رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة 100 بقلم بيسو وليد


رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة بقلم بيسو وليد 

أنا العابرُ وحدي … لا رفيقَ لسُؤْلي،
ولا ظلَّ إلا ما تكرّمَ ظلُّـي،
سألتُ الليالي: أين وعدُكَ؟ قالتْ،
ضياعُ الهدى،… في طيّهِ سرُّ حِلـي،
تعثرتُ بي، لا بي الطريقُ … فكلّما،
نهضتُ، بكَتْ خطواتُ قلبي المولّي،
فناديتُ: يا من لا يضيعُ عبادهُ،
خذ القلبَ … إنّ القلبَ لم يعدِ الكُـلِّي.
_ارتجال.
________________________________
إن طالَ الزمان فالعدل قادمًا مهما حال..
أحيانًا نتلقّى قسو’ة؛ وأ’لمًا لا نستحقه، ولكن هكذا كانت الحياة دومًا، ندفع الثمن غاليًا، ونُجبـ.ـر على فُقـ.ـدان أثمن ما نملُكه، ولكن في ساحة الحر’ب، إما أن تتكرّم معززًا، أو تُذ’ل مُها’نًا، وهُنا كانت المسألة..
لم يعلم الخيل سِوى شيئين في الحياة، إما الطاعة والوفاء، أو التمر’د على صاحبه إن شَعَر بالغد’ر مِنْهُ، وها هو القطيـ.ـع قد شَعَر بالخطـ.ـر، ويستعد للتمر’د على المتخاذ’ل وأيقا’عه في شـ.ـر أعماله وتعود الهيبة والسُلطة لأصحاب الحق..
<“أول جلسة في طريق إسترداد الحق.”>
لا تُراهن على إسقا’ط الملك..
فإن لم يُحالفه الحظ مرَّة فسيكون حليفه دومًا، حتى في أحلام أعد’اءه هو المُسيطـ.ـر، فصاحب الحق حينما يُقرر العودة، لا ير’حم أحدًا وإن كان عزيزًا د’هسه يومًا تحـ.ـت قدمه..
كانت قاعة محكمـ.ـة الجنا’يات واسعة، منصة عا’لية بعض الشيء في قـ.ـلب القاعة خاصة بالقاضي الرئيس، وإلى جانبيه مستشارين، مقاعد خـ.ـشبية طويلة ممتدة على كلا الجانبين، وقفـ.ـصًا حد’يدي يبتـ.ـلع بداخله الجا’ني، خطّ “شهـاب” أولى خُطاه داخل القاعة، كفه يقبـ.ـض بقوة فوق كف “مَرْيَم” التي تسير إلى جواره، تشعُر بالتوتر والخو’ف الذي يحمله زوجها داخله مِن خلال تلك الضغـ.ـطة..
خلفه عائلته وأصدقائه الذين حضروا ليُقدمون الدعم والمؤازرة إلى رفيقهم، خلفهم مباشرةً ولجت عائلة “جمـال” والمحامي الذي سيتولى الد’فاع عنهُ أمام خصـ.ـمه، جلسوا جميعًا في أماكنهم، التوتر يملئ القاعة والترقب حاضرًا بين الطرفين، ولج “جمـال” إلى داخل القفـ.ـص وإتجهت الأعين نحوه، مؤازرة مِن أسرته وو’عيدًا بالجحيـ.ـم مِن هؤلاء الذين كانوا يومًا رفاقه..
رأى “شهـاب” أمامه مباشرةً، ينظر في نقطةٍ فارغة ويضغـ.ـط فوق كف زوجته بعد أن شَعَر بهِ ورآه بطرف عينه إلى جواره مباشرةً خلف القـ.ـضبان، همست لهُ “مَرْيَم” بعد أن أقتربت مِنْهُ قليلًا قائلة:
_إحنا جنبك وفضهرك يا حبيبي وأنا أولهم، متخا’فش الحق معاك، مهما قالوا عليك متبينلهمش تأ’ثرك، هما عاوزين يضعـ.ـفوك عشان خا’يفين مِنك مش أكتر، عشان عارفين إنك الطرف الكسبان فالآخر فهيحاولوا يعملوا أي حاجة عشان يغـ.ـلطوك قدام القاضي، مهما تسمع أوعى تتأ’ثر أنا جنبك.
شـ.ـدّ على كفها أكثر ثمّ نظر في عيناها بنظرةٍ تملؤها مشاعر متضا’ربة، ولكن لمعة الأمل مازالت متو’هجة لم تُطفئ، فنجوم السماء أقرب إن كانوا يظنون بأنهم سيُطفئون نوره ويكتـ.ـمون صوته، نظر إليه “شُكري” وهمس إليه بنبرةٍ يشوبها القو’ة:
_متخا’فش يا خويا مهما حصل الحق معاك أنتَ، وأنا فضهرك مش هسيبك مهما حصل، كُلّنا فضهرك.
أبتسم إليه “شهـاب” بتقديرٍ لهُ وتلقّى بعدها الدعم مِن رفاقه، بعض الكلمات الصغيرة، والطبطبات فوق كتفه؛ أعطته دعمًا وقوة لم يشعُر بها مِن قبل، ولكن الآن يشعُر بأنه أصبح مستعدًا لموا’جهة ما ينتظره وخوض حر’بًا يعلم بأنها ليست سهلة ولكنها ليست مستحيـ.ـلة في الوقت ذاته..
ولج القاضي المستشار يجلس فوق كرسيه، وخلفه عضوان مِن الهيئة، ممثل النيابة على يمينه وكاتب الجلسة أمامه، قضـ.ـيته لم تكُن جُنحـ.ـة بعد تلك الأد’لة التي حصل عليها محاميه العقر’ب، بل تحوّلت مِن قِبَل النيا’بة العامة وأصبحت جنا’يات وهذا جعل الأمر أكثر صعو’بة وثقـ.ـلًا على قلبه، القاعة ممتلئة بأهالي المجـ.ـني عليه والجا’ني المتهـ.ـم داخل قفـ.ـص الاتها’م الحد’يدي محاط بالحرا’س..
صمتٌ تام خيَّم على القاعة كسـ.ـره صوت الحاجب بصوتٍ جهو’ري:
_محكمـ.ـة جنا’يات، منعقدة بسراي المحكمـ.ـة برئاسة السيد المستشار/ “فؤاد السيد” للنظر في القـ.ـضية رقم خمسة وخمسون لسنة ٢٠٢٥ جنا’يات القاهرة والمتهـ.ـم فيها “جمـال الدين سُلطان”.
نهضوا جميع مَن في القاعة بعدها بهدوءٍ ثمّ جلسوا بإذنٍ مِن القاضي الذي تحدث بعدها بنبرةٍ هادئة:
_فليتفضل أستاذ وكيل النيا’بة بتلاوة أمر الإحا’لة.
وقف ممثل النيا’بة وتحدث بنبرةٍ ر’سمية قائلًا:
_بعد الإطلاع على الأوراق وما تم فيها مِن تحقيقات تتهـ.ـم النيابة العامة المتهـ.ـم “جمـال الدين سُلطان” ضابط شـ.ـرطة سابق، بأنه شرع في قتـ.ـل المجـ.ـني عليه ملازم أول “شهـاب مظهر العطار” عمـ.ـدًا مع سبق الإصرار والترصد، بأنه أستد’رجه لمكان ناءٍ وطـ.ـعنه بمطـ.ـواة وصعـ.ـقه بجهاز كهر’بائي مرتين متتاليتين، وضر’به على رأسه بعـ.ـصاه قاصدًا قتـ.ـله، إلّا أن جر’يمته قد خا’بت لسـ.ـبب لا دخل لإرادته فيه وهو إسعاف المجـ.ـني عليه، كما أنه أحدث عمـ.ـدًا بالمجـ.ـني عليه عا’هة مستد’يمة بفقـ.ـد بصره في وا’قعة سابقة نتيجة أعتد’اءه عليه بالضر’ب وذلك باستخدام أسلـ.ـحة بطبيعتها تُحدث المو’ت، وطلبت النيا’بة بعقا’به بالمواد ٤٥، ٤٦، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٤٠ مِن قانون العقو’بات.
قام ممثل النيا’بة بتسليم ورق الإحا’لة لهيئة المحكمـ.ـة ثمّ يلتزم مكانه بهدوءٍ تام، نظر القاضي في الورقة بتمعنٍ لبرهةٍ مِن الوقت ثمّ رفع رأسه وقال بنبرةٍ رسمية:
_الآن تبدأ النيا’بة بعرض مر’افعتها، ومَن يوّد الدخول كمؤيد للمجـ.ـني عليه يمكنه ذلك
نهض ممثل النيا’بة رافعًا بعض الوريقات أمام القاضي، تحدث بنبرةٍ رسمية جا’مدة قائلًا:
_سيدي القاضي، نحن اليوم نقف أمام جر’يمة بشـ.ـعة، جر’يمة إن صدح صد’اها فستكون حديث العالم، إنها جر’يمة مكتملة الأركان، محاولة قتـ.ـل عمـ.ـد مع سبق الإصرار والترصد، أر’تكبها الجا’ني الماثل أمامكم خلف القـ.ـضبان، ضد المجـ.ـني عليه “شهـاب مظهر العطار”، ملازم أول، تم استخدام مطـ.ـواة وصا’عق كهر’بائي، وو’قع الاعتد’اء في مكان ناءٍ بعد استد’راجه بخد’عة صوتية، مِمَّ يدل على نيَّة مقصودة وواضحة للقتـ.ـل.
