رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة واثنين 102 بقلم بيسو وليد


رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة واثنين بقلم بيسو وليد 

يا سائلاً عن دربي، ما أنا إلا ظلّ شوقٍ يتبع نوره،
خطوي على الأرض رجاء، ونظري للسماء حنين،
زرعتُ في قلبي صمتًا، فنبتت فيه أسماء المحبوبين،
كلّما قالوا: أين وجهتك؟
قلت: حيثما ناداني اليقين،
وحين يسكنني الوجد،
أهيم في ملكوت لا تَبلغه أقدام،
ولا تُترجم معانيه الألسن،
هناك، هناك فقط،
أعرف من أكون.
_ارتجال.
________________________________
<“مرّت الساعات الثقا’ل، وغمرتهُ الراحة.”>
داخل إحدى المستشفيات؛
ممرٌ طويل ذو أرضية رخامية بيـ.ـضاء، ينعكس على سطحها الإضاءات البيـ.ـضاء المتو’هجة، الجدران كريمية اللو’ن؛ رائحة المعـ.ـقمات والعقاقير تفوح في الممر، وغرفٌ مرصوصة بالتساويٍ على كلا الجانبين أبوابها مرقّمة، كان “ليل” الجد يقف أمام الغرفة الماكث بداخلها حفيديه الصغيرين، البرود إن كان مظهره الخارجي ففي الداخل بر’اكين تنفـ.ـث حـ.ـممها..
ينتظر خروج الطبيب لطمأ’نته على حفيديه، وإلى جواره “روز” التي كانت لا تقل شيئًا عنهُ، تضع يَدها فوق صد’رها وكأنها تطمئـ.ـن قلبها برغم الخو’ف المُسيطـ.ـر عليه، فلم تنسىٰ حتى الآن كيف كانا الصغيرين على ذراعي زوجها، وإلى جانبها كلًا مِن “روزي” التي كانت تهـ.ـز صغيرتها برفقٍ حتى تتوقّف عن الأ’نين و “أيسل” التي كانت تضم صغيرها النائم إلى صد’رها..
أ’لقى “ليل” الجد نظرةٍ متو’عدة إلى حفيديه اللذان يمكثان على بُعد خطواتٍ مِنهم، برغم قسو’ة أعينهم كان الخو’ف ساكنها، أنقـ.ـذهم في تلك اللحظة هاتف جدهم الذي صدح عاليًا برنة طويلة، أبتعد عنهم قليلًا وأجاب على ولده، تحرّكت “روز” تجاه حفيديها بخطى ثابتة وتوقّفت أمامهما قائلة بنبرةٍ حا’دة:
_أنتم الإتنين حسابكم معايا بعدين، اللي حصل دا لا أنا ولا جدكم هنعديه بالساهل، أتطمن بس عالعيلين دول ونشوف الموضوع دا.
أخرج “ليل” الحفيد تنهيدة طويلة وأشاح بنظره بعيدًا عن جدته دون أن يتحدث، وكأن كلماتها ونبرتها لم يروقا لهُ، عادت مِن جديد لمكانها بالتزامن مع اقتراب “ليل” وخروج الطبيب مِن الغرفة، أنتبهوا إليه جميعًا وتأ’هبوا سماع ما سيُقال..
فبرغم هذا العنا’د والغضـ.ـب والجـ.ـنون كانت القلوب لا تزال تنبـ.ـض بالخو’ف على هذان الصغيرين، تحدث “ليل” الجد بنبرةٍ يشوبها القلـ.ـق قائلًا:
_خير يا دكتور طمني.
نز’ع الطبيب “زاهر” نظارته الطبية ونظر إلى الجد وقال بنبرةٍ هادئة:
_خير إن شاء الله مفيش حاجة، فالحقيقة يعني أول مرَّة حالتين زي دول يمروا عليّا، الولدين باين على سنهم إنهم لسه صغيرين جدًا على إنهم يمروا بدا، هما فا’قوا وكان باين عليهم الخو’ف بطريقة غريبة، ساعتها استغربت وقبل ما أتكلم معاهم عملتلهم فحـ.ـص سريع عشان أطمن، كُلّ حاجة كويسة فقررت أتكلم معاهم وأفهم إيه اللي حصل عشان أعرف سبب إغما’ءهم دا، فالحقيقة هما حكولي وهما موجو’عين أوي، وفهمت إن دي حاجة نفسية محتاجة حد متخصص يسمعهم ويفهم منهم إحساسهم ووجهة نظرهم أكتر، أنا استدعيت دكتور “وليم” أخصائي نفساني، هو أكتر واحد يقدر يشخص حالتهم.
