![]() |
رواية الشبح العاشق الجزء الثاني الفصل الثامن بقلم رباب حسين
الشر حين ينتشر يشبه دخانًا أسود يتسلل خلسةً إلى القلوب والعقول.... يلوث الأرواح ويجعل من الأرض ساحةً للفوضى والدمار..... كانت همسات السحر الأسود تتغلغل في الأزقة المظلمة تُغري الضعفاء بالسلطة وتعد التائهين بأحلام كاذبة حتى صار الناس أسرى لخوفهم.... يهابون ظلهم ويتبعون أوهامًا لا روح فيها..... حتى سيطر عليهم لعنة السحر الأسود.... أصبحو مشوهين من الداخل وإن كانو يبدون من الخارج كبشر طبيعين....
أما الخير وإن بدا ضعيفًا في لحظة الانكسار لا ينطفئ أبدًا..... يظل كشرارةٍ صغيرةٍ تختبئ في صدر الطاهرين.... تصبر وتنتظر وحين يشتد سواد الليل ويظن الشر أنه قد استحوذ على كل شيء حتى تفجر تلك الشرارة نورًا يبدد الظلمة.... فالخير لا ينهزم بل يتسع شيئًا فشيئًا حتى يغمر القلوب بالطمأنينة ويعيد للأرض ملامحها النقية..... وفي النهاية.... ينهار السحر الأسود كما يذوب الجليد تحت شمس صادقة ويعود الحق يعلو فوق كل باطل معلنًا أن النور باقٍ ما دامت هناك نفس تؤمن به وتدافع عنه حتى وإن أهلكها الضعف....
كانت بنوفيل مستلقية على صفح هذا الجبل وباختفائها وضعفها سيطر الشر على العالم.... اختفى الخير من قلوب البشر.... والرحمة انعدمت من صدورهم.... لم يعد هناك من يعطف على الفقير.... ويحن على المسكين.... أصبح كل شئ أسود.... اختفى الأمل من الصدور واليأس سيطر على النفوس..... حتى هذه الليان التي كادت أن تفقد ثقتها بنفسها ظنًا أنها ليست بالمختارة.... وأنها لن تستطيع التغلب على هذا الشر وحدها.... خذلتها الصديقة وخانها الحبيب.... فقدت حارستها البريئة وأخيرًا اختفت بنوفيل.... عرابتها ومرشدتها حتى رأت هذا النور وكأنه طاقة أمل بُعثت من جديد.... درب منير تسلكه لتعيد الأمور إلى نصابها الصحيحة.... ظنت بالأول أنها بنوفيل حتى ظهرت أمامها سيدة جميلة.... ونظرت إليها في حب ومدت لها ذراعيها تدعوها لترتمي بين أحضانها ثم قالت في صوت رنان : تعالي.... تعالي يا حبيبتي
اقتربت منها ليان وبداخلها شعور بالأمان.... كان هذا كل ما تحتاج إليه الآن.... ضمة صدر حنون يعطيها احتواء فقدته عبر الزمن رويدًا رويدًا... ارتمت بين أحضانها لترتب هذه السيدة الحنون على ظهرها ثم ابتعدت عنها ليان قليلًا ونظرت إلى وجهها المنير وقالت : إنتي مين؟!
قمر : أنا قمر.... جدتك.... وأول بنت للقمر.... كلكم اتسميتو على اسمي.... بنات قمر
ليان : إنتي جدتي؟!
قمر : اه يا حبيبتي.... عارفة إنكم مريتو بحاجات كتير أوي.... منكم اللي قدرت تبعد عن الأشباح ومنكم اللي فقدت كتير من الحبايب في الرحلة
ليان في حزن : زيي كده
قمر : لا.... إنتي لسه رحلتك مبدأتش.... إنتي المختارة.... إنتي اللي كلنا كنا مستنينك
ليان : مفتكرش إني هي
قمر : السيف ده بتاع المختارة وبس.... وبما إنه بين إيديكي يبقى إنتي هي أكيد
ليان : بس.... بس أنا مش عارفة أعمل إيه
قمر : وأنا جيت عشان أقولك تعملي إيه.... إنتي استدعيتيني وأنا لبيت
ليان : أنا استدعيتك إزاي؟!
