![]() |
رواية الشبح العاشق الجزء الثاني الفصل الخامس بقلم رباب حسين
أشتاق إليكِ حد الوجع وأضيق من غيابكِ المتكرر الذي ينهش أيامي كأنه عقاب لا ينتهي.... كلما رحلتِ شعرت أنني أفقد شيئًا من نفسي ومع ذلك أعود إليكِ في كل مرة ضعيفًا كما كنت.... لا أملك القوة لأواجهكِ ولا الجرأة لأعاتبكِ.... أعلم أنه رغمًا عنكِ ولكن من يقنع قلبي الباحث عنكِ بين أحضاني.... أنا الذي كنت أظنني أقوى من كل شيء صرت أضعف ما يكون أمامكِ.... أنتظر حمايتكِ فأنتي مصدر الأمان لي وليس العكس.... كم يجرح هذا الشعور كرامتي كرجل ومع ذلك نظرة منكِ تعيدني طفلًا يتيم.... قليل الحيلة بين أصابعكِ.... غريبٌ أمري.... أنا الذي قاومت قسوة العالم لا أستطيع مقاومة غيابكِ ولا أستطيع احتمالكِ حين تبتعدين..... أعرف أنكِ الأقوى وأني أذوب في حضوركِ كما يذوب الجليد تحت الشمس..... ومع ذلك أظل أشتاق إليكِ وأنتظر عودتكِ كأني لم أتعلم أبدًا كيف أعيش دونكِ....
تركته وذهبت.... نداء الواجب والمسئولية التي تقع على عاتقها كانت أقوى من حبها له... كانت تظن أنه سيتفهم.... سيعذر.... ولكن لم تعلم أن هناك من زرع الحقد بينهما.... هذا الآسر الذي يشعر بالأعجاب بها فقد فتنته بقوتها وصلابتها وإن كان يرى أن جمال المرأة بضعفها إلا أنه يكره هذا الضعف.... كانت روما تشعر بالغيرة وتمنع ذاتها عن التفكير بالأمر فهي تحب آسر وتعلم حبه لها وأيضًا لا ترغب أن تضع ليان بهذا الوضع فهي أختُ لها ومتزوجة ولا ترغب في إفساد حياتها فقررت أن تتروى ولا تندفع حتى لا تخسرهما.... وصلت ليان إلى قسم الشرطة وطلبت مقابلة عزيز الذي انتفض من على الكرسي عندما رآها تدخل المكتب ووقف أمامها وقال في ذعر : إلحقيني يا ليان.... أرجوكي
ليان : إهدى بس وفهمني فيه إيه
أشار عزيز إلى صديقه وقال : معتصم.... ظابط زميلي هنا وصاحبي.... هو اللي بيقول كلام غريب أنا معملتوش
نظرت ليان إليه وقالت : خير يا حضرة الظابط
معتصم : أنا كنت نازل الحجز وبالصدفة عديت على الزنزانة اللي فيها عبد الرحمن القاتل بتاع الزنزانة.... وبصيت من الباب عليه عشان عارف إنه انفرادي.... لقيت عزيز بيشنقه لحد ما مات.... بعدت عن الباب واتصدمت من اللي بيعمله وطلعت على المكتب مش عارف أعمل إيه.... أبلغ عنه ولا أواجهه الأول... وبعدها بنص ساعة لقيته داخل المكتب وبيقولي وهو مصدوم وشكله زي ما يكون شاف عفريت إن عبد الرحمن مات بصيتله واستغربت فا قولتله إنت اللي قتلته ومن ساعتها وهو عمال يقول معملتش حاجة وأنا اتصابت باللعنة وشايف أشباح وحابس نفسه في الأوضة وأصر إني أفضل معاه لحد ما أنتي تيجي وتثبتيلي إنه فعلًا مش هو اللي قتل وأنا مش مصدق أصلًا لإني شايفه بعيني
عزيز : يا أبني هكدب عليك ليه.... بقولك مش أنا مش أنا
ليان : بس إنت اللي قتلته فعلًا يا عزيز
عزيز في حزن : ما أنا لما شفت شبحه وافتكرت كلامك عرفت إن أنا اللي قتلته ولو خرجت من هنا والشبح لقى أي حد مصاب باللعنة هيقتلني
ليان : بالظبط.... بس فيه عندي حل.... هعملك سلسلة زي اللي عملتها لوئام تلبسها تبعد عنك أي شبح ميقدرش يقرب منك
عزيز : طيب واللي واقف جنبي ده
ليان : بسيطة
أخرجت ليان سيفها وقتلت الشبح فنظر لها عزيز في صدمة وقال : ده أنتي بتقتليهم فعلًا!