تنغض جبين جميع الواقفين وكأن على رؤوسهم الطيـ.ـر، فما دخل الطبيب النفسي فيما حدث للصغيرين منذ نصف ساعة، تحدث “ليل” الجد بنبرةٍ هادئة أكثر تفهمًا قائلًا:
_هو إيه اللي دخّل دكتور نفسي فالموضوع، الطفلين دول ٣ سنين بس.
تحدث “زاهر” بنبرةٍ هادئة يشرح وجهة نظره أكثر قائلًا:
_سيادة اللوا أنا فاهم دا كويس، وعارف إنهم سنهم صغير، بس اللي شوفته وسمعته بيتطلب دكتور نفساني، عارف إن صعـ.ـب تصدقوا اللي بيتقال بس الولدين دول واضح إنهم موجو’عين أوي، شا’يلين حاجات جوّاهم تفوق سنهم ووجود دكتور “وليم” ما هو إلّا تفر’يغ المتراكم، هما لمَ جم لحضرتك بيعيطوا مكانش حاجة بسيطة، هما مش عارفين يخرجوا مشاعرهم بطريقة نفهمها إحنا بس أنا قدرت أشوف دا، الولدين تا’يهين ومحتاجين حد يسمعهم ويفهمهم بأسلوب معيَّن ودا اللي هيعمله دكتور “وليم” دلوقتي.
وعلى ذِكره فقد حضر الدكتور “وليم” بخطى هادئة، يرتدي زيّه الطبي ويبدو عليه الهدوء والبشاشة، أ’لقى تحيته عليهم بهدوءٍ ثمّ أستمع إلى زميله “زاهر” الذي قدّمه لهم قائلًا:
_دا الدكتور “وليم”، مِن أنجب الدكاترة في علم النفس هنا فالمستشفى وهو اللي هيقدر يفهم إيه اللي حصل للولدين..
نظر لهُ بعدها وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا قبل أن يذهب:
_دكتور “وليم” أظن إنك عارف سيادة اللوا، الولدين اللي جوّه أحفاده.
هزّ “وليم” رأسه برفقٍ مبتسمًا وشملهم بنظرةٍ سريعة ثمّ وقف شامخًا وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنا متفهم إنكم متلغـ.ـبطين ومش فاهمين اللي بيحصل، أنا لسه معرفش الموضوع بس هوضحلكم الصورة شويَّة، الإنسان مننا لمَ بيحصل معاه موقف معيّن بيسـ.ـببله ضغـ.ـط مبيقدرش وقتها يقول أو يعبّر بالأسلوب اللي يحسسه إنُه قادر يخرّج أي طاقة سـ.ـلبية جوّاه، مع تكرار الفعل بيبدأ ير’اكم جوّاه، يمكن يحاول يصـ.ـلح دا بنفسُه بأفعال بسيطة الواحد ممكن ميقدرش يشوفها، بس مع الفشـ.ـل المتكرر ومع ضغـ.ـطة كمان عليه بينفجـ.ـر، في اللي بيز’عق جا’مد ويبدأ يكسّـ.ـر بدون و’عي مِنُه، وفيه اللي يفقـ.ـد السيطـ.ـرة على نفسُه ويعمل أي حاجة ممكن تأ’ذيه هو واللي حواليه..
_وفي اللي بينها’ر ويدخل فنو’بة هلـ.ـع وعياط مبيوقفش، في كتير أوي بيتشخص أكتئا’ب بمختلف الأعمار، أقل طفل عنده اكتئا’ب وهو ٦ سنين، حاجات كتير أوي بتدخّل الإنسان ففترة أكتئا’ب، فيه اللي بيتعا’فى بسرعة وفيه اللي بياخد وقت أطول فالعلا’ج، وأنا بناءً على اللي هسمعه مِن الولدين هقدر أفهم أكتر إيه اللي شافوه وسمعوه على مدار الوقت قدر يشكل جوّاه حالة الهلـ.ـع والخو’ف دا … كُلّ اللي هطلبه مِنكم بس ترتاحوا لحد ما أخلّص وهطمنكم عليهم على طول.
