رواية تعافيت بك ( كاملة جميع الفصول ) بقلم أيات عاطف

 

رواية تعافيت بك كامله جميع الفصول بقلم أيات عاطف 

-انتي عندك كانسر يا فيروز؟

صوته كان عالي وصادم، بعكس قلبي اللي كان بيدق بخوف وضعف.
ابتسمت ابتسامة باهتة وأنا أحاول أتماسك:
_أيوه يا خالد عندي كانسر، ودي إرادة ربنا.

رفع حاجبه بدهشة ووجع مزيف،
 لكنه اتكلم بقسوة لأول مرة أشوفها في عينيه:
-وانتِ ازاي يا فيروز تخبي عني حاجة زي دي؟
 ازاي ما عرفتنيش من الأول؟

اتنهدت وأنا بحاول أبين ثبات مش عندي:
_كنت متوترة من رد فعلك يا خالد،
 وخايفة تبعد عني، بس قولتلك اهو.

هز راسه بضحكة ساخرة جرحتني أكتر من أي كلام:
-لا، انتِ كنتِ قاصدة! 
استنيتي لحد ما نتخطب وبعدين فجأة ترميلي القنبلة دي! 
عايزة تلبسيني في واحدة مريضة زيك!

بصتله بصدمة ودموعي محبوسة:
_انت مجنون يا خالد؟
 هو ده كلام يتقال!

-اه هو ده، من الآخر كده، احنا مش هينفع نكمل. 
انتِ خدعتيني يا فيروز!

في اللحظة دي حسيت الدنيا بتسودّ قدامي. بس كبريائي كان أقوى من وجعي، قلعت الدبلة وحطيتها في إيده
 وأنا ببصله بجمود عكس الخراب اللي مالي قلبي:
_اتفضل دبلتك، وأنا اللي ما يشرفنيش أكون مع واحد زيك.

سيبته ومشيت، وفي اللحظة دي دموعي نزلت، مش حزنًا عليه، لا، ده حزن على نفسي، لأني رجعت لوحدي تاني. لا أهل، ولا أصحاب، ولا حتى حبيب.

أنا أهلي اتوفوا من ٤ سنين في حادثة عربية، وساعتها كنت بنتهم الوحيدة وعندي ١٨ سنة. ومن يومها بقيت وحيدة، 
غريبة وسط الدنيا. حاولت أتأقلم، كملت دراستي، اشتغلت جنبها عشان أوفر لنفسي اللي محتاجاه، مع ان معاش اهلي مكفيني،
 حتى قرايبي ماكنوش بيسألوا فيا،
 وأنا أصلاً ما طلبتش منهم حاجة. كنت عايزة أعتمد على نفسي، 
وأشغل حياتي عشان ما تبقاش فاضية وتوجعني.

لكن النهارده وجعي كان تقيل، قلبي كان بيتخنق.
 فضلت أمشي في الشوارع من غير هدف لحد ما رجليا وجعتني، 
قعدت على الرصيف وسبت دموعي تنزل.

وفجأة لقيت شاب يقعد قدامي من غير ما يقول حاجة. فضلت أبصله باستغراب، وهو بيطوّل في سكوت غريب. لحد ما مد ايده وقال بابتسامة:
-تاخدي شوكولاتة؟

بصتله من غير ما أرد. بس هو حطها في إيدي وقال بهدوء:
-صدقيني هتريحك، الشوكولاتة بتخفف الوجع.

ضحكت بمرارة:
_الوجع اللي عندي مفيش حاجة في الدنيا تقدر تخففه.

رد بابتسامة هادية غريبة عليّ:
-لا، في شخصين يقدروا يخففوا الوجع ده، بعد ربنا طبعًا.

سألته وأنا بمسح دموعي:
_مين يعني؟

-أول شخص هو انتِ.
-وانتي قادرة تعالجي نفسك، لو حبيتي.

قلتله باستغراب:
_وتاني شخص؟

وقف، لسه الابتسامة على وشه، وقال وهو بيمشي بعيد عني:
-تاني شخص هتعرفيه بعدين، لما نتقابل تاني.

قولت بصوت عالي:
_بس مين قالك إننا هنتقابل تاني؟

لف راسه نص لفة وقال وهو بيضحك:
-العصفورة اللي قالتلي.

ومشي، وأنا فضلت واقفة أبصله لحد ما اختفى من عنيا. 
فضلت أسأل نفسي: 
هو مين الغريب ده، هل فعلًا ممكن أشوفه تاني؟

---

رجعت البيت، قلبي لسه موجوع. دخلت أوضتي، شيلت الميكب اللي حاطاه، وافتكرت قد إيه خالد كان دايمًا يعايرني بطريقة لبسي أو الميكب الكتير. الحقيقة اللي عمري ما قلتها له..
 إني مش بحط ميكب عشان بحبه. لأ. أنا عندي بهاق من وانا طفلة.

