رواية تعافيت بك الفصل الثاني بقلم أيات عاطف
_عايز ايه يا خالد؟
اتلفت ناحيتي بسرعة، وصوته كان مليان رجاء غريب:
-عايز نتكلم يا فيروز.
رفعت حاجبي بسخرية وأنا باخد نفس تقيل:
_نتكلم في إيه يا خالد؟ خلاص ما بقاش في كلام يتقال بينا.
اتنهد بقوة ومسح على وشه بإيده كأنه بيحاول يلم نفسه:
-لا، فيه يا فيروز… فيه كلام كتير. أنا آسف، بجد آسف. عارف إن اللي قلته ماكنش ينفع يتقال، أنا اتصدمت… بس إنتِ كمان كان لازم تقوليلي حاجة زي كده. إزاي أخبيتي عني حاجة كبيرة بالشكل ده؟
ضحكت بسخرية، دموعي محبوسة جوا عنيا بالعافية:
_يعني أنا دلوقتي الغلطانة؟! برافو يا خالد.
هو حاول يقرب مني، صوته بدأ يتهز:
-لا مش قصدي كده.
أنا… أنا كنت خايف عليكي.
قطعت كلامه بحدة:
_بص يا خالد، خلينا ننهي الحكاية دي. مابقاش في نصيب، وأنتَ رجعت خدت دبلتك وخلاص. خلّيني ف حالي بقى.
قولت الجملة دي وأنا بلف وامشي، ما استنيتش حتى أسمع ردّه. خطواتي كانت سريعة، قلبي بيتخبط جوايا زي الطبول، وأنا مش عارفة رايحة على فين. ماقدرتش أرجع البيت… كنت مخنوقة، كل حاجة حواليا بتضغط على نفسي، حتى الهوا ماكنش بيدخل صدري.
فضلت ألف في الشوارع لحد ما رجليا وجعتني، وقعدت على كرسي معدني ع الرصيف. أخدت نفسي بصعوبة، قلبي كان بيوجعني وكأنه بيتعصر بين إيدين حد قاسي. فضلت كده فترة لحد ما ضربات قلبي ابتدت تهدى شوية.
كنت هقوم وأمشي، لكن حسيت بظل حد قاعد جمبي. التفت بخفة لقيت نفس الشخص الغريب اللي شُفته قبل كده…
الشخص اللي وجوده لوحده بيخليني مش مرتاحة.
بصيتله من طرف عيني، وما اتكلمتش. وهو كمان ما اتكلمش.
سكتنا سوا كأن بينا حوار صامت محدش فينا عايز يبدأه.
فضلنا قاعدين على الوضع ده فترة طويلة، والهدوء كان يقطع في أعصابي. لحد ما اتنفست بحدة وقولت:
_طالما حضرتك مش ناوي تتكلم، يبقى أقوم أمشي أحسن.
قومت، ولسه باخد أول خطوة،
صوته جه ورايا زي السكينة اللي اتغرست فجأة في قلبي:
-ليه رافضة العلاج يا فيروز؟
وقفت في مكاني، جسمي كله اتجمد. التفتتله بصدمة،
صوتي اتكسر وأنا أقول:
_إنت… إنت جبت الكلام ده منين؟!
وقف قصادي، عينه فيها هدوء غريب بس في نفس الوقت مخيف:
-زي ما قولتلك قبل كده الأيام هتعرّفك حاجات كتير أوي عني.
قال الجملة دي ومشي بهدوء كأنه مش سايب
ورا ضهره قنبلة اتفجرت في حياتي.
اتكلمت بعصبية وأنا بصرخ:
_إنت عايز مني إيه؟!
إبعد عني إنت إنسان غريب،
وأنا مش عايزة حد في حياتي!
بس ماكانش فيه حد قدامي
اختفى، زي ما جه بالظبط.
مشيت وأنا مخنوقة أكتر، دموعي محبوسة في عنيا، وحسيت إني على وشك أنفجر. وأنا راجعة لقيت خالد…
كان قاعد في كافيه مع بنت، وضحكته ماليه وشه،
ودي كانت الضربة القاضية. البنت كانت قريبة منه بطريقة وجعت قلبي،
كأنه لقى حضن بديل بسهولة.
عيني غمروها الدموع، ماقدرتش أستحمل. قلبي اتوجع أكتر من أي مرة، حسيت إني انهنت… إنّي خلاص ما بقيتش تفرق.
جريت بعيد، دموعي بتنزل وما بشوفش قدامي. لقيت نفسي واقفة في نص الطريق، جسمي بيرتعش، نفسي بيتقطع، وقلبي بيخبط بقوة.
وفجأة صوت زمارة عربية اخترق وداني،
وصوت حد بيصرخ باسمي:
-حاااسبي يا فيروز!
دي كانت آخر كلمة دخلت وداني قبل ما العربية تخبطني.
لحظة سريعة بس كأن الزمن وقف.
شريط حياتي كله عدى قدام عيني، ذكريات صغيرة وكبيرة،
كل الوجع اللي عشته، وكل لحظة فرح قليلة اتسرقت مني.
بعدها حسيت الدنيا بتسود، أصوات الناس حواليا عالية، كلهم متجمعين بيبصوا عليا وبيتهامسوا.
ما كنتش سامعة غير صوت واحد كان بيزعق بصوت عالي،
يطلب الإسعاف بجنون، كأنه مش فارق معاه أي حد غيري.
ومن هنا أنا استسلمت. جسمي بقى تقيل،
نفسي ما بقاش يطلع. وفقدت الوعي.
---
جريت عليها بكل قوتي،
شايلها بين دراعي وأنا داخل المستشفي:
-إنتو يا بهايم! حد يجيب ترولي بسرعة بدل ما البنت دي تموت في إيدي!
كنت مرعوب.. مرعوب عليها.
مش هسامح نفسي لو حصَل لها حاجة.
دخلنا الطوارئ، والدكتور المناوب بصلي بسرعة وقال:
-دكتور يونس، حطها هنا فورًا!
أنا بصوت أوامر:
-دخلوا البنت أوضة العمليات حالًا…
يلا بسرعة!
وقفوا يفحصوها، وأنا واقف قلبي بيخبط، مش عارف أستنى إزاي.
كانوا بيشوفوا لو في نزيف داخلي، لو في كسور خطيرة. الحمد لله طلع عندها كسور في إيديها وجروح سطحية، مفيش نزيف.
بس اللي كان مقلقني أكتر من أي حاجة…
إنها مريضة سرطان. أي صدمة أو نزيف بسيط ممكن يبوظ كل حاجة.
وقفت برا أوضة العمليات، وبكلم نفسي:
"لو ما كنتش شفتها في آخر لحظة…
كان زمانها دلوقتي مش هنا. يا رب خليها بخير، أرجوك."
ولما اتطمنت إن حالتها مستقرة،
لقيتني بقول لنفسي كأني بكلم ناس في خيالي:
-أكيد كلكم مستغربين أنا مين،
وليه ببقى موجود في حياة فيروز طول الوقت، هقولكم.
أنا دكتور يونس.
او الرجل الغامض اللي بيظهر لفيروز في أوقات غريبة.
أنا عارفها من المستشفى، لأنها مريضة هنا.
لكن أنا… أنا اللي من بعيد اتعلقت بيها.
مشيت وراها من غير ما تاخد بالها، مش عشان أراقبها…
لكن عشان أحميها.
أنا مش بطاردها… أنا بحبها. بحبها أوي.
كل اللي نفسي فيه إنها تكمل علاجها،
إنها ما تستسلمش للوجع اللي جواها.
بس عمري ما قلتلها إني دكتور… خايف تفهمني غلط،
تفتكر إني بعمل كده عشان مصلحتي أو عشان شغل.
لأ أنا فعلاً بحبها، وهافضل جنبها لحد ما تبقى بخير.
---
بعد شوية، لقيت ست ملامحها كلها خوف وقلق.
أول ما شُفتها حسيت إنها قريبة ليها. رحت لها وقلت بهدوء:
-حضرتك تقربي لفيروز؟
بصتلي بسرعة، صوتها بيتقطع من الرعب:
-أيوه يا ابني هي فين؟
جرالها حاجة؟
ابتسمت لها مطمئن:
-اطمني، هي بخير. محتاجة ترتاح شوية بس.
دموعها نزلت وهي تقول:
-الحمدلله الحمدلله يا رب.
خليتها تقعد تستريح، ورجعت أنا على مكتبي.
قفلت الباب عليا وقعدت على الكرسي. فضلت أفكر…
"إزاي واحدة زيها، بالجمال ده، تفضل حزينة طول الوقت؟
ليه القدر مصمم يكسرها كل شوية؟"
تنهدت وأنا بهمس لنفسي:
-فيروز انتِ ما تستاهليش الزعل ده كله…
تستاهلي تضحكي وتعيشي مبسوطة.
التعب غلبني، وعيني غفلت وأنا لسه بفكر فيها.
---
وفجأة، صحيت على صوت دوشة وهرج برا. خبطات قوية على باب مكتبي، والممرضة اندفعت وهي بتقول بصوت عالي:
-الحقنا يا دكتور!
الحالة اللي في أوضة 106، حالتها مش مستقرة!
وقتها قلبي وقع..
لأن 106 هي أوضة فيروز.
---
قمت أجري من غير ما حتى ألبس البالطو.
رجليّ سبقتني، وقلبي وقع في الأرض.
وصلت الأوضة، لقيت الدنيا مقلوبة. الممرضة بتحاول تمسكها،
وجهاز النبض بيرن بجنون.
اتقدمت بسرعة على السرير، قلبي بيدق كأني أنا المريض مش هي.
الممرضة بتجري ناحية الأجهزة وأنا ماسك إيد فيروز الباردة.
نَبضها ضعيف… ضعيف أوي.
قلت بصوت عالي ومرعوب:
_جهاز الصدمات بسرعة!
الممرضة طلعت الكارت الطبي وبدأت تقرألي الأرقام وهي مرعوبة،
وأنا بعيني مش قادر أبص غير على وشها.
وشها كان شاحب كأن الروح بتسيبها لحظة بلحظة،
وجوايا صوت واحد بيصرخ:
"ما تسيبهاش تموت يا يونس، مش هي مش فيروز."
حطيت السماعة على صدرها، النبض بيتلاشى.
صرخت:
_واحد، اتنين، تلاتة..
الجهاز صرخ بصوت عالي، جسمها اهتز لحظة،
وأنا حسيت قلبي بيتقطع نصين.
استنيت إشارة… أي إشارة.
لكن الخط كان مستقيم.
صرخت تاني وأنا مش شايف غير دموعي:
_كمان صدمة!
الممرضة بصتلي بخوف:
_دكتور مفيش نبض.
زودت الضغط بإيديا وأنا بعمل إنعاش صدري.
كل ضغطة كانت كأني برجع قلبي أنا مش قلبها.
_ارجعيلي يا فيروز ما تسيبينيش دلوقتي.
الممرضة مسكت الكانيولا، وأنا بحط إبرة بسرعة في وريدها.
صوت الأجهزة بيرن حوالينا زي موسيقى مرعبة،
بس أنا مش سامع غير صوت أنفاسي المتقطعة.
_ثبّتي جهاز الأكسچين، بسرعة!
ركبت الأنبوبة، ضخت أوكسچين، ورجعت للصدمات تاني.
_واحد، اتنين، تلاتة!
جسمها اهتز من جديد، وفجأة الخط اتكسر، بقى مش مستقيم.
قومت بسرعة أبص، في نبض ضعيف!
ضعيف جدًا لكنه موجود.
صرخت بفرحة ممزوجة بدموع:
_في نبض، في نبض!
الممرضة اتنهدت براحة وهي تقول:
_الحمد لله.
لكن أنا ما ارتحتش…
إيدي لسه ماسكة إيدها، ولساني بيردد من غير ما أتحكم:
_أنا هنا يا فيروز، أنا مش هسيبك.
اسمعيني، ما تستسلميش.
وشها لسه شاحب، جفونها شبه مقفولة،
لكن كأن في دمعة صغيرة لمعت على خدها.
حسيت إني خلاص هنهار.
فضلت ماسك إيدها بكل قوتي وأقرب من ودنها وأهمس:
_حتى لو العالم كله سابك، أنا مش هسيبك.
وبين كل صوت جهاز بيقيس حياتها،
كان قلبي هو اللي بيرجع يتعلم يعيش تاني.
---
خرجت من أوضة فيروز بعد ما اتأكدت إنها مستقرة. قلبي كان لسه بيدق بسرعة، بس على الأقل مطمّن إنها عدّت من الخطر المبدئي.
وأول ما طلعت لقيت ست واقفة في طرقة المستشفى، باين عليها القلق والخوف قاتلها. عينيها محمرة من الدموع،
ووشها شاحب. أول ما شافتني جريت عليا بصوت بيترعش:
-يا دكتور، فيروز عاملة إيه؟
هي كويسة؟
وقفت قدامها، قولت بهدوء عشان أطمنها:
-اطمني، حالتها مستقرة دلوقتي. محتاجة ترتاح بس.
الست دموعها نزلت غصب عنها، وقالت:
-الحمد لله.
أنا سألتها بهدوء:
-حضرتك تبقي إيه لفيروز؟
ردّت بسرعة:
-أنا خالتها، أنا أهلها وسندها الوحيد بعد ما اهلها توفو.
هزيت راسي بتفهم، بس كنت متردد أقول ولا لأ…
حسيت إنها لازم تعرف.
ابتلعت ريقي، وبصيت لها بجدية وقلت:
-طيب حضرتك عارفة إن فيروز عندها سرطان، صح؟
الكلمة وقعت عليها زي الصاعقة.
فتحت عينيها بصدمة، وقالت بصوت مبحوح:
-سرطان؟ حضرتك بتقول إيه!
إزاي؟! أنا ما أعرفش حاجة عن الموضوع ده!
اتسمرت في مكاني. قلبها اتقبض قدامي حرفيًا. فضلت تبكي وهي بتكرر:
-يعني فيروز طول الوقت مريضة وما قالتليش؟
إزاي تخبي عني!
قربت منها بهدوء، وحطيت إيدي على كتفها:
-أرجوكي اهدى فيروز اختارت ما تقولش يمكن عشان ما تقلقكيش.
هي شجاعة، بس جواها متكسّر.
كعشان كده لازم تبقي ليها دعم،
ما تواجهيهاش بالصدمة مرة واحدة.
رفعت وشها لي بعينين كلها دموع:
-وأنا أعمل إيه دلوقتي؟
قلبي هيتقطع عليها.
اتنهدت وقلت:
-عامليها كأنك عارفة إنها بتتألم، بس من غير ما تواجهيها بالكلمة نفسها. خليكي حنيّنة معاها، قرّبي منها، شجّعيها على العلاج.
فيروز محتاجة حضن أكتر من أي دوا.
فضلت تبصلي متأثرة بكلامي، وبعدين همست:
-ربنا يجازيك خير يا ابني…
إنت اللي واقف جنبها وقت أنا ما كنتش عارفة حاجة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت:
-أنا عملت اللي قلبي قاللي عليه…
واللي باقي كله في إيد ربنا.
وبصيت ناحية أوضة فيروز، وأنا جوايا دعاء واحد بيتكرر:
"يا رب، قوّيها وما تحرمنيش من ضحكتها."
---
كنت لسه قاعد مع خالتها في الطرقة، وهي مش مستوعبة لحد دلوقتي الصدمة اللي سمعتها مني. كل شوية تبص للأرض وتتمتم:
-سرطان يا ربي!
البنت لسه صغيرة ليه يا فيروز؟
ليه مخبّية عني؟
كنت بحاول أهديها بالكلام:
-خليكي قوية عشانها. هي محتاجة يتس إن في حد معاها،
مش حد هيزود وجعها.
وقتها الباب اتفتح، وخرجت الممرضة بصوت هادي:
-يا دكتور المريضة فاقت.
قمت بسرعة، حسيت بدمي بيجري في عروقي من القلق والفرحة في نفس الوقت. بصيت لخالتها وقولت:
-يلا بينا، ندخل نشوفها.
هي مسحت دموعها بإيدها وقالت بتوتر:
-أنا خايفة أقابلها دلوقتي.
ابتسمت لها بحنان:
-اطمني، وجودك معاها هيبقى دعم كبير ليها…
هي محتاجة حد قريب يطمنها.
دخلنا الأوضة، لقيتها نايمة على السرير،
عينيها نص مفتوحة ووشها شاحب بس لسه جميلة زي ما هي.
أنا قربت منها بهدوء:
-حمدلله على السلامة يا فيروز.
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
