رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وواحد 101 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وواحد


يا نفسُ، لا تركني إلى زيفِ السراب،
فالدهرُ دولاب، وما دام يدورُ، لا أمانَ لركابه،
كلُّ ما كنتِ تحسبينه خلدًا، ذاب،
وما كنتِ تفرحين له، صار حطامًا في الغياب،
الأيامُ تمرُّ كالسحاب، لا تُمسك،
والوجوهُ تُزهرُ وتذبلُ، فلا تُعَلِّق قلبك بصورةٍ في إطار،
من جربَ الألمَ، صار حكيمًا،
ومن لامسَ الحبَّ، عرفَ أن في العطاءِ نجاةَ الأحرار،
لا تسألِ الناسَ مَن أنت،
بل كنْ لنفسك وطنًا، وسَكَنًا، ومحرابَ قرار،
فالعمرُ يمضي، وإن طالَ، فهو لحظةٌ،
تُختَصرُ بكلمةٍ: “ماذا أبقيت في القلب من آثار.
_ارتجال.
________________________________
سطرًا واحدًا يفقـ.ـد معنى القصة كاملةً..
حلقة الوصل إن إهتـ.ـزت لا تتفـ.ـكك، ولكنها تُشر’خ؛ وهكذا كانت العائلة، ولكن حركة صغيرة بر’يئة تُصلح ما تم إفسا’ده..
<“فكرٍ محدود وعقـ.ـلٍ صغير هما الأساس.”>
في أُمسية يومٍ جديد – قصر العائلة..
داخل الغرفة التي لم تخلو مِن الأ’نين المتواصل..
كان “ليل” يجلس في الشُرفة شارد الذهن، كوب القهوة بين أنامله منذ دقائق لم يلمـ.ـسه بعد، منذ ما حدث وهو لا يشعُر بأي شغفٍ تجاه أيُ شيءٍ، وكأن كلمات “حُذيفة” سر’قت مِنْهُ كُلّ ما هو جميل، ولج “رائد” إليه بخُطى خفيفة ووجهٍ مبتسمٍ، وهو يعقد العزيمة على إضحاك أبيه مثلما أعتاد..
رفع نفسُه بخفة وجلس فوق قدمه ثمّ ضمّه واقترب برأسه ولثم خَده بخفةٍ ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_بابا هو أنتَ ليه زعلا’ن؟.
وكأن صوته أخرجه مِن قو’قعة عميقة لا آخر لها، نظر في عينان صغيره التي تُشبه خاصته وبصعو’بة با’لغة رسم بسمةٌ خفيفة فوق فمه وقال بنبرةٍ هادئة:
_مش زعلا’ن يا حبيبي.
_لأ زعلا’ن، أنتَ مقعدتش معايا النهاردة ولا ضحكت ولا حتى أتكلمت … هو أنا ز’علتك مِن غير ما أقصد؟.
ظلّ ينظرُ في عيناه وكأن فيها النجـ.ـاة مِن الهلا’ك، برغم أن نظرته بر’يئة ولكن بها عمقٍ غريب، وكأنه يبحث عن نظرة خا’ئفة داخل رو’حه، أخرج تنهيدة طويلة ثمّ وضع كفه فوق رأس صغيره وضمّه إلى صدره برفقٍ حتى لا يرَ نظرة الحسـ.ـرة في عيناه وقال بنبرةٍ برغم هدوءها كانت مهزو’مة:
_لأ يا حبيبي أنتَ مز’علتنيش، أنا بس مضا’يق شويَّة بسبب مشـ.ـكلة فالشغل هتاخد وقت عقبال ما تتحل، أديني بس شويَّة وقت وأنا هرجع أقعد معاك تاني.
يظن بأن الصغير لا يعلم ما حدث، وفي الحقيقة كان على علمٍ بكُلّ ما حدث وقيل حينها، ولكن لم يرغب الصغير في الضغـ.ـط على أبيه ولذلك رفع جسـ.ـده الصغير ولفّ ذراعيه حول عُنُـ.ـقه ولثم خَده بحنوٍ ثمّ د’فن رأسه في عُنُـ.ـق أبيه وقال:
_متز’علش يا بابا أكيد ليها حل، أنتَ دايمًا بتقولي إن مفيش مشـ. ـكلة ملهاش حل بس بتحتاج مِننا إننا نقعد مع نفسنا ونفكر براحة عشان نلاقي الإجابة الصح على كُلّ مشا’كلنا، أنتَ كمان أعمل كدا وأنا متأكد إنك هتلاقي الإجابة الصح … طب أقولك على حاجة ماما على طول بتقولي إن القلب بيغـ.ـلب العقل، يعني لو أنا زعلا’ن مِن “عدنان” ومضا’يق أوي قلبي بيديني أول إجابة لمَ بقعد مع نفسي وافكّر، وأول إجابة تيجي على بالك وقلبك يوافقك عليها تبقى صح على طول، أعمل كدا أنتَ كمان يمكن تلاقي الإجابة الصح.
أبتعد الصغير ونظر في عينان أبيه الذي بدت عليه الدهشة والذهول، فلم يتوقّع أن يسمع هذا الحديث مِن صغيره يومًا، فقال ما لم يعجـ.ـز الكبير عن قوله وإختر’ق حصو’نه ولمـ.ـس أعمق نقطة بداخلهِ، ضمّ وجه صغيره بكفيه ولمعت عيناه بحُبٍّ خالص لهُ، قرّبهُ مِنْهُ ولثم جبينه بعمقٍ ثمّ ضمّه إلى صدره وطبّـ.ـق ذراعيه حوله دون أن يتحدث..
فصغيره الليلة أنقـ.ـذه مِن الحر’ب التي أشـ.ـنها عقله ضـ.ـد قلبه، شـ.ـدّد مِن ضمته إليه ومنحه قبلة أخرى دون أن يتحدث وكأنه يشكره على تلك النصيحة، ولجت “روزي” وهي تحمل “رودينا” على ذراعها لترَ زوجها يضم صغيره بتلك الطريقة لمرَّته الأولى وكأنه يخشى أن يختـ.ـفي مِنْهُ، تملمـ.ـلت الصغيرة وكأنها تطلب الحر’ية مِن بين حصا’ر ذراعيها..
أنزلتها بالفعل بعد أن بدأت تئـ.ـن بضيـ.ـقٍ واضحٍ لترَ ما ستفعله الصغيرة بعدها، وباللحظة التي لمـ.ـست فيها د’فء الأرضية بشرتها إنطلقت الصغيرة نحو أبيها بتلهُفٍ وكأنها تنتظر شيئًا كذلك مِن أبيها، أقتربت “روزي” مِن زوجها وقالت بوجهٍ مبتسمٍ:
_”رودينا” بتُطالب بنصيبها مِن الحضن دا.
نظر إليها “ليل” وأبتسم بعد أن رآها تتشـ.ـبث بهِ وتنظر إليه تنتظر ردًا مِنْهُ، أبتعد الصغير عنهُ ونظر إلى شقيقته وأبتسم وترك والدته تحمله على ذراعها، أعتدل “ليل” في جلسته وانحنى بجذ’عه يرفع صغيرته بلُطفٍ واستقام هو على قدميه بينما عيناه لا تُفا’رقان عيناها التي أتـ.ـسعت بذهولٍ ولمعت بالفرحة..
ضمّها إلى صدره وولج إلى الغرفة وهو يوجّه حديثه إليها قائلًا:
_أنتِ ليه بقيتي شـ.ـقية كدا، مش كفاية آخر مرَّة لـ.ـففتينا وراكي القصر كُلّه؟.
صر’خت “رودينا” صر’خة صغيرة وكأنها تر’فض تلك الكلمات البا’طلة التي يتهـ.ـمه بها، جلس فوق الفراش وقرّبها مِنْهُ يلثم خَدها الصغير بشغفٍ لتُطلق هي ضحكة رنانة في المقابل وكأنها مكافأتُه، جاورته “روزي” في جلسته وألتصقت بهِ قائلة بنبرةٍ هادئة مبتسمة:
_يعني تحضن عيالك وأنا لأ برضوا؟ كدا أنا هز’عل أوي.
تحدث “رائد” مبتسمًا وكأنه حقق المستحيـ.ـلات قائلًا بخبـ.ـثٍ:
_عشان إحنا ولاده، طبيعي يحضنا يعني إحنا الحُبّ كُلّه.
شاهدهما “ليل” مبتسمًا بعد أن أعجبه هذا المشهد، بينما شهـ.ـقت “روزي” بتفاجؤٍ واستنكـ.ـرت كلماته بقولها:
_يعني إيه بقى وأنا إيه لا’قيني فالشارع؟.
بلحظة خطـ.ـفها بشـ.ـدَّة صغيرة مِنْهُ إلى د’فء صدره وقال بنبرةٍ ما’كرة ووجهٍ مبتسم:
_أنتِ العشـ ـق كُلّه، هو حد قدر عليّا غيرك يا قمر برضوا.
ضحكت هي بعد أن خـ.ـطفها في سهـ.ـوةٍ مثلما يُفاجؤها دومًا ثمّ نظرت في عيناه وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_أيوه كدا قول الحق، الاعتراف بالحق فضيلة.
نظر في عيناها بعشقٍ جا’رف ثمّ لثم جبينها بحنوٍ وقال بنبرةٍ خافتة:
_فاكرة لمَ غازلت عيونك قولت إيه؟.
_يـــاه، قولت كتيـــر.
_طب ما تفكريني كدا لاحسن أنا بنسىٰ ومحتاج اللي يفكّرني.
أتسـ.ـعت بسمتُها وهي تنظر في عيناه تتذكّر تلك النبرةُ الها’ئمة التي لم تسمعها مِن قبل وحينما رنَّت كلماته في أُذنيها قالت:
_يا قُرَّة العَيْنِ إنَّ العَيْنَ تَهُواكِ … قولتها وعيونك مفا’رقوش عيوني لحظتها، وكأن عيونك بتعتر’ف لأول مرَّة قبل قلبك.
مسح بكفه فوق خصلا’تها النا’عمة وكأنه يُعيد ترتيبها مثلما يُعيد ترتيب نفسُه مِن الداخل ثمّ قال بنبرةٍ عميقة:
_النهاردة هفتـ.ـحلك قلبي وأقول اللي بتحاولي سنين تخرَّجيه مِن جوّايا، عيونك اللي قعدت سنين أقول عليهم و’حشين دول بفضلهم أنا و’قعت فمصـ.ـيادتك وبقى عندنا عيلتنا الصغيرة اللي متخيّلتهاش فيوم مع واحدة غيرك، كُلّ ما أبُص فعيونك فلحظتها حاجة جوّايا بتتكسـ.ـر، الحصو’ن اللي بـ.ـنيتها حوالين قلبي سنين بنظرة مِنك خلّصت كُلّ حاجة، العيون اللي شبه عيون الغزلان دي، قدرت تفتـ.ـن صيّا’دها بنظرة واحدة، ما بالك بعا’شق بقى.
مع كُلّ كلمة يقولها كانت تآ’سر هي شيئًا بداخلها، نبرته ليست كأي نبرة سمعتها مِن قبل، وتلك النظرة العا’شقة التي بلحظة قيّـ.ـدتها في حُبّه مدى الحياة ليست بهينة عليها، أتسـ.ـعت بسمتُها فوق فمها ثمّ اقتربت مِنْهُ قليلًا وقالت بنبرةٍ هادئة:
_أنا مش قادرة أصدّق إني بسمع الكلام الحلو دا مِنك بصراحة، أكيد فيك حاجة غـ.ـلط النهاردة عشان تقرر تفتحـ.ـلي قلبك وتقولي كُلّ اللي مـ.ـخبيه جوّاك، صح؟.
أمعن النظر في عيناها التي تو’هجت لمعتها وأزدادت إشراقة، وكأنها صبية صغيرة أغدقها حبيبها بكلامه المعسول، لم يُصدق بأن كلماته جعلتها سعيدة بهذا الشكل أمامه، فهو لم يمنحها سِوى بضع كلماتٍ فقط، جعلتها كالفراشة المفعمة بالحيو’ية والنشاط، واليوم قد صدّق بأن كلمةً لطيفة تُسعد امرأة طيلة اليوم..
ما حدث معه اليوم جعله يُعيد التفكير مرارًا وتكرارًا، فهو منذ سنواتٍ ينعت عيناها بالقبيـ.ـحة دون أن يشعُر بأن الكلمة تطعـ.ـن قلبها حتى وإن كانت مزحة صغيرة، واليوم حينما انفجـ.ـر أمام جده بسبب نعـ.ـتهم إليه بتلك الكلمتين الغبـ.ـيتين عَلِمَ مدى تأ’ثيرها عليه كذلك، ولذلك قرر أن يتخلّـ.ـىٰ عن كُلّ ذلك ويُغدقها بكلماتٍ معسولة فقط..
أخرج تنهيدة عميقة ثمّ نظر في عيناها بتمعنٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_أيوه حصل حاجة خلّتني أعيد نفسي مِن أول وجديد، فاكر المرَّة اللي تجاو’زت حدودي فيها معاكي، وفاكر وقتها إنفجا’رك، وعياطك، ور’عشة إيدك، وبرغم كدا كملت وكُنت كُلّ ما أشوف عيونك وألاقيكي مستنية تسمعي كلمة حلوة حتى لو لمرَّة واحدة بس بلاقي نفسي بعند وبخيِّـ.ـب أملك، مكُنتش أعرف وقتها إني بكسـ.ـرك بالبطيء، بس أنا دلوقتي فهمت وعرفت طعم الو’جع دا، فعشان كدا أنا قررت مز’علكيش تاني، وقتها مكُنتش بعرّف أعبّر عن مشاعري لأي حد، بس أنتِ بأقل فعـ.ـل مِنك كُنتي بتعلميني..
_أزاي أحب، أزاي أعبّر عن اللي جوّايا حتى لو كلامي مش مترتب بس المهم أقول، أزاي عيونك بيقدروا يسحـ.ـروني أول ما تلبسي النقاب، وأزاي بيأ’سروا قلبي أول ما تحُطي الكحـ.ـل، أنتِ غيّرتي فيّا كتير أوي يا “روزي” وأنا عا’ندت نفسي، بس أنا دلوقتي خلاص مبقتش عايز أعا’ند نفسي أكتر مِن كدا ولا أجر’حك أكتر مِن كدا، أنا بحبك يا “روزي” … بحبك وبحب عيونك، بحب كُلّ تفاصيلك، بعيو’بك قبل مميزاتك، حتى لمَ بيجيلك حُـ.ـمى القـ.ـش بحبك، أنتِ مش مضطـ.ـرة تداري عيو’بك عني عشان كلامي اللي كُنت بقوله، بالعكس أنا عايزك على طبيعتك، عشان أنا بحب “روزي” العشو’ائية قبل “روزي” السـ.ـت اللي بتحاول تعمل كُلّ حاجة عشان تسمع كلمة حلوة مِن جوزها … متتغيريش عشان حد يا “روزي” عشان أنتِ على طبيعتك أحلى بكتير.
عجـ.ـز فمها عن النطـ.ـق بعد تلك الكلمات التي قيلت، وتلك النظرة التي لم تكذُ’ب هذه المرة، ترقرق الدمع في عينها وصمتت الأصوات مِن حولها ولم يبقّى سِوى لحظة عميقة وأعترافاتٍ تُلـ.ـقى، ختم أعتر’افاته بقُبلة طويلة فوق جبينها، وكأنها أعترا’فٍ صامت مِن ر’جُلٍ عا’شق، سـ.ـقطت عبرة مِن عينها اليُسرى وكأنها أعترافًا غير منطوق، وبعد دقائق طويلة نطقت أخيرًا بنبرةٍ مهز’وزة خافتة وعيناها تلتقي بخاصته قائلة:
_أول مرَّة يا “ليل”.
ضمّ وجهها بكفيه وأمعن النظر فيها وهمس بصدقٍ تام:
_ومش الأخيرة يا عيون “ليل”.
أستقبلها حينها بترحابٍ شـ.ـديدٍ بعد أن أر’تمت بين ذراعيه باكية، وكأنها مازالت لا تُصدق تلك اللحظة وتلك اللمـ.ـسة الد’افئة التي تستشعرها لأول مرَّة مِن ر’جُلٍ عا’شقٍ بالفعل، مسح فوق ظهرها برفقٍ وكأنه يُز’يل كُلّ ما خلّفته كلماته السابقة في رو’حها مِن الداخل والخارج.
_____________________________
<“ليلةٌ أجواءها متوترة، ولمـ.ـسةٌ دا’فئة.”>
أنتصف الليل وسكنت المدينة، وتركت قلوبًا يملؤ’ها ضـ.ـجيجًا..
فكُلّما خطت خطوة للأمام تتلقّى ضر’بة تُعيدها لنقطة البداية مِن جديد وكأنها تُصِّـ.ـر على زرع الرُ’عب في قلبها بلا ر’حمة..
كانت تجوب في أرجاء الغرفة جيئةً وذهابًا، الخو’ف ينهـ.ـش قلبها بلا ر’حمة، يجعل النوم خصـ.ـيم جفنيها، وقفت أمام النافذة تُلقي نظراتًا قلـ.ـقة إلى حديقة القصر الأمامية بين الفينة والأخرى علّها تلمح طيفه، ولكنهُ تعمّـ.ـد أن يتلا’عب بأعصا’بها تلك الليلة بكُلّ خبـ.ـثٍ، عادت تسير في قـ.ـلب الغرفة وتقبـ.ـض بقو/ة على أصابعها..
_يا ربّي بقى، روحت فين دلوقتي بس يا “فاروق”.
بدأت تزفر بشكلٍ متواصل وكأنها تطر’د مشاعرها السـ.ـلبية مِن أعما’قها، ولسانها لم يتوقّف ثانية عن الدعاء لهُ، مرّت دقائق أخرى ثقـ.ـيلة على صد’رها حتى سمعت طـ.ـقطقة خفيفة مِن الباب، ألتفتت نحوه بحركة خا’طفة وها هو يطلُّ عليها بهيئته الحا’بسة للأنفا’س، أغـ.ـلق الباب خلفه وعيناه مثـ.ـبتتان فوقها بنظرةٍ متفـ.ـحصة بعد أن رأى الخو’ف ساكنًا فيهما..
_مالك قعدة لحد دلوقتي ليه الوقت أتأخر؟.
وقف أمامها مباشرةً وأنتظر إجابة على سؤاله، وصدقًا لم تتأ’خر هي عن الردّ فقالت بنبرةٍ متلـ.ـهفة وعيناها تشمله بنظرةٍ سريعة:
_أنام أزاي بس يا “فاروق” أنا مش عارفة أنام مِن خو’في عليك، كُلّ دا تأخير روحت فين وسيبتني؟.
نظر في عيناها مباشرةً وبلحظة قرر أن يتلا’عب بمشاعرها قليلًا قبل أن يقول الحقيقة، ابتسم بزاوية فمه ثمّ أقترب مِنها خطوة أخرى وقال:
_ويفرق معاكي فإيه بقى كُنت فين؟.
حُبِـ.ـسَت أنفاسها للحظات وكأن الكلمات أختر’قت حاجزًا خطـ.ـرًا، نظرت لهُ نظرةٍ ذات معنى وقالت بنبرةٍ هادئة:
_يعني إيه يفرق معاكي فإيه دي؟ أنا بسألك سؤال جاوبني.
لمعت عيناه بالمكـ.ـر ثمّ انحنى قليلًا نحوها حتى يُصبح في طولها وهمس بأُذنها قائلًا:
_كُنت سهران برّه شويَّة، في أي أعتر’اض؟.
تأهـ.ـبت حوا’سها بالكامل وكأن كلماته كانت كشر’ارة نا’بعة عن أنفجا’رٍ قريب، نظرت في عيناه بحد’ة بعد أن نظر فيهما بمكـ.ـر ر’جُلٍ يعلم كيف يُثيـ.ـر غضـ.ـب امرأته، اتسـ.ـعت أبتسامته بشكلٍ أستفـ.ـزها كثيرًا وكأنه ينتظر مِنها ردًا على ما قيل قبل دقيقة، ضمّت ذراعيها أمام صدرها وقالت بنبرةٍ حا’دة:
_سهران فين بقى إن شاء الله ومع مين؟ ومِن أمتى وأنتَ بتسهر برّه البيت؟.
_مِن النهاردة، السهرة عجبتني وناوي أكررها كتير الفترة الجايَّة.
تركها واقترب مِن فراش صغيره كي يطمئن عليه، وهي خلفه تنظر لهُ بأعينٍ تُطلق شـ.ـراراتٍ بعد أن أستطاع الوصول إلى غايته والتلا’عُب بأعصا’بها كما يحلو لهُ، بدأ عقلها يطرأ عليها بأفكارٍ سو’د’اء مختلفة الأشكال والأحداث لهُ، وعند توقفه للخيا’نة تحدثت بنبرةٍ حا’دة لم تستطع تما’لُكها قائلة:
_تعرف يا “فاروق” أنا لو شميت ريحة خيا’نة فالموضوع، قسمًا بالله العلي العظيم ما هكون على ذمتك دقيقة واحدة بعدها.
ألتفت لها ببطءٍ وهو ير’ميها بنظرةٍ هادئة دون أن ينبُث بحرفٍ واحد، وكأن كلماتها لا معنى لها في قاموسه، أقترب مِنها مجددًا ووقف أمامها وعيناه لم تُفا’رق لمعة عيناها التي تُظهر لهُ تما’سُكًا زا’ئفًا، وبلحظة قرر أن يُغير مسار اللُعبة بالكامل والعودة إلى نقطة البداية، رفع كفه وأعاد خصلا’تها خلف أُذنها وقال بنبرةٍ هادئة:
_ومين جاب سيرة الخيا’نة يا “لياليّ” بس، وأنا أقدر برضوا.
نظرت إليه باستنكا’رٍ تام وكأنها لا تُصدق ما قاله، بينما اتسـ.ـعت ابتسامته أكثر وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنا حبيت أضا’يقك بس مش أكتر، دا أنتِ رو’حي يا “ليالي”.
نظرت في عيناه قليلًا وكأنها تشـ.ـك في أمره، فهو يستطيع بسهولة أن يجعلها تُصدق الأمر حتى وإن كان كا’ذبًا، اتسـ.ـعت بسمتهُ واختر’ق الخطوة الفا’صلة بينهما، رفع كفيه وضمّ وجهها برفقٍ ثمّ لثم جبينها وقال بنبرةٍ هادئة:
_طب بُصي فعيوني وهتلاقي الإجابة بنفسك.
أمعنت في سو’داو’يته وكأنها تبحث عن الإجابة التي يعلمها قلبها جيدًا، لم ترَ سِوى عشـ.ـق رجُلٍ عاش عمرُه كاملًا يتمنى نظرةً واحدة فقط مِن عيناها، همس لها بنبرةٍ حنونة وقال:
_شوفتي بقى، طول عُمرك بتظـ.ـلميني وأنا بسكُت.
رفعت حاجبها عا’ليًا وكأن كلماته لم تروق لها، اتسـ.ـعت بسمتهُ ثمّ ضمّها وقال:
_طب عشان أثـ.ـبتلك ولا’ئي أنا عايزك تغيّري هدومك دلوقتي عشان هنخرج سوا.
_دلوقتي؟!.
هزّ رأسه برفقٍ وابتعد قليلًا ينظر في وجهها قائلًا:
_آه دلوقتي فين المشـ.ـكلة يعني؟ بقالنا كتير مخرجناش سوا وأهي فرصة وجاتلك، تغيير جَو.
نظرت إليه قليلًا وبدأت تُفكر في الأمر بشكلٍ أكثر جديَّة، فستكون تلك فرصةً ذهبية لها حتى تكون برفقتهِ قليلًا بعيدًا عن العمل الذي يسر’قه مِنها كُلّ يومٍ، لاحت أبتسامة خفيفة فوق فمها وهزّت رأسها برفقٍ لهُ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_موافقة أكيد.
اتسـ.ـعت بسمتهُ فوق فمه وقال بنبرةٍ هادئة:
_طب متتأخريش، هستناكي.
تركته وركضت إلى المرحاض بخفة والفرحة هي التي تُحرّكها، تاركةً إياه خلفها ينظر في إثرها بوجهٍ مبتسمٍ وعينانِ تلمعان بعشـ.ـقٍ جا’رف، عاد إلى فراش صغيره الذي كان ينعم بقيلولة هادئة مليئة بالأحلام الور’دية التي تترك بسمتهُ اللطيفة فوق فمه الصغير، أبتسم “فاروق” بحنوٍ ومرّر ابهامه فوق خَدهُ الصغير برفقٍ حتى لا يوقظه، عاقدًا العزيمة على خـ.ـلق ذكرياتٍ طويلة لا تنتهي مع عائلته الصغيرة.
____________________________
<“أ’كله الند’م بعد فوات الأوان.”>
في سكون الليل قلوبًا تحتر’ق ند’مًا..
تظن الأمر كالمعتاد؛ أ’كل حقٍ ليس لهُ، أو أ’لقى كلمة نظرة كسـ.ـرت ظهر البعيـ.ـر، ولكن كان الأمر أكبر مِن عقـ.ـله لأستيعابه، لقد كسـ.ـر رو’حًا … وليست أيُّ رو’حٍ كانت، بل كان رفيق الدرب، والدر’ع الحا’مي والحصـ.ـن المنيـ.ـع، ساقه الغضـ.ـب دون أن يعلم بأن المنحد’ر تحت قدمه..
كان “حُذيفة” يجلس فوق مقعدًا خـ.ـشبي على أطر’اف الحديقة الأمامية، عقله لم ير’حمه منذ سويعات وكأنه عزم على تلقينه درسًا قا’سيًا الليلة، عاد للخلف بنصفه العلو’ي ورفع رأسه عاليًا ينظر إلى السماء السو’د’اء المضيئة بنجومًا لامعة، وكأنها تُذكره بقلبه المضـ.ـيء دومًا، صوته عاد يرن في أُذنيه بتلك النبرةُ القا’سية والكلمات القا’تلة التي ذ’بحت ابن عمَّته بلا شـ.ـك..
ضمّ كفيه أمامه وضغـ.ـط بعنـ.ـفٍ فوقهما حتى أبيَّـ.ـضت مفا’صله، وكأنه يُعا’قب نفسُه سرًا على ما أقترفه في حق ابن عمّته، فهو أكثرهم علمًا بما مرّ بهِ منذ الصغر، وكيف أنتهى مِن معا’ناته وختم رحلته عند طبيبٍ نفسـ.ـي، واليوم عـ.ـرّه أمام الجميع دون أن ينتـ.ـبه وكانت الضر’بة القا’تلة مِنْهُ هو، أخرج زفيرة عميقة واسند مرفقيه إلى رُكبته محاولًا كتـ.ـم إنفعا’لاته الجا’محة داخلهِ بأيا طريقة..
وضعت كفها فوق كتفه وضغـ.ـطت بأناملها عليه برفقٍ وكأنها تواسيه سـ.ـرًا، ألتفتت إليه وجاورته في جلسته وعيناها لم تُفا’رقه لحظة، تحدثت أخيرًا بعد صمتٍ دام في وجودها لدقيقتين قائلة:
_وأخرتها إيه يا “حُذيفة”، هتفضل بعيد وضا’غط على نفسك كدا لحد أمتى يا حبيبي؟.
تشنـ.ـجت عضلا’ته تحت كفها وكأن الأمر أضحى معر’كة داخلية طا’حنة لا يستطيع أن يغفـ.ـر لنفسُه فيها تلك المرَّة، اقتربت مِنْهُ حتى ألتصـ.ـقت بهِ وضمّت كتفيه قائلة بنبرةٍ خافتة:
_صدقني دا سو’ء تفاهُم وهيتحل بينكم إن شاء الله، صحيح إن ساعة الغضـ.ـب يعمـ.ـى البصر بس أنتَ برضوا جر’حته أوي قدامنا.
لمعت عينان “حُذيفة” بالعبرات والغضـ.ـب مِن نفسُه، أختنـ.ـق صوته حينما قال:
_أنا مش قا’در أسامح نفسي يا “أيسل”، ومش عارف أنام، ومش عارف هو هيقدر يسا’محني مِن جوّاه ولّا هيفضل شا’يلهالي ومش هينسى، أنا قعدت طول السنين دي كُلّها بحاول أحافظ على مشاعره وأفضل واخد بالي مِن الكلام اللي بقوله عشان مأ’ذيهوش مِن غير ما أخُد بالي، بس أنا عملت إيه بجد؟ مش قادر أفهم ولا استوعب إني عا’يرتُه.
شـ.ـدّته برفقٍ إلى أحضانها وضمّت رأسه إلى صدرها وربَّت برفقٍ فوق ظهره توا’سيه بقلة حيلة، فلا تعلم إن كان “ليل” سيتغا’ضى عن الأمر بالفعل أم سيُفضِّل البقاء بعيدًا عنهُ بعد الآن، ترك “حُذيفة” عبراته تسقـ.ـط أخيرًا وسمح للخو’ف بأن ينهـ.ـش قلبه، وقد أضحى بأن العفو عنهُ مستحيـ.ـلًا إن تعلّـ.ـق الأمر بـ “ليل”..
_متخا’فش يا “حُذيفة” هي لحظة شيطا’ن وراحت لحالها خلاص، وشويِّة وقت وهتتصا’فوا وتبقوا زي السمنة عالعسل.
أبتعد عنها قليلًا ونظر في عيناها التي انعكس ضوء القمر فوقها وكأنه يبحث عن الطمأنينة بهما قبل أن يشعُر بها في كلماتها، فهو الآن يبحث عن ثغـ.ـرة صغيرة تبُث الأمل في قلبه مِن جديد، همس بنبرةٍ باكية وكأنه يرجوها بقول ما يُريده قلبه:
_بجد يا “أيسل”؟ يعني أنتِ شايفة إنُه هيقدر يسا’محني بجد، أنا عارف “ليل” كويس أوي هيعنـ.ـد قصادي ومش هيقدر يسا’محني بسهولة، أنا برضوا قولت كلام يو’جع حتى أديته ضهري بعدها وبعدت بـ “يونس” وكأني بأكد على كلامي بأفعا’لي كمان، بس واللهِ أنا بجد كُنت خا’يف على “يونس” عشان هو لسّه صغير وهو مُمكن مياخُدش باله ويخبـ.ـطه غصـ.ـب عنُه، و “يونس” لسه متمش حتى الشهر وأنا خا!يف عليه عشان … عشان هو محتاج رعاية جا’مدة وأي لمـ.ـسة لازم تبقى محسوبة أنتِ أكيد فاهمة وجهة نظري صح؟.
رفعت كفها ووضعته فوق شطر وجهه تمسح بحنوٍ عليه، ثمّ منحته أبتسامة هادئة وهزّت رأسها برفقٍ وقالت بنبرةٍ خافتة:
_أيوه يا حبيبي فاهمة وجهة نظرك وعارفة إنك كُنت خا’يف على “يونس” مِن إنُه ياخد خـ.ـبطه وهو لسه عضـ.ـمه طر’ي، فهماك.
_أيوه بالظبط دا اللي خلّاني أند’فع وأز’عق عشان هما الاتنين شـ.ـدوا مع بعض فالكلام و “ليل” لو دخل فخنا’قة كلامية الموضوع بيتطوّر ومبيحسش بنفسُه، وبعدين أنا عارف إنُه بيعشـ.ـق الأطفال خصوصًا اللي فالسِن دا وأنا واللهِ ما مما’نع إنُه ياخد “يونس” بس الفكرة كُلّها إنُه يكون وا’عي وحاسس باللي شايلُه مش أكتر واللهِ وأنا مش ببرر غـ.ـلطي بالعكس أنا عارف إني غـ.ـلطت بس فنفس الوقت أنا متلـ.ـغبط جا’مد أوي.
أمسكت “أيسل” كفه وضغـ.ـطت بقو’ةٍ فوقه ثمّ نظرت في عيناه وقالت:
_خلاص أهدى اللي حصل حصل، فكّر دلوقتي هتصالحُه أزاي.
نظر في عيناها مباشرةً كغر’يقٍ يبحث عن طو’ق النجـ.ـاة قبل أن يخـ.ـتفي فجأةً دون عودة، هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ أعربت عن ضيا’عه:
_مش عارف يا “أيسل”، أنا تايه أوي.
ضمّته مِن جديد إلى أحضانها ولثمت جبينه بحنوٍ وكأنها تحتوي أحزان طفلٍ صغيرٍ تا’ئه في دروبٍ جُبِـ.ـرَ على خوضها، وأمام د!فء صد’رها ولمـ.ـسة كفها الحنونة أستسـ.ـلم هو، كالملك الذي عاد مِن حر’بٍ لم يُكسـ.ـر أو يُنصّـ.ـر فيها، فقط أحتاج لاستراحة مُحا’رب لم يجد للراحة طريقًا سِوى ذراعي ملكته.
______________________________
<“تخـ.ـطيطًا ما’كرًا مِن عقولٍ صغيرة.”>
في صبيحة يومًا جديدًا..
بعيدًا عن ضـ.ـجيج الغرف، وأحاديث العائلة المختلفة طيلة الوقت، تسـ.ـلّل جسـ.ـدين صغيرين في الخـ.ـفاء إلى إحدى الغرف المغـ.ـلقة، وكأنهما أقرّا إقامة الحـ.ـد على الجميع، أغلق “عدنان” الباب خلفه ثمّ ألتفت إلى ابن عمّه وقال بنبرةٍ هادئة:
_قولي عملت إيه إمبارح مع باباك؟.
أخرج “رائد” تنهيدة صغيرة وجاوبه بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_مفيش، حاولت أعرف هو زعلا’ن ليه قالي إنُه مضا’يق شويَّة بسبب الشغل ومرضاش يقولي السبب الحقيقي، بس أنا عارف هو زعلا’ن ليه، بعدها قعد يهزر مع “رودينا” شويَّة واتكلم مع ماما وبس … وأنتَ عملت إيه؟.
رفع “عدنان” كتفيه بخفةٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_نفس النظام، بس بليل متأخر سمعته بيتكلم مع ماما فالجنينة وبيقولها إنُه زعلا’ن أوي عشان ز’عّل عمو “ليل” وكان بيعيّط عشان خا’يف عمو “ليل” ميسا’محهوش لو هو راح وأعتذرله، وبصراحة يا “رائد” بابا صـ.ـعبان عليّا أوي، تفتكر باباك ممكن ميرضاش يصالح بابايا فعلًا؟.
أبتسم “رائد” وكأنه أراد أن يُطمئن ابن عمّه قليلًا بعد أن رأى الخو’ف يسكُن عيناه السو’دا’ء وقال:
_بُص بابايا مش و’حش أوي كدا، يمكن هو زعلا’ن ودا حقه، بس أكيد هيتصالحوا ويرجعوا يتكلموا مع بعض تاني، وعلى فكرة بابا بيحب باباك جدًا وبيعتبره أخوه مش بس ابن خاله، فهما أكيد هيتصالحوا، بس محتاجين تشجيعة صغيرة.
تنغض جبين “عدنان” الذي لم يفهم بشكلٍ مباشر ما يعنيه رفيقه الذي أضحى يتحدث بالألغا’ز، جاوبه بنبرةٍ هادئة متسائلة:
_تقصد إيه بالظبط؟ أنتَ عندك طريقة نقدر نصالحهم بيها؟.
اتسـ.ـعت أبتسامة “رائد” أكثر ولمعت عيناه بعد أن تفهَّم رفيقه ما يدور في رأسه، هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_أيوه، خـ.ـطة هتصالحهم على بعض ويرجعوا زي الأول وأحسن كمان، قولي دلوقتي عمو “حُذيفة” فين؟.
_فالأوضة بيلبس عشان رايح الشغل.
هزّ “رائد” رأسه برفقٍ ثمّ نظر في عينان رفيقه وقال:
_طيب أسمعني كويس أوي، أنا وأنتَ هنخليهم يتكلموا مع بعض النهاردة، وبكدا يتصالحوا ويفطروا مع بعض ويروحوا الشغل سوا.
لمعت عينان “عدنان” الذي رُسمت بسمتُه لا إراديًا فوق فمه وقال بنبرةٍ يشوبها الحما’س:
_بجد؟ طب قولي بسرعة أعمل إيه قبل ما يمشوا.
في غرفة “ليل”؛
كان يقف أمام المرآة عوده مشد’ود، يُهندم حُلته بهدوءٍ تام ووجهه اليوم أصبح أكثر هدوءًا عن ليلة أمس، وكأن الأسـ.ـرار المو’جعة كانت تضغـ.ـط على قلبه مثل الصخـ.ـرة الصـ.ـلبة، نظر إلى أرضية الغرفة بعد أن رأى صغيرته تحبي بهدوءٍ وتستقر أسفل قدمه وكأنها تنتظر شيئًا ما لا تستطيع قوله ولكنها تعلم جيدًا بأنه يعلم ذلك..
أبتسم لها وبخفة حملها على ذراعه ولثم خَدها بحنوٍ، نظرت إليه قليلًا ثمّ وضعت كفها الصغير فوق فمه، وبلحظة ضحكت بسعادة حينما لثم كفها بحنوٍ وكأنه يُكافئها على شيءٍ لم تفعله بعد، جلس فوق طرف الفراش وأغدقها بعدها بسيلٍ مِن القبلات المتفر’قة، وأعطته هي في المقابل ضحكاتها الرنانة..
ولج “رائد” بهدوءٍ كعادته ليجده يُلا’عب شقيقته كما أعتاد، أقترب مِنْهُ بخطى خفيفة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_بابا هو أنا ينفع أطلب مِنك طلب قبل ما تروح الشغل.
أنتـ.ـبه لهُ “ليل” وأعطاه موافقته بعد أن نظر إلى ساعة يَده ورأى أن الوقت مازال باكرًا عن موعد رحيله:
_آه يا حبيبي طبعًا ينفع، قول عايز إيه؟
أبتـ.ـلع الصغير غصَّـ.ـته بهدوءٍ وقال مبتسمًا:
_نفطر مع بعض فالجنينة النهاردة، بصراحة كُنت عايز أقولك بقالي كتير بس خو’فت تر’فض.
شـ.ـدَّه “ليل” برفقٍ إلى أحضانه وقال مبتسمًا:
_وأنا مِن أمتى بر’فضلك طلب يا “رائد”؟ لأجل عيونك أعمل أي حاجة.
اتسـ.ـعت بسمةُ الصغير فوق فمه بعد أن تلقّى موافقة أبيه وبلحظة أر’تمى بأحضانه ومنحه قُبلة فوق خَده بفرحة بعد أن رأى خـ.ـطته تنجح مثلما خـ.ـطط لها، وفي الثانية التالية كان يستسـ.ـلم لأبيه الذي شـ.ـنّ عليه حر’بًا مفا’جئة وترك أصابعه تتحرّك بحُر’يَّة على خصره..
وبعد مرور دقائق قِلَة..
قاد “رائد” أبيه إلى الحديقة وكفه يقبـ.ـض على كف أبيه العريض والبسمةُ مرسومة فوق فمه بسعادة، أقتربا مِن طاولة متوسطة الحجم في أطر’اف الحديقة يعلو’ها صحونًا مختلفة مِن الأطعمة المختلفة، تنغض جبين “ليل” الذي قال مستنكـ.ـرًا:
_دا فطار بني أدمين ولا وليمة؟!.
جلس فوق المقعد ووقف الصغير إلى جواره ينظر لهُ مبتسمًا، تحدث “ليل” بنبرةٍ هادئة يسأله:
_أومال ماما فين عشان تفطر معانا؟.
نظو إليه الصغير بطر’ف عينه قليلًا ولم يتحدث، منتظرًا قدوم رفيقه وعمّه حتى يتم الصُـ.ـلح بينهما، رفع “ليل” حاجبه بعد أن رأى تهرُ’ب صغيره مِن الإجابة وقال متر’قبًا:
_أنا مش مر’تاحلك معرفش ليه، قول بتخـ.ـطط لإيه أحسنلك يا “رائد”.
أرتدى الصغير قنا’ع البر’اءة ونفـ.ـىٰ سريعًا قول أبيه بهزّة سريعة مِن رأسه ثمّ قال:
_لأ مش بخـ.ـطط لحاجة، هو أنا بصراحة بحضّرلك مفاجأة حلوة أوي واثق إنها هتعجبك فأنا مستنيها تيجي الأول عشان نقعد ناكل سوا.
شَعَر “ليل” بأن الصغير يتلا’عب بمكـ.ـرٍ ويُخـ.ـطط لشيءٍ ليس مستعدًا لهُ، ولكنهُ قرر أن يخضـ.ـع لهُ وينجر’ف خلفه حتى يرى ما ينتظره اليوم، وبجهة أخرى كان “عدنان” يقف على عتبة الغرفة منتظرًا أبيه الذي أخذ هاتفه في الأخير وتحرّك بصُحبته إلى الخارج قائلًا:
_بس إيه اللي قومها فد’ماغك نفطر النهاردة فالجنينة يعني؟.
جاوبه الصغير مبتسمًا بعد أن ضمّ كفه العريض قائلًا:
_أنا أستأذنت الأول مِن جدو إننا نفطر النهاردة بس فالجنينة وهو وافق، ولمَ قولت لتيتا برضوا وافقت على طول وقالتلي إنها فكرة حلوة وهنعملها بُكرة.
صدر صوت همهمة قصيرة مِن حنجـ.ـرته ثمّ أبتسم بزاوية فمه وقال ساخرًا:
_والله وبقيت بتخـ.ـطط مِن ورايا يا “عدنان”.
رفع الصغير رأسه ونظر لهُ مبتسمًا ثمّ قال بنبرةٍ مشا’كسة:
_بنتعلم مِنك يا كبير.
توقّف “حُذيفة” فجأةً وبلحظة خا’طفة حمـ.;ل صغيره على ظهره وقبـ.ـض على ذراعيه الصغيرين قائلًا:
_آه أنتَ بتثبـ.ـتني كدا يعني؟.
ضحك الصغير ولـ.ـفّ قدميه الصغيرة حول خصر أبيه وكذلك مع عُنُـ.ـقه ثمّ قال بنبرةٍ ضاحكة:
_حاجة زي كدا.
ألتفت “رائد” خلفه ورأى عمّه يقترب منهم ومعهُ رفيقه، وبسرعة ولّاه ظهره حتى لا يتم كشـ.ـف الأمر وتفشـ.ـل خطـ.ـته، ضمّ رأسه أبيه ولثم خَده للمرَّة الأخيرة وكأنه يعتذر عن هذا الخد’اع الطفولي الخبيـ.ـث الذي أو’قع بهِ في شبا’كه..
_إيه دا؟!.
وقف “حُذيفة” في مكانه متصـ.ـلب الجسـ.ـد بعد أن رأى ابن عمّته يجلس ويعبـ.ـث في هاتفه وإلى جانبه صغيره الذي ألتفت إليه وإدعى التفاجؤ بقوله:
_عمو “حُذيفة”، كويس إنك جيت تعالى نفطر مع بعض إيه رأيك؟.
را’قب الصغيرين ردّة فعل والديهما بعد أن سـ.ـقطا كلاهما في مصـ.ـيدة واحدة، نظر لهُ “ليل” متفاجئًا وتيبّـ.ـس جسـ.ـده مكانه بعد أن رأى رفيقه خلفه ينظر إليه كذلك متفاجئًا بعد أن أنزل صغيره أرضًا، أخذ “رائد” بيَد رفيقه وركضا عائدين إلى الداخل ضاحكين بعد أن نجحا في تنفيـ.ـذ خطـ.ـتهما وتركا والديهما في موا’جهة محتد’مة..
نظر “حُذيفة” في إثرهما ومعهُ “ليل” الذي فهم الآن خـ.ـطة صغيره الجهـ.ـنمية ليأتي بهِ إلى هُنا ويوا’جه “حُذيفة”، انتصـ.ـب واقفًا واحتـ.ـل الجمو’د وجهه مقررًا الرحيل، سحب هاتفه وتجاوزه بخطوة وبلحظة توقّف بعد أن قبـ.ـض الآخر على معصمه قائلًا:
_محتاج أتكلم معاك يا “ليل”.
رد عليه “ليل” بنبرةٍ حا’دة في محاولةٍ فا’شلةٍ مِنْهُ لفـ.ـك يَده مِن قبـ.ـضته قائلًا:
_وأنا معنديش حاجة أتكلم فيها، سيبني عشان عندي شغل ومتأخر.
عاد “حُذيفة” خطوتين للخلف ونظر في عينان رفيقه قائلًا:
_أنا وأنتَ ميعادنا واحد وطريقنا واحد، محتاج أتكلم معاك ضر’وري.
_مش فاضي يا “حُذيفة”.
نظر “حُذيفة” في عيناه قليلًا بعد أن رأى الجمود فيهما يلمع كبريقٍ مِن نور، ولأول مرَّة يرى البرود في نبرته لهُ، وقف في مواجهته مباشرةً وهو لا يعلم كيف يبدأ وماذا سيقول وإلى متى سيصمد أمام تلك النظرة، أخذ نفسًا عميقًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_بس أنا عايز أتكلم.
زفر “ليل” بضـ.ـيقٍ واضحٍ بعد أن جُبِـ.ـرَ على سماعه برغم أنَّهُ لم يُجبَـ.ـر مِن قبل، ولكن شَعَر بأن تلك المرَّة يُمكن أن تُصـ.ـلح ما تم إفسا’ده ليلة أمس، ولذلك خضـ.ـع طو’اعيةً لقلبه قبل عقله، ولكن عيناه لم تصتد’م بعينه وكأنها أعلنت خصا’مها، أبتـ.ـلع “حُذيفة” غصَّـ.ـته بتروٍ ثمّ قال بنبرةٍ متأسفة قبل أن تكون هادئة:
_آسف على الكلام الما’سخ اللي قولته إمبارح، عارف إني جر’حتك بالجا’مد، وإن دي آخر حاجة ممكن تطلع مِني ليك، بس أنا واللهِ ما كان قصدي أجر’حك بأي طريقة، بُص أنا أكتر واحد حافظك وفاهم د’ماغك أكتر مِنك، أنتَ ساعات لمَ بتشـ.ـد مع حد بتنسى نفسك فلحظة، وأنا وقتها خو’فت فوسط دا كُلّه متاخدش بالك عليه، أنا مش ببرر غـ.ـلطي أنا عارف إني غـ.ـلطان وعشان كدا أنا جيت أعتذرلك، أنا منمتش الليل بسبب اللي حصل وفضلت طول الوقت بفكّر والند’م عمّال يا’كل فيّا ولا كأنه و’حش كا’سر..
_أرجوك أنا مش متحمـ.ـل دقيقة واحدة خصا’م ومش متعود إننا نشوف بعض ومنر’ازيش بعض زي ما متعودين، حاسس إننا أغراب عن بعض ودي حاجة قتـ.ـلاني، لأجل اللي بينا يا “ليل”، ولأجل كُلّ لحظة وقفنا فيها فضهر بعض وقت الشـ.ـدة، ولأجل العلا’قة اللي دامت لـ ٢٧ سنة، عشان خاطر أي حاجة حلوة بينا سامحني وأنسى اللحظة دي كأنها محصلتش، أنا بجد مش قا’در على البُعد اللي مدامش غير ليلة، مش عايز الليلة تبقى سنين ملهاش آخر يا خويا.
سـ.ـقطت عبراته فوق وجهه بعد أن خا’رت قو’اه الز’ائفة أمامه وسيطّـ.ـر الخو’ف على قلبه ونهـ.ـش صدره بلا ر’حمة، ففكرة الانفصا’ل تقـ.ـتله لا يتحملها قلبه، فماذا عن رو’حه؛ رفع عيناه في وجهه بعد أن إنحنت منذ البداية أرضًا بخجـ.ـلٍ واضحٍ، ينتظر أن يرى رفيقه يبتسم ويضمّه، ينتظر تلك الكلمة التي بها ينتهي كُلّ شيءٍ وتعود المياه الرا’كدة لأراضيها مِن جديد..
أمّا عن هذا “الليل” الذي لم يكسـ.ـره يومًا شيئًا يقف هـ.ـشًا كالريشة أمام قلبه الناز’ف، لا يقوو على قول حرفٍ واحد، لسانه تقيّـ.ـد وكأن الكلمات أصبحت مِن المحر’ما’ت عليه، عيناه تلمع بالعبرات والغضـ.ـب المكبو’ت، والحر’ب بداخله قائمة بين عقله الذي ير’دعه عن الانجر’اف خلفه وقلبه الذي يصر’خ بهِ ليصفح عمَّ حدث..
ضغـ.ـط “ليل” على أصابعه في قبـ.ـضة يَده بعنـ.ـفٍ حتى أبيَّـ.ـض مفـ.ـصله تمامًا، كلماته تصفـ.ـع قلبه بقسو’ة؛ لقد تحمّل كثيرًا وتم نعته بهذا اللقب البغيـ.ـض على مدار السنوات، ليس ذ’نبه لأنه لا يستطيع أن يبوح بمشاعره مثلهم، هو أيضًا يتأ’لم مثلهم ليس سهلًا عليه بتاتًا، ومعهُ جُر’حت مشاعر الفتاة التي سـ.ـقط قلبه لها مستسلـ.ـمًا، لقد أذاقها مُـ.;رّ ما تذوّقه بفضلهم، لم يكُن ذ’نبها الوحيد بأن تسمع مِن زوجها كلمة جميلة تُعبّر عن عشـ.ـقه لها أو تقديرًا لجمالها كأ’نثى مفعمة بالحياة وذ’بلت على يَديه..
_الموضوع مش بالسهولة دي يا “حُذيفة”..
_ليه؟ معقولة هتقـ.ـسي قلبك بجد وتتخلّـ.ـى عن علا’قتنا بالسهولة دي؟ سهل تتخلّـ.ـى عن أخوك عشان خلا’ف وارد إنُه يتصـ.ـلّح؟ أنا شايف قدامي واحد بيقـ.ـسي قلبه على صاحب عُمره، إيه اللي مش بالسهولة دي يا “ليل”، قول إنك أستبيعت، قول إنك ز’هقت مِني، قول أنا مبقتش قابلك ومصدقت جَت الفرصة عشان أقدر أقولهالك بطريقة متجر’حكش، قولها ..!!.
صر’خ في الأخير عاليًا وأ’لقى بالكوب الزجا’جي بعنـ.ـفٍ والذي تهشّـ.ـم لأ’شلا’ءٍ في لحظة، نفـ.ـرت عرو’ق ر’قبته وتشـ.ـنجّت عضلا’ت وجهه بالكامل وأكتست عيناه عبراتٍ وحُمـ.ـرة، فتلك اللحظة أشبه بسـ.ـكينٍ على النحـ.ـر، صر’خ فيه “ليل” في المقابل بعنـ.ـفٍ أشـ.ـد:
_عشان أنا مشاعري دي مش مِن حد’يد، أنا مستحمل ٤ سنين مبيتقاليش فيهم غير إني واحد عد’يم المشاعر، كُلّ ما يحصل موقف مؤ’ثر وتشوفوني مدتش رد فعل تقولوا عليّا بارد ومعد’وم المشاعر، لو’ح تلج عا’يش وسطكم ضـ.ـد التأ’ثر، وأنا مِن جوّايا بغـ.ـلي ومش قا’در أقول، مش عارف أخرّج مشاعري، اليوم اللي شوفتك فيه بتتخـ.ـطف وإحنا صغيرين وصر’يخك الهستـ.ـيري أنا وقتها معرفتش أعيّط زي البني آدمين، ولمَ أتخـ.ـطفت أنا وصر’خت بأعلى صوت كان “بويكا” هو اللي محا’صر الخا’طف بعـ.ـضّة مِنُه، وأنا وقتها فضلت مخضو’ض ومش عارف أقول أنا حاسس بأيه..
_ليه كُلّ شويَّة مواركوش غيري أنا، حتى وقت الجامعة أنا قسـ.ـيت عليكم عشان مشوفتش مِنكم حنيَّة ولا تقدير لمشاعري، ووقت ما أتعملي سحـ.ـر أنا عا’نيت لوحدي وأذ’يت أقرب واحدة لقلبي معايا وأنتم وقفتوا تتفرجوا برضوا، كُلّ اللي شوفته فعيونكم شـ.ـفقة وبس، مع أي رد عـ.ـنيف مِني “ليل” بقى مجـ.ـنون، “ليل” محتاج يتعا’لج، “ليل” بقى ابن ستّين *** عشان مش على هواكم..
ضر’ب بقبـ.ـضة يَده على صدره بعنـ.ـفٍ وعيناه تلتهـ.ـمه قائلًا:
_أنا شا’يل كتير أوي جوّايا، وبرغم كدا ساكت، بنام وأنا قلبي بيو’جعني عشان مش لاقي اللي يحسّ بمشاعري ولا يفهم أنا جوّايا إيه، أنا مدَّ’مر مِن جوّه تد’مير شامل، وبرضوا كا’تم وأنتَ آخر واحد توقّعت مِنْه الكلام دا، نظرتك د’بحتني قبل كلامك، وفعلك قضـ.ـى عليّا وأنا واقف مستني أخويا يبّرر ويقول أنا مقصدش أعا’يرك، دا لو أنتَ شايفني أخ بجد، آسف دي هتصلّـ.ـح جوّايا إيه ها؟ أنا لو عا’يرتك دلوقتي شعورك هيكون إيه، هتحسّ بقلبك وأنا بد’وس عليه ومش ها’ممني مشاعرك، طظ إيه يعني..
رفع سبابته في وجهه وعيناه تأبى زرف عبراتها قائلًا:
_أنا عُمري ما هفكّر أأذ’ي أي طفل مهما كانت الحالة اللي أنا فيها، بنتي أنا بتكون فحضني وأنا فعز غـ.ـضبي، بعمل كُلّ اللي يتخيّله عقلك، بس خد’ش واحد يلمـ.ـسها مستحيـ.ـل، وبعمل حساب إن دي طفلة لسه مكملتش سنة هتتأ’ثر بأي فعل سلبـ.ـي هيطلع مِني وعشان كدا بعمل حساب لمشاعر غيري، أبنك مكانش هيتأ’ذي يا “حُذيفة” أنتَ اللي أتلـ.ـككت ساعتها بس مش أكتر.
سـ.ـقطت عبرات “حُذيفة” كشلا’لاتٍ منهمـ.ـرة لا تتوقّف، حديثه قا’سٍ لأبعد الحدود؛ أضحى يكمُن بداخله منذ سنواتٍ طويلة وهو مَن ظن بأنه تناسى الأمر، أضحى بأنه أكبر مغفـ.ـلٍ بين الجميع، أمسك برأسه وعيناه لا تُفا’رقه، يرى علا’قتهما تتمزّ’ق مع كُلّ كلمة وكأنها لم تكُن يومًا، ولكنهُ لا يستطيع أن يتحدث الآن، فقد قيل ما كان مِن المفترض أن يُقال وها هم على مشارف الانفصا’ل نهائيًا..
على بُعد خطواتٍ مِنهم؛
كانا يتابعان ما يحدث وإيلاما وصل الأمر بينهما، جحـ.ـظت عيناهما وترقرق فيهم الدمع وأصا’ب الأ’لم قلبهما بعد أن أيقنا نهاية هذا المطاف، تحدث “رائد” بنبرةٍ باكية وعبراته تأخذ طريقها فوق وجهه قائلًا:
_لازم أقول لجدو، أنا خا’يف.
ركض سريعًا إلى الداخل قاصدًا مكتب جده بعد أن رأى أبيه يُنـ.ـهي كُلّ شيءٍ في هذه اللحظة، وبلحظة أتبعه “عدنان” الذي لم يتحمـ.ـل أن يرى حالة أبيه المؤ’لمة تلك، كان “ليل” الجد يجلس في مكتبه يُتابع الملفات التي وصلته في باكورة الصباح، كان مندمجًا فيهم حتى أنَّهُ لم ينتـ.ـبه لهذا الهجو’م عليه إلّا بأصواتهم الباكية، رأى حفيديه الصغيران يتحدثان بسرعةٍ فا’ئقة تكاد أنفاسهم تُز’هق..
_إيه دا في إيه مالكم؟ إيه اللي حصل أهدوا.
ترك الملفات سريعًا وكأنها أصبحت لا تعني لهُ شيءٌ أمام عبرات حفيديه، جلس فوق المقعد وجذبهما لهُ قليلًا ونظر في أعينهم قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_في إيه، أهدوا مفيش حاجة قولولي إيه اللي حصل براحة.
أخذ “رائد” نفسًا قصيرًا ثمّ تحدث بنبرةٍ باكية وعبراته السا’خنة تشـ.ـق طريقها على وجنتيه قائلًا:
_جدو عشان خاطري قولهم ميعملوش كدا، عشان خاطري يا جدو أنا مش عايز كدا.
حاوط “ليل” وجهه بكفيه العريضين ومسح برفقٍ عبراته وقال بنبرةٍ حنونة:
_أهدى يا حبيبي وفهمني أقول لمين كدا؟ مين ز’علكم بالمنظر دا؟.
جاوبه “رائد” باكيًا كُلّما تذكّر كلمات أبيه وعمّه قائلًا:
_بابا وعمو “حُذيفة”، أنا و “عدنان” جمعناهم مع بعض فالجنينة مِن غير ما يعرفوا عشان يتصالحوا، دلوقتي بيز’عقوا فبعض جا’مد وبابا را’فض أعتذار عمو “حُذيفة” ومش عايز يتكلم معاه تاني، عشان خاطرنا يا جدو قولهم لأ، لو بتحبنا يا جدو عشان خاطري.
تفاجئ “ليل” مِن حالة حفيديه الصغيرين، يكادان يُقتـ.ـلان بسبب بكاءهما؛ ضمّهما سريعًا إلى صدره وحاول تهدأة رو’عهم قليلًا، فهو ليس مطمئنًا لِمَ هم عليه وليس مستعدًا للتضـ.ـحية بهما مهما كلّفهُ الأمر، مسح فوق ظهرهما برفقٍ ولثم رأسهم بحنوٍ قائلًا:
_أهدوا يا حبايب جدو، أهدوا عشان كدا غـ.ـلط وأنا خا’يف عليكم.
ولكن الصغيرين كانا في حالة هسـ.ـتيرية مِن البكاء، فما سمعاه لم يكُن هينًا البتة عليهما وهما في عُمرٍ صغيرٍ كهذا، ولكن وجد “ليل” صعو’بة في السيطـ.ـرة على الأمر فمع مرور دقائق فقط شَعَر بترا’خيٍ ملحوظ بين ذراعيه وتبا’طؤ أنفاسهم، رفع “ليل” رأسه ونظر في وجههم وهُنا كانت صدمته، الصغيرين فقـ.ـدا و’عيهما في نفس اللحظة تمامًا..
_”رائد”، رد على جدو يا حبيبي، “عدنان” فُوق يا حبيبي مفيش حاجة حصلت.
ولكن كان الصمت هو الإجابة على ما قيل وسوف يُقال، جحـ.ـظت عيناه بهلـ.ـعٍ بعد أن رأى الصغيرين بهذه الهيئة بين ذراعيه وصولًا بأصوات شجا’رٍ حا’د نُشـ.ـب مِن جديد أجتمعت العائلة على إثره لفـ.ـك الاشتبا’ك وحلّ المشـ.ـكلة سريعًا قبل أن يسو’ء الأمر، بلحظة فقط استوعب فيها “ليل” ما يحدث حوله، وأمام حفيديه مستعدًا لإحر’اق أيُّ شيءٍ..
حملهما على ذراعيه سريعًا دون أن ينتظر لحظة أخرى وخرج بخطى سريعة، الصغيرين كانا كالر’يشة في أحضانه، جسـ.ـدهما يتحرك فقط بفعل إنفعا’لات جسـ.ـده هو، وكأن الرو’ح غادرت مِنهما؛ توقّف على مسافةٍ وجيزة مِنهم وصر’خ بعلو صوته ها’درًا بهم:
_أقتـ.ـلوا بعض أحسن، وسيبوا العيلين دول يروحوا فيها بسببكم ..!!.
ألتفت الجميع إليه وعمَّ الصمت المكان بلحظة، جحـ.ـظت أعينهم جميعًا وأصبح الصمت قا’تلًا لا يُسمع إلا أنفاسهم العالية، نظر “ليل” إلى صغيره مع جده ولم يصدق ما يراه، تحرّك نحوه بخطى واسعة ولَحِقَ بهِ “حُذيفة” في نفس الدقيقة ليطمئن على صغيره، وخلفهم تحرّكت الفتاتين بهلـ.ـعٍ على الصغيرين..
أبتعد “ليل” الجد وتحرّك تجاه مرآب السيارات ير’فض أقتراب حفيديه ولمـ.ـسهما بصر’امة، وكأنهما أضحى مِن مسؤ’وليته في تلك اللحظة، مدّ “ليل” ذراعيه لأخذ صغيره ولكن منـ.ـعه جده الذي هد’ر بهما بغضـ.ـبٍ جا’م:
_أوعـــا، خا’يفين على ولادكم دلوقتي؟ مخفتو’ش عليهم وأنتوا مقـ.ـطعين بعض قدامهم ويا عالم سمعوا إيه خلّاهم جولي بيجروا منها’رين مِن العياط وبيتر’جوني عشان أوقّف الجـ.ـنان اللي طلع عليكم أنتم الاتنين فجأة، دا جزاتهم إنهم جمعوكم مع بعض عشان تتصا’فوا؟ إخــص بجد أقسم بالله ما تستاهلوا ..!!.
أكمل سيره وهد’ر بإسم “سعيـد” الذي بلحظة كان يقف أمامه قائلًا:
_هات العربية بسرعة.
ركض “سعيـد” دون أن ينتظر، وترك “حُذيفة” يُحاول أخذ صغيره ليطمئن عليه بقلبٍ مفتو’ر ولكن مِن جديد منـ.ـعه جده الذي ألتفت لهما وضغـ.ـط على أسنانه بعنـ.ـفٍ قائلًا بنبرةٍ حا’دة:
_يمين بالله إيديكم تتمـ.ـد تاني صدقوني ما هعمل اعتبار لواحد فيكم وأنتم ونصيبكم معايا، أنا مش فا!رقلي دلوقتي غير إني أتطمن على أحفادي وبس أي حاجة تانية تو’لع ..!!.
توقّف “سعيـد” أمامه بالسيارة بلحظة ليتركهم هو ويلتفت للجهة الأخرى دون أن ينظر إليهم وجلس إلى جوار “سعيـد” الذي أ’لقى نظرة سريعة عليهما وتحرّك بعدها بسرعة البر’ق في طريقة للمشفى، نظروا إلى إثره وهم مازالوا لا يستطيعون استيعاب ما حدث، ولكن “ليل” لم ينتظر، أخذ سيارته سريعًا ولَحِقَت بهِ “روزي” التي أستعجلت “أيسل” كي يستطيعون اللحاق به..
في تلك اللحظات لم جاور “حُذيفة” ابن عمّته الذي تحرّك سريعًا خلف “سعيـد” وكفيه يقبـ.ـضان بعـ.ـنفٍ على مقو’د السيارة، ومشهد صغيره في أحضان جده لا يُفا’رق عيناه، حاولت “روزي” مهاتفة جدها مرارًا وتكرارًا ولكن كانت جميع محاولاتها تبوء بالفشـ.ـل، وخو’فها على صغيرها يجعلها تكاد تفقـ.ـد عقلها في هذه اللحظة.
____________________________
<“جلسة أخرى جديدة تبث فيها الأمل.”>
في إحدى العيادات النسا’ئية؛
كانت الغرفة ذات لو’ن أبيـ.ـض يبعـ.ـث التو’تر في نفو’س البعض، إجر’اءات روتينية معتادة تتم، رائحة المعـ.ـقمات والعقاقير تملأ المكان، نسا’ء كثيرات ينتظرن أدوارهن؛ جميعهن في أشهرٍ مختلفة، عداها هي؛ كانت تجلس تنتظر دورها لتتلقّى العلا’ج لتستطيع أن تكون مثلهن يومًا..
كانت متو’ترة بشكلٍ ملحوظ، يَديها على قدميها التي تهتـ.ـز مِن شـ.ـدة التو’تر، لا تعلم ماذا ينتظرها وهل سينجح الأمر أم ستظل محرو’مة مِن هذا الشعور مدى الحياة؟ مدّ كفه ووضعه على رُكبتها برفقٍ يُثبتها قليلًا ثمّ ضمّ كفها الصغير وشـ.ـدّد بحنوٍ عليه وكأنه يؤازرها ويبـ.ـعث في قلبها الطمأنينة، مال قليلًا نحوها وقال بنبرةٍ خافتة:
_مش عايزك تخا’في طول ما أنا جنبك يا “بيري”.
رفعت عيناها ونظرت إليه بخو’فٍ واضحٍ، هي لا تعلم هل ستُحقق هذا الإنجاز كغيرها أم سيكون قد كُتِبَ عليها الوحدة مدى الحياة، غامت عيناها على النسا’ء مِن حولها وشَعَرت حينها بغـ.ـصَّة في قلبها، جميعهن ينتظرن للأطمئنان على أجـ.ـنتهن، وهي بينهن ترجوه ليلًا باكية، أخرج “مينا” تنهيدة عميقة بعد أن عَلِمَ إيلاما يقودها عقـ.ـلها، شـ.ـدّ برفقٍ على كفها وقال بنبرةٍ خافتة:
_أنا عندي أمل على فكرة، لازم أنتِ تكوني متفائلة قبلي، ياما ستا’ت كتير مكانتش بتخـ.ـلف ومِنهم اللي أتعا’لج وحمـ.ـل، ومِنهم اللي كان عشمان فربنا حتى لو كان الأمر مستحيـ.ـل، وأنا على وعدي بدل الدكتورة عشرة، لحد ما أشوف الفرحة فعيونك، أنا جنبك مش عايزك تخا’في مِن حاجة ربنا كبير.
رفعت كفها الحُـ.ـر ومسحت عبرة سـ.ـقطت دون أن تنتـ.ـبه، شَعَرت بضغـ.ـطته أكثر وكأنه يد’ب في رو’حها الأمل مِن جديد، هزّت رأسها بخفةٍ ولم تستطع أن تُجيبه سِوى أن تمنحه بسمةٌ هادئة، نظرت لها سيدة كانت تجلس مقابلتها تنظر لها منذ أن بكت حتى هذه اللحظة وبداخلها فضولٍ غير مقصودٍ لمعرفة ما حدث، تحدثت فجأةً بنبرةٍ هادئة ووجهٍ مبتسمٍ:
_متخا’فيش، إن شاء الله هتطمني على البيبي بتاعك، أنا كُنت زيك كدا فالأول برضوا بس بعدها أتعودت خلاص.
أغمضت “برلين” عيناها بأ’لمٍ ولم تستطع أن تمنـ.ـع عبراتها مِن السقو’ط، فها هو جر’حها يزداد عمقًا في كُلّ دقيقة تمُر بها وهي وحدها لا تستطيع أن تمنـ.ـع ذلك، أغمض “مينا” عيناه لوهلة بعد أن سا’ء الأمر وحاول أن يؤازرها في صمتٍ، بينما توترت السيدة حينما رأت ردة فعلها تلك لتقول بتوجسٍ:
_أنا آسفة لو ضا’يقتك، أنا كُنت بطمنك بس.
نظر لها “مينا” وبسمةٌ خفيفة تكادُ تُرى رُسمت على محياه قائلًا:
_هو الموضوع بس إن لسه محصلش نصيب بسبب شويَّة مشا’كل مش أكتر.
وضعت السيدة يَدها على فمها دون و’عيٍ مِنها ونظرت إلى “برلين” بحز’نٍ واضحٍ في عيناها ثمّ أعتذرت لها قائلة:
_أنا آسفة جدًا بجد مكُنتش أقصد أجر’حك، أفتكرتك حا’مل فالبداية فعشان كدا حاولت أطمنك يعني … بُصي أنا مش عايزاكي تفقـ.ـدي الأمل أنا أعرف ستا’ت هنا مكانوش بيخـ.ـلفوا وسُبحان الله ربنا كان رحيم بيهم مِنهم اللي أتعا’لجت وحمـ.ـلت عادي بعدها وربنا كرمها بدل العيل إتنين، ومِنهم اللي لجـ.ـأت للعملـ.ـيات، أنا واحدة مِنهم على فكرة كُنت زيك كدا وسمعت كلام يسـ.ـد البد’ن وأتقال عليّا كتير وقليل عشان مبخـ.ـلفش بس جوزي مفقـ.ـدش الأمل وروحت بدل الدكتورة خمسين وكان عندي يقين فربنا كبير أوي وكُنت متفائلة والحمدلله مشيت عالعلا’ج مظبوط وأكتشفت بعدها إني حا’مل، أنا وجوزي كُنا فرحانين أوي عشان حصل بعد عذ’اب، وبإذن الله أنتِ كمان هتتعا’لجي وهتبقي زي الفٌل وبدل العيل تلاتة كمان، المهم تفائلي كدا ومتخلّيش الخو’ف يبـ.ـلعك جوّاه، طالما عايزة عيل يبقى أعملي كُلّ حاجة تطلع فإيدك مِن غير تفكير، وإن شاء الله قريب هتخـ.ـفي وهتيجي هنا متابعة على طول.
ختمت السيدة حديثها بأبتسامة مشرقة وكأنها تبـ.ـعث الأمل والحياة في رو’حها، وتركت “برلين” تُفكّر في حديثها مرارًا وتكرارًا، وكأنها جاءت لتُطمئن قـ.ـلبها وتُعيد إحيا’ءه مِن جديد، رفعت رأسها ونظرت إلى “مينا” الذي أبتسم لها وبرفقٍ شـ.ـدّها لحضنه دون أن يتحدث، مسّد بحنوٍ على ذراعها وهي لم تستطع أن تتوقّف عن التفكير بعدها..
نظرت إلى البطـ.ـن المنتفـ.ـخ لتلك السيدة والتي خمّنت بأنها في المنتصف، وبلحظة شَعَرت براحة غريبة لم تعتد عليها مِن قبل، وتركت العنان لعقلها بأن يسحبها إلى عالمها الخاص، بينما أسند “مينا” رأسه فوق رأسها وظل ينظر إلى مُعاملة الزوج الحنون لزوجته مبتسمًا، ينتظر تلك اللحظة التي سيكون فيها داعمًا لها في كُلّ لحظة حتى النهاية، حتى يسمع أولى صر’خاته؛ ويكون أول مَن يحمله..
_السـ.ـت دي كأنها جَت عشان تطبطب على قلـ.;بك، أملي زاد أكتر بعد كلامها وبقيت مقتنع إن اليوم دا هييجي قريب.
_أنتَ شايف كدا بجد؟.
رفعت رأسها قليلًا ونظرت في عيناه تبحث فيهما عن صدق كلماته، ولم ترَ سِوى اليقين، هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ خافتة:
_أيوه، المهم تكوني أنتِ كمان كدا.
_خا’يفة أعشِّـ.ـم نفسي والموضوع ميكملش، ساعتها أنا اللي هتو’جع.
رفع حاجبه قليلًا بعد تلك الكلمات وكأنه يُشـ.ـكك فيها ثمّ قال:
_يعني أنتِ هتتو’جعي وأنا لأ مثلًا؟ وبعدين خلّينا متفائلين يا حبيبتي شويَّة، وسواء حصل أو لأ أنا معاكي، هفرح لفرحتك وهتو’جع لو’جعك، إحنا الاتنين وعدنا بعض بكدا وهنكمل للآخر، وبُكرة تصدقي كلامي.
لأول مرَّة بعد أسابيع تبتسم، لأول مرَّة تشعُر أنها تحـ.ـيا بحقٍ، لأول مرَّة ترى ر’جُلًا لا يهتم سِوى بمشاعرها، لم ترَ نظرة أحتقا’رٍ أو أنا’نية، بل يتقاسمها الشعور حتى وإن كان مؤ’لمًا، ففي الأخير هذا كان عهدهما يوم زواجهما، وهو لم يُخـ.ـلف بوعوده يومًا؛ فكيف سيكون بها إذًا؟..
_”برلين فؤاد بيتر” ..!!.
أستمعت إلى إسمها وكأن تم تنفيذ حُكـ.ـم الإعد’ام عليها، تجمّـ.ـد جسـ.ـدها قليلًا ولكن رأت الدعم فورًا مِنْهُ، وكأنهُ يُذكرها بوجوده؛ أمسك بكفها الد’افئ وأتجه برِفقتها إلى غرفة الطبيبة بخطى هادئة، شـ.ـدّ عليها برفقٍ بعد أن شَعَر برُ’جفتها وولج بعد أن سمحت لهما الطبيبة، أبتسمت بودٍ حينما رأت “برلين” وقالت بترحابٍ:
_أهلًا أهلًا يا مدام “برلين”، أتفضلوا.
جلسا في مو’اجهة بعضهما أمام مكتب الطبيبة التي جلست مِن جديد وقالت بوجهٍ مبتسمٍ:
_إيه الأخبار؟ حضرتك الأستاذ “مينا” مش كدا؟.
هزّ رأسه برفقٍ مبتسمًا بهدوءٍ وقال:
_أيوه أنا.
نظرت لهما الطبيبة ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة مبتسمة:
_تمام، في الحقيقة التحا’ليل اللي طلبتها مِنك المرَّة اللي فاتت يا مدام “برلين” أنا شوفتها، بُصي أنا عارفة إنك ما بين الأمل وفقـ.ـدان الأمل، ودي فالآخر حاجة بإيـ.ـد ربنا سُبحانه وتعالى لو أراد هيحصل … أنا شوفت التحا’ليل كذا مرَّة وبصراحة أنا ذُهلت، أفتكرت إن حالتك صعـ.ـبة وإن نسبة حدوث حمـ.ـل تكاد تكون معد’ومة، بس لمَ بصيت على التحا’ليل كويس لقيت إن مشـ.ـكلتك بسيطة محتاجة بس أنتظام في العلا’ج.
نظرا كلاهما إلى بعضهما ولم يقولا شيئًا بعدها، كانت “برلين” تظن بأن الأمر عو’يصًا وسيصـ.ـعُب حدوثه، ومعها “مينا” الذي كان يظن الأمر كذلك، نظر إلى الطبيبة وقال بنبرةٍ هادئة:
_معلش بس يا دكتورة أنا مش فاهم، يعني إيه المشـ.ـكلة بسيطة، إيه اللي خلّاكي تقولي عالموضوع بسيط.
أتسـ.ـعت بسمةُ الطبيبة التي نظرت لهُ وقالت:
_التحا’ليل اللي طلبتها مِنها بتقول كدا، المشـ.ـكلة هتتحل بالأدوية وبعدها تقدر تحمـ.ـل عادي، الموضوع كُلّه بسيط صدقوني مش محتاج غير شويَّة وقت وانتظام فالأدوية ومتابعة دورية بس لحد ما نتأكد إن المشـ.ـكلة أتحـ.ـلت.
أعتدلت “برلين” في جلستها ونظرت إلى الطبيبة بعينين دامعة وقالت بنبرةٍ هادئة مضطـ.ـربة:
_معلش بس ممكن توضحيلي أكتر سبب المشـ.ـكلة، لأن أنا بصراحة مش قادرة أستوعب ومش مصدقة.
نظرت لها الطبيبة وقالت بنبرةٍ هادئة وعملية أكثر:
_بُصي يا مدام “برلين” الموضوع أبسط مِمَّ يكون، كُلّ ما في الموضوع إن مشـ.ـكلتك مشـ.ـكلة تكيُـ.ـسات مش أكتر، وعلاجها أدوية لفترة محددة بعدها تقدري تحمـ.ـلي عادي جدًا، الموضوع مش مستحيـ.ـل بس محدش وقتها أرشدك صح، أو يمكن أقنعك إن المشـ.ـكلة كبيرة ونسبة حلّها تكاد تكون معد’ومة، بس الموضوع مش كدا نهائي.
تهللت أسارير “برلين” ولم تستطع أن تُصدق ما قيل، فهي بالتأكيد تحلُم، نظرت إلى “مينا” بعينان دامعة وكأنها تنتظر شيئًا مِنْهُ، تنتظر إجابة تأكيدية؛ وهو لم يبخـ.ـل عليها بالأمر، أبتسم أبتسامة مشرقة وكأنه يُخبرها أنَّهُ كان على صوابٍ منذ البداية، لم تستطع أن تُسيطـ.ـر على عبراتها التي انهمـ.ـرت كالشلا’لات فوق وجهها ولم تمنـ.ـع بسمتُها مِن شـ.ـق هذا الخو’ف..
مدّت الطبيبة يَدها بورقة بيـ.ـضاء تحتوي على أسماء العقاقير التي ستأخذها “برلين” وقالت بنبرةٍ هادئة:
_دي الأدوية هتاخديها بأنتظام وتجيلي بعد شهر عشان نشوف الدنيا ماشية أزاي، المهم المواعيد يا “برلين”.
أخذ “مينا” الورقة وهو ينظر بها، بينما هزّت “برلين” رأسها برفقٍ لها ثمّ سارت معهُ بعد أن أنهت كشـ.ـفها، خرجت بوجهٍ مشرقٍ والسعادة تكاد تأخذها بعيدًا، ضمّته بسعادة لا توصف وعبراتها تشـ.ـق طريقها على وجهها دون أن تتحدث، وهو ضمّها مبتسمًا والفرحة تغمُر قلبه، فتلك هي البداية؛ وهذا هو القدر.

تعليقات