رواية غفران القلب كامله جميع الفصول بقلم شهد محمد
المطر كان بينزل بغزارة، وملك الصغيرة مسكة إيد أبوها بقوة، بتحاول بكل براءتها تفهم هو ليه مستعجل ووشه متوتر.
وقف قدام باب دار الأيتام، ركع عند مستواها ومسح على شعرها. صوته كان بيترعش:
ـ "سامحيني يا ملك... بس هتشكريّني يوم من الأيام."
وساب إيدها... ومشي.
كل ما المطر يعلى، دموعها كانت بتعلى أكتر.
...
عدّت السنين، وهدى دخلت حياتها كطوق نجاة. ست بسيطة، مليانة حنية، عمرها ما بخلت على ملك بحاجة.
بقت ملك شايفة فيها أمها اللي اتسلبت منها.
مرة، رجعت ملك من الجامعة مرهقة، رمت شنطتها وقالت:
ـ "ياااه يا هدي... اليوم كان طويل أوي، دماغي هتنفجر من المحاضرات."
هدى ضحكت وهي بتحط كباية شاي بالنعناع قدامها:
ـ "طول عمرك بتقولي كده، وتيجي آخر السنة تجيبي درجات ترفع الراس. اشربي يا قلبي ده هيهديكي."
ملك بصتلها بعينين لامعين وقالت:
ـ "عارفة يا هدي؟ لو مكنتيش في حياتي... كان زماني ضايعة. إنتِ أمي اللي ربنا بعتهالي."
هدى دمعت، ومسحت على شعرها:
ـ "ربنا ما يحرمنيش منك يا بنتي... إنتِ اللي منورالي الدنيا."
...
وكان في بينهم لحظات مش كلها دموع ووجع، لكن كمان فيها ضحك لحد الدموع.
في يوم، كانوا قاعدين قدام التليفزيون، ملك ماسكة طبق فشار بتتفرج على مسلسل قديم، وهدى عدّت من جنبها وقالت وهي عاملة نفسها متضايقة:
ـ "هو إيه يا أختي المسلسلات اللي مبتخلصش دي؟ كل يوم نفس العياط والزعيق!"
ملك انفجرت من الضحك:
ـ "يا هدي بلاش تكسري مجاديفي! أنا بحب الدراما... ده أنا لو في حياتي مفيش مصايب، هجيبها من المسلسلات!"
هدى خطفت منها طبق الفشار:
ـ "يا سلام! وأنا مالي ماليش نصيب؟ كله لنفسك؟"
ملك قامت بسرعة تحاول تاخده:
ـ "رجّعي يا هدي ده تعبي! أنا اللي عملته!"
هدى جريت في الصالة وملك وراها، والضحك مالي البيت.
وأخيرًا وقفت هدى وقالت وهي بتنهج:
ـ "تعرفي يا ملك... إنتِ رجّعتيلي روح العيال. من غيرك كان زماني قعدت أكلم الحيطان!"
ملك وقعت على الكنبة من كتر الضحك وقالت:
ـ "وأنا من غيرك كنت زماني بكلم الكراسي! إحنا اتنين مجانين مكملين بعض."
ضحكوا لدرجة إن دموع نزلت من عينيهم، واللحظة دي فضلت محفورة في قلب ملك .
...
الأيام عدّت، وملك خلصت الجامعة، وبدأت رحلة البحث عن شغل.
كل مرة تروح إنترفيو وترجع بخيبة أمل.
مرة دخلت البيت، حدفت شنطتها وقالت بغُصة:
ـ "أنا مش هلاقي شغل أبداً يا هدي! كله رفض في رفض... حاسة إني مش نافعة."
هدى قامت حضنتها بقوة:
ـ "اسكتي يا بنتي! إنتِ مش قليلة، واللي يرفضك هو اللي خسر. رزقك عند ربنا وهييجي مهما اتأخر."
ملك فضلت تبكي في حضنها لحد ما هدى دمّعت معاها.
...
وفي يوم عادي جدًا، رنّ تليفون ملك. ردّت وهي مش مركّزة:
ـ "ألو؟"
ـ "آنسة ملك... حضرتك تم قبولك في وظيفة بشركة المجموعة الدولية. تقدرِ تيجي بكرة تمضي العقد."
ملك وقفت مكانها مش مصدقة:
ـ "أنااا؟! اتقبلت؟"
هدى جريت عليها وهي مبتسمة وبتبكي في نفس الوقت:
ـ "شوفتِ؟ قلتلك رزقك هييجي... ألف مبروك يا روحي!"
ملك حضنتها بقوة، بس قلبها كان بيخبط من فرحة وخوف في نفس الوقت. من الجاي
نامت ملك وهي مبتسمة لأول مرة من شهور... لكن الفرحة ماكملتش.
صحيت مفزوعة من كابوس غريب: نفس المشهد اللي بيطاردها من سنين... المطر بينزل، وأبوها بيمشي بعيد عنها وهو بيقول:
ـ "سامحيني..."
لكن المرة دي، وهي بتبص وراه، شافت شاب غامض واقف في الضلمة، عيونه مثبتة عليها... من غير ولا كلمة.
اتنفضت من النوم، قلبها بيدق بسرعة، وهمست لنفسها:
ـ "مين ده؟... وإيه اللي جابه في كابوسي؟"
... ...
تاني يوم الصبح، ملك كانت واقفة قدام المبنى الكبير لشركة "المجموعة الدولية للاستثمار".
الهواء كان بيضرب شعرها وهي بتشد شنطتها على كتفها، والدوامة اللي في عقلها مش سايبها.
همست في سرها:
"يا رب... تكون دي البدايه خير ليا."
دخلت جوه. الأرضيات اللامعة والديكور الفخم خلّوها تحس إنها أصغر من أي وقت.
موظف الاستقبال ابتسم لها:
"إنتِ ملك، صح؟"
"أيوة."
"تمام، استني خمس دقايق، الأستاذ المسؤول هييجي ياخدك."
في اللحظة دي الباب الزجاجي اتفتح.
دخل شاب طويل، ملامحه قوية، وعيونه واثقة.
موظف الاستقبال وقف بسرعة:
"صباح الخير يا أستاذ مراد."
ملك اتسمرت مكانها. قلبها دق بسرعة غريبة.
مراد عدى بعينيه على الموجودين، ولما وقعت عينه عليها، وقف لحظة... قبل ما يكمل طريقه من غير كلمة.
بعدها بلحظات، ظهر رجل أكبر في السن، ملامحه وقورة: محمد، والد مراد ونائب رئيس الشركة.
ابتسم لها وقال:
"أهلا يا بنتي... نتمنى تسيبي بصمتك هنا."
ملك ابتسمت باحترام، لكن جواها كان في رجفة مش مفهومة.
.....
الأيام عدّت بسرعة.
ملك أثبتت نفسها من أول لحظة: منظمة، شغلها مضبوط، ولسانها حلو مع الكل.
في اجتماع مهم، فجأة جهاز العرض وقف. الكل اتلخبط، بس ملك قامت تصلّحه بسرعة وهي تضحك:
"واضح إنه زهق من كتر الكلام."
القاعة كلها ضحكت. حتى مراد، اللي نادرًا ما بيضحك، ابتسم وقال:
"أول مرة أشوف موظفة تصلّح الأجهزة وتضحكنا كمان."
من اليوم ده... الجو بينهم اختلف.
---
في يوم تاني، مراد كان برة الشركة.
ملك قاعدة على مكتبها بتجهز تقارير.
سمعت صوت خطوات، رفعت راسها، لقت محمد واقف قدامها بابتسامة هادية.
"إزيك يا بنتي؟"
"الحمد لله يا أستاذ محمد."
"لا يا حبيبتي، قوليله عمو محمد... أنا كبرت خلاص على كلمة أستاذ."
ضحكت وقالت: "ما ينفعش... حضرتك صاحب الشركة."
ابتسم: "صاحب شركة إيه... الدنيا بتجري يا ملك. أهم حاجة فيها الناس اللي بتسيب أثر في قلوبنا."
الكلام لمس قلبها، لكن غيّرت الموضوع:
"تحب أشربك حاجة؟"
"لا، أنا جاي أقولك شكراً. مراد بيقول إنك شغالة كويس جدًا... وده نادرًا ما يقوله عن حد."
ملك ابتسمت بخجل: "ده من ذوقه... أنا لسه بتعلم."
محمد سكت لحظة، وبصّ لها بعمق وقال:
"أهم حاجة يا ملك... تفضلي زي ما إنتِ. ما تخليش الشغل ولا الدنيا تغيّرك."
الكلمة وقفتها. حسّت إنه يقصد حاجة أكبر من نصيحة عادية.
وقبل ما تلحق تسأله، اتراجع خطوتين وقال:
"أنا همشي... شدي حيلك يا بنتي."
ومشي.
ملك فضلت تبص وراه وهي متلخبطة: هو ليه كلامه دخل قلبي كده؟ وليه حسيت كأنه يعرفني من زمان؟
---
الأيام قربت بينهم أكتر.
مراد بدأ يحكي لها عن ضغط الاجتماعات، وهي ترد بخفة دم.
مرة رجع المكتب متعصب:
"الناس دي بتتعبني."
ردّت ضاحكة: "طب جرب يوم في الدار اللي كنت فيه... ساعتها هتعرف يعني إيه صداع حقيقي."
ضحك من قلبه: "واضح إني لسه ما شوفتش حاجة."
.
في مرة كانت في استراحة، قاعدة تشرب شاي وتكتب ملاحظات صغيرة في كشكولها. مراد عدى وشافها وقال:
– "كشكول إيه ده؟ تقارير الشركة ولا مذكراتك الخاصة؟"
ملك ضحكت وقالت:
– "لا يا فندم… شوية خواطر كده."
هو ابتسم من غير تعليق، وكمل طريقه.
…
وفي مرة كان واقف جنب الشباك شارد.
دخلت ملك وقالت:
"حضرتك محتاج قهوة؟"
ابتسم: "هو أنا شكلي بيقول إن ناقصني كافيين؟"
قالت بسرعة: "لا... شكلك بيقول محتاج حد يسمعك."
سكت لحظة، ثم قال: "يمكن عندك حق."
ومن هنا... بقى يشاركها تفاصيل صغيرة عن يومه.
---
ليلة معينة، ملك لاحظت مراد متوتر بشكل واضح.
سألته بهدوء:
"حضرتك شكلك مش مرتاح... في حاجة مضايقاك؟"
اتنهد وقال:
"عارفة يا ملك... عمري ما حكيت لحد القصة دي. بس يمكن محتاج أطلع اللي جوايا."
حكى لها عن بنت عمه اللي اختفت وهما صغيرين، وعن سفر عمه المفاجئ.
ملك سألت باستغراب: "اختفت إزاي؟"
مراد رد وعينيه شاخصة في الفراغ: – "كنا صغيرين... فجأة اختفت. والغريب إن في نفس اليوم، عمي قرر يسافر. ومن ساعتها... ماحدش سمع عنه أي حاجة. كأنه اختفى معاها."
ملك حسّت قلبها اتقبض، لكنها ردّت بهدوء:
"دي حاجة صعبة جدًا... ربنا يصبّرك."
قال بجدية:
"أنا عمري ما نسيت."
---
رجعت ملك البيت. لقت هدى مستنياها كعادتها.
أول ما دخلت قالت:
"الحمد لله عالسلامة يا حبيبتي، يومك كان عامل إيه؟"
ملك قعدت جنبها، وبدأت تحكي بتفصيل:
عن الشغل، عن مراد، عن محمد وكلامه الغريب، وعن المواقف اللي حسستها إنها مقبولة في المكان.
هدى فضلت تسمع بهدوء.
لكن لما جابت سيرة محمد، وش هدى اتغيّر فجأة.
قالت بسرعة: "محمد ده راجل محترم جدًا... خليكِ كويسة معاه."
ملك ضحكت: "هو كان بيكلمني كأنه يعرفني من زمان."
هدى ردّت مرتبكة: "يمكن عشان شبه بنته... متفكريش كتير."
---
في أوضتها، القصة فضلت تلف في دماغ ملك.
اتقلبت على السرير وهمست:
"هو بيحكي عن بنت اختفت... وأنا بنت اتسابَت.
الفرق إن هي ضاعت... وأنا اللي اتنسيت."
بصّت للسقف، وإحساس غريب جواها بيقول إن الحكايتين دول... ممكن يكون بينهم خيط
مش باين.
هل ممكن يكون الماضي اللي هرب منهم… هو نفسه اللي بيقربهم دلوقتي؟
