رواية ناي نوح الفصل الثامن والعشرون بقلم ايلا
ليث//
_متكرهنيش!
اتكلمت بعيون بتلمع منذرة بإنها هتفرغ حمولتها من الدموع في أي لحظة.
_أنا مش بكرهك يا ناي، أنا بكره الكدب.
_م..مش هكدب عليك تاني.
قالت و بدأت تبكي فتنهدت بتعب، كانت عاملة زي ما تكون طفلة خايفة إن الشخص المفضل عندها يزعل منها.
سحبتها قريب مني و بدأت أمسح دموعها قبل ما أسحبها عشان نقعد جمب بعض على السرير.
سحبت نفس عميق و زفرته تاني قبل ما أتكلم:
_أنا وافقت أساعدكم عشان عرفت من كنان إن أخته في خطر، ممكن أعرف ايه السبب اللي خلاكِ تطلعي الرحلة دي من البداية؟!
بلعت ريقها و بصت في الأرض قبل ما تبدأ تتكلم بنبرة قدرت أستشعر كم حزنها و يأسها فيها:
_بسبب بابا، بابا اتشخص بالسرطان في مراحله الأخيرة و ماما حامل، مش هتستحمل تحصله حاجة دا غير إني مش عايزاه يموت قبل ما يشوف النونو و يديله نفس الحنان و الإهتمام اللي أخدتهم منه هو ماما...
سكتت شوية و بعدين كملت:
_باختصار...بابا لو مات عيلتنا الصغيرة هتضيع، و أنا....عايزة أحافظ عليها.
همهمت بتفهم و سكت فاتكلمت بقلق بسرعة:
_أنا مش معترضة على الموت، عارفة إن كل الناس هتموت بس قصدي يعني...
حركت يدي و حطيتها على بوقها عشان أمنعها تكمل كلام.
_ ششش...
ازاي مش هفهمها و أنا بنفسي جربت شعور إن شخص عزيز عليك يموت و أسرة كاملة تدمر.
_أنا...فاهمك يا ناي، انتِ مش محتاجة تبرري لأي حاجة صدقيني.
___________________
_ايه دا بجد؟ بتهزرر...و أنا كمان.
صرخت رزان فجأة قبل أن تنخرط في الضحك.
كانت تحدث أغيد الذي تحول لطائر كناري صغير يقف على كتفها بينما تثقبهما أعين إياد من الخلف بغضب عارم.
اقترب منهما فجأة ليقبض على أغيد متحدثاً بتهديد:
_انت يا عم الكناريا، أحسنلك ترجع لشكلك الطبيعي حالاً قبل ما أسلقك و أعملك فتة!
و في أقل من دقيقة عاد أغيد لهيئته البشرية بينما يسعل بقوة نتيجة لخنق إياد له و ما إن استعاد أنفاسه الهاربة حتى ابتسم و تحدث بنبرة حزينة درامية:
_ازاي هتحول عصفور صغير جميل و برئ لفتة؟! آخ معندكش قلب.
رفعه إياد من ياقة ثوبه، و منذ أن الفارق العمري و الجسدي بينهما كبير لم يجد أي صعوبة في ذلك، لقد كان أغيد لا يزال مجرد شاب مراهق في حين كان إياد رجلاً ثلاثينياً بالفعل.
همس بنبرة غاضبة و صارمة بالقرب من أذن أغيد:
_ابعد..عنها، مش هكررها تاني.
ابتسم أغيد بجانبية مبادلاً إياد النظرات المتحدية قبل يتحول فجأة إلى حصان أسود سقط على إياد ليهرسه أسفله.
نهض من عليه و توجه بخطىً ثابتة باتجاه رزان التي كانت تكبح ضحكاتها بصعوبة في حين ركض ليث باتجاه إياد ليساعده على النهوض.
وقف إياد لينفض ثوبه بينما يتمتم ببعض اللعنات و السباب لأغيد قبل أن يلتفت باتجاهه عازماً على الأخذ بثأره لكنه تجمد في مكانه ما إن لمحه منحنياً أمام رزان التي شمرت ثوبها على استعداد للصعود فوق ظهره لذا ركض باتجاههما مسرعاً ليسحبها إليه مانعاً إياها من فعل ما كانت تعزم عليه قبل أن يتحدث بغضب:
_رزان! ايه اللي بتعمليه؟!
عبست بسبب صراخه عليها متحدثة:
_مالك متعصب ليه؟ عايزة أجرب أركب الحصان!
صرخ بانفعال:
_بس دا مش حصان، دا أغيد!
دحرجت عينيها بملل قبل أن تجيبه:
_أيوا عارفة، بس هو دلوقتي حصان!
وسع إياد عينيه بعدم تصديق و خطف نظرة باتجاه أغيد الذي صهل و أخرج لسانه له مغيظاً إياه باستمتاع و كم كان مشهداً عبثياً أن يتعرض للسخرية من قبل حصان بالمعنى الحرفي!
التفت مرة أخرى باتجاه رزان و هم أن يتحدث لكنه عقد حاجبيه معاً باستغراب عندما لم يجدها.
عاد بأنظاره باتجاه أغيد ليجدها تركض باتجاهه قبل أن ينحني لها مجدداً لتتمسك بشعره و تصعد على ظهره قبل أن ينطق بها بعيداً أمامهم.
سقط فك إياد من شدة الصدمة في حين اقترب منه ليث مغلقاً إياه.
_ليث..بسرعة، اعمل بوابة زمنية و انقلني ليهم بسرعة!
تنهد ليث بيأس متحدثاً:
_اهدى، سيبهم يتسلوا دول حرفياً أطفال و ثانياً..مش ههدر قدراتي في حاجة سخيفة زي كدا أنا أولى بالطاقة دي.
شد إياد على قبضته بغضب متحدثاً:
_اسمعني يا ليث، أنا مش مستريح للي اسمه أغيد دا..
قلب ليث عينيه بملل ليتابع سيره متحدثاً:
_انت غيران منه عشان عندك مشاعر ناحيتها، بطل تعمل مخك بمخ عيل!
تجمد إياد في مكانه ليطالع ليث بصدمة:
_هو باين للدرجادي؟!
أطلق ليث تنهيدة ساخرة قبل أن يجيبه:
_زي الشمس صدقني.
تنهد إياد بيأس.
_طب المهم هنعمل ايه دلوقتي؟ ازاي هنفرق الزُهريين من الناس العادية؟!
_و هي دي المشكلة، معنديش أي فكرة هنعمل كدا ازاي من غير سلسلة ناي.
____________________
اليون التالي الساعة السابعة صباحاً في محافظة أخرى:
زين//
_عارف لو مبطلتش ضحك؟ هديك على وشك و ربنا.
اتكلم سهيل بعصبية و مع ذلك مقدرتش أمسك نفسي، اترميت على الأرض و أنا عمال أضحك عليه بسبب شكله في البدلة الرسمية اللي أقنعته سهى يلبسها عشان ننفذ خطتنا.
آخر ما زهق مني طنشني و راح يتكلم مع سهى:
_سهى يا روحي، دي بدلة من العصور الوسطى، فاكرة الطلبة لما يشوفوني بيها هيصدقوا إني دكتور جامعي؟!
كتفت سهى دراعاتها الإتنين و اتكلمت بصرامة:
_دي البدلة الوحيدة المتوفرة و على قد فلوسنا...
كان لسه هيعترض فقاطعته:
_و لا، مش هتدخل من غيرها.
قلب عينيه لفوق بملل و هو بيبرطم في سره بعدم رضا،
كنت باصصله و مبتسم بشماتة و مأخدتش بالي من إيدها اللي اتمدت ناحيتي فجأة قبل ما تتكلم:
_خد...
أخدت منها الهدوم المطبقة و لما فتحتها اكتشفت إنها كانت بدلة شبه بتاعة سهيل بالظبط و الفرق الوحيد إن سهيل كانت بتاعته سودة و دي بني.
ابتسمت بارتباك.
_أ..أكيد مش عايزاني ألبسها مش كدا؟!
مردتش عليا، رفعت حاجب و ابتسمت بجانبية فخمنت الإجابة بالفعل.
_________________
بعد نصف ساعة:
كان الثلاثة يسيرون معاً في الممر الطويل المؤدي إلى إحدى قاعات الفرقة الأولى بكلية الآداب.
_أنا مش مصدق إنك خليتينا نلبس كدا بجد، و كمان.. اشمعنى هدومك انتِ الوحيدة بس اللي مظبوطة ها؟!
تحدث زين بينما يرمق سهى بنظرات حاقدة لكنها تجاهلته فحسب بينما تدفع باب القاعة الكبير لتدلف إلى الداخل يتبعها كل من زين و سهيل.
كان القاعة تعج بالزحام و الأصوات الصاخبة لكن ما إن أبصروا الأساتذة الثلاثة المزيفين حتى انفجر الجميع في الضحك.
في الواقع..عندما كانوا يفكرون سوياً في طريقة بستطيعون بها تفرقة الزهريين من الطبيعين توصلوا في النهاية إلى فكرة استخدام قدرة زين لقرائة أفكارهم، و بعد المزيد من التفكير توصلوا إلى أن الجامعة هي المكان الذي يمكنهم أن يجدوا فيه أكبر تجمع من الناس في مكانٍ واحد لذا كانت خطتهم تتمثل في أن يتنكروا بأزياء تجعلهم يبدون أكبر بالسن مدعين أنهم أساتذة جامعيين حتى يتمكنوا من الإنفراد بالطلاب.
تنهد سهيل بقلة حيلة، لقد توقع ذلك بالفعل، خلع نظارته الطبية و معطف البدلة الكبير، قام بثني أكمام قميصه الأبيض مرتين و من ثم أعاد شعره الأسود للخلف قبل أن يطرق بيده مرتين على المكتب أمامه.
و ما إن انتبه له الطلاب حتى تجمدوا في أماكنهم عاجزين عن تصديق ما حدث، كيف تحول ذلك الخاسر فجأة إلى شخص مثير و جذاب في بضع لحظان فقط.
تحمحم سهيل قبل أن يتحدث بنبرة منخفضة و حازمة:
_أنا الدكتور سامر اللي هديكم مادة الإقتصاد، و دلوقتي هنوزع عليكم بيان عايزكم تملوه خلال خمس دقايق بمنتهى الهدوء، فاهمين؟!
أومأ الطلبة بإيجاب عندما نطق طالب ما فجأة:
_بس احنا آداب قسم فلسفة، ايه علاقتنا بالإقتصاد؟!
_اخرس! مش عايز أسمع صوت حد، دكتور زاهر...وزع عليهم الورق لو سمحت.
تحدث سهيل يقصد زين الذي كان يشبك كفيه خلف ظهره لكنه لم يتحرك من مكانه.
كان يستمر في تأمل القاعة و الطلاب عندما لاحظ الهدوء الذي خيم على المكان فجأة بشكل مريب و عندما التفت إلى سهيل وجده يحدق فيه بغضب.
ابتسم و خدش عنقه من الخلف بارتباك متحدثاً:
_آه..آ...دكتور زاهر دا أنا صح..اه...
أجابه سهيل بهمس بينما يجز على أسنانه بغيظ:
_أكيد مش قصدي سهى يعني، اتحرك.
انتهى و عاد لرسم ابتسامة زائفة قبل أن يتحدث بصوت مرتفع موجهاً حديثه للطلاب:
_طبعاً انتوا عارفين إن احنا بقينا في القرن التلاتين و أي حاجة دلوقتي ممكنة، قولولي..في حد منكم عنده مواهب أو مميزات غريبة؟!
كان السؤال يبدو عادياً بالنسبة للأشخاص الطبيعين لكن الموهوبين كانوا سيفكرون في السؤال بشكل آخر و كان الهدف من السؤال جعلهم يفكرون في قدراتهم حتى يسهل على زين قرائة أفكارهم عندما يلمسهم عن عمد بينما يسلم لهم الأوراق.
و على الرغم من استغراب الطلاب للتغير المفاجئ في شخصيته من الحزم و البرود إلى سؤال عشوائي لا علاقة له بالمنهاج إلا أنهم بدأوا بالتفاعل معه بالفعل في حين كان يؤدي زين مهمته بصمت.
___________________
في المساء:
على شاطئ البحر الأحمر في مدينة الغردقة كان يسير كنان بعد أن خلع حذائه.
يطير الهواء البارد شعره الطويل الذي يربطه للخلف في مشهد أثيري.
كان يتوقف بين الحين و الآخر لينظر في المياه و كأنه يفتش عن شئ ما هناك قبل أن يتنهد أخيراً و يجلس على أحد الصخور باستسلام.
مرت عشر دقائق كاملة بينما يطالع السماء قبل أن يستمع فجأة إلى صوت قريب:
_كنان..
نطق أحدهم بصوت أنثوي رقيق و جميل للغاية ليبتسم بجانبية....لقد سقط الفأر في المصيدة و أخيراً.
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