نهض “لؤي” في هذه اللحظة يقف إلى جانب النيا’بة، شامخًا يعلم كيف يسترد حقه مِن فم الضبـ.ـع، نظر إلى القاضي وقال بنبرةٍ جا’مدة:
_سيدي القاضي، أنا محامي المجـ.ـني عليه “لؤي الدالي”، وفي الحقيقة أن موكلي “شهـاب مظهر العطار” قد تعرّض إلى الخطـ.ـر مرتين، في المرة الأولى كان موكلي في مقر عمله، بالتحديد قرب كميـ.ـن على طريق السويس، كان يبعُد عن الكميـ.ـن بحوالي ٢ كيلو تقريبًا، كان يقيم عمله، وبحلول منتصف الليل فقد تم مها’جمة موكلي ورفاقه في العمل، ومِن خلال هذا الهجو’م إتضح بأن المقصود كان المجـ.ـني عليه، تشا’بكوا مع الجا’ني وعصا’بته وحينما نفذت ز’خيرة “شهـاب” ر’فض أن يُعرِّض زملائه للخطـ.ـر وذهب هو إلى الخطـ.ـر بعينه دون إيا أسـ.ـلحة، في الحقيقة الجا’ني قام بملا’حقته وعزم هو وعصا’بته على قتـ.ـله..
_في التقرير الطبي الأول يا سيدي يتضح بأن موكلي تعرّض لضر’بٍ مبر’ح، نتج عنها كد’ما’ت وجرو’ح متفر’قة في أنحاء جسـ.ـده، وضر’بة قو’ية فوق رأسه بعـ.ـصاه (شو’مة) … وبالتحفظ عليها وعرضها على خبراء مو’ثوقين إتضحت فوقها بصمات الجا’ني “جمـال الدين سُلطان”، وبقـ.ـع د’ماء بعد عرضها وفحـ.ـصها إتضحت بأنها تخص موكلي، وبإ’ثبات التقرير الطبي الأول فإن الجا’ني قد تسـ.ـبّب في عا’هة مستد’يمة لموكلي فقد على إ’ثرها بصره وتم إيقافه عن العمل طوال هذا العام، ولدي شهود عيان على ذلك وهم رفاقه في العمل، هذا السلوك الممنهج لم يكُن لحظة غضـ.ـب عا’برة، بل سلسلة أفعا’ل مقصودة تُظهر تصميم المتهـ.ـم على الإيذ’اء المتكرر، والمحكمـ.ـة مطالبة بأخذ هذه الو’قائع في الاعتبار عند تقييم نيَّة الجا’ني وخطو’رته على المجتمع.
في هذه اللحظة هـ.ـب مدافع المتهـ.ـم واقفًا وصوته يصدح عاليًا في القاعة بقوله:
_سيدي القاضي، الد’فاع يُنكـ.ـر تلك الإدعاءات، كُلّ ما تم تقديمه مِن النيا’بة ومحامي المجـ.ـني عليه ما هي إلّا ظنون، والتقرير الطبي يمكن الطعـ.ـن فيه، وهؤلاء الشهود متحيزون فهذا في الأخير رفيقهم وما تحركهم ما هي إلّا عاطفة.
إشتـ.ـدت قبـ.ـضة “شهـاب” وهو ينظر إليه بذهولٍ تام، فلا يكفيه بأنه يُد’افع عن متهـ.ـمٍ حاول القتـ.ـل مرتين متتاليتين، والآن يُنكـ.ـر صحة الأد’لة، أيُ نوعٍ مِن البشر هذا الرجُل، تغلغـ.ـلت أصابع “مَرْيَم” وإختر’قت قبـ.ـضته وكأنها عقارٍ يتغـ.ـلغل إلى الد’اء لقتـ.ـله، شـ.ـدّت برفقٍ فوق كفه وعادت تنظر إلى “لؤي” الذي ردّ على زميله بنبرةٍ حا’دة:
_وماذا عن الحا’دث الثاني الذي كاد أن يودي بحيا’ة موكلي؟ سيدي القاضي الجا’ني أعاد الجر’يمة نفسها بعد عام واحد فقط، واستخدم حـ.ـيلًا جديدة لإيقا’ع موكلي، تم إستد’راجه عن طريق مكالمة صوتية مفبـ.ـركة، إستخدم فيها الجا’ني صوت زميل آخر لموكلي حتى يُبعد الشُبـ.ـهات عنهُ، ولكن تم إستد’راج “شهـاب” في صحراء جر’داء، تم إستغلا’ل ضـ.ـعفه وقـ.ـلة حيـ.ـلته وقام المـ.ـجني عليه بطـ.ـعنه وصـ.ـعقه مرتين، وفي الأخير قام بتكرار فعله الأول وضر’به ضر’بة قو’ية على رأسه بنفس العـ.ـصاه..
_والتقرير الثاني يُثبت حالة موكلي فبفضل ضر’بته عاد بصـ.ـر موكلي ولكن لا نُنكـ.ـر بأن الضـ.ـرر لحق بجسـ.ـده، ولدينا شهود عيان، رفاقه وزوجته، ولدي كذلك صورًا تم إلتقاطها عن طريق اللد’ارات الموضوع في الطريق هذا يعني بأن الجا’ني أستلق سيارة لا تخصه، ودعونا لا ننسى بأن الجا’ني كان زميلًا لهم وقد خا’ن قسمه.
كانت “فاطمة” زوجته مبتسمة الوجه، الفرحة تغمُـ.ـرها وهي تحضر لأول مرَّة جلسة لزوجها، كانت بسمتُها تشـ.ـق فمها باتسا’عٍ، رأت شخصية جديدة لم ترها مِن قبل، زوجها الذي يكون رفيقًا لرفاقه مُستعدًا لكي يفـ.ـني بعمره لأجلهم، ومشاكسًا مع صغيريه؛ وفي الأخير عا’شقًا ومجـ.ـنونًا معها، هو نفسُه الذي يقف الآن بشموخٍ يليقُ بهِ، عوده مشد’ود ويقف أمام خصـ.ـمه كالأسـ.ـد الجائع..
_يا حبيبي إسم الله عليك، ربنا يحميك ويحرُسك قمر يا خويا فالروب ومِن غيره.
نطقت بها بنبرةٍ تغمُـ.ـرها الفرحة والحُبّ، عيناها تلمع بعشـ.ـقٍ لرجُلٍ كان الد’رع الحا’مي لها مِن القريب قبل الغريب، تحدث محامي الجا’ني بنبرةٍ جا’مدة قائلًا:
_سيدي القاضي أنا أر’فض تلك الاتها’ما’ت الموجهة إلى موكلي وأُشـ.ـكك في صحة تلك التقارير وأُطالب بإحا’لة الطرف الثاني إلى أطباء مختصين، وإعادة النظر إلى تلك الأ’دلة المقدمة ضـ.ـد موكلي.
_هو إيه الهبل اللي بيتقال دا؟ يعني إيه يعني هو أنا هفتـ.ـري عليه.
نطق بها “شهـاب” بنبرةٍ خافتة منفعـ.ـلة بعد أن أستفـ.ـزته كلمات المحامي الذي كان يتعمّـ.ـد التشـ.ـكيك في صحة حالته، شـ.ـدّت “مَرْيَم” على قبـ.ـضتها لهُ وهمست لهُ بنبرةٍ هادئة في محاولةٍ مِنها لأمتصا’ص غضـ.ـبه:
_أهدى يا “شهـاب”، مش المحامي قالك هيحاول يستفـ.ـزك فالكلام، متدهوش اللي عايزُه خلِّيه يقول اللي يقوله.
مدّ “شُكري” كفه وأمسك كف أخيه وشـ.ـدد عليه هامسًا:
_أهدى يا خويا شويَّة، هو عارف إنُه غـ.ـلط بس عمّال يما’طل.
تحدث ممثل النيا’بة بنبرةٍ جا’مدة قائلًا:
_سيدي القاضي، نؤكد أن كُلّ الأد’لة المقدَّمة إليكم صحيحة، سواء كانت تقارير طبية أو شهادات الشهود أو التسجيل الصوتي، جميع الأ’دلة تم فحصها وأعتمادها رسميًا، المتهـ.ـم كرر أعتدا’ءاته، مِمَّ يعكس سابق الإصرار والترصد وليس مجرد حا’دثة فردية.
ضغـ.ـط محامي “جمـال” فوق المنضدة بعنـ.ـفٍ وقال بنبرةٍ حا’دة:
_الدفاع يتمسَّك بالحق في التشـ.ـكيك في كُلّ الأ’دلة، ونُطالب المحكمـ.ـة بعرض كُلّ تسجيل وخبراء مستقلين قبل الاعتماد على أي د’ليل.
ضر’ب القاضي فوق المنضدة وقال بنبرةٍ رسمية:
_تم سماع الطرفين وتُرفع الجلسة لجلسة لاحقة لمواصلة المرافعات واستدعاء الشهود.
عاد “لؤي” إلى مكانه وهو يرمق خصـ.ـمه بطرف عينه بنظرةٍ تُشبه الذ’ئاب الغا’ضبة حينما تشعُر بالتحكـ.ـم بها، بينما الآخر أبتسم بسمةٌ صفـ.ـراء لهُ ولم يتحدث، هـ.ـب “شهـاب” واقفًا وذهب إلى آخر القاعة وجلس فوق المقعد الخـ.ـشبي كالمهز’وم، اسند مرفقيه إلى فخـ.ـذيه وضمّ رأسه بكفيه، لا يُصدق ما حدث وأنه سينتظر مجددًا حتى يعود بحقه، لمعت عيناه وسقـ.ـطت عبرة مِنها فوق الأرض..
مازال يُطعـ.ـن ومازالوا يُشـ.ـككون في صدقه، بحق الله لقد توقّف قـ.ـلبه وكاد يُفا’رق الحياة، لقد رأى المو’ت بأم عيناه، ماذا يفعل غير ذلك حتى يُثبت لهؤلاء الحمقى بأنه كاد يُقتـ.ـل، اقتربت مِنْهُ “مَرْيَم” وجاورته، لفّت ذراعها حول كتفيه وقالت:
_في إيه يا “شهـاب” أهدى يا حبيبي الجلسة إتأ’جلت بس مش أكتر، صدقني هما عملوا كدا عشان خا’يفين مِنك، عشان أنتَ اللي معاك الحق، لسّه معانا وقت ولسّه في أمل.