هزّ “ليل” الجد رأسه بتفهمٍ بعد أن أستمع إلى حديثه كاملًا، جلس فوق المقعد المعد’ني دون أن يتحدث واسند مرفقه إلى ركبته ووضع جبينه فوق كفه واحتضنت بُنيتيه الأر’ض، رافقته “روز” التي أخرجت زفيرة عميقة وإلى جوارها جلست الفتاتين، بينما ولج “وليم” إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوءٍ..
اقترب مِن الصغيرين بخطى هادئة وفوق وجهه ابتسامة هادئة، شـ.ـدّ المقعد المعد’ني برفقٍ وجلس أمامهما، شملهما بنظرةٍ سريعة ثمّ قرر أن يكسـ.ـر هذا الصمت فقال بنبرةٍ هادئة:
_أزيكم يا رجا’لة، ممكن نبقى صحاب؟.
نظرا إليه الصغيرين بهدوءٍ تام، بأعينٍ باكية تحمل في أعما’قها حز’نًا لا آخر لهُ، لم ينتظر “وليم” أن يتلقّى مِنهما الإجابة، ولذلك مال للأمام بنصفه العلو’ي يسند مرفقيه إلى ركبتيه، وشـ.ـبك كفيه ببعضهما أمامه وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنا أسمي “وليم”، شغّال هنا بس بقعد أتكلم مع الناس كتير، عرفت إنكم جيتم هنا فقالولي أجي أقعد شويَّة، مش عايزين تعرفوني على نفسكم عشان نبقى صحاب ونعرف نتكلم سوا؟.
نظرا الصغيرين إلى بعضهما قليلًا وكأنهم يتشاورون بلغة الأعين، ترقب “وليم” أفعالهم مبتسمًا ثمّ بلحظة تلقّى الجواب مِن “عدنان” أولًا والذي قال بنبرةٍ هادئة:
_أنا أسمي “عدنان”، ودا صاحبي “رائد”.
اتسعت الابتسامة فوق فم “وليم” الذي قال بنبرةٍ هادئة:
_أساميكم حلوة أوي، طب بقولكم إيه في أوضة هنا أحلى بكتير مِن الأوضة الكئـ.ـيبة دي تحبوا نقعد فيها أحسن؟.
نظر الصغيرين لبعضها ولم يستغرقا الكثير مِن الوقت، نظرا إليه ووافقا على حديثه بهزّة صغيرة وابتسامة بسيطة رُسمت فوق فمهم الصغير، وبعد دقائق معدودة كانا يجلسان مذهولين، الغرفة كانت مختلفة تمامًا عن الأخرى التي تبعث اليأ’س في الصد’ر، كانت تلك الغرفة أكثر د’فئًا وحياة، جدرانها زهرية اللو’ن؛ أرضيتها رخا’مية نا’عمة يعلوها بساطٍ ممزوجًا باللو’نين الأبيـ.ـض والزهري، باب الشرفة مفتوحًا على مصر’عيه، يسمح لنسمات الهواء اللطيفة الدخول..
الألعاب في كُلّ مكانٍ بالغرفة، بعضها للفتيات كالعرائس وألعاب المطبخ، وأخرى للصبية كأبطالٍ خا’رقين ومسد’سات كبيرة وصغيرة كالخاصة بالأبطال في الأفلام الكرتونية، جلس “وليم” أمامهما وأعطى كُلًّا مِنهما دفترًا كبيرًا أوراقه بيـ.ـضاء، والعديد مِن الأقلام الملو’نة، نظرا إليه معًا بتعجبٍ واضحٍ ليبتسم هو ويقول بنبرةٍ هادئة:
_دلوقتي أنا هطلب مِنكم طلب صغير قبل ما نبدأ نتكلم سوا، فالدفتر دا عايزكم ترسموا فيه الحاجة اللي عاوزين توصلولها لمَ تكونوا كبار، ينفع؟.