قمر : من الكتاب.... إنتي قوتك مع الكتاب ده تعملو حاجز قوي للشر.... اه مالوس عند حيل كتير بس متنسيش السحر دايمًا بينقلب على الساحر..... اسمعي يا ليان.... إنتي جواكي قوة كبيرة لسه متعرفيش عنها حاجة أو مش مصدقة إنها موجودة..... قوة محدش يقدر يصدقها.... بس المشكلة إنك مش عارفة تثقي في نفسك كفاية عشان تخرجيها
ليان : طيب أخرجها إزاي؟
قمر : شايفة السيف ده.... كل ما تمسكيه وتطلبي من جاواكي حاجة تعمليها بيه هيعمله.... السيف ده مش عشان تقتلي بيه الأشباح بس.... لا.... السيف ده عصايتك السحرية.... خادم في إيدك زي عفريت مصباح علاء الدين.... اطلبي واتمني..... هيقدر يحقق كل حاجة إنتي عايزاها بس تثقي في نفسك وفي قوتك..... وأهم حاجة متخافيش.... محدش هيبعد عنك.... إنتي مش لوحدك.... إحنا كلنا جواكي.... كلنا معاكي
ابتعدت قمر عنها قليلًا لترحل فقالت ليان : لا متمشيش
قمر : رسالتي وصلت.... وكل ما تحتاجيني هتلاقيني
ابتسمت لها قمر واختفت.... بعثت الأمل في قلبها بكلمات بسيطة.... يكفي شعور أنها ليست وحيدة وإنما بنات القمر بداخلها ينتظرن فقط إشارة منها..... نظرت ليان إلى حجر الكهرمان ثم فتحت الكتاب المترجم الذي أعدته بنوفيل لها قبل أن ترحل وأخذت تصنع في بلورة الصفح وقامت بعمل أداة أخرى كالمصباح الصغير ينير لها داخل الأجسام ( تعويذة إظهار) لتعكس تعويذة التخفي التي يقوم به مالوس وأيضًا تبطل وشاح الوهم حتى لا ترى الأشباح على غير هيئتهم الحقيقية
أما وئام فكان في حالة يرثى لها.... سيطر عليه مالوس بالسحر الأسود.... أصبح شبه بني أدم.... لم يعد يستطيع النوم.... لا يأكل ولا يشعر بالجوع.... يشعر بالبرد والإعياء.... فقد قدرته على الحديث.... ملعون من سحر أسود قوي.... شوه روحه من الداخل..... كان ملقى على الأرض لا يدرك ما حوله.... فقط يرى أشباح تحوم من حوله وهو ينظر إليهم في خوف.... من بعيد يقف مالوس وميناس الذي قال : وجوده في الدايرة ديه مش هيخليه يقدر يتكلم
مالوس : طول ما الأشباح حواليه ولعنة التشويش جواه مش هيقدر يفهم هو فين.... مش عايزينه ينطق تاني ويظهر الرابط بينه وبين ليان وتعرف مكانا.... لازم يفضل كده لحد الوقت المناسب اللي نقدر نضغط بيه على ليان
ميناس : بس ليان سابته
نظر له مالوس وقال : ليان لسه بتحبه.... عارف إنت فاضلك إيه عشان تبقى خادم شامل للشر.... تنسى ليان.... عمرها ما هتبقى ليك ولا إنت تنفعها.... إنتو الأتنين بتمثلو قطبين متامثلين للمغناطيس لا يمكن تتلاقو
نظر له ميناس في غضب واختفى من أمامه.... أما في المشفى فكان آسر مستلقي بالفراش يبدو عليه الإعياء وروما بجواره تعطيه المحاليل كي يسترجع قوته ثم قال لها عزيز وهو ينظر إليه في حزن : طيب هيفضل كده كتير؟
روما : عنده ضعف عام وجفاف.... لؤي كان تقريبًا بيديله اللي يخليه عايش بس.... إزاي مكنش باين عليه الضعف خالص؟!
عزيز : أول ما خرج منه العفريت ده وهو اتحول لموميا
روما : المشكلة دلوقتي إنه مش لابس سلسلة.... أنا خايفة شبح تاني يستغل جسمه
عزيز : ليان كانت قالتلي إن المصاب باللعنة يستحسن ينعزل عن الناس عشان ميشوفش حد معاه شبح ضغينة ويستغله
روما : طيب أنا همنع عنه الزيارة نهائي
عزيز : ياريت محدش يدخل خالص.... أقولك أنا كمان مش هدخل عنده تاني.... هبقى أكلمك تخرجي وطمنيني عليه
روما : مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا حضرة الظابط.... شكرًا على وقفتك معايا
عزيز : مفيش داعي.... ده واجبي.... وكلنا زي بعض دلوقتي.... أنا بس قلقان هنوصل لليان إزاي؟!
روما : هفضل اتصل بيها يمكن تفتح التليفون
أماء لها عزيز وخرج من الغرفة ليجد سيلين تبحث عن وئام وتسأل بعض الممرضات فقالت : هو جيه من بدري بس مش موجود.... يمكن روح
سيلين : الغريب إنه مجاش شاف ماما ولا اتصل بيا وتليفونه مقفول
اقترب منها عزيز وقال : دكتور وئام سافر في مؤتمر طبي.... هو جيه من بدري بس مشي تاني عشان كان مستعجل
نظرت له سيلين وقالت : حضرتك مين؟!