نظرت له ليان فأردف : بصراحة... أنا مكنتش مصدقك أوي.... بس خلاص دلوقتي مصدقك وبالعشرة
معتصم : أنا مش مصدق
عزيز : يعني تعرف عني يا معتصم إني اقتل حد.... واقتله ليه أصلًا؟!
تنهد معتصم وقال : بس أنا شفتك بعيني
ليان : مش هو... حضرة الظابط أنا عارفة إن اللي بقوله مش سهل يتصدق بس معندناش حل غير إنك تثق في عزيز.... دلوقتي بالنسبة لقضية القتل هتعملو فيها إيه؟
عزيز : القسم كله بيقول إنه انتحر فا أنا هعملها انتحار
ليان : فيه حاجة مش مفهومة.... ليه الشبح اختارك إنت ونزلك تحت تقتله مع إن الشبحين اللي كان عندهم ضغينة تجاهه أنا موتهم
عزيز : يمكن كان قاتل حد تاني
ليان : لا.... لو كان قاتل حد تاني كنت هشوف شبحه حواليه.... ومش معقول يكون قتل حد وهو محبوس انفرادي
عزيز : غريبة
ليان : الموضوع ده ملوش غير تفسير واحد... لؤي أو شادي عايزين الولد ده يموت قصد.... بس ليه؟!
عزيز : ياريت أعرف أفيدك
تنهدت ليان وقالت : طيب.... أنا هروح أعملك سلسلة وأجي
عزيز : متتأخريش عليا أرجوكي
أماءت له ليان واختفت من أمامه فنظر لها معتصم في صدمة فقال عزيز : عشان تصدقني
ذهبت ليان لتصنع سلسال أخر ثم عادت إلى القسم وأعطته له عزيز وطلبت منه ألا ينزعه أبدًا.... عادت ليان في وقت متأخر ولم تجد وئام بالمنزل ورأت الصحون والطعام على الأرض.... نظرت إليهم في حزن ثم جمعت الصحون وقامت بتنظيف الطاولة واتصلت به فتلقى المكالمة وقالت : إنت فين يا حبيبي؟
وئام : في بيت عمي
ليان : ليه خير؟!
وئام : مرات عمي تعبانة وبنت عمي اتصلت بيا عشان أكشف عليها
ليان : طيب هتتأخر؟!
وئام : اه.... نامي إنتي
ليان : مش عايزة أنام.... عايزة اعتذرلك ومش هعرف أنام وإنت زعلان كده
وئام : مش وقته
ليان : طيب حاول ترجع وتروح تاني.... أنا مسافرة الصبح بدري ومش هعرف أسافر وإنت كده
وئام : لا عادي.... لما ترجعي
أنهى وئام المكالمة ولم يدع لها فرصة للإعتذار فقد كان غاضب بشدة ولم يرغب بالحديث معها وهو في هذه الحالة.... مر الليل ثقيلاً عليها.... وحيدة.... متخبطة.... فقدت جنة وبنوفيل رحلت ووئام غاضب منها.... لأول مرة تشعر بالضعف وأيضًا عليها أن تحمي الناس من شر مالوس.... كل هذا كان من الممكن أن تتحمله ولكن غياب وئام الذي هو مصدر قوتها الحقيقية هو من أحبط عزيمتها.... في الصباح تركت المنزل وهي تنظر إليه في حزن بعد أن تركت رسالة إعتذار لوئام وإن كانت دموع عينيها تسبق القلم على الورقة تعبر عن مدى حزنها لغضبه منها.... ذهبت إلى المطار وسافرت إلى روسيا.... أما بنوفيل فقد كانت تبحث عن شظايا النجم داخل جبال سيناء منذ أن وصلت إلى هناك وبدأت تشعر بالضعف مرة أخرى ولكن ظلت تبحث ولم تتوقف وكأنها تسابق الوقت ولكن دون فائدة.... مرت أيام.... بحثت ليان عن حجر الكهرمان ولكن وجدت أحجام صغيرة وكميات قليلة منه فاضطرت إلى السفر إلى المكسيك لتبحث عنه.... بدأ آسر وروما العمل بالمشفى عند وئام ولم يتوقف آسر عن زرع الأشواك بين ليان ووئام الذي بدأ في تجاهل رسائل ليان ولا يتلقى مكالمتها إلا مرة باليوم متحججًا بكثرة العمل ولكن كانت ليان تشعر بإنه يبتعد عنها عن قصد... وفي يوم كان آسر يتحدث مع وئام وعلم أنه يتجاهل محادثات ليان فاتصل بليان التي تلقت المكالمة وقال : إيه الغيبة ديه كلها يا دكتورة؟
ليان : أنا وصلت المكسيك إمبارح وهنزل دلوقتي أدور على حاجة هنا محتاجاها ضروري.... قولي يا دكتور هو وئام كويس؟
آسر : اه كويس... هو مش بيكلمك ولا إيه؟
ليان : لا مش كتير.... بيقول عنده شغل اليومين دول
آسر : لا أبدًا الشغل مش كتير أو يعني.... ده حتى كان أجازة إمبارح
تذكرت ليان أنه رفض مكالمتها أكثر من مرة وتأكدت من شكوكها.... وئام يبتعد عنها عن قصد فقالت في حزن : طيب يا دكتور.... أنا هقفل عشان مشغولة
آسر : حاسس إني عكيت الدنيا.... هو ممكن يكون مشغول بحاجة تانية غير الشغل يعني.... اه اه.... ده قالي مرات عمه عيانة ده حتى جابها هنا المستشفى ومن ساعتها وبنت عمه معاه على طول.... يمكن عشان كده مش فاضي يكلمك.... بيني وبينك البت ديه عينها منه بس هو لا مش بتاع الكلام ده طبعًا
ليان في ضيق : اه طبعًا ما أنا عارفة
آسر : على أد ما بنت عمه فعلًا حلوة بس إنتي أحلى منها
ليان : شكرًا
اقتربت روما من غرفة آسر وكادت أن تدخل لولا أن سمعته وهو يقول : فيه حد يسيب بنت القمر ويبص لواحدة تانية.... ده يا بخته والله.... فيه ناس كده مش بتعرف قيمة الحاجة اللي في إيديها... عارفة إنتي لو مراتي أنا مسبكيش لحظة ولا أبص لواحدة غيرك
فتحت روما عينيها في صدمة وانسابت الدموع من عينيها... تأكدت شكوكها التي ظلت تبعد تفكيرها عنها ولم ترغب في أن تسئ الظن بهما ولكن قد سمعت الحقيقة بنفسها.... كانت الصدمة ليس بآسر نفسه فقط ولكن صدمتها بليان كانت هي القاضية فدخلت الغرفة وأنهى آسر المكالمة على الفور ووقفت أمامه وقالت : ما تكمل المكالمة.... عادي ممكن تكلمها قدامي.... ما أنا مش غريبة يعني.... ده أنا حتى زي أختها برده
آسر : إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟!
روما : بقول إني سمعتك وإنت بتتغزل فيها
آسر : ده مجرد رأي يعني مش معنى ذلك إني بحبها ولا حاجة.... وبعدين ما أنتي عارفة إني طول عمري عايش برا فا أكيد يعني متعود أكلم البنات كده
روما : وده من إمتى؟!.... من ساعة ما عرفتك بقالي أكتر من سنة عمري ما شفتك بتكلم بنت كده.... بطل تقول حجج فارغة عشان بس تداري على خيانتك ليا
آسر : خيانتك ليا؟!.... إنتي ليه مكبرة الموضوع كده.... أنا بتكلم معاها كده عشان هي قريبة منك وإنتي بتحبيها.... شفتها متضايقة بهديها عادى يعني متكبريش الموضوع
روما في صدمة : مكبرش الموضوع.... ليه هو اللي إنت بتقوله ده مش كبير؟.... إنت مالك إنت تهديها ليه؟.... ما جوزها موجود يقوم بالواجب
آسر : وئام مش بيكلمها.... عرفتي بقى هي ليه متضايقة
روما في غضب : وإنت مالك؟!.... إذا كان أنا صاحبة عمرها ملجأتليش.... ليان لو متضايقة هتكلمني أنا.... بص يا آسر أنا من بدري وأنا مش مرتاحة لنظراتك ليها واهتمامك بيها الزايد ده فا قدامك حل من إتنين... يا تبعد عنها خالص يا تنسى الخطوبة ديه
آسر في غضب : أنسى الخطوبة إزاي يعني.... إنتي بتهدديني يا روما.... لا الظاهر إنك متعرفنيش كويس.... أنا لو عايز ليان هاخدها ولو مش عايزك أنا اللي هنهي الخطوبة ديه خالص لكن تقفي قدامي وتهدديني يبقى إنتي نسيتي نفسك على الأخر ولما عقلك يرد لدماغك إبقي تعالي اتكلمي معايا.... مش أنا اللي واحدة ست تقف تهدده... فاهمة ولا لا؟
تركها آسر وذهب من الغرفة لتنظر روما إلى آثره في صدمة من تغيره فلم يتحدث معها بهذه الطريقة من قبل.... خرج آسر من الغرفة ومر أمام غرفة العناية ليجد وئام يقف أمام الحائط الزجاجي الذي يفصل بينه وبين زوجة عمه المستلقية بالعناية المركزة وبنت عمه سيلين تستند برأسها على كتفه وتنظر إلى إمها في حزن وانسابت دموعها من عينيها... نظر لها وئام في حزن عليها وضمها بذراعه ورتب على كتفها فابتسم آسر في مكر وأخرج هاتفه وقام بالتقاط صورة لهما
نظرت سيلين إلى وئام وقالت في حزن : أنا خايفة يا وئام
وئام : متخافيش... هتقوم بالسلامة إن شاء الله
سيلين : من ساعة اللي حصل لبابا وهي كل يوم حالتها بتسوء.... كانت صدمة كبيرة عليها وعليا.... أنا مش عارفة حتى أمشي في الشارع وسط الناس.... مش قادرة أصدق إنه عمل كل الجرايم ديه.... المشكلة إن ماما رافضة تاخد ولا مليم من فلوسه وقالتلي كفاية طول عمرنا بناكل من مال حرام وسابت الفيلا وراحت قعدت في بيت جدي الله يرحمه وأنا نزلت أدور على شغل عشان أقدر أصرف عليها بس لما الفلوس قصرت ومبقتش عارفة أجيب أدويتها لجأتلك.... مع إني مكسوفة من اللي بابا عمله فيك
وئام : وإنتي مالك بيه.... ديه غلطته هو لوحده... إنتي عارفة إنك طول عمري أختي الصغيرة وبعدين تشتغلي برا عند الغرب ليه والمستشفى موجودة أهيه
سيلين : تفتكر ليا عين أطلب منك أشتغل هنا؟!
وئام : اه طبعًا... إنتي ناسية إن عمي ليه نسبة في المستشفى وأكيد حلال لأن ده ورثه من جدي.... اسمعي.... بعد ما طنط تخف تعملي حسابك تيجي تشتغلي هنا في المستشفى بتاعتك
بكت سيلين وقالت : إنت بتكسفني زيادة يا وئام.... مش ممكن تعاملني كده بعد اللي بابا عمله
وئام : تاني؟!.... ما قلنا ملكيش دعوى باللي هو عمله.... إنتي أختي ومهما حصل بيني وبين عمي هتفضلي أختي.... مش عايز اسمع الكلام ده تاني فاهمة؟
سيلين : حاضر.... بس روح بقى بقالك ٣ أيام واقف على رجلك جنبها
وئام : مقدرش اسيبها وأمشي.... هفضل معاها... كده كده ليان مش في البيت ومش عارف أقعد في البيت من غيرها
سيلين : مش مصدقة بجد إنك روحت واعترفتلها وكمان اتجوزتها
ابتسم وئام ابتسامة عاشق مشتاق وقال : مش أنا اللي قولت.... روحي اللي راحت وقالتلها
سيلين : يا سيدي يا سيدي... تعالو يا ناس شوفو دكتور وئام وهو بيطلع قلوب من عينيه
وئام : بس يا بت.... هتفضحينا
ضحكت سيلين ووئام وقام آسر بأخذ صورة أخرى لهما ثم ذهب.... كانت بنوفيل تشعر بالتعب وبالكاد تستطيع المشي حتى خارت قواها وبدأت تنهار فسقطت على صفح الجبل في إرهاق بعد أيام من البحث المتواصل وقد ضعفت قوتها وبدأ نورها ينطفئ فنظرت أمامها في حزن ونظرت بعينها إلى صخرة كبيرة ولاحظت أسفلها شظايا النجم فابتسم في ضعف وحاولت أن تمد يدها لتأخذ الشظايا ولكن لم تستطع وفقدت وعيها.... ترى هل ستستطيع أن تعود مرة أخرى أم ستظل عالقة بهذه الجبال؟!