كنت زمان متصالحة مع شكلي، بابا وماما كانوا جنبي، 
كانوا بيدوني ثقة. لكن لما كبرت، والبهاق انتشر في جسمي كله، 
بدأت أتعرض للتنمر. زمايلي كانوا بيخافوا يقربوا مني، 
وكأني مرض معدي. ومن يومها بقيت لوحدي، 
ومن هنا بقيت أخبي نفسي و وشي تحت الميكب، 
وألبس لبس مقفول طول السنة عشان محدش يشوف جسمي.

ولما اكتشفت إن عندي كانسر، حسيت إن دي النهاية. 
رفضت العلاج، مش عشان خايفة.. 
لكن عشان مش عايزة أعيش الحياة دي.

---

بعد ما مسحت الميكب، غيرت هدومي، ونمت.
 صحيت، لبست وحطيت الميكب كالمعتاد، 
ورحت الجامعة. آخر سنة، سنة التخرج.

وكالعادة قعدت لوحدي، حضرت المحاضرات، ورجعت.
 في الطريق عدّيت على السوبر ماركت، 
وفجأة سمعت صوت ورايا مألوف جدًا:
-مش قولتلك هنشوف بعض تاني؟

اتلفت بسرعة، وقلبي اتقبض..
 هو الغريب بتاع الشوكولاتة!
بصيت له بدهشة:
_الغريب بتاع امبارح؟

ضحك بخفة:
-أيوه يستي أنا.

قولت بسخرية وأنا ماسكة كيس المشتريات:
_بس ماكنتش أتوقع أشوفك تاني بالسرعة دي.

ابتسم ابتسامة فيها راحة:
-القدر يا آنسة، هو اللي بيجمعنا.

اتنهدت وقلتله:
_طب عن إذنك بقا.

كنت همشي، لكنه ناداني:
-طب ما عرفتش اسمك لحد دلوقتي.

بصيتله و ابتسمت بثبات:
_خلي العصفوره تقولك بقى.

وسبته ومشيت.

وأنا داخلة العمارة لقيت واحدة واقفة قدامي فجأة.
 فتحت دراعاتها وهي بتعيط:
-وحشتيني يا بنت الغالية!

اتجمدت مكاني وأنا ببص ناحية الصوت،
 لقيت حد واقف قصادي عيني لمعت بدموع وأنا مش مصدقة.
دي خالتو فاطمة!
خالتو اللي بقالي سنين ما شفتهاش،
 ومش عارفة عنها حاجة!

 كانت مسافرة مع جوزها السعوديه، وكنّا كل فترة صغيره نتكلم مكالمة سريعة تتطمن عليا.
 لكن فجأة اختفت، بطلت تسأل عليا، 
وبطلت حتى تبعتلي مسدچ. وانقطعت أخبارها عني تمامًا.

بس النهاردة واقفة قدامي، حضنها مفتوح وملامحها
 باين فيها لهفة وشوق حقيقي.
والله العظيم ما كنت مصدقة إنها رجعت! 
بجد كنت محتاجاها أوي.

قطعت تفكيري وهي بتقولي بصوت مليان حنية:
-وحشتيني يا فيروز، وحشتيني يا حبيبتي.

حضنتها وأنا بحاول أمنع رعشة صوتي:
_وانتي كمان وحشتيني يا خالتو أوي. 
بس كده هونت عليكي؟
 ما تسأليش عني كل السنين دي؟

اتغيرت ملامحها ودمعة صغيرة لمعت في عينها:
-حقك عليا يا فيرو، تعالي نطلع البيت، 
وأنا هحكيلك على كل حاجة.

قولتلها "ماشي"، وطلعنا سوا.
 أول ما دخلت من باب البيت بصت حواليها وابتسمت بحنين:
-البيت لسه زي ما هو، ما اتغيرش.

ابتسمت بحزن:
_بصراحة أنا ما قدرتش أغير أي حاجة فيه. 
بحس إنه كده فيه ريحة بابا وماما وكده أحلى.

مسحت على إيديا وقالت:
-معاكِ حق يا حبيبتي.

_تعالي يا خالتو، أوريكي أوضتك..
 غيري هدومك وارتاحي شوية. 
عبال ما تخلصي أكون أنا حضرت الغدا ناكل مع بعض.

دخلت أوضتها، وأنا دخلت أوضتي أغيّر هدومي. 
شيلت الميكب اللي كنت حاطاه كالعاده.. 
مش بعرف أقعد من غيره،
 بس وجودها جنبي مخليني حابة أكون على طبيعتي.

طلعت أسألها:
_تحبي تاكلي إيه عالغدا يا خالتو؟

لقيتها واقفة قدامي ساكتة، بتبصلي نظرة عميقة.. 
وفجأة ابتسمت وقالت:
-هي دي فيروز اللي أعرفها..
 فيروز الجميلة، مش البنت اللي مستخبية تحت قناع الميكب.

بصيت لها بدمعة في عيني:
_مش كل الناس زيك يا خالتو.
 يمكن انتي شايفاني كده عشان احنا شبه بعض.. 
عشان أنا عندي بهاق زبك.

قربت مني وقالت بحنان:
-يا فيروز، أنا مش بقول كده عشان إحنا زي بعض..
 أنا بقول كده لأنك فعلًا جميلة. 
جميلة بقلبك، قبل شكلك. وده أهم حاجة.

وقتها ما قدرتش أتمالك نفسي، 
جريت عليها وحضنتها. قد إيه كان ناقصني الحضن ده..
 قد إيه كان وحشني الإحساس ده اللي فقدته من يوم ما ماما راحت.

بعد ما قعدنا شوية، حضّرت الغدا واتغدينا مع بعض.
 بعدها قالتلي إنها هتدخل ترتاح، وأنا فضلت قاعدة على موبايلي.

موبايل رن.. كان خالد.
فضل يرن كتير وأنا مترددة، أرد ولا لأ؟
في الآخر قفلت الخط في وشه. 
بس هو ما زهقش كمل رن،
 لحد ما اتعصبت و عملت الموبايل سايلنت.

الليل كان بدأ يرخي سدوله. الجو كان هادي، فحضّرت آيس كوفي، 
وقعدت في البلكونة.

 شغلت أغنية لعبد الحليم، 
وصوته دخل جوايا كأنه بيحكي حكايتي:
"وفي عز الأمان، ضاع مني الأمان."

غمضت عيني، الأغنية دي بتوجع قلبي كل مرة.

سمعت صوت خالتو وهي بتسحب كرسي وتقعد جنبي:
-سرحانة في إيه يا فيرو؟

اتنهدت:
_سرحانة في حياتي كلها يا خالتو قوليلي،
 انتي ناوية تفضلي معايا ولا هتسافري تاني؟

بصتلي بحب وقالت:
-لا يا حبيبتي أنا هرجع أعيش هنا. 
مش هقدر أقعد في السعودية لوحدي بعد موت جوزي.
و عمر هيصفي حساباته هناك وهينزل يستقر هنا هو كمان معايا.

بصيت لها بحزن:
_أنا آسفة يا خالتو إني فكرتك بموت عمو حسن.

-لا يا حبيبتي، ولا يهمك.
انا اللي آسفه إني اهملتك يا فيروز، سامحيني يا حبيبتي.
بس من بعد موت حسن وأنا متغيره و اهملت أكتر ناس بحبهم،
لأني مكنتش قادره استوعب انه مشي خلاص.

بصتلها بحزن لأني عارفه عمو حسن كان بالنسبالها ايه،
كان كل حاجة في حياتها مش مجرد زوج وخلاص:
_ولا يهمك يا خالتو، اهم حاجه انك جمبي دلوقتي.

سكتنا، وبعد لحظة صمت، قالت وهي بتبصلي بفضول:
-قوليلي بقى، مفيش حد في حياتك؟

ضحكت بسخرية مريرة:
_لا مفيش، كان في بس مشروع خطوبة فاشل كده. 
خلص وما كملناش.

-ليه يا فيروز إيه اللي حصل؟

سكت، قلبي كان عايز يصرخ:
 "سابني عشان عرفت عندي كانسر."

لكن خوفي عليها خلاني أبلع الكلام:
_مش شبه بعض يا خالتو عشان كده انتهت.

ابتسمت وهي بتمسح على شعري:
-ربنا هيعوضك باللي يستاهلك..
 باللي يعرف قيمتك ويصونك.

ابتسمت ابتسامة ضعيفة، ورجعت أبص في الموبايل. 
لقيت مسدجات كتيره من خالد. فتحته لقيت فويس:

"فيروز، أنا واقف تحت بيتك.
 ولو ما نزلتيش عشان نتكلم، أنا هطلعلك البيت."

اتجمدت. قلبي اتقبض.
قمت بسرعة أبص من البلكونة..
 لقيت عربيته واقفة فعلًا تحت.

عملت نفسي هنزل أجيب حاجة، 
غيرت هدومي، وحطيت ميكب.
نزلت وأنا حاسة إن قلبي هيقع مني.

كان واقف ساند على عربيته، ملامحه متوترة.
قربت منه واتكلمت بجمود وأنا باصّة في عينيه:
_عايز إيه يا خالد؟

---

تعليقات