عزيز : أسف....أنا عزيز.... صديق وئام وظابط شرطة
سيلين : أهلًا وسهلًا.... يبقى عشان كده تليفونه مقفول.... شكرًا ليك طمنتني
عزيز : العفو على إيه
ذهبت سيلين وهي تبتسم له ونظر لها عزيز في إعجاب ثم سال الممرضة من تكون فقالت إنها إبنة الطبيب صادق فنظر لها في حزن وذهب إلى منزله كي ينال قسطًا من الراحة.... انتهت ليان من عمل بلورة الصفح.... كانت تضوي في يدها بشكل جميل.... تركتها ليان وخرجت لتشتري بعض الأطعمة لها وفي الطريق وقفت بجانب المطعم تنظر إلى أحد السيدات ويبدو عليها إنها بحاجة لمساعدة فعادت إلى المطعم واشترت وجبة أخرى وذهبت لها لتعطيها الطعام فنظرت لها السيدة في تعجب وقالت : ده ليا؟!
ليان : اه... شكلك تعبانة قلت أساعدك
كادت السيدة أن تبكي وقالت : كتر خيرك يا بنتي.... ده أنا قلت خلاص محدش هيديني حاجة تاني
ليان : ليه كده؟!.... أكيد فيه زيي كتير
السيدة : كان يا بنتي.... الناس اتغيرت بشكل غريب.... ده أنا بقالي أسبوع محدش اداني جنيه واحد..... إنتي عارفة أخر ما تعبت من الجوع رحت طلبت من واحدة شكلها معاها يعني فلوس تديني بس سندوتش للعيال اللي في البيت ديه.... ضربتني وبهدلتني.... الخير خلاص اختفى من قلوب الناس
نظرت لها ليان وهي تعقد حاجبيها ثم وقفت تنظر إلى الفراغ.... اختفى الخير.... هل من الممكن أن بنوفيل قد فقدت قوتها؟!.... ألهذا لم تعد إلى الكهف؟!..... عادت النظر إلى السيدة وأعطتها وجبتها أيضًا وقالت : إديها للولاد في البيت
تركتها ليان وابتعدت عن الزحام في شارع فرعي وأمسكت سيفها واتجهت إلى جبال سيناء.... نظرت حولها في كل مكان.... الجبال شديدة الارتفاع والشمس حارقة.... ظلت تنظر في حيرة بكل مكان لا تعلم من أين تبدأ البحث عنها.... حاولت أن ترى ضوئها ولكن قد تلاشى وأيضًا لن يظهر في هذا النهار.... ظلت تجوب بالجبال بحثًا عنها وتتنقل من جبل إلى أخر باستخدام السيف.... ظلت تنادي باسمها عاليًا دون جدوى وتيقنت أنها حقًا قد فقدت قوتها فهي دائمًا تلبي ندائها.... بحثت بكل كهف كانت تراه حتى ارهقتها حرارة الجو فعادت إلى الكهف باستخدام السيف وشربت الماء وأخذت بعضًا منه معها وهمت بأن ترحل فوقعت عينها على الكتاب ثم تذكرت ما قالته قمر " السيف ده عصايتك السحرية.... خادم في إيدك زي عفريت مصباح علاء الدين.... اطلبي واتمني..... هيقدر يحقق كل حاجة إنتي عايزاها بس تثقي في نفسك وفي قوتك"
فأمسكت سيفها وعادت إلى الجبال ورفعت السيف أمامها واستجعمت قوتها وضربت السيف بالأرض ليرسم بالنور طريقًا فتبعته حتى وجدت بنوفيل فاقدة للوعي خلف صخرة كبيرة فركضت إليها وحاولت أن ترفعها وتنادي باسمها كي تفتح عينيها ولكن دون جدوى.... نظرت إلى السيف وأمسكت به مرة أخرى وأغمضت عينيها بقوة وسلطت السيف على بنوفيل ليخرج ضوءه ليعطيها القوة مرة أخرى ففتحت بنوفيل عينيها واستعادت وعيها وانتشر ثوبها حولها مرة أخرى ثم نظرت إلى ليان وقالت : رجعتيني إزاي؟
جثت ليان أمامها والدموع تملء عينيها وقالت : وثقت في قوتي.... قدرت أرجعك واديكي من قوتي عشان ترجعي تاني.... قومي يا بنوفيل الناس بقت وحشة من غيرك
ابتسمت بنوفيل وقالت : شكرًا يا ليان
ليان : قومي وهندور سوا على الشظايا
بنوفيل : مفيش داعي.... لقيته
أشارت بنوفيل إلى الشظايا تحت الصخرة التي بجوارها فركضت ليان إليها وجمعتها وقالت في سعادة : هنعمل نصل النور!
بنوفيل : اه.... يلا بقى رجعينا الكهف
ابتسمت ليان لها في سعادة وعادت معها إلى الكهف
