًا :
_ كوباية ماية 

هرولت تأتي له بكوب من الماء، مدت يدها له بالكوب، وقد تجلى القلق على محياها فهمست :
_ خد نفس

أخذ منها الكوب يتجرع منه ما يكفيه، ووضعه على الطاولة دون النظر إليها، داخله نيران مستعرة تأكل صدره بلا رحمة، استغل صلاح حساسيتها الزائد من مرضها وضغط على ذلك الموضوع بكل حرافية، لكن ما أغضبه أنها ابعدته عن حياتها على الفور، لم تظهر له ذرة ثقة فيه، لم تسمح له بالحديث معها في هدوءٍ كأي أثنين مقبلين على الزواج .

كانت الصمت محيط بهم لا يقطعه سوا تأوهات صلاح المتألم، وهمهمات خافتة من هاتفه الذي يبحث فيه عمر بإهتمام، ابتلعت ريقها بتوترٍ تلقي عليه نظرة خاطفة قبل أن تهمس مبررة موقفة :
_ لما كنت بحضر لفرحي أنا وصلاح، كان بيمثل عليا الحب والاهتمام من غير مقابل، بس وقت ما حب يبعد طلع كل اللي مخبيه في قلبه ليا، وعايرني بعجزي بكل قسوة، خلاني عارفة إن مش كل اللي ظاهر ليك هو نفسه الباطن، وبقيت خايفة من الناس أكتر من الأول 

تغضنت ملامحه بغضبٍ وقست نظراته لها، وقاطعها بنبرةٍ حادة :
_ مفيش مقارنة بيني وبينه أصلًا يا مايان، بس لو أنتِ شايفة إني زيه، يبقى معرفتنيش 1% 

كادت أن تنفي مقارنته بصلاح، وتبرر أن الموقف قد أثر بجرح قديم لم يلتئم بعد، لكن جاء صوت شقيقه يهلل بحماس :
_ لقيت التسجيل الأصلي يا إلياس 

وقف إلياس عن الأريكة، وأشار بعينه نحو مايان التي رفعت رأسها تراقب ما سيفعل، وقال :
_ سمعوا لأختك، وأنا هاخد البغل دا

أشار في نهاية جملته نحو صلاح الذي يحاول القيام عن الأرض، فهبت واقفة تهمس برجاءٍ ألا يغادر :
_ إلياس

تنهد يخرج أنفاسه الغاضبة، والتفت إليها يقول بهدوء :
_ فكري كويس في موضوعنا يا مايان .

أنهى جملته وتقدم نحو صلاح، يجذبه من ملابسه نحو الخارج، بينما ارتمت هي على الأريكة من جديد، تضع يدها على وجهها نادمة على عدم التريث، وتلك الكلمات الجارحة تخرج من الهاتف تخترق أذنها، لكن هذه المرة لم يكن صوت إلياس بل صوت مجهول لا تعلمه، فكان الألم مضاعف عليها والندم يأكل روحها .

************************************
أحاط صهيب زوجته من الخلف يغمرها بين ذراعيه محتضنًا إياها بلطف، رغم فزعها من حركته المفاجئة إلا أنها ابتسمت تمسد على كفيه المحيطة بخصرها، مال يقبل وجنتها اليمنى، ثم نظر إلى الأطباق التي ترتص جوار بعضها على طاولة المطبخ، استنشق رائحة الطعام باستمتاع قبل أن يقول مادحًا :
_ اية الروايح الحلوة دي 

التفتت إليه تمسد على صدره، وقالت مازحة بلهجة مشاكسة :
_ أكل ماما اللي كان في الفريزر يا حبيبي متتأملش اوي 

أمسك بملابسها يهزها بين يده بمزاح، وقال :
_ مفيش أمل ندوق أكلة من أيدك و لا اية 

نفت برأسها، وقالت بهدوء :
_ لا متقلقش 

زفر بإرتياح وكاد أن يمدحها، فصدمته حين ضحكت بصخب وقالت :
_ كله دليفري أو من ايد ماما 

ابتعد عنها خطوة إلى الوراء، ولوح بيده في ضيقٍ تجلى على ملامحه، وقال يشكو إليها حاله ما قبل الزواج :
_ دا أنا اتهريت دليفري وأكل متسخن من ايد عمتي

ضمت كفيها في لطفٍ واسبلت جفنيها قائلة :
_ أوعدك هتعلم 

ضحك متهكمًا، وسأل بسخرية :
_ امتى يا حبيبتي؟، ما كان عندك فرصة تتعلمي قبل الجواز 

تهربت منه وابتعدت إلى خلف الطاولة، وقالت بضيق :
_ فترة الخطوبة كانت قصيرة ملحقتش اتعلم غير الملوخية والرز 

صدرت عنه ضحكة ساخرة جعلتها تستشعل غيظًا منه، وقال :
_ يعني حتى مفيش مكرونة وبانية بتاعت أول سنة جواز 

نفت برأسها تؤكد له أن هذا الطلب البسيط غير متاح بالنسبة لها، فصمتا يتبادلان النظرات لثوانٍ قبل أن ينفجرا في الضحك معًا، واقتربت منه مجددًا، تمسد على ذقنه النامية بأناملها الرقيقة الناعمة، وسألت :
_ أنتَ كويس مش كدا ؟

علم أنها تشير في جملتها إلى ذلك الكابوس الذي كاد يفتك به الليلة الماضية، لولا يديها الحنونة التي أحاطته بإحتواء، وهمستها الدافئة التي أطمئن لها قلبه ما كان سينتهي أزمته، ابتسم ومال يقبل جبهتها ممتنًا لها، وأجاب بهدوء :
_ متقلقش عليا، أنا كويس الحمد لله 

قرر عدم التوغل في تلك اللحظات كثيرًا، فتركها وجلس على الطاولة مستعدًا لتناول الطعام، وأشار لها بيده على المقعد المجاور يقول :
_ يلا قبل ما الأكل يبرد 

جلست جواره مبتسمة، وبدأ تناول الطعام قائلًا :
_ خلينا في البايت النهاردة، عشان هنأكل أكل طازة بكرا

نظرت إليه باستفهام، متسائلة بعينها عما يعني، فابتلع ما بفمه من طعام، وقال :
_ عمتي عزمنا كلنا بكرا على الغدا، ودي أكلها لا يعلى عليه 

سكبت له كوب من الماء، ووضعته أمامه تقول :
_ شوفت أنها متيسرة، مرة عند عمتك ومرة عند ماما، ومرة دليفري واهي ماشية

توقف الكوب على فمه، ونظر لها يضيق عينه عليها، وقال :
_ لا يا ماما، متعتمديش على كدا، هتتعلمي الطبخ في أسرع وقت

مالت تقبل وجنته، وقالت بعينين متسعتين بوهج من الحب والصدق :
_ أنا اتعلم أي حاجة عشان خاطرك يا روحي

************************************
صباحًا، توجه إلياس بسيارته لشراء الأضحية التي وعد حمزة بها، ويجلس حمزة إلى جواره يثرثر بما يكفي لأثارة غضبه، فهو لم يعد يتحمل كلمة بعد خروجه من منزل مايان بالأمس، ضرب حمزة كتفه ليفك عبوس وجه وقال :
_ يا بني فك وشك دا عشان تكون دافع الفلوس بنفس راضية

حرك إلياس كتفه بنفور، وصاح متأففًا :
_ بقولك اية يا حمزة، خليك ساكت الله يباركلك، أنا مش طايق نفسي 

ضرب حمزة كف بالآخر، وقال متحسرًا على حال كبيرهم :
_ صحيح الحب بهدلة، دا أنتَ كنت زي الوردة ما بنا يا إلياس والله 

رمقه إلياس بنظرة قاتلة، فالتفت يتطلع إلى الخارج يتابع الطريق الذي أوشك على الإنتهاء، ولكنه لمح ما جعل عيناه تشتعلان بحماس، فأشار بيده أن يتوقف وقال :
_ استني، في عجل هرب من الناس وبيجري هناك 

أخرج الهاتف من جيب بنطاله، وفتح باب السيارة حين توقفت السيارة وقال :
_ كنزي بتحب الحاجات دي أوي، هنزل اصورلها

أمسك إلياس بذراعه يمنعه من النزول، يقرعه بقسوة :
_ بطل هطل يا حمزة خلينا ننجز 

ابعد حمزة يد إلياس، وخرج من السيارة قائلًا برجاء :
_ استني بس هما دقيقتين 

وقف حمزة يرفع الهاتف يلتقط مقطع مصور لعجل الأضحية الهارب، ارتفعت ضحكاته الساخرة حين نطح الشاب الذي يحاول إيقافه وتسبب في سقوطه، 
ولم تمر لحظات من استمتاعه بالمشاهدة حتى رأى العجل يركض إتجاهه، زحف القلق على محياها وهمس مرتبكًا :
_ جاي عندي لية دا 

وجده يسرع نحوه في عنفٍ وشراسة، يطيح بكل ما هو أمامه، فركض هو هاربًا منه، يستنجد بإلياس الذي خرج للتو من السيارة :
_ إلياس، الحقني يالا هيهرسني 

ركض أسرع حين أقترب العجل منه، وتعالت صرخاته المستغيثة بينما لم يتمالك إلياس نفسه من الضحك عندما حاول حمزة دخول بناية سكنية يحتمي بها، فوجد البوابة مغلقة بإحكام ليتراجع على أخر لحظة قبل أن يفتك العجل به، وزادت ضحكاته حين لمح الجميع يلتقطون الصور والمقاطع المصورة لِمَ يحدث لحمزة .

وبعد اللحظات التي كانت كالكابوس بالنسبة لحمزة، أخيرًا رحم إلياس حاله الذي يرثى له، وأقترب من الشباب الذين يحاولون عرقلت حركة العجل بحبل سميك، أخذ منهم الحبل وركض في سرعة لم يتوقعها أحدهم، وعندما وضع جوار العجل ألقر الحبل من يده فالتف حول قدمه، وحينها جذبه بكل ما لديه من طاقة وعزم، فسقط على الأرض مستسلمًا، وسقط جواره حمزة من شدة الإجهاد، يلتقط أنفاسه اللاهثة بصعوبة، مد إلياس يده يساعده على القيام، فازاح حمزة يده بعنفٍ يصرخ به مغتاظًا :
_ عشان قولتلك فك أم وشك دا يا فقر .

************************************
في منزل عائلة القاضي حيث يجتمع أفراد العائلة ينتظرون قدوم إلياس وحمزة، حتى يتناولون الطعام سويًا، ما كاد يخرج عزيز الهاتف ليستعجلهم، فصدر من هاتفه صوت إشعار لرسالة جديدة، وحين رأي ما محتوى الرسالة حتى انتفض من مكانه وأخذ ذراع داوود الذي يتحدث بالهمس مع زوجته .
ابعد داوود يد عزيز عن ذراعه، والتفت يرمقه بضيقٍ مشيرًا بيده نحو رحيل في إشارة أنه يقطع حديثه الخاص مع زوجته، فجذبه عزيز من جديد، وقال من بين أسنانه :
_ حاجة مهمة، تعالى

استأذن داوود بلطفٍ من زوجته، وذهب مع عزيز نحو الشرفة، وما أن أغلق باب الشرفة حتى التفت يصدمه بالخبر الذي وصله للتو :
_ سعدون هرب من الرجالة

ظهر الغضب جلي على ملامحه، وصك على أسنانه يمنع نفسه بصعوبة من إطلاق سبات نابية في حق رجاله الأغبياء، ضرب بكفه على سور النافذة، يهتف بنبرةٍ حادة :
_ نفسي أعرف ازاي يهرب من اربع رجالة زي البغال 

_ هنلاقيه، هيروح فين يعني

نطقها عزيز بهدوءٍ عندما صدح صوت رنين هاتف داوود، فأخرج الهاتف من جيبه ينظر متعجبًا إلى ذلك الرقم المجهول، فتح الإتصال واضعًا الهاتف على أذنه، وقال :
_ الو، مين ؟ 

_ بتدور عليا من سنين، وأنا مستعد اجيلك لحد عندك 

خفق قلبه بعنفٍ، ذلك الصوت الذي أثار اشمئزازه يعلمه عن ظهر قلبه، صوت يبحث عنه منذ سنوات، يحلم بمعاقبته ليلًا ونهارًا، ازدادت ملامحه توحشًا وسوداوية، وهتف غاضبًا ومتوعدًا له بالمرار أن قبض عليه :
_ رؤوف !

كان صوت الآخر مستسلمًا مهزومًا، يقدم نفسه للموت على طبق من ذهب، وقال :
_ أيوة أنا، ساعدني نوقع الكبير وهتلاقيني قدامك، تحبسني أو تقتلني 

صرخ الإنتصار والتشفي على وجهه، وقبض على كف يده في قوةٍ يكاد عظامه تتحطم، وسأل دون أن يظهر له نيته في ما سيفعله به :
_ مين الكبير ؟

صمت داوود يسمع منه أسم هذا الرجل الذي يبحث عنه دون فائدة، فبهتت ملامحه مصدومًا مما يسمعه، ارتمى بجسده على الأريكة الموضوعة بالشرفة، لا يتحمل تلك الحقيقة التي ضربت حياته فجأة، وعليه أن يقضي على تلك الحقيقة التي ربما ستحول حياة أحدهم إلي جحيم .

تعليقات