جلس “شُكري” على الجهة الأخرى وأخفض رأسه قليلًا تجاهه وقال بنبرةٍ هادئة وكفه يسير فوق ذراعه:
_مينفعش تبين ضعـ.ـفك لِيه يا خويا مهما حصل، وبعدين السيناريو دا أنا كُنت متوقعه عشان هو مِن سابع المستحيـ.ـلات إنُه يقول آه أنا عملت كدا، بس إحنا لسّه فيها، وإن شاء الله خير، أنا عارف إنك موجو’ع وإتحملت فوق طاقتك بمراحل ودي حاجة تتحسبلك بصراحة أنا حاسس بيك، بس صدقني آخر الطريق نصـ.ـر.
رفع “شهـاب” رأسه ويا ليته لم يفعل، العبرات تغر’ق صفحة وجهه، والأ’لم يرتسم فوقه وفي عيناه، جلس “حُذيفة” القرفصاء أمامه ثمّ أمسك بكفه وقال بنبرةٍ هادئة:
_دي لسّه بداية الحر’ب يا صاحبي، وعد’وك طالما ما’طل معاك كدا فأولها يبقى هو كـ.ـش، أنتَ الطرف الأقوى ليه مبين ضعـ.ـفك، أنا عارف إنك موجو’ع بس حتى لو بتنز’ف لازم تكمل حر’بك، هو عارف إنُه خسـ.ـران بس مش هيبين دا مهما حصل، إحنا فضهرك يا حبيبي لحد ما تاخد حقك، وعد.
مدّ كفيه ومسح عبراته بحنوٍ ثمّ قال بنبرةٍ خافتة تملؤها الصدق:
_أهدى مفيش حاجة، أنتَ المنصو’ر إن شاء الله، لو هو كتـ.ـم أصوات كتير قبلك وما’توا مِن غير ما ياخدوا حقوقهم، أنتَ هتاخد حقك وصوتك هيفضل مسموع طول الوقت، صوت الحق المرة دي مش هيمو’ت زي ما ما’ت غيره، مهما حصل.
با’در وضمّه بعدها دون أن ينبث بحرفٍ آخر، وأمامه أستسـ.ـلم “شهـاب” وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة، عيناه تحرّكت على “جمـال” الذي ر’ماه بنظرةٍ ساخرة وبسمةٌ مستفـ.ـزة رُسمت بزاوية فمه وهو يرى ضعـ.ـفه هذا، ولكنهُ لم يعلم بأنه كان قوته الحقيقية.
______________________________
<“ضر’بةٌ واحدة لن تُحدث ضـ.ـررًا.”>
بعد مرور أسبوعين..
في حيٍ شعبي أثناء الظهيرة، أ’قنعةٌ تُخـ.ـفي عد’وك حتى وإن كان أمام عيناك، ونفوسًا لا تسعى سِوى للأنتقا’م، وقلوبًا أهـ.ـلكتها صعا’ب الحياة حتى تجرّعت مِن القسو’ة ما يكفي، فإن لم تكُن واثقًا مِن نفسك فلا تثق بمَن أمامك حتى وإن كان لطيفًا في التعامُل معك، فخلف هذا الوِّد الز’ائف يكمُن الشـ.ـر الذي يتر’بص لك..
خطّت قدمه فوق الأرض بقو’ة، عوده مشد’ود وواثقًا مِن نفسُه، يعلم جيدًا ماذا يُريد وأين تكمُن فر’يسته، فإن أقامت النحلة حفلتها عليك فيجب أن تتخلّـ.ـص مِنها في الحال، وضع كفه خلف ظهره يتحـ.ـسس سلا’حه الأبيـ.ـض، وبلحظة رُسمت بسمةٌ خـ.ـبيثة بزاوية فمه، لحُسن الحظ أن النظارة الشمسية السو’د’اء تُخـ.ـفي حِدَّ’ة عيناه، فالآن قد وصل غضـ.ـبه لز’روته وبكلمة سيُد’مر المكان..
غيّر إتجاه سيره فجأةً وولج إلى بهو بناية متها’لكة، صعد السلا’لم المهتر’ئة بخفة، وعاد يضع ذراعه خلف ظهره مخرجًا سلا’حه مِنْهُ، وبسمةٌ مجـ.ـنونة ارتسمت فوق فمه، طرق فوق الباب وأنتظر، وكأنه زا’ئرٍ جاء للاطمئنان على جاره الحبيب، لم يلبس كثيرًا ورأى طفلة صغيرة تفتح الباب وتنظر إليه بتعجبٍ قائلة:
_مين حضرتك؟.
لم يتوقّع أن يرَ طفلة صغيرة فهو جاء لغرضٍ ما وهو العقل المد’بر، ببطءٍ أ’خفى السلا’ح عن عينان الصغيرة ونظّـ.ـف حلقه ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_أنتِ مين يا عسولة؟.
تنغض جبين الصغيرة باستنكا’رٍ تام، فعلى حسب معلوماتها أن هذا السؤال هي مَن تسأله وليس هو، رفعت حاجبها وقالت بسخرية:
_أنا اللي المفروض أسألك السؤال دا يا عمو مش أنتَ، حضرتك اللي جاي بيتي.
أخذ “شريـف” نفسًا عميقًا ثمّ زفره بقوة وقال بنبرةٍ هادئة وبسمةٌ خفيفة تُرسم بزاوية فمه:
_عندك حق، أنا الزائر، طب يا عسولة بابا هنا؟.
_أيوه أقوله مين؟.
_قوليله عمو “شريـف” هيعرفني على طول.
أ’لقت الفتاة نظرة خا’طفة عليه ثمّ تركته وولجت للداخل دون أن تنبث بحرفٍ واحد، صدح هاتف “شريـف” داخل جيب بنطاله ليرَ أخيه المتصل، أخرج زفيرة عميقة ثمّ جاوبه بنبرةٍ هادئة:
_خير يا “فاروق”؟.
أتاه سؤال أخيه على طبقٍ مِن ذهب بقوله المترقب:
_”شريـف” هو أنتَ فين؟.
نظر الآخر حوله وكأنه يُقيِّم المكان مِن حوله ثمّ قال يسخريةٍ لاذ’عة:
_هكون فين يعني؟ بصيف ولا طالع مهرجان الجونة؟.
_مش وقته أستظراف أهلك عالمسا، أنتَ فين يا مـ.ـصيبة ..!!.
أبتسم “شريـف” وكأنه قام بمدحه منذ لحظات، ولكنهُ أستفـ.ـزه حينما قال بنبرةٍ باردة:
_وأنتَ مال أهلك أنا فين؟ شغال عند أهلك وأنا معرفش.
أخرج “فاروق” تنهيدة عميقة ظهر فيها إنفعا’لاته التي يُصا’رع لكـ.ـبتها أمام هذا المستفـ.ـز الذي يتعمّـ.ـد إغضا’به بأقل فعـ.ـلٍ وكلمة، تحدث “فاروق” مِن جديد بنبرةٍ أكثر حِدَّ’ة قائلًا:
_وعهد الله يا “شريـف” إن ما نطقت وقولت أنتَ فين لهتكون ليلتك سو’دة معايا ومش معديَّة.
أبتسم “شريـف” بزاوية فمه وقال بنبرةٍ ساخرة:
_بجِملة المصا’يب مش هتيجي عالمـ.ـصيبة دي، أنا هعمل مـ.ـصيبة وراجع تاني، حابب أجيبلك حاجة وأنا راجع؟.
وكانت الإجابة صوت تكسيـ.ـرٍ حا’د مِن الجهة الأخرى، أستطاع أن يُخرج أ’سوأ ما بهِ بأقل كلماتٍ مِنْهُ، بعدها لم يسمع شيئًا آخر، فقد قطـ.ـع أخيه المكالمة؛ أبعد الهاتف ونظر بهِ مبتسمًا ثمّ وضعه في جيب بنطاله مجددًا وهو يعلم تمامًا بأنه سيواجه ليلة سو’دا’وية مع أخيه لن تنتهي إلّا بالد’ماء..
خرج الآخر إليه ببرودٍ تام ووقف على عتبة باب المنزل وقال بسـ.ـخطٍ:
_خير، هو أنا موارييش غيركم يا عيلة الدمنهوري؟.
وضع “شريـف” كفيه في جيب بنطاله وقال بنبرةٍ ساخرة:
_دا أنتَ المفروض تكون مبسوط، عشان عيلة الدمنهوري حطاك فد’ماغها لحد دلوقتي، مرَّة “علي” ومرَّة “أحمـد”، وكُلّ واحد فيهم أعنـ.ـف مِن التاني، بس مش هتهو’ن عليّا تجرّب اتنين ومتاخدش التالت هدية.
وبلحظة كانت هُناك لكـ.ـمة عنيـ.ـفة يستقبلها وجهه، خرج صوت تأ’وهٍ حا’د مِنْهُ ثمّ رفع رأسه ونظر إلى هذا البارد الذي يبتسم إليه وكأنه لم يفعل شيئًا وقال:
_أنا بفاجئ ضيفي على طول، جَو المجاملات دا مش بتاعي.
أبتسم الآخر باستفـ.ـزازٍ ولمعت عيناه بالحقـ.ـد قائلًا بنبرةٍ حا’دة:
_عرفت أنتَ مين خلاص، أخو “فاروق عمّار”، “شريـف عمّار”.
_يفتح الله، أحب الناس الوا’عية..
قلّـ.ـص المسافة بينهما بتقدُّمه خطوتين نحوه وهمس بنبرةٍ حا’دة:
_لو خا’يف على العسولة بنتك حصلني.
شحـ.ـب وجه الآخر حينما فهم مقصده، أبتـ.ـلع غصَّـ.ـته برُ’عبٍ وألتفت برأسه ينظر إلى صغيرته التي كانت تجلس أمام شاشة التلفاز تُتابع فيلمها الكرتوني المفضّل بشغفٍ كبير، لن يُضـ.ـحي بها مهما كان الثمن غا’ليًا، فهو مستعدًا بأن يذهب إلى المو’ت بنفسُه بمقابل أن تعيش هي حياتها التي مازالت لم تبدأ بعد، تبدّلت معالم وجهه بلحظة وأصبحت أكثر برودًا وهو ينظر في وجه “شريـف” الذي كان يتحـ.ـداه بعيناه أن يُخا’طر..
_حصّلني على تحت وأنا جايلك.
هزّ “شريـف” رأسه برفقٍ ثمّ رفع سبابته في وجهه وخرجت نبرته خافتة ومُشبَّعةً بالتهـ.ـديد قائلًا:
_فكّر بس تقـ.ـل بعقلك وتعمل حاجة غـ.ـلط، ساعتها مش هتشوف نفسك غير وأنتَ عا’يم فد’مك قصاد بنتك.
ر’ماه بنظرةٍ حا’دة ثمّ أ’ختفى مثلما حضر، تاركًا إياه في دوامته؛ ألتفت برأسه ينظر إلى صغيرته وزوجته التي كانت تُرافقها وتضحك معها على بعض المشاهد المضحكة، بسمةٌ خفيفة رُسمت فوق فمه تكادُ تُرى ثمّ أغلق الباب وإتجه إلى غرفته مباشرةً دون أن يلتفت خلفه قائلًا بحز’مٍ:
_تعالي يا “زينب” عايزك.
شَعَرت “زينب” بالقلـ.ـق حينما سمعت تلك النبرة، ولكنها أبتسمت إلى صغيرتها وقالت:
_هشوف بابا ورجعالك تاني.
تركت الصغيرة وإتجهت مباشرةً إلى الغرفة وهي تدعو بأن تمُر تلك اللحظة بخيرٍ عليها، أغلقت الباب خلفها واقتربت مِنْهُ قائلة:
_في إيه يا “معتـز”؟ ومين اللي كان عالباب دا؟.
نظر إليها “معتـز” وقال بنبرةٍ هادئة دون مقدمات:
_واحد مِن عيلة الدمنهوري، الظاهر كدا إنهم مش ناويين يسيبوني فحالي.
اضطـ.ـربت خـ.ـفقات قلبها حينما ألتقطت أُذنيها أسم هذه العائلة التي أضحت كابو’سهم الأبدي، ودون أن تشعُر أمسكت ذراعيه ونظرت في عيناه قائلة بلوعةٍ:
_متنزلش يا “معتـز” خليك هنا، العيلة دي شكلها إيديها طا’يلة وإحنا مش قدهم وأنا خا’يفة عليك، عشان خاطري بلاش وأنا مش مرتاحة للجدع اللي كان هنا دا، شكله مش ناوي عالخير.
أخرج تنهيدة صغيرة وقال بقلة حيلة:
_أعمل إيه طيب يا “زينب”، هما مش هيسيبوني فحالي مهما قولت.
أجابته بلوعةٍ وهي تتمسّك بهِ أكثر وقالت:
_وأنا مش مستغـ.ـنية عنك يا “معتـز”، بلّـ.ـغ البو’ليس دا جاي وبيهـ.ـددك عيني عينك كدا، متنزلش عشان خاطري.
هزّ رأسه بقلة حيلة وقال بنبرةٍ هادئة:
_مش هينفع، أنا تفكيري فيكي وفبنتنا، مش هسمح لأي حاجة تأ’ذيكم مهما كان السبب، أنا هنزله.
أجابته “زينب” بنبرةٍ أعربت عن رُ’عبها عليه قائلة:
_بس أنتَ معملتش حاجة وملكش ذ’نب فاللي حصل، مِنُه لله “سيد” الز’فت هو اللي د’بسك فالليلة دي وخلـ.ـع.
رفع كفيه وضمّ شطري وجهها بينهما وقال بنبرةٍ هادئة وهو ينظر في عينيها:
_مش عايزك تخا’في عليّا أنا هبقى كويس وزي الفُل، طالما معملتش حاجة ولقيت نفسي متد’بس فليلة كبيرة مع ناس زي دي فلازم أو’اجه طالما أنا معملتش فعلًا حاجة، خليكي هنا ومتفتحيش الباب لأي حد مهمًا كان مين هو، أتفقنا؟.
ترقرق الدمع في عينها وآ’لمها قلبها مِن تلك الفكرة التي آلت برأسها، فهي ليست مستعدة لخسا’رته، فهو في عيناها بر’يءٌ مِن تلك الاتها’ما’ت البا’طلة التي أضحت تُلاحقه في ليلةٍ وضحاها، طوقت عُنُـ.ـقه بذراعيها وأبت أن تتركه لهم، فتكفي عينان هذا الضبـ.ـع الذي كان يلتـ.ـهم زوجها بنظراته..
لـ.ـفّ ذراعيه حولها وضمّها إلى أحضانه وبداخله هو حقًا لا يُريد تركها، ولكنهُ الآن أصبح مجبـ.ـرًا على ذلك، وإن لم يستطع أن يُثبت بر’اءته أمام تلك العائلة فبالتأكيد سيخسـ.ـر زوجته الحبيبة وإبنته الغالية وبالتأكيد حياته..
كان “شريـف” ينتظره أسفل البناية وهو ينظر إلى بهوها بين الحين والآخر، ثمّ ينظر إلى ساعته بعد أن تأخر وبدأ يشـ.ـك بأنه قد هر’ب دون أن يعلم، وقبل أن يتحرّك مِن مكانه رآه يقترب مِنْهُ بخطى ثابتة ووجهٍ جا’مد ونظرةٍ با’ردة تُرسل إليه، أبتسم لهُ وقال ساخرًا:
_وأنا اللي فكّرتك هر’بت زي الجبا’ن.
وقف “معتـز” أمامه وشـ.ـد عوده ور’شقه بنظرةٍ حا’دة وقال:
_عايز إيه مِني أنتَ وعيلتك يا “شريـف”؟ هو مش كفاية أخوك اللي كان هنا مِن يومين، ولا أنتوا لقيتوا نفسكم فاضيين فقولتوا تحفلوا عليّا وأهو أي نكـ.ـش وخلاص.
أبتسم “شريـف” بزاوية فمه ثمّ تقدّم خطوة مِنْهُ زادت مِن تو’تر الجَو بينهما وقال بنبرةٍ خافتة منفعـ.ـلة:
_عايزين حقنا يا “معتـز”، عايزين حق سُـ.ـمعة العيلة اللي أنتَ بعملتك مر’مغت بسُـ.ـمعتنا الأرض، النت كُلّه مقلو’ب علينا، الأربع أحفاد الظبا’ط اللي أخلاقهم فا’سدة، و “فاروق” أخويا اللي طلّعته فاسـ.ـد بتاع بو’درة، وأنا طلعتني عر’بجي ماشي بسلا’ح غير مر’خّص، وجدي اللوا طلع رئيس العصا’بة، هو أنتَ متعرفش أنتَ بتلاعب مين؟ دا إحنا تاريخنا كُلّه ميجيش جنبك حاجة يا *****.
ها هو يتم إتها’مه مِن جديد في شيءٍ لم يقترفه، فهو لا يعلم شيئًا عن صفحات التواصل الاجتماعي وكيف تُفبـ.ـرك تلك الأكا’ذيب، فوحده مَن يعلم هذا هو “سيد” الذي أر’تكب جر’يمته وأنسَب التُـ.ـهمة لهُ هو، قبـ.ـض على قميصه وقال بنبرةٍ تملؤها الشـ.ـر:
_هو أنتَ فاكرها هتعدي بالساهل كدا؟ صحيح في ناس شمـ.ـتت فينا بس اللي شمـ.ـت فينا دا أعد’اءنا، بس دا برضوا أذا’نا إحنا، بس عايزك تعرف حاجة واحدة بس، إن اللي حصل مش هيعدي على خير … أتكلم يالا بدل ما أز’علك.
نفـ.ـض “معتـز” يداه بعيدًا عنهُ وقال بنبرةٍ حا’دة:
_مش أنا اللي عملت كدا أفهموا بقى أنا هفضل أشرح لحد أمتى وأقول إني بر’يء، “سيد مفتاح” هو اللي عمل كدا واللي حرّ’ضه على كدا واحد أسمه “عبـدالعاطـي” دا مِن رجا’لة المعلم اللي خدك وقت ما كُنت فا’قد الذاكرة وهو معملش كدا غير لمَ خلّصت على رجا’لة المخد’رات وتجا’رة الأ’عضاء، “سيد” هو اللي بيفهم فالسوشيال ميديا عمل الحوار دا كُلّه ود’بسها فيّا وخـ.ـلع معرفش راح أي دا’هية تاخده، أنا مبقتش أغا’مر خلاص أنا بخا’ف على بنتي ومراتي ومش مستعد أعمل أي حاجة ممكن تأ’ذيهم مهما كان المقابل.
_إيه اللي يثبتلي إذا كان كلامك دا صح ولا غـ.ـلط؟.
أخرج “معتـز” تنهيدة عميقة ثمّ حاول أن يتحلى بالصبر وقال بنبرةٍ هادئة:
روح عالمخز’ن القديم أظن تعرفه، هتلاقي الإثبا’ت هناك.
أقترب “شريـف” خطوة أخرى مِنْهُ وقال بنبرةٍ حا’دة متو’عدة:
_هتيجي معايا بنفسك، بس لو حسيت بلا’وع أو شميت ريحة الغد’ر صدقني مش هعديهالك على خير وهيكون التمـ.ـن حياتك.
نظر إليه “معتـز” دون أن ينبُث بحرفٍ آخر يرى الشـ.ـر في عيناه مشتعـ.ـلًا كجمـ.ـرة النا’ر المـ.ـلتهبة التي تأبى الإنطفاء، فالمظلو’م لا يأبى شيئًا مادام الحق في صفه، تحرّك بعدها وخلفه “شريـف” في طريقهما إلى المخز’ن القديم الذي حمل أسرارًا سو’دا’وية لا يعلمها العالم الخارجي حتى هذه اللحظة.
______________________________
<“هُـ.ـدنة صغيرة يستريح فيها مُحا’ربًا عظيمًا.”>
في حديقة القصر الخلفية؛
كان “حُذيفة” جالسًا فوق المقعد الخشـ.ـبي تحت ظلّ الشجرة، يضمّ صغيره “يونس” إلى صدره ويمسح فوق ظهره الصغير بكفه، كان رأسه الصغيرة فوق موضع قـ.ـلبه، يستمع إلى نبـ.ـضات قلبه المنتظم وكأن ذراعي أبيه هي أما’نه مِن قسو’ة العالم الخارجي، أخفض “حُذيفة” رأسه قليلًا تجاهه ثمّ لثم جبينه الصغير بحنوٍ..
جاء “يونس” يُعيد إيقاظ تلك المشاعر التي أيقظها صغيره الأول بقدومه، وها هو “حُذيفة” يعيش نفس اللحظات، أقترب “حسـام” مِنْهُ بخطى هادئة بعد أن دلّهُ الصغير على مكان أبيه، جلس في قبالته وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_أنا قولت برضوا هلاقيك منزوي عن العالم ومعاك العصفورة الصغيرة دي.
أبتسم “حُذيفة” ورفع رأسه ينظر لهُ قائلًا:
_جه صحى فيّا مشاعر أكتشفت أنها مبتطلعش غير مع أطفال صغيرة زيُّه كدا، حاسس إني بعيش اللحظة لأول مرَّة.
نظر “حسـام” إلى الصغير الذي كان يلتزم الهدوء في أحضان أبيه، ثمّ برفقٍ مدّ يَده وأمسك بحنوٍ كفه الصغير بإبهامه وسبابته، حاول أن يجذ’ب إنتباهه بحركة لطيفة على كفه وبالفعل قد نجح في هذا وها هو ينظر إليه وكأنه متعجبًا مِمَّ يفعله، رُسمت بسمةٌ واسعة فوق فمه وقال بحما’سٍ:
_إيه العسل دا، أبنك فكّرني بـ “عدنان” وهو صغير كدا، كان بيستغرب أي حد غريب يقرّب مِنُه ولا كأنه عد’وه، بس أقولك حاجة أول مرَّة أقولها وهتكون أنتَ أول واحد يعرفها … أنا كُلّ ما بشيل طفل صغير زي “يونس” كدا بحس بحاجة جوّايا بتتهـ.ـز جا’مد، لمَ بشيلهم بحسّ بمشاعر كتير أوي فلحظة واحدة، بس ببقى مبسوط أوي، لو جبت طفل صدقني عندي إستعداد مسيبهوش.
قهقه “حُذيفة” ولكن لمعة عينان رفيقه لم تمُر سهـ.ـوًا عليه، ولذلك أعتدل في جلسته وبرفقٍ مدّ إليه كفيه بصغيره قائلًا:
_طب سمي الله وشيل.
تجمّـ.ـد “حسـام” قليلًا في مكانه بعد أن رأى رفيقه جادًا في فعله، لم يتوقّع أن يفاجئه هكذا، مدّ كفيه وحمل الصغير بحذ’رٍ ذاكرًا ربُّه، ضمّه إلى صدره وبتلك اللحظة رُسمت بسمةٌ حانية فوق فمه، شَعَر بشيءٍ يُهد’م بداخله، وكأن زلز’الًا ضر’به دون سابق إنذار، جسـ.ـدٌ صغيرٌ للغاية ور’خو بين ذراعيه، ود’فئًا لطيفًا يحاوط صدره وكأنه يُطمئنه سـ.ـرًا، قبـ.ـضةٌ صغيرة فوق قميصه الأسو’د، وحركة لطيفة خفيفة كالر’يشة لا تتوقّف فوق صدره..
قرّب “حسـام” رأسه مِن “يونس” وترك تلك الرائحة اللطيفة تُد’اعب أنفه كيفما تشاء، لم يستطع أن يظلّ صامدًا أمامه طويلًا ولذلك بدأ يوزع قُبلاته عشوائيًا إن كان فوق كفه الصغير أو فوق وجهه الصغير، فهذه نقطة ضـ.ـعفه الوحيدة التي لا يخجـ.ـل مِن إظهارها أمام مرئى الجميع، بينما كان “حُذيفة” يُتابعه مبتسم الوجه دون أن ينبث بحرفٍ، يرى جانبًا جديدًا مِن رفيقه..
دقائق وكُسِـ.ـرَ هذا الهدوء بو’قع أقدامٍ تقترب مِنهم، ألتفت “حُذيفة” برأسه ورأى رفيقه الآخر قد حضر كذلك، جلس إلى جواره فوق المقعد ونظر إلى “حسـام” مباشرةً يرَ تعامُله مع ابن رفيقهم الذي خطـ.ـف قلوب الجميع دون أن يعلم، خـ.ـفق قلبه فجأةً وخـ.ـطفه عـ.ـقله لرحلة قصيرة للمستقبل، فيومًا ما سيكون لديه طفلٌ صغير كذلك يكون العوض عمَّ رآه في حياته..
_شكل أبني سا’حرلكم وأنا معرفش.
قرر أن يُمازحهم بعد أن رأى أعينهم مُعلَّـ.ـقة فوق صغيره تر’ميه بنظراتٍ تملؤها الحنين والحُبّ، أنتـ.ـبه لهُ “حسـام” الذي رفع رأسه ونظر إليه قائلًا بصراحةً واضحة:
_الشهادة لله يا صاحبي آه، مِن ساعة ما شوفت أبنك وأنا عامل زي المسحو’ر كُلّ ما أشوفه قدامي ببقى هاين عليّا أمسكه وأهر’ب بيه.
نظر “حُذيفة” إلى رفيقه الآخر في تلك اللحظة وقال مبتسمًا:
_وأنتَ يا “شهـاب”، أكيد هتقول نفس الكلمتين بتوع صاحبك.
بسمةٌ خفيفة ظهرت على وجهه ووافقه القول بهزّة صغيرة مِن رأسه دون أن يتحدث، أخرج “حُذيفة” زفرة صغيرة وقال:
_ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة يا ربّ، وأشوفكم بتلفوا حوالين نفسكم بعدها زي المجا’نين.
إلى هُنا وعا’رضه “حسـام” بقوله الغير راضٍ:
_لأ يا عمّ مين قال كدا مش هيحصل، يبقى شبه “موَّدة” وأسيبه فالمشمش.
قهقه “حُذيفة” على كلماته ثمّ مازحه ساخرًا بقوله:
_يا رومانسي، خلّي حلاوة البدايات سحـ.ـلاك يا حبيبي بُكرة تاخد بالجز’مة.
نظر إليه “حسـام” وكأنه يستنكـ.ـر الأمر برمته وقال:
_لأ يا حبيبي أنا مش مسحو’ل، أنا عارف أنا بقولك إيه كويس أوي، داري صفا’رك شويَّة عشان طا’فح علينا، وبعدين أنتَ ماسك فيّا أنا ليه ما عندك “شهـاب” أهو ما هو لسه متجوز جديد قطّـ.ـم فيه شويَّة وحل عن نفو’خ أهلي عشان مز’علكش.
أقتـ.ـحم “ليل” تلك الجلسة التي إتخذت مسار الشـ.ـد والجذ’ب بين هذين الإثنين، يعلم وجهته جيدًا ويرَ مُراده نُصـ.ـب عيناه وكأنه عثر على فر’يسته التي كانت تُثيـ.ـر إنتباهه طيلة الوقت، إتجه إلى “حسـام” وبدون مقدمات حمل الصغير على ذراعيه ضاممًا إياه إلى صدره ثمّ بدأ يغدقه بقُبلاته قائلًا بحنوٍ با’لغٍ لمرَّته الأولى:
_حبيب عمو يا جدعان إيه الحلاوة دي كُلّها.
وكأن صوته إختر’ق أعمق نقطة داخل قلـ.ـب “يونس” الذي أبتسم بلا و’عيٍ وكأنه عثر أخيرًا على رفيقه الحبيب، ضحك “ليل” وألتفت إلى ابن خاله وقال مبتسمًا:
_أبنك حافظ صوتي يا “حُذيفة”، ضحك أول ما سمعني.
نظر إليه “حسـام” وأبتسم بتهكمٍ وقال ساخرًا:
_طبعًا، ما أنتَ زي أخوه برضوا طبيعي يحبك، وبعدين مِن أمتى وأنتَ عندك مشاعر وبتضحك وتدلَّع كدا، يا لو’ح تلج.
نظر إليه “ليل” بعينان حا’دة ثمّ ضر’به بقدمه بحركةٍ عنـ.ـيفة بعض الشيء وقال بنبرةٍ مغتا’ظة:
_خليك فحالك يا مد’لوق وملَّكش دعوة بيا أحسنلك بدل ما أخد وشك دا جولة بو’كسات.
رفع “حسـام” عيناه ور’ماه بنظراته البا’ردة ثمّ قال بنبرةٍ أكثر برودة:
_طب لو إيدك إتمـ.ـدت مبدئيًا أنا هكسـ.ـرهالك ومتعمليش فيها دور الكبير عشان إحنا فسِـ.ـن بعض بالظبط فخـ.ـف شويَّة بقى.
تركهما “حُذيفة” في تلك الحر’ب الكلامية ونظر إلى هاتفه بعد أن وصلته رسالة نصيَّة مِن أخيه، تأملها ثمّ لانت معالم وجهه ورُسمت بسمةُ حنينٍ فوق فمه:
_وحشتني أوي يا خويا فوق ما تتصور بجد، حبيت أطمنك عليّا أنا زي الفُل.
وبلحظة كان يكتُب لهُ رسالة هو أيضًا، وكأن أصابعه تعلم طريقها جيدًا:
_أنتَ اللي وحشتني أوي، مفتـ.ـقدك جدًا يا قلـ.ـب أخوك، صحتك كويسة وبتاخد بالك مِن نفسك زي ما عودتك؟.
إنعز’ل عن العالم حينما رأى أخيه يرد عليه بعد دقيقة، وبعفوية ضحك على رده وكأنه طفلٌ صغير يشـ.ـكو إلى أُمه:
_هانت يا حبيبي هرجع أقر’فك لحد ما أتجوز وساعتها هتعرف قيمتي أكتر، ومش عايزك تقلـ.ـق أخوك قد الدنيا كُلّها، بس اللي مضا’يقني ومخليني على أخري التليفون أبو زراير دا، أنا شويَّة وهكسـ.ـره حتت بجد.
_أومال أنتَ فاكر إيه؟ هتاخد موبايلك وتشات عادي، معلش أستحمل حبة كمان مفاضلش غير القليل.
رفع رأسه بعد أن إشتـ.ـدت الحر’ب الكلامية عـ.ـنفًا بين هذين النمـ.ـرين، وصغيره بينهما كالقطة الصغيرة المستسـ.ـلمة لمصيـ.ـرها، تدخّل بينهما قائلًا بنبرةٍ عالية:
_وأبني اللي مد’عوك وسطكم يا شويَّة تير’ان؟ هات أبني يا “ليل” ..!!.
تحدثت “أيسل” بعد أن جاءت لأخذ صغيرها ورأت تلك الحر’ب تكاد تشتعـ.ـل أكثر بينهما قائلة:
_”ليل” هات الو’اد وبعدين إتخا’نقوا زي ما أنتم عايزين.
أبتعد “ليل” خطوتين للخلف وهو ينظر لها كالصيا’د الذي رأى فر’يسته تُحاول الإنقـ.ـضاض عليه، تحدث بنبرةٍ مند’فعة قائلًا:
_لأ مش هتاخديه.
ذُهلت “أيسل” و “حُذيفة” الذي جاورها غير مصدقٍ ما يراه ويسمعه، فبالتأكيد ابن عمّته قد فقـ.ـد عقله تمامًا، تحدث بنبرةٍ مذهولة قائلًا:
_هو إيه اللي مش هتاخديه دي هات الواد.
نظر إليه “ليل” وقال بنبرةٍ حا’دة:
_ما قولت لأ هي شغلانة ..!!.
_هات أبني يا ابن المجـ.ـنونة ..!!.
أصبح يُلاحقه بخطى وا’سعة بعد أن ر’فض ابن عمَّته أن يُعطيه صغيره وكأنه ينتز’ع مِنْهُ شـ.ـرفه وليس صغيره، ألتفت إليه “ليل” ونظر لهُ بعيناه الحا’دة وكأنه يتحـ.ـداه أن يتجـ.ـرأ ويأخذه، كان الصغير يضع رأسه فوق كتف “ليل” بعد أن ثقـ.ـل رأسه الصغير وبدأ النعاس يُد’اهمه، لم يكُن الأمر مجرّد عـ.ـبثًا مِن “ليل”، فتلك اللحظة التي حمل فيها “يونس” ذكّرته بذكرياتٍ كثيرة مِن الماضي..
كان الصغير بضمّة واحدة يستطيع أن يوقظ بداخلهم مشاعر كانت لا إ’ثر لها مِن قبل، مد’فونة في أعمق نقطة بهم، بدأ “حُذيفة” يتقدّم مِنْهُ بحذ’رٍ بعد أن رأى صغيره بدأ يغفو في صدر ابن عمَّته:
_”ليل” أقسم بالله لو عملت حركة غـ.ـبية مِن حركاتك ما هخلي فيك حِتة سـ.ـليمة، هات الواد واعقـ.ـل.
نسيّ بأنه لا يُهـ.ـدد؛ وإن حدث فسيُريهم الجحـ.ـيم في نهارهم، ر’كل الطاولة بقدمه وبدأ يُعر’كل طريقه حتى لا يقترب مِنْهُ، وعيناه تر’ميه بنظرةٍ متحـ.ـدية يعلمها “حُذيفة” جيدًا، إبتعد عنهُ قائلًا بنبرةٍ حا’دة:
_لو قـ.ـلبك جايبك قرّب وخده، وأنتَ عارفني كويس بعمل إيه لو حاجة إتخادت مِني غصـ.ـب عني.
هو حقًا لا يهتم لأحد، ولكن تشبث الصغير بهِ بهذه القو’ة حتى وإن كان غير وا’عٍ أثمن ما يملُكه، فيكـ.ـره أن يتعلّـ.ـق بهِ طفلًا صغيرًا بتلك الطريقة ويخذ’له هو بإبتعاده عن الصورة بمنتهى القسو’ة، قلّـ.ـص “حُذيفة” المسافة المتبقيَّة بينهما بخطى سريعة قائلًا:
_هات الواد عشان لمَ بتهـ.ـب مِنك بتهـ.ـب بجد وأنا هخا’ف عليه ساعتها مِنك.
نظر إليه “ليل” والدهشة في عيناه تُر’شق لرفيقه الذي لم يـ.ـعي لِمَ قال للتو، فهو يعلم بأن “ليل” يكر’ه هذا الأسلوب وبشـ.ـدة خصيصًا أنَّهُ صدر مِنْهُ هو وأمام الحاضرين، وقف أمامه ومدّ كفيه ليأخذ صغيره برفقٍ دون أن ينظر إليه، ولكن خرج صوته هادئًا بطريقةٍ مخـ.ـيفة للجميع حينما قال:
_أنتَ بتتكلم بجد؟ أنتَ بتعا’يرني يا خويا؟.
صمتٌ قا’تل سيطـ.ـر على المكان بعد كلماته، عيناه مثـ.ـبتتان فوقه؛ يُطالعه بنظرةٍ مكسو’رة لأول مرَّة في حياته، فلم يتوقّع يومًا أن يكون رفيق دربه أول مَن يخا’ف على صغاره مِنْهُ أو يقوم بمعا’يرته بلحظة لم يحسب نتائج ما يقولها فيها بعدها، أر’تخى ذراعه فوق الصغير الذي أنتُز’ع مِن أحضانه ولم يعبـ.ـأ الآخر لكلماته..
أنتظر أن يُبر’ئ نفسُه ويُخبره أنَّهُ لم يكُن جادًا، ولكنهُ ولّاه ظهره ولم يكترث بقلبه الذي كُسـ.ـر في هذه اللحظة، هو فقط كان يمزح؛ لن يجـ.ـرؤ على أن يفعل شيئًا متهو’رًا يُصيـ.ـب أيُ طفلٍ غيره، ولكنهُ الآن يقف كالمهز’وم الذي تلقّى الغد’ر مِن مَن ظنّهُ وطنه، كيف يكون شعور المرء حينما يُعطي ولاءه لوطنه وتكون أول الغاد’رين بهِ؟..
نظر إليه “حسـام” وقد شَعَر بصدمته وهز’يمته، نظر إلى “حُذيفة” وعقله مازال لم يستوعب الأمر، لم يستطع “ليل” أن ينتظر أكثر خصيصًا حينما وُجهت جميع الأنظار نحوه وكأنه بلحظة أصبح منبو’ذًا، أ’ختفى فجأةً مِن بينهم وهو بالكاد لا يرَ أمامه، عيناه تأبى أن تزرف عبراتها، وقلبه وكأنه تلقّى أخيرًا الشارة الخضراء ليبدأ في الاحتر’اق، غا’ب عقله في لحظة وخفتت الأصوات مِن حوله..
ضر’ب باب الغرفة بعنـ.ـفٍ خلفه وحرّك المفتاح بحركة سريعة داخل المزلا’ج، أسند ظهره عليه وصدره يعلو ويهبط بعنـ.ـفٍ مخيـ.ـف، غامت عيناه وأرتفعت حرا’رة جسـ.ـده بشكلٍ جعله يشعُر بالإختنا’ق، تجا’هل ضر’بات “حسـام” فوق الباب مثلما تجا’هل الرد عليه، حرّ’ر أزرار قميصه بأنامل مر’تجفة، وبحركة سريعة وعنيـ.ـفة في الوقت ذاته، نز’عه وأ’لقاه بعنـ.ـفٍ بعيدًا ليبقّى عا’ري الجذ’ع..
نظر إلى الحلـ.ـبة التي شهدت على عنـ.ـفه وجـ.ـنونه، وكيس الر’مال الذي تلقّى لكما’ته العـ.ـنيفة التي لم تتوقّف في أحد الأيام، سحب القفازات مِن فوق الطاولة وأرتداها بحركةٍ تحمل عنـ.ـفًا، إشتـ.ـدت عضـ.ـلات جسـ.ـده وضغـ.ـط بعنـ.ـفٍ فوق أسنانه، فها هي ذروة جـ.ـنونه ستبدأ بعد لحظات، وقف أمام الكيس ونظر إليه لبرهةٍ مِن الوقت، وكأن عقله خُيِّل لهُ بأنه شخصًا جر’ح مشاعره يومًا..
بدأ صوت ضر’باته فوق الكيس يعلو مُنافسًا صوت الضر’بات المستمرة فوق الباب، مع كُلّ ثانية تمُر تشتـ.ـد ضر’بته عنـ.ـفًا وقسو’ة، فهذه هي وسيلته الوحيدة لإفراغ مشاعره وطاقته السلـ.ـبية بالكامل، مع كُلّ ضر’بة كانت كُلّ كلمة مِن “حُذيفة” تُشعـ.ـل فتـ.ـيلة غضـ.ـبه، فهو رفيق دربه؛ الدرع الحا’مي لهُ في أيا وقتٍ كيف يتجـ.ـرأ ويقـ.ـتله بكلماته..
_هو جوّه؟.
نظر “حسـام” إلى “علي” ثمّ هزّ رأسه برفقٍ وقال:
_زعل أوي مِن “حُذيفة”، خد بعضه وجر’ي على جوّه وقافل على نفسُه ومبيردش عليّا، خا’يف فزر’وة غـ.ـضبه دا يأ’ذي نفسُه مِن غير ما يحسّ، حاكم إحنا عارفين “ليل” مبيشوفش قدامه ساعتها زي ما عمل قبل كدا وفـ.ـتح إيده ومحسش غير لمَ “شهـاب” ز!عق فيه.
أخرج “علي” زفرة عميقة ثمّ أقترب أكثر مِن الباب ووضع أُذنه فوقه في محاولةٍ مِنْهُ لسماع أيُ شيءٍ يُطمئنه أنَّهُ مازال بخيرٍ، ولكن ما يُسمع هو ضر’بات “ليل” العنـ.ـيفة فوق الكيس، نظر إلى “حسـام” بتحفـ.ـزٍ وقال:
_”ليل” المرَّة دي غير أي مرَّة، شكل عصبـ.ـيته واصلة معاه لز’روتها.
أخرج “حسـام” تنهيدة طويلة ثمّ نظر إليهِ بيأسٍ وقال:
_بصراحة متوقعتهاش فيوم مِن “حُذيفة”، يعني دا حتى وهو بيقولها كان بجد، مفيش هزار … وبيني وبينك بقى محدش يقدر يلو’م “ليل” فأي حاجة، آه هو مطر’قع وإحنا عارفين كدا بس مينفعش نقول كدا في مليون طريقة غيرها.
طرق “علي” فوق الباب بقو’ةٍ ثمّ قال بنبرةٍ عالية:
_أفتح يا “ليل”، متحبـ.ـسش نفسك وتكتـ.ـم جوّاك خرّج عـ.ـصبيتك فينا إحنا، أفتح لأخوك يا “ليل” ..!!.
_مش هيسمع مِنك صدقني، “ليل” مش جديد علينا.
مسح “علي” فوق وجهه وهو يُفكر في الأمر، فقلبه مغمورًا بالرُ’عب والقلـ.ـق فإن كان منعزلًا عن الجميع فهذا لا يعني سلا’مته، تحرّك عائدًا إلى “حُذيفة” عازمًا على توبيخه حتى حلول يومٍ جديد، فبرغم أنها مرَّتهُ الأولى ولكنها ستكون الأخيرة على يَديه.
______________________________
<“ريا’ح عا’صفية تذ’بذب كيان ولكنها لا تُسـ.ـقطه.”>
في غرفة المعيشة؛
كان “ليل” الجد يجلس فوق الأريكة عيناه مثـ.ـبتتان فوق شاشة الحاسوب بتركيزٍ شـ.ـديدٍ، أنامله تتحرّك بسلا’سة فوق اللوحة وبجانبه فنجان قهوة رُبعه فارغ، إلى جواره “روز” التي كانت تتفحص بعض الأوراق الخاصة بشركة أبيها، تنغض جبينها قليلًا ثمّ قالت بتعجبٍ:
_إيه دا ..!!.
نظر لها “ليل” مباشرةً وكأن حواسه تُجذ’ب مع كُلّ همسة مِنها، عاد للخلف قليلًا وهو يسألها قائلًا:
_في إيه يا “روز”؟.
شملت جميع الأوراق بعيناها وهي تشعُر بأن ثمة خطًـ.ـأ بهم لكنها لا تعلم أين يكمُن، مالت نحوه قليلًا قائلة:
_بُص كدا عالورق دا، إيه دا كُلّه أنا مش فاهمة حاجة.
أخذ الأوراق مِنها وقرأهم بعيناه واحدة تلو الأخرى، بينما عادت هي تشمل بقيَّة الأوراق قائلة:
_في حاجة غـ.ـلط فالحسابات دي كُلّها، المبلغ أكبر مِن كدا بكتير إيه الأرقام دي.
نظرت إلى “ليل” تنتظر تعقيبًا مِنْهُ على الأمر، فهي تتذكّر جيدًا بأن الأمر ليس كما تراه أمامها الآن، ولكنهُ لم يتفوّه بحرفٍ معها، بل رفع صوته بإسم “عبدالرحمـٰن” وهو يتفحص الأوراق مرَّة وإثنتين وثلاثة حتى لبىٰ لهُ الآخر نداءه ووقف أمامه قائلًا:
_خير يا عمي محتاج مِني حاجة.
مدّ “ليل” يَده بالأوراق لهُ وقال بنبرةٍ حا’دة:
_عايزك تراجعلي الحسابات دي كويس، وتشوفلي التوتال بالظبط وهبعتلك فايل عالميل بتاعك بالأسعار الحقيقية لو مظبوط عرّفني ولو في حاجة زي سر’قة تبلَّـ.ـغني على طول.
أخذ “عبدالرحمـٰن” الأوراق مِنْهُ وشملها بنظرة سريعة ثمّ هزّ رأسه بتفهمٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_حاضر يا عمِّي، إديني شوية وقت وكُلّ حاجة هتكون عندك بُكرة.
وقبل أن يتحرّك تجمّـ.ـد جسده فجأةً بعد أن رأى “رودينا” تحبي أمامه ها’ربةً مِن مطا’ردة أُمها لها وعيناها الواسعة تدور في وجوه الجميع وكأنها تبحث عن شخصٍ ما، أبتسم “ليل” حينما رآها وبلحظة ترك كُلّ ما بيده ورفعها بكفيه ضاممًا إياها إلى صدره قائلًا بوجهٍ مبتسم:
_أنتِ طالعة شقـ.ـية لأبوكي ليه؟ كان مبيقعدش زيك كدا ومـ.ـلففنا كُلّنا وراه.
بدأت “رودينا” بتسـ.ـديد الضر’بات لهُ بكفيها الصغيران وهي تُتمتم بكلماتٍ مُبهمة بعد أن تنغض جبينها وكأنها تعتر’ض على كلماته التي تُنسب إلى أبيها الحبيب، اقتربت “روزي” مِنهم وهي تقول بيأسٍ ضاحكة:
_غـ.ـلّبتني معاها مبتقعدش ساكتة عمّالة تجر’ي هنا وهنا واللي طالع عليها بابا.
ضحك “ليل” الجد ونظر إلى الصغيرة وقال مبتسمًا:
_حبيبة أبوها بقى، طلعاله مفيش حاجة مخدتهاش مِنُه حتى شـ.;قاوته ور’ثتها.
تحدثت “روز” بنبرةٍ هادئة مبتسمة الوجه قائلة:
_طب ما توديها لـ “ليل” يا “روزي” طالما هي مش ساكتة كدا وعايزاه.
تحدثت “روزي” بجهـ.ـلٍ قائلة:
_أنا معرفش هو راح فين أساسًا أ’ختفى مرَّة واحدة عمّالة أدوّر عليه مِن بدري عشان هي تسكت شوية وتبطّـ.ـل شـ.ـقاوة.
نظر “ليل” إلى “شهـاب” الذي وقف على مقربةٍ مِنْهُ وأشار لهُ بكفه دون أن ينبُث بحرفٍ، إنسـ.ـحب مِن بينهم واقترب مِنْهُ حاملًا الصغيرة على ذراعه والتي كانت تعـ.ـبث بلحـ.ـيته الفضية الخفيفة كما تفعل مع أبيها، وقف أمامه وسأله بترقبٍ عن تلك النظرة التي تسكُن عيناه قائلًا:
_في إيه يا “شهـاب” شكلك ميطمنش؟.
أخرج “شهـاب” تنهيدة عميقة يغمُـ.ـرها اليأس ثمّ قال بنبرةٍ خافتة:
_لأ يا حج هو مش خير للأسف، “ليل” شا’يط دلوقتي والدنيا وا’لعة.
تنغض جبين الجد الذي قال متسائلًا عن السبب:
_ليه إيه اللي حصل؟ وهو فين أساسًا؟.
قـ.ـصّ عليه “شهـاب” ما حدث بين حفيديه المقربين وجـ.ـنون حفيده الأكبر الذي إن وصل بهِ غـ.ـضبه لز’روته لا يضمنوا ما يُمكن أن يحدث، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_دا اللي كان نا’قصنا.
_”علي” حاليًا بيتكلم مع “حُذيفة” و “ليل” مش شايف ولا سامع حد وواخد على خاطره أوي.
تفهّم “ليل” حديثه ولذلك أعطاه “رودينا” قائلًا:
_خلّي “رودينا” معاك لحد ما أشوف الموضوع دا هيخلـ.ـص على إيه.
أخذ “شهـاب” الصغيرة بالفعل وهو يضمّها إلى صدره يمنحها قبلة حنونة فوق خدها الصغير الممتلئ، نظرت إليه الصغيرة بدهشة وكأن فعلته جُر’مًا مشهودًا، ترقّب هو ردّها بعد تلك القبلة بتحفـ.ـزٍ، ولكنها ضحكت وكأن تلك القبلة أسعدتها، أتسعت بسمةُ “شهـاب” ثمّ منحها واحدة تليها أخرى ثمّ أخرى، وبلحظة رنّت ضحكتها الصغيرة العالية أرجاء القصر، فـ “شهـاب” كان كرفيقٍ جيدٍ لها يفهمها كما يفعل أبيها..
في ساحة الملا’كمة؛
الضر’بات مازالت مستمرة، جسـ.ـده يلمع تحت الضوء؛ ضر’باته لم تهدأ بعد بل تزداد قو’ة مع مرور الوقت، الغضـ.ـب مشتـ.ـعلًا في عيناه بطريقة مجـ.ـنونة، صر’خ صر’خة عالية مد’وية كانت مكتو’مة داخله منذ وقتٍ طويل مسددًا آخر ضر’بة بعنـ.ـفٍ ثمّ أمسك الكيس مـ.ـثبتًا إياه وتوقّف، كان يلهث بصوتٍ عالٍ وحبات العرق تترك لمعتها فوق جسـ.ـده..
فُتِحَ الباب بهدوءٍ شـ.ـديدٍ وأطل عليه بهالته المهـ.ـيبة، طويل القامة وجسـ.ـده مشد’ودًا وكأنه مازال في ريعان شبابه، خصلا’ته الفضية تلمع وعيناه الحا’دة تر’شقه بنظرةٍ متحفـ.ـزة، فهو يعلم حفيده جيدًا حينما يغضـ.ـب، أغلق الباب خلفه وتقدّم بخطى هادئة، وقف على مقربةٍ مِنْهُ محتفظًا بمسافة طويلة بعض الشيء لأنه يعلم ما سيفعله حفيده الآن:
_واثق إن نا’رك لسه مبردتش، لسه جوّاك غضـ.ـب مكبو’ت مطلعش.
شـ.ـدّ بعنـ.ـفٍ على قبـ.ـضتيه فوق الكيس ور’عشة قو’ية إجتا’حت جسـ.ـده، لم تكُن بسبب لفحة الهواء الباردة، بل إنَّهُ غضـ.ـبه الذي لم يخرج بعد، وجهه يحمل قسو’ة تُرَ لأول مرَّة وكأن شيطا’نه قد حضر، أستمع إلى كلمات جده التي أستفـ.ـزته أكثر حينما قال:
_وأخرك إيه يا “ليل”، هتفضل كدا لحد أمتى.
_أنا نا’ري مبردتش ومش هتبرد، أنا جوّايا حر’يقة مش هتحسوا بيها ..!!.
صر’خ بها بعنـ.ـفٍ بعد أن ألتفت كالإعصا!ر إلى جده ير’ميه بنظرةٍ قا’سية، عيناه تكسوها الحُمـ.ـرة وكفيه ير’تجفان بفضل غـ.ـضبه الذي أعلن سيطـ.ـرته عليه، لم يتأ’ثر جده ولو للحظة بل ظلّ ثابتًا وعيناه مثـ.ـبتتان فوق عينان حفيده، نظرته أعربت عن مشاعر سـ.ـلبية مكتو’مة داخله لا تستطيع الخروج..
دقائق مِن الصمت القا’تل دامت بينهما، لا يُسمع سِوى صوت أنفاس الحفيد العالية، حفيده الكبير مكسو’رًا كالطير الجر’يح، صر’خ “ليل” الحفيد بوجه جده بلا و’عيٍ مِن جديد بقوله المنفعـ.ـل:
_مش معنى إني مببينش مشاعري ولا تأ’ثري إني عد’يم المشاعر ولو’ح تلج زي ما كلكم بتقولوا عليّا، أنا مبعرفش أبين و’جعي زيكم، مِن ساعة ما كُنت هتخـ.ـطف وأنا صغير وأنا مش كويس، بس بسكت وبستحمـ.ـل وبخرّج كُلّ ز’علي هنا عشان مجر’حش مشاعر حد زي ما هو جر’حني مِن شويَّة، أنا مشاعري مش لعبة أنا بني آدم وبحـ.ـس، مش كُلّ مَن هـ.ـب ود’ب ييجي يد’وس عليّا زي ما هو عايز … حفيدك دا’س على جر’حي يا سيادة اللوا ..!!.
تركه يُخرج ما في جعبته مثلما يُريد دون أن يتحدث، دون أن يأخذ ردًا حا’سمًا يرد’ع جـ.ـنونه أمامه، فكما تو’قّع الأمر أضحى أصعـ.ـب مِمَّ تخيّل، قلّـ.ـص المسافة الفا’صلة بينهما وضمّه إلى أحضانه مطبقًا ذراعيه حوله بقو’ة، محاولًا أن يمتـ.ـص هذه الانفعا’لات ويحتوي غضـ.ـبه بقدر ما أمكن:
_أهدى يا “ليل”، أهدى العصـ.ـبية دي هتأ’ذيك مش هتحل حاجة، أنا موجود يا حبيبي فأي وقت، مش دا كان إتفاقنا سوا قبل كدا.
أعلن “ليل” إنهيا’ره أمام جده وبكى داخل أحضانه، حاول “ليل” الجد أن يحتوي حفيده حتى يستطيع أن يُصلح ما تم إفسا’ده بين الحفيدين.
_______________________________
<“لم تقدر المسافات على إبعادهما.”>
في منتصف النهارد – داخل الخيـ.ـمة،
كان “وهيـب” يجلس ضاممًا حقيبته، القلم الحبـ.ـري الأسو’د يترك فوق الورقة البيـ.ـضاء كلماتٍ لم تُنطق بعد، منتظرًا تلقي رسالة مِنها؛ عيناه تجوب بين الورقة والهاتف ينتظر بفراغ الصبر ردّها، وكأنها تشعُر بنير’ان قلبه، أرسلت لهُ رسالة قصيرة جعلت البسمة تُرسم باتساعٍ فوق فمه:
_أنا عندي ليك خبر حلو، بس هسيبك تتحمـ.ـس شويَّة.
بلهـ.ـفة كتب لها رسالة نصيَّة أخرى، وقلبه هو كان القائد في تلك اللحظة:
_قوليلي يا “عنـون” عشان خاطر عيوني.
اقترب “يزيد” مِنْهُ بخطى هادئة مِن خلفه وهو ينظر إلى ما يفعله بفضولٍ شـ.ـديد، رآه يكتُب بعض الكلمات والهاتف بيَده الأخرى وكأنه ينتظر حدثًا عظيمًا، رأى أعترافاتٍ تُكتب يعلمها لأول مرَّة، ولم ينتظر معرفة لمَن تكون، فهو يعلم صاحبتها جيدًا؛ رأى تلهُفه حينما وصلته رسالة أخرى والتي كانت كالبلسم على قـ.ـلبه:
_أنا كلمت بابا عنك زي ما قولتلي، وهو مش مما!نع يشوفك عرّفته إنك قرّبت تخلّـ.ـص جيـ.ـشك، هستناك.
ضحك مِن قلبه وترقرق الدمع في عيناه بفرحة عا’رمة، أمسك بهِ “يزيد” كاللـ.ـص وقال مترقبًا:
_أنا قولت مِن الأول مش مر’تاح لقعدتك لوحدك دي بليل، بتعمل إيه ياض وبتكلم مين مطلّع القلو’ب دي كُلّها مِن عينك.
نهض “وهيـب” وضمّه دون أن ينتظر بسعادة وهو يقول بنبرةٍ غمـ.ـرتها الفرحة:
_هروح أطلبها مِن أبوها بعد الجـ.ـيش يا “يزيد”، أنا مش قادر أصدّق نفسي.
أبتعد “يزيد” ينظر لهُ وكأنه يُنكـ.ـر ما سمعته أُذنيه، نظر إليه مذهولًا ثمّ قال:
_لأ قول كدا قولت إيه؟ أنتَ أكيد بتهزر.
نفـ.ـى “وهيـب” كلمته الأخيرة وقال ضاحكًا:
_أقسم بالله ما بضحك عليك، أنا ظبطها معاها والحمدلله يعني جَت مِن عند ربنا، أدعيلي بس تكمل على خير.
ضمّه “يزيد” بفرحة ضاحكًا وهو مازال لا يُصدق حتى الآن ما قاله رفيقه، ولكن فرحته هي مَن قادته، ولج “مٌهـاب” في هذه اللحظة ورآهما يُعانقان بعضهما ولذلك تنغض جبينه وقال بنبرةٍ متسائلة:
_في إيه مالكم أنتوا الاتنين حاضنين بعض كدا ليه؟.
_”وهيـب” عملها وخد ميعاد مع أبو “عنـان” عشان يتقدملها أول ما ينزل.
ذُهل “مُهـاب” ونظر إلى رفيقه الذي كانت سعادته تظهر على وجهه وضحكته، خبرًا لم يتوقّعه مِن قبل ولكنهُ حقًا شَعَر بالفرحة لأجله، ولذلك لم ينتظر لحظة وركض لهما وضمهما سويًا إلى أحضانه قائلًا بنبرةٍ غمرتها السعادة:
_أنا كان قـ.ـلبي حاسس، مبروك مقدمًا يا “وهوب”، أقسم بالله فرّحتني … مبروك ليكم أنتم الاتنين مقدمًا يا حبايبي أنا مبسوطلكم أوي.
ضمّه “يزيد” ومعهُ “وهيـب” الذي أبتسم وقال:
_حبيبي يا خويا، عقبالك أنتَ كمان.
لأول مرَّة يشعُر بالفرحة بحقٍ، فمنذ زمنٍ الحز’ن هو الرفيق الو’في لهُ لا يتركه لحظة وكأنه أضحى مر’ضًا ملعو’نًا يصعُـ.ـب الخلا’ص مِنْهُ، ولكن ها هو يشعُر بالسعادة تطرق بابه، وكأنها تقطـ.ـع عهـ.ـدًا بأن تغمُـ.ـره بأيامًا لن تخلو مِنها لحظة، شـ.ـدّ على ذراعيه حولهما وقال بنبرةٍ متأ’ثرة:
_تستاهلوا كُلّ الخير والفرحة يا حبايبي، يا ربّ يديمها عليكم ويكونوا عوضكم عن كُلّ حاجة و’حشة شوفتوها.
_وأنتَ إتلحلح وحصّلنا، متستناش كتير عشان متطيـ.ـرش مِنك دي نصيحة أخوية يعني.
أبتسم “مُهـاب” بعد أن أستمع إلى كلمات “يزيد” وقال بنبرةٍ هادئة:
_أدعيلي يا صاحبي، ولو هي نصيبي هتكون.
ربّت “يزيد” فوق ظهره برفقٍ مبتسمًا، ثمّ نظر إلى “وهيـب” الذي كانت سعادته تُضاهي أيُ مشاعر أخرى، فها هو الفارس سيُقدم على أخذ أميرته إلى مملكته في القريب العاجل، ستكون كما أطلق عليها بأول لقاء بينهما … ستكون “عيون وهيـب”.



غير معرف
غير معرف
تعليقات