رواية الراتل الفصل الثلاثون 30 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل الثلاثون 

_ صاحب ترند العجل وصل يا جماعة

كان هذا تهليل عزيز الساخر من حمزة، فقد رأي الجميع المقطع المصور على مواقع التواصل الإجتماعي، والذي تداوله عدد لا بأس به من رواد التواصل الإجتماعي مع بعض العبارات الساخرة، تأفف حمزة وأزاحه من أمامه، يخطو خطواته منهكة إتجاه الأريكة التي ارتمى عليها بكل ثقله، فتحدث صهيب الذي كان يخرج من الرواق بيده زجاجة مياة صغيرة :
_ فضحتنا في كل حتة، ذنبه اية الطفل البريئ يطلع يلاقي لابوه فيديو بالمنظر دا

جلس إلياس على المقعد المقابل لداوود، وقال بسخرية :
_ كان نازل يصور واحد العجل بيجري وراه، العجل ساب الراجل وجري ورا حمزة 

تعالت صوت ضحكتهم الرجولية تحتل المكان بهيبة، فأقتربت السيدة لقاء من حمزة تحيط كتفه، وقامت بتوبيخ الجميع :
_ أنتم بتتريقوا بدل ما تشوفه أخوكم حصله اية

ضم حمزة عمته بكل ما يحمل لها من حب، وقال :
_ تسلميلي يا غالية، يخليكِ ليا 

أشار داوود بيده نحو حمزة، واستهزاء قائلًا :
_ ما هو كويس اهو يا لوكا، وزي العجل 

ازدادت الضحكات عليه أكثر، فرمقته السيدة لقاء بعتابٍ غامزة بعينها ألا يفعل، ثم أشارت بيدها للفتيات وقالت :
_ يلا يا بنات، خلينا نحط الأكل 

اقتربت كنزي ببطء من زوجها، وجلست إلى جواره تمرر كفها على كتفه برفقٍ ولطف، وسألت قلقة :
_ أنتَ كويس، حصلك حاجة 

أحاط كتفها يقبل رأسها ممتنًا لقلبها القلق، بينما يخرج الهاتف من جيبه، ومد يده بالهاتف لها يقول مازحًا :
_ طلعتلك بفيديو من اللي قلبك يحبو

أخذت الهاتف وسألت بجدية :
_ دا غير الفيديو بتاعك 

دفع رأسها برفقٍ ولطف، وقال مغتاظًا :
_ قومي يا بت من هنا

ضحكت بخفةٍ واضعة يدها على فمها، ثم همست معتذرة منه وتخبره أنها تمزح ليس إلا .
وضعت الفتيات الطعام على الطاولة، وأخذ كلًا مكانه بالمقعد المخصص له جوار زوجته، لكن حمزة ذهب ليغسل يده ووجهه من أثر ما تعرض له اليوم، وعندما جاء كان بيده صحن كبير ممتلئ بالحمام المحشو بلونه الذهبي الشهي، أخذ واحدة من الصحن يقضمها بتلذذ وقال بعتابٍ لعمته :
_ مخبية الحمام المحشي لية يا لوكا، مكمراه لمين ؟

نظرت السيدة لقاء إلى صهيب الذي أوصاها بعدم أخراج الحمام أمام زوجته، ليزفر بضيقٍ قبل أن يصيح بنفاذ صبر :
_ حسبي الله ونعم الوكيل 

وقف صهيب عن المقعد قبل أن تنتبه زوجته التي تتحدث مع كنزي بإهتمام، وتقدم من شقيقه سريعًا، يدفعه نحو الداخل قائلًا :
_ دخلوا جوا يا حمزة خلينا نعرف ناكل، مراتي هتنهار لو شوفتهم على الترابيزة 

نظر حمزة نحو زوجة أخيه، ثم نظر إلى شقيقه متسائلًا بتهكم :
_ لية؟، هما قرايبها

تأفف صهيب ودفعه بحدةٍ نحو المطبخ قائلًا :
_ روح حطهم مكانهم يالا

رمقه حمزة بسخطٍ قبل أن يتوجه نحو المطبخ، يتمتم غاضبًا ببعض الكلمات الغير مفهومة، غالبًا كان يسب شقيقه وزوجته .

بينما على الطاولة كان داوود شارد، لم ينتبه إلى حديث زوجته أبدًا، يعبث بالملعقة في صحنه، يوزع الطعام على جانبي الصحن يفرغ المنتصف دون قصدٍ منه، مسدت رحيل على كتفه بحنو، فانتبه إليها، والتفت إليها مبتسمًا يسأل بنظراته عما تريد، فهمست متسائلة :
_ مالك، في حاجة مضايقاك ؟

نفى برأسه، وقال بنبرةٍ خافتة كي يطمأنها :
_ لا يا حبيبي كويس، دماغي بس في الشغل 

زجرته بنظراتٍ حادة، وحذرته أن يكذب عليها:
_ داوود 

مد كفه يلملم خصلات شعرها إلى الخلف، وقال :
_ صدقيني مفيش حاجة، أنا تمام 

ترك الملعقة ووقف يتخلى عن مقعده، فسألت بلهفةٍ تمسك بكف يده :
_ رايح فين ؟

ابتسم مجددًا يعبث بمشاكسة بخصلات شعرها، وأجابها :
_ هطلع أشوف ضرغام ونازل

أعاد المقعد كما كان، وأشار إلى شقيقه قائلًا بنبرةٍ استشعر بها الآخر جدية الأمر :
_ خلص وتعالى ورايا يا إلياس 

وقبل أن يغلق باب الشقة، كان شقيقه يلحق به ومعه حمزة الذي أغلق الباب، وجذب داوود من ذراعه بعيدًا، يسأل بجدية وعيناه قد التمعت بشرر غاضب :
_ لقيت الواد اللي ظهر في الكاميرا، اللي حرق السنتر يعني

_ لقيته بس مش هتروح لوحدك 

رفع سبابته محذرًا إياه من التهور كالمعتاد، فزفر حمزة بضيقٍ ظهر جليًا على ملامحه وقال بنفاذ صبر :
_ العنوان يا داوود 

راقب داوود تعابير وجهه، ثم التفت يصعد الدرج قائلًا بجمود ؛
_ حاضر لما أنزل هديلك العنوان، ها تحب تطلع معايا لضرغام ؟

أنتفض حمزة مبتعدًا إلى الخلف، يدفع إلياس نحو الدرج ليصعد خلف شقيقه، وقال مذعورًا يخرج المفتاح من جيب بنطاله :
_ اية، ضرغام، لا يا عم شكرًا 

***********************************
وقف حمزة على باب بناية متهالكة في أحد المناطق النائية، يحرك المفاتيح بين أصابعه يدندن بخفوتٍ أغنيته المفضلة، عيناه تتربصان الطريق بأعين تزداد حدة كلما مر ما يفكر به على ذهنه .
انتبه حين رأى من ينتظره يتقدم نحوه، اعتدل بوقفته وقبل أن يخطو الشاب الأسمر ذو الجسم النحيل البوابة عرقله حمزة بقدمه، فأمسك الشاب بالبوابة الحديدية يستند عليها حتى يتوازن، ثم التفت إلى حمزة ينظر إليه نظرات حادة، ودفعه بكتفه يهتف :
_ ما تلم رجلك يا صاحبي، ولا أنت عايز تتروق 

انفرجت شفتي حمزة بابتسامة متوعدة، وبحركة سريعة فتح البوابة بيده، والأخرى أمسكت بتلابيب ملابس الشاب يجره معه نحو الداخل، وقال من بين أسنانه :
_ لا بحب الترويق

دفعه نحو الحائط بحدةٍ مغلقًا الباب خلفه، ثم اقترب منه يقبض على عنقه يضغط جسده أكثر بالحائط، فصرخ يسأل عن هويته، ويحاول التملص من بين قبضته :
_ هو في اية، أنتَ مين يالا ؟

أمسك بذقنه يجعله ينظر إلى الدرج عنوة، وقال مشيرًا إلى تلك المياة التي تتسرب ببطء إلى الأسفل :
_ اللي بيجري على السلم مش ماية، دا بنزين زي اللي ولعت بيه في محل مراتي 

اخترقت رائحة البنزين أنفه فجأة بعدما كان غافل عنها، فظهر الفزع على وجهه، وتجمد محله مرتجفًا، يبتلع ريقه بصعوبةٍ، ورغم ذلك أنكر بنبرةٍ متلعثمة :
_ مراتك اية، وولعت في اية، أنتَ هتتبلى عليا 

كان رد حمزة ودون ترددٍ صفعة على مؤخرة عنقه، وقال مهددًا :
_ طب انكر براحتك، البنزين دا واصل لشقتك، وعقب سجارة هتولع باللي فيها

تراقص الذعر بمقلتي الشاب، وأمسك بيده يتوسل له ألا يفعل :
_ لا، ابني فوق ومريض 

رغم تأثر حمزة بتلك الجملة إلا أنه لم يظهر ذلك، وأخرج من جيب بنطاله قداحة، يشهرها أمام وجهه وقال بابتسامة عريضة تؤكد أنه سيشعل النار بالبناية :
_ أنتَ خايف على ابنك دلوقتي، ومخفتش لية وأنتَ بتولع في مكان في ست حامل 

صرخ الآخر يدافع عن نفسه، بينما يحاول الوصول إلى القداحة :
_ والله مكنت اعرف، هما قالولي أن المكان فاضي 

سأل حمزة عمن دفعه لفعل ذلك، رغم علمه التام بمن المتسبب، لكنه فضل أخذ الخيط من بداية طرفه :
_ مين ؟

ساد الصمت لثوانٍ رفع فيها حمزة غطاء القداحة، يهدده بوضوح، فأمسك الشاب بيده يمنعه من اشعال النار وصاح معترفًا :
_ واحدة عندها محل ملابس اسمها ريهام وصاحبتها 

ضغط حمزة على أسنانه، ودفعه بعنفٍ إتجاه الحائط، دس القداحة في جيبه، منهيًا هذ التهديد .
ثم أخرج الهاتف يهاتف داوود الذي يقف بالأعلى، فنزل بهدوءٍ على الدرج، يحمل على ذراعه طفل صغير في الرابعة من عمره، يشبه والده إلى حد كبير، فأسرع يأخذ ولده عن ذراع داوود في لهفةٍ يتفحصه خوفًا أن يكون قد أصابه مكروه .
داعب داوود خصلات شعر الصغير بحنو، وقال بجدية :
_ لو ساعدتنا، هنساعدك في علاجه

ظهر السعادة جلية على وجهه، وأحضن ابنه يحتويه بين ذراعيه قائلًا :
_ أساعدك يا باشا، على رأسي 

***********************************
في شقة داوود، وتحديدًا بغرفة المكتب اجتمع مع شقيقه وابن عمه، وعزيز، ووقف يجمع الهواتف المحمولة في صندوق خشبي، وبلا جدال وضع الجميع الهاتف، وأخرج داوود الصندوق خارج الغرفة، وعاد يجلس محله على مقعد المكتب، فجاء سؤال حمزة فضوليًا حين قال :
_ في اية يا داوود، لية كل الأكشن دا ؟

اراح داوود ظهره إلى الخلف، وقال :
_ بعدين هتعرف، المهم محدش يتكلم عن الشغل وهو معاه الموبايل نهائيًا

رفع سبابته محذرًا في نهاية جملته، فأومأ إلياس برأسه وقال مطيعًا قبل أعتراض حمزة بسؤال آخر، فيتبعثر الوسط :
_ اعتبره حصل 

_ المهمة الجديدة، أخطر من أي حاجة عدت علينا قبل كدا

قالها داوود بهدوءٍ يتبابعهم بعينيه، وكان السؤال التالي من حمزة كما المتوقع :
_ اشمعنا ؟

ابتسم داوود بسمة يعرفها الجميع، وقال بنبرةٍ ماكرة :
_ خلاص هنواجه اخر محطة قبل الاعتزال 

سأل عزيز بحماسٍ، وقد توسعت عيناه فضولًا :
_ لقيت الكبير ؟

_ لقيته، المهم نقدر نخطط كويس اوي لكل حاجة 

أنهى جملته الجادة، ثم رفع سبابته محذرًا، يوجه الحديث نحو حمزة بالأخص :
_ ومفيش حد هيعمل حاجة من دماغه، ياما كلنا هنروح في داهية 

ضرب حمزة كفًا بكف، وقال :
_ كدا احنا محتاجين نطبع استيكر جديد اللي معايا خلص 

تأفف إلياس في ضيقٍ، ودفع حمزة في كتفه قائلًا :
_ يارب الرحمة، يابني ستيكر اية اللي هتتطبعه

أخرج حمزة تلك اللاصقة المطبوع عليها ثلاث مخالب لحيوان بري يزينه حرف الراء، وأشهره أمام وجهه مفسرًا :
_ التلات مخالب بتاع الراتل، متعديش مهمة من غيره 

زفر داوود، ولوح بيده منفعًلا، ثم قال :
_ طب محدش ياخد على كلام البغل دا، وركزوا معايا عشان الموضوع مهم

وقبل أن يكمل حديثه، استمع إلى صوت طرقات على الباب، وصوت زوجته تخبره :
_ داوود، العصير 

وقف عن المقعد وقال :
_ أدخلي يا رحيل

فتحت الباب، وتقدمت نحو الداخل بخطى هادئة، فأقبل عليها يأخذ الحامل المعدني من يدها، وقال بحب :
_ تسلم ايدك يا حبيبتي 

اتسعت ابتسامتها، ونظرت إليها بعينيها اللامعتين بوميض عشقه، وهمست خجلة :
_ تسلملي 

نظرت خلفه حيث الإجتماع المغلق، وراودها قلق من محتوى هذا الإجتماع وقالت محذرة :
_ داوود، أنتَ وعدتني

ابتسم داوود ومد يده الحرة يمسد على خصلات شعرها، وقال يطمأنها على ما يفعله :
_ متقلقيش يا حبيبي

جاء صوت حمزة من خلفهما يقول ساخرًا :
_ اية يا داوود نجي وقت تاني ؟

تركته رحيل على الفور وغادرت الغرفة يلتهمها الخجل، بينما التفت داوود إلى حمزة يضغط على شفتيه بغضبٍ يكاد يحرقه، فالتفت عنه يبتعد عن مرمى بصره، ومال على إلياس يقول يلهي داوود عنه :
_ وأنتَ هترجع لخطيبتك أمتى يا إلياس ؟

************************************
طرق عمر باب غرفة شقيقته، فلم يأتي منها رد، فأخذ يطرق على الباب من جديد بلا توقف حتى فتحت الباب ببطء، وتركته ودلفت إلى الداخل تحاول الاتزان دون حذاءها الطبي، زفر بضيقٍ ودلف خلفها يسرع لمساعدتها .
جلست على الفراش، وجلس إلى جوارها شقيقها، يمسد على خصلات شعرها متسائلًا :
_ اية يا حبيبتي مروحتيش الجامعة لية ؟

همست بنبرةٍ خافتة يشوبها الضعف :
_ مقدرتش 

حمحم عمر وسأل مجددًا بتردد :
_ إلياس كلمك ؟

نفت برأسها، وقد ظهر الدموع بعينيها، تجيب مختنقة بالعبرات :
_ لا، وشكله خلاص مش هيتكلم 

أحاط عمر كتفها، وبرر حتى يزيح ذلك الحزن عن محياها :
_ هو قالك فكري، يعني مستني الرد منك أنتِ

صمتت دون إجابة، فبحث عن هاتفها، وحين وجده وقف يأخذه، ثم مده لها يحثها على مهاتفته قائلًا :
_ كلميه، وقوليله يجي البيت أنا مش نازل هستناه

وعندما أخذت منه الهاتف، انبعثت رجفة قوية بجسدها، واضطربت دقات قلبها أثر الارتباك، ضغطت على رقمه بأنامل مرتجفة تخشى ردة فعله، تخشى أن يرفضها هو ردًا لكرامته الصفعة بأخرى أشد قسوة منها، تكالبت عليها الأفكار السوداوية حين لم تلقى منه رد، وبعد أن أعادت الإتصال عدة مرات، جاءها الرد الذي جعل قلبها يقع صريعًا من شدة الخوف، ورأسها تتحرك نافية تصديق ما تستمع له .

***********************************
_ قولت اية يا إلياس، يا بني متنشفوش ريقي بقى دي مكنتش خطوبة 

رددها عزيز بنفاذ صبر، في طريق العودة إلى منزل عائلة القاضي حيث تعطلت سيارته، فأضطر إلى مرافقة إلياس بسيارته، وقد استغل الفرصة وحاول إقناعه لإتمام خطبته بشقيقته نغم، تأفف إلياس يضع يده على رأسه الذي أصابه الألم من ثرثرة عزيز التي لا تنتهِ، فصرخ به غاضبًا :
_ بطل رغي بقى، خدها يا عم من بكرا وحل عن أمي 

صفق عزيز بيديه، وصاح مهللًا :
_ طب ما كان من الأول لية البهدلة 

قال إلياس مبتسمًا باقتضابٍ :
_ معلش احنا غلطانين في حقك

فقام من محله يطبع قبلة على وجنته، فحاول إلياس دفعه عنه مشمئزًا، وبين المشاكسات الطفولية بينهما التي لا تظهر كثيرًا، فقد إلياس سيطرته على السيارة، فحاول عزيز مساعدته في السيطرة عليها، لكن لم يتمكن من فعل ذلك، فأرتطمت السيارة بشجرة عتيقة تقع أمام منزل عائلته، ثم انقلبت رأسًا على عقب .
بينما تصاعد الدخان من مقدمة السيارة، تصاعد معها رنين صدى صوت جديد، لم يكن يخرج في أي وقت من الأوقات، ولم توقع أن يخرج من الأصل، كان الصوت يخص نغم التي كانت تقف بالشرفة تنتظر مجيئ خطيبها، فكانت صرختها مذبوحة تشق الارجاء :
_ إلياس !!

تعليقات