رواية تعافيت بك الفصل الثالث بقلم أيات عاطف
-حمدلله على سلامتك يا فيروز.
اتسمرت في مكاني أول ما شُفته داخل الأوضة.
عيني اتسعت من الصدمة، قلبي وقف لحظة، وصوتي خرج متقطع:
_ إنت تاني؟! هو إنت بتراقبني ولا إيه؟!
هو ما اتوترش خالص، بالعكس…
ابتسم ابتسامة غريبة كأنها بتهديني من غير كلام:
-حاجة زي كده.
وبهدوء وهو بيقرب خطوة صغيرة، قال:
-بالمناسبة… أنا يونس.
وقف لحظة كأنه مستني ردة فعلي، وبعدين كمل:
-الدكتور المسؤول عن حالتك هنا في المستشفى.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.
اتجمدت، مش قادرة أنطق. دموعي اتحبست في عيني، مش فاهمة إذا كنت أزعل لأنه مخبي عليا ولا أرتاح لأنه طول الوقت موجود عشاني.
هو ما ادانيش فرصة أفتح بُوقي بكلمة،
اكتفى بابتسامة صغيرة، وخرج من الأوضة بخطوات هادية…
كأنه سيبني في عاصفة مشاعري أواجهها لوحدي.
ساعتها بس، سمعت صوت خالتو بيترعش من جنبي:
-فيروز إيه اللي بيحصل؟
التفت لها ودموعي أخيرًا نزلت، حسيت قلبي بيتقطع وأنا بهمس:
_يعني إنتِ عرفتي خلاص؟
بصتلي عينيها كلها دموع، صوتها متكسر:
-آه يا بنتي عرفت. ليه يا فيروز؟
ليه مخبيّة عني حاجة زي دي؟
إزاي تتحملي كل ده لوحدك؟
سكت شوية، قلبي بيتعصر وأنا مش عارفة أبتدي منين.
نزلت دموعي وأنا بقول:
_كنت خايفة يا خالتو، خايفة أشوف في عينيكي الشفقة.
أنا طول عمري بحاول أبان قوية، حتى وأنا من جوايا بتكسر.
مكنتش عايزة حد يحس إني خلاص ضعفت.
خالتـي قربت مني، مسكت إيدي بكل قوتها:
-يا حبيبتي، ده أنا خالتك، أمك التانية.
إزاي تفكري إني ممكن أسيبك أو أشفق عليكي؟
أنا كان لازم أبقى جنبك من الأول.
بكيت بحرقة، وأنا بصوت مخنوق:
_كنت حاسة إني لو قلتلك هتتألمي عشاني.
وأنا مش قادرة أستحمل أشوف دموعك بسببي.
كفاية دموعي أنا، كفاية وجعي أنا.
كنت عايزة أحميكي…
بس الظاهر إني وجعتك أكتر لما خبّيت.
خالتـي مسحت دموعها بسرعة وهي بتقول بحزم وسط دموعها:
-لا يا فيروز. اللي وجعني بجد إنك استحملت كل ده لوحدك. إنك صدقتي إنك مش ليكي سند.
أنا هنا يا بنتي… هنا لآخر يوم في عمري.
حضنتني بقوة وأنا ببكي زي طفلة صغيرة، وقلبي لأول مرة من زمان يحس إن في حضن آمن.
بين شهقات البكاء قلت:
_أنا تعبت يا خالتو، تعبت من المرض، من الوجع، من الوحدة. حتى خالد اللي كنت فاكرة هيسندني، طلع جرحني أكتر من أي حد.
كل مرة بفتكر ضحكته وهو مع البنت دي…
بحس إني ولا حاجة.
ربّتت على شعري وقالت بصوت كله حب:
-خالد مش مهم يا فيروز، اللي يستاهلك مش هيجرّحك.
وأنتِ مش قليلة، أنتِ نعمة وربنا بيحبك عشان بيختبرك.
بس أوعي تستسلمي للمرض…
أوعي تخلي خوفك يسبقك.
رفعت عيني لها وسط دموعي، همست:
_بس أنا مش قادرة يا خالتو…
جسمي تعبان، وروحي كمان تعبت.
أوقات بحس إني مش عايزة أكمل.
خالتـي شدتني أكتر لحضنها وقالت بدموعها:
-إنتِ هتكملـي، وأنا معاكي. هنعدّي ده سوا، فهماني؟
إنتِ مش لوحدك يا فيروز، عمرك ما هتبقي لوحدك تاني.
في اللحظة دي، حسيت إن في حاجة بتتصلح جوايا،
زي خيط رفيع بيربط قلبي المكسور من جديد.
يمكن مش كله، بس على الأقل بقى عندي سند أرجع له…
سند من لحمي ودمي.
---
خالتـي فضلت قاعدة جنبي فترة طويلة، إيدي في إيدها، عينيها كلها قلق عليّا.
فضلت تكلمني بحزم وحنان في نفس الوقت:
-فيروز، أنا مش هسيبك. ولازم تكملي علاجك، حتى لو تعبتي، حتى لو خفتي.
انتي مش لوحدك خلاص… أنا معاكي.
كنت ببص في عينيها وبحس إن كلامها جاي من قلبها فعلًا.
جوايا في مقاومة، لكن في نفس الوقت حسيت إني ما بقتش قادرة أرفض.
اتنهدت وأنا أهمس:
_تمام يا خالتي… هكمّل. مش هسيب نفسي.
ابتسمتلي وهي تمسح دموعي:
-أيوه كده. هتعدّي يا بنتي، وربنا هيعوضك خير.
بعد شوية، خالتـي قالت إنها هتنزل تجيبلي شوية حاجات وأكل خفيف من بره.
سيبتني وخرجت… وساعتها الأوضة سكتت بشكل غريب.
كان في هدوء تقيل بيضغط على صدري، لحد ما سمعت الباب بيتفتح تاني.
رفعت عيني ببطء… لقيته واقف.
يونس.
قرب بخطوات هادية، ابتسامة صغيرة على وشه وهو بيقول:
-ها… عاملة إيه دلوقتي؟
بصيتله باستغراب، جوايا ألف سؤال بيتصارع.
اتجمعت شجاعتي وسألت بصوت متردد:
_إنت ليه بتعمل كل ده معايا؟ ليه دايمًا بتظهر في حياتي فجأة؟
هو اتنهد، عينيه اتعلقت بيا، وصوته كان ثابت لكنه فيه حاجة مخبية:
-عشان… انتي بتأذي نفسك يا فيروز.
اتجمدت للحظة، وبعدين همست بحدة:
_طب وإنت مالك؟ ليه تهتم؟
سكت ثواني كأنه بيحاول يختار كلامه، وبعدين قال بهدوء يقطع القلب:
-عشان إنتِ تهميني يا فيروز.
الكلمة وقعت عليا كأنها حجر اتقذف في بحيرة راكدة.
قلبي اتخض… عيني اتسعت، وماعرفتش أرد.
أنا؟ أُهمّه؟
قعدت أبصله مش مصدقة… ولساني عاجز.
هو قعد على الكرسي اللي جمبي، صوته بقى أهدى:
-عارفة… من أول مرة شفتك في المستشفى، وأنا حاسس بحاجة غريبة ناحيتك.
مش مجرد مريضة… لأ، إنتِ مختلفة.
حسيت إنك بتوجعي نفسك، وإنك محتاجة حد يوقف جنبك… حتى لو من بعيد.
اتسارعت أنفاسي وأنا أهمس:
_بس إنتَ دكتور… المفروض علاقتك بيا تكون مجرد مهنة.
هز راسه، وقال بصوت مبحوح:
-يمكن… بس قلبي معندوش قوانين.
أنا حاولت أقاوم، حاولت أبعد… بس فشلت.
كل مرة بشوفك فيها، بلاقيني متعلّق بيكي أكتر.
كلامه كان بيكسرني من جوا، مش عارفة أبكي ولا أفرح.
قولت وأنا عيني مغرقة دموع:
_طيب… وإنت فاكر اهتمامك ده مش بيخليني أخاف؟
أنا تعبت من الوعود، من الناس اللي تقول هيفضلوا وتختفي.
أنا مش قادرة أتحمل أمل جديد ينكسر.
هو قرب مني أكتر، صوته مليان رجاء:
-أنا مش هختفي.
يمكن الدنيا كلها تبعد، بس أنا لأ.
مش جاي أوعدك بالكمال ولا بالسعادة المطلقة…
لكن أوعدك إني هافضل هنا… هافضل جنبك، حتى لو الطريق كله ظلام.
سكتت، مش قادرة أنطق. جوايا كان في حرب:
جزء عايز يصدقه، وجزء تاني خايف ينكسر تاني.
قلت بصوت متردد:
_أنا مش عايزة شفقة، ولا عايزة حد يفتكرني واجب.
ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:
-لو كنت شايفك واجب… مكنتش هنا دلوقتي.
أنا هنا عشان قلبي اختارك… مش عقلي.
الكلمات دي جرحتني وعالجتني في نفس الوقت.
فضلت أبصله في صمت، وهو كمان سايبني أفكر.
ماعرفتش أرد… بس قلبي كان بيدق بطريقة مختلفة، كأن لأول مرة من زمان… حسيت إن في حد شايفني بجد.
---
كان شهر كامل عدّى عليّا وأنا باخد جلسات الكيماوي بانتظام.
كنت كل يوم بحس إنّي بدبل أكتر، وملامحي بتتغيّر، حتى ضحكتي اللي كانت زمان بتطلع بسهولة بقت بتيجي بالعافية.
بس وسط التعب ده كله كنت مطمنة… مطمنة عشان يونس كان دايمًا جمبي، وخالتي ما سابتنيش لحظة.
كنت بشوف في عنيهم خوف عليّا بس في نفس الوقت دعم ما لقيتوش قبل كده من حد.
مع الوقت لقيت نفسي أتعلّق بيونس أوي من غير ما أحس…
بقى هو الشخص اللي بيهون عليّا، اللي بيقعد جنبي وأنا بعمل الجلسة من غير ما يشتكي، اللي بيشيل عني الكلام اللي مش قادرة أقوله حتى لخالتي.
وكل مرة كان بيبتسملي كنت بحس إن قلبي بيرتاح شوية رغم الألم اللي في جسمي.
وفي يوم من الأيام كان قاعد معايا في البيت، خالتي كانت نازلة تجيب شوية حاجات، وأنا وهو لوحدنا.
كنت قاعدة قصاده وبقلّب في إيديّ بقلق، عندي حاجة نفسي أقولها له من زمان بس كل مرة بخاف.
رفعت عيني له ولقيته بيبصلي بابتسامته اللي متعود عليها.
قلتله بهدوء:
– أنا عايزة أوريك حاجة.
هو بصلي باستغراب بسيط وقال بنبرة دافئة:
– حاجة إيه يا فيروز؟
بلعت ريقي وأنا ببصله، قلبي بيدق بسرعة.
قلتله:
– ثانية وجاية.
قمت ودخلت أوضتي، وقفت قدام المراية ثواني…
قلبي كان بيقوللي أعمليها بقى يا فيروز، كفاية خوف.
مسحت الميكب اللي كنت بحطه على وشي كل يوم عشان أغطي البهاق، نظرت لنفسي وأنا بوشي الحقيقي…
الوش اللي كنت بخبيه حتى عن نفسي.
نفسي كانت تقيلة وأنا خارجة له، خطواتي بطيئة، وإيديّ بتترعش.
أول ما دخلت الصالة لقيته لسه قاعد مكانه، ولما رفع عينه عليّا اتنح…
الصمت اللي نزل علينا كان تقيل.
عيونه كانت بتتأمل ملامحي كأنه شايفني لأول مرة.
وقفت قدامه وقلت بصوت مهزوز بس فيه شجاعة:
– حبيت أعرفك حقيقتي.
كان ساكت، مش بيرد، وأنا قلبي بيدق أكتر وأكتر.
قلقت من سكوته وبصيت في الأرض وأنا همست:
– كنت خايفة من اللحظة دي… خايفة تبصلي غير الأول.
بعد لحظات حسيتها سنين، قام من مكانه ووقف قدامي.
بصلي بتركيز غريب، قرب مني لحد ما بقيت حاسة نفسه،
مدّ إيده ومسك إيدي برفق كأنه خايف يوجعني، وبعدها بكل هدوء رفع إيدي وباسها.
عينيّ اتسعت من المفاجأة، وهو قال بصوت صادق يهز القلب:
– إنتِ أجمل حد أنا شوفته في حياتي، يا فيروز.
مش عايزك تستخبي تاني… إنتِ بجد ما تعرفيش إنتِ جميلة قد إيه.
خليكِ دايمًا واثقة في ده.
حسيت وقتها إن قلبي هينفجر من السعادة… مش سعادة شكلية، سعادة حقيقية، زي اللي بتحسها لما تلاقي نفسك مقبولة لأول مرة من غير أقنعة.
ابتسمتله بسعادة ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
قلتله بهدوء:
– شكراً إنك موجود.
ابتسامته كانت أوسع، وصوته كان مليان وعد:
– هافضل على طول موجود.
وقتها حسيت إنّي مش بس لقيت حد يقف جمبي في مرضي…
لأ، لقيت حد شايفني أنا… فيروز الحقيقية.
---
ست شهور عدّوا كإنهم عمر كامل…
ست شهور ما بين جلسات الكيماوي، والتعب اللي بيدوّب الجسد، والدموع اللي مش بتبان قدام الناس…
ست شهور كان فيهم خوف كبير، وأمل صغير بحاول أمسك فيه عشان ما أغرقش.
النهاردة كان اليوم اللي مستنيّاه من أول ما بدأت رحلة العلاج.
النهاردة النتيجة هتظهر.
كنت قاعدة على الكنبة في الصالة، إيدي بتترعش وأنا بضغط على صوابعي عشان ما يبانش خوفي.
خالتي كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي بإيدها وبتحاول تطمّني، بس ملامحها كانت واضحة… هي كمان قلبها بيتخلّع.
قالتلي بصوت هادي رغم إن عينيها بتلمع:
– ما تقلقيش يا فيروز، ربنا كبير، ويمكن يكون كتبلك الشفا النهاردة.
ابتسمت ابتسامة باهتة وأنا ببص لها:
– بس أنا خايفة يا خالتي… خايفة أفتح الورق ألاقي كل اللي استحملته كان على الفاضي.
شدت على إيدي أكتر وقالت:
– حتى لو… إنتي قوية، وأهو ست شهور عدّوا، وهتعدّي الباقي برضه.
– قوية؟! أنا من جوايا حاسة إني هنهار في أي لحظة.
– بس ما انهرتيش، ما استسلمتيش، فضّلتي واقفة. وده لوحده أكبر قوة.
سكتنا شوية، وأنا ببص في الأرض والدموع محبوسة جوا عيني.
كنت حاسة إن الدقايق بتمشي أبطأ من أي وقت.
وفجأة… حد خبّط على الباب.
اتجمدت في مكاني، قلبي وقف لحظة قبل ما يرجع يدق بسرعة.
بصيت لخالتي بخوف، وهي قامت تبص من العين السحرية وقالت:
– ده يونس.
قمت بسرعة وفتحت الباب.
كان واقف قدامي، هادي زي العادة، ماسك ظرف في إيده.
عينه وقعت على عيني وقال بنبرة واطية بس مليانة معنى:
– نتيجة التحاليل طلعت… وأنا جبتها عشان نفتحها سوا.
اتسمرت مكاني، صوتي خرج متقطع:
– يعني… يعني موجودة دلوقتي؟
هز راسه بالإيجاب، وبسط الظرف ناحية إيدي.
رجعت خطوتين لورا وأنا بفسحله الطريق يدخل.
دخل وقعد، وأنا قفلت الباب وحسيت إن رجليّ مش شايلاني.
قعدت قصاده وخالتي جمبي، وعيوني مثبتة على الظرف اللي في إيده كأنه هيفتح عليّا باب الجنة… أو يرميّني في جهنم.
يونس فضل ساكت لحظات، كأنه بيلم شجاعته، وبعدين فتح الظرف بإيده بهدوء…
سحب الورق وبص فيه.
ثواني مرّت، بس أنا حسيتها دقايق طويلة.
كنت ببصله، ملامحه اتغيرت… عنيه اتسعت، ووشه اتشد بصدمه واضحة.
قلبي وقع في الأرض.
– في إيه يا يونس؟! قلّي بسرعة…
لكنه ما ردش…
فضل ماسك الورق وباصص فيه، كأنه مش مصدق اللي قدامه.
---