لمعت أعينِ الصغيرين بحما’سٍ بلحظة، وكأنه أيقظ بداخلهم طا’قة لن تخمـ.ـد، ولكن قبل أن يبدأ أحدهما تحدث “وليم” بنبرةٍ هادئة:
_أستخدموا أكتر لو’ن بتحبوه قبل ما تبدأوا، طالما هترسموا الحاجة اللي نفسكم توصلولها فالمستقبل يبقى لازم ترسموها بلو’ن بتحبوه.
شمل “رائد” الألو’ان الموضوعة أمامه بشغفٍ لم يستطع إخفا’ءه، وبلحظة ألتقطت أنامله الصغيرة اللو’ن الأزرق وبدأ في الرسم، بينما فعل “عدنان” المثل وألتقط اللو’ن البُنيّ وبدأ هو الآخر في الرسم بحركاتٍ خفيفة ولهفة لم يستطع قـ.ـلبه الصغير إخما’دها، تابعهما “وليم” بوجهٍ مبتسمٍ، عيناه تجوبان بسرعة على وجههما الصغير النا’بض بالحياة، وبين أناملهم الصغيرة التي لم تتوقف لحظة..
وبعد مرور ما يُقارب الرُبع ساعة أنتهى “رائد” أولًا وقال بنبرةٍ يشوبها الحما’س:
_أنا خلّصت.
_وأنا كمان.
نظر إليهما “وليم” ثمّ مدّ كفه وسحب الدفتر بخفة ونظر إلى تلك الرسمة الفو’ضاوية الصغيرة الغير متـ.ـقنة، تأملها قليلًا تاركًا عينان الصغير تترقّب أفعاله بفر’اغ الصبر، لحظات ورفع عيناه ينظر في خاصته ثمّ أبتسم وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنتَ هتكون أشطر دكتور قـ.ـلب فمصر كُلّها، هتكون زي الدكتور “مجدي يعقوب” أنا واثق فيك، بُكرة تكبر وتساعد كُلّ اللي محتاج مش كدا؟.
هزّ “رائد” رأسه بلهفةٍ لم يستطع إخما’دها وقال بنبرةٍ أعربت عن حما’سه:
_أيوه، جدو “قاسم” دكتور كبير أوي وأنا لمَ أكبر عايز أكون زيُّه، هساعد الناس كُلّها ولو محدش معاه فلوس العمـ.ـلية هعملها ببلاش عشان كُلّ الناس تخـ.ـف ويعيشوا مبسوطين.
لمعت عينان “وليم” بتأ’ثرٍ لم يستطع إخفا’ءه، أتسعت بسمتهُ فوق فمه وبدون أن يتحدث ألتفت بنصفه العلو’ي قليلًا وسحب رداءً أبيَّـ.ـض اللو’ن وألبسه إياه قائلًا:
_وليه تستنى لمَ تكبر، عيش اللحظة الحلوة دي دلوقتي.
سحب السماعة الطبية كذلك برفقٍ وجعلها تضمّ عُنـ.ـقه مثلما يفعل الأطباء، أتسعت الابتسامة فوق فم “رائد” الذي لم يستطع أن يمنـ.ـع ابتسامته وفرحته مِن الظهور وقال بنبرةٍ أعربت عن سعادته:
_الله، دا حلو أوي، يا ربّ أكبر بسرعة عشان أكون دكتور شاطر والناس كُلّها تكون عارفاني.
ضحك “وليم” على حما’س هذا الصغير، ضمّ ذراعيه الصغيران ونظر في عيناه وقال بنبرةٍ عميقة:
_هتكبر وتحقق حلمك وأسمك يتعرف فمصر كُلّها وجميع البلاد العر’بية والعا’لمية كمان، هتكون أشطر دكتور جر’احة قـ.ـلب فمصر.
وبلحظةٍ لم تكُن في الحُسبان أر’تمى الصغير بين ذراعيه ولـ.ـفّ ذراعيه الصغيرين حول عُنـ.ـقه دون أن يتحدث، فقط يشكره بطريقته الطفولية البر’يئة لأنه منحه هذا الشعور قبل أن يصل إليه، ضمّه “وليم” إلى صد’ره بحنوٍ ومسح فوق ظهره دون أن يتحدث، وكأنه يخبره أنَّهُ يثق بهِ ويعلم أنَّهُ سيصل يومًا ما..
نظر بعدها إلى “عدنان” وسحب الدفتر مِنْهُ وتأمّل الرسمة هُنَيهة دون أن يتحدث، ولكن نفس البسمة شـ.ـقّت وجهه ونظر في عيناه قليلًا ثمّ قال بنبرةٍ حنونة:
_أقولك على سـ.ـر؟ أنا أول ما شوفتك قولت إنك هتطلع مهندس معماري، معرفش ليه بس شوفت فعيونك لمعة غريبة أول مرَّة أشوفها فعيون طفل فسِنك، طب أقولك على حاجة؟ هتكون أشطر مهندس فالدُنيا، عـ.ـقلك قادر يشكِّل مظهر جديد، أوعى فيوم تيأ’س أنتَ قدها، وطالما صاحبك قالك كلمة لازم تصدقه مش كدا ولا إيه؟.
هزّ “عدنان” رأسه برفقٍ وأبتسم بفخرٍ لنفسُه دون أن يتحدث، ضمّهما سويًا إلى أحضانه وقال مبتسمًا:
_بس أوعوا الشهرة تاخدكم وقتها وتنسوني، أنا الأصل.
أبتعد “رائد” قليلًا وقال بنبرةٍ ما’كرة وهو ينظر في عيناه:
_بُكرة تتعـ.ـب وتيجي تكشف عندي.
ر’ماه “وليم” بنظرةٍ مصدومة لا يُصدق وقا’حة هذا الصغير الذي يكاد يتخطّى طوله رُكبته وقال بنبرةٍ أعربت عن صدمته:
_أنتَ لحقت كبّرتني وخلتني مر’يض عندك، لحقت تخليني مر’يض قلـ.ـب؟ إخص عالصحوبية بجد.
أصبحت عيناه اكثر مكـ.ـرًا حينما قال بنبرةٍ خـ.ـبيثة وكلماتٍ مغـ.ـرية:
_هكـ.ـشفلك ببلاش، فكّر شوية دا عرض مُغـ.ـري أوي.
حقًا أصا’به هذا الصغير بصدمة جعلته ينظر إليه دون أن يتحدث، فقط عقـ.ـله يطرح مئات الأسئلة، كيف لهذا الصغير الذي لم يتخطّى عامه الرابع أن يكون بهذا القدر مِن المكـ.ـر والدهاء معًا.
______________________________
<“غضـ.ـبُ الإنتقا’م لم يخمـ.ـد بعد.”>
في حديقة القصر الخلفية كان هو يجلس فوق المقعد الخـ.ـشبي، عيناه الخضر’اوتين تنظر في نقطةٍ فا’رغةٍ محددة، مازالت حا’دة ومشتـ.ـعلة بالغضـ.ـب، فلم يثأ’ر بعد كما كان يُريد، وأمامه يجلس أخيه الأكبر ير’شقه بنظراتٍ حا’دة وكأنها تُعلن عن عدم رضا صاحبها لهذا الفعل المتهو’ر الذي حدث ليلة أمسٍ..
_وبعدين فأُم تهو’راتك اللي فيوم هتجيبنا كُلّنا لورا؟ يا ابني أفهم بقى وحاول تستو’عب، طريقتك دي كُلّها غـ.ـلط مفيش حد عا’قل بيروح فنصا’ص الليالي يتهجـ.ـم على واحد كبير زي دا بالشكل الغبـ.ـي اللي عملتُه فيه دا، “شريف” أنتَ مجـ.ـنون.
ر’شقه بنظرةٍ حا’دة يملؤها الصر’امة بعد أن كان يو’بخه في بادئ الأمر والآن أكّد عليه حالته بكلمته الأخيرة، فهو يرى بأن أخيه لن يهدأ إلّا حينما يُنفِّـ.ـذ ما عزم عليه ويذهب للجحيـ.ـم بعدها، مال “فاروق” بنصفه العلو’ي للأمام مسندًا مرفقيه إلى ركبتيه وشـ.ـبك كفيه أمامه، ر’ماه نظرةٍ صا’رمة وقال بنبرةٍ حا’دة:
_أسمع يا ابن أُمي وابويا، سكتك دي غـ.ـلط فغـ.ـلط، أنا مراعي مشاعرك وعارف إنك لسه جوّاك نا’ر بتغـ.ـلي وعايز تنتقـ.ـم لنفسك مِن الرا’س الكبيرة، بس مش هي دي الطريقة الصح اللي تعمل بيها كدا، “شريف” أنتَ حفيد راجل أسمه لوحده بيهـ.ـز شنبات، ولو حد عرف يمـ.ـسكك مش هير’حمك أسمع مِن أخوك عشان أنا خا’يف عليك، مرَّة وعدت وشوفنا فيها سو’اد، متخليهاش تتكرر تاني وفكّر فبنتك قبل أي حد فينا، “شروق” لسه مكملتش سنة ومش وا’عية للي بيحصل حواليها ولا تعرف السو’اد اللي مالي قلو’ب البشر كُلّ اللي تعرفه الفرحة وبس..
_أول ما بتشوفك كأنها شافت حياتها كُلّها البـ.ـت متعـ.ـلقة بيك بطريقة غريبة، فإياك تكسـ.ـر التعلُـ.ـق دا فيوم مِن الأيام لأي سبب مِن الأسباب، أنتَ لوحدك اللي هتعا’ني وهتفضل كُلّ يوم الند’م بيا’كُل فيك، بنتك أهم مِن أي حد يا “شريف” إياك تخسـ.ـرها حتى لو هتضـ.ـحي بأغـ.ـلى حاجة عشانها، الوضع أختلف عن زمان، كُنت بطولك مفيش سِـ.ـت فحياتك ولا عيل يشيـ.ـل أسمك، بس دلوقتي الوضع أختلف، مسؤ’ول عن إتنين ولا!يا يا “شريف”، إياك ثمّ إياك بغـ.ـلطة مِنهم تخليهم هما يد’فعوا التمن، أنا اللي هحاسبك وقتها وهنسى ساعتها إنك أخويا الصغير.
سيطـ.ـر الصمت على المكان فجأةً وكأن شيئًا لم يحدث قبل لحظات، ولكن لم يخلو الأمر مِن تو’تر الأجواء حولهما بعد أن أنهى “فاروق” حديثه بتحذ’يرٍ صريحٍ لأخيه، فهو إن كان طا’ئشًا لا يُفكر في عو’اقب أفعاله فوحده “فاروق” يُدرك الأمر جيدًا، ولذلك كان يجب عليه أن يصـ.ـفعه بكلماته قبل أن تصـ.ـفعه أفعاله، اعتدل في جلسته ورفع نفسُه دون أن تُفا’رقه عيناه..
فالنظرات بدت بين الشقيقين مشـ.ـتعلة بالتحد’ي والتمر’د، هذا يفر’ض رأيه وسيطـ.ـرته مهمًا كان الماكث أمامه، والآخر متمر’د يكر’ه فر’ض السيطـ.ـرة والتحكـ.ـم، وها هي حديقة قد جمعت الشتا’تين، أخرج “شريف” تنهيدة طويلة ونظر بعيدًا عن مر’مى أخيه وهو في صر’اعٍ محتد’م بداخله بين ر’غبته وخو’فه على صغيرته وزوجته..
ولكن في لحظة كُسِـ.ـرَ هذا التو’تر القا’تل بضحكة طفولية نا’عمة تأتي مِن الداخل، وبتلقائية نظرا معًا للباب المعد’ني الفا’صل بين الحديقة وغرفة المعيشة بالداخل ورأى “شروق” تحبي بسرعةٍ فا’ئقة على أطر’افها، فستانها الو’ردي المزركش بورودٍ صغيرة زهر’ية يتحرّك بفعل حركاتها السريعة، عيناها الخضـ.ـراء تشـ.ـع بطا’قة حما’سٍ لن تنتهي إلّا بإ’علان الأميرة استسلا’مها في نهاية اليوم..
خرجت وكأنها تتلقّى الحُرِّ’ية بعد سنونٍ مِن الحبـ.ـس، توقّف فجأةً بعد أن ضر’بت نسمات الهواء الد’افئة بشرتها الناعمة، وبتلقائية شـ.ـديدة أغلقت عيناها نصف غـ.ـلقة وكأنها تستمتع بتلك اللحظة النادر حدوثها وهي حُـ.ـرَّة، ولكن كسـ.ـر متعـ.ـة تلك اللحظة صـ.ـيحات “ناهد” بإسمها مِن الداخل، وكأنه زِر الإنذ’ار للصغيرة التي ألتفتت برأسها قليلًا لترى والدتها تقترب مِنها بخطى وا’سعة..
أطلقت بلحظة ضحكة طفولية عا’لية وانطلقت مِن جديد تحبي بسرعة قبل أن تُمـ.ـسك بها والدتها، أسرعت تجاه أبيها حينما رأته مِن الداخل، وها هي وصلت إلى محطتها الأخيرة وجلست فوق الأرض العُشبية أمامه تنتظره أن يحملها، ضحك “فاروق” بعد أن رأى هذا الهرو’ب المحتر’ف مِن صغيرة بهذا الحجم، حملها “شريف” وضمّها لصد’ره يُلثم خدها الصغير بحنوٍ..
_بابا.
نداءًا صغيرًا بطيئًا كان لهُ نغمة نا’عمة لم يسمعها مِن قبل، نظر في عيناها ومنحها قُبلة أخرى قبل أن يقول:
_عيون بابا.
رفعت الصغيرة ذراعها الصغير وأشهرت بسبابتها الصغيرة تجاه والدتها التي خرجت للتو وها هي تقترب مِنهم، ألتفت برأسه ورأى زوجته تقف بالقُربِ مِنهم تنظر إلى صغيرتها وكأنها أر’تكبت جُر’مًا مشهودًا في حقها، فر’ض حما’يته على الصغيرة وأطلق ضحكةٍ ساخرة وقال:
_بنتي بقى هتعتر’ضي؟ حبيبة أبوها فيها عِر’ق الخبا’ثة مِني.
نقـ.ـلت “ناهد” نظرها إلى “فاروق” الذي أبتسم وقال بنبرةٍ هادئة:
_متدخليش معاه فجد’ال عشان هيكسب فالآخر، أخويا وأنا عارفُه كويس فوفّري صـ.ـحتك أحسن وخُدي على هرو’ب بنتك دا عشان مش هتعرفي توقفيها بعد كدا.
نظرت “ناهد” إلى صغيرتها، ورأت بالفعل حركات زوجها تُطبقها هي أمامها بكُلّ فخرٍ، إختبأت الصغيرة في صد’ر أبيها بعد أن إتخذته ملـ.ـجًأ لها، وبلُطفٍ أمالت رأسها الصغير بحذ’رٍ جهة اليمين، وعندما ألتقت الأعينِ عادت سريعًا تد’فن رأسها في صدره وهي تضحك ضحكة صغيرة مكتو’مة، رفعت “ناهد” حاجبها وقالت ساخرةً:
_أتفضل، نسخة مِن أخوك فأفعاله، بدل ما كان عندي واحد بقوا إتنين.
رنّت ضحكة “فاروق” عا’ليًا بعد أن تلقّى حديثها ورأى أفعال الصغيرة الما’كرة تجاه والدتها، يُقسم بأنها أصبحت نسخةً مِن أخيه في صغره، وبالنسبةِ إليه فلم يكترث لكُلّ ما يُقال حوله، فأفعال صغيرته وشقا’وتها معهُ جعلته ينسىٰ مَن حوله، بدأت تلعب بلـ.ـحيته كما أعتادت وهي تغمغم بكلماتٍ غير مفهومةٍ لهم..
ولكن بالنسبةِ لها كانت ذات معانيٍ كثيرة، وبين الفينة والأخرى كانت تعلو ضحكاتها حينما يُبا’غتها أبيها ويُحاول عـ.ـض يَدها التي كُلّما إنز’لقت تجاه فمه، وبسهولة كانت تُبعد كفها الصغير قبل أن ينا’لَ هو مِنْهُ، ومؤخرًا أضحت تلك لُعبتها المفضّلة حيثُ تُراقب بحذ’رٍ قبل أن يُفكر هو في الإقدام على أيُّ خطوة نحوها.
_____________________________
<“أصبحت الحياة ضو’ضاءً مِن بعد الهدوء.”>
كان الظلا’م مسيطـ.ـرًا على الغرفة، الستائر المثقـ.ـلة تحجُـ.ـب أشعة الشمس عن الغرفة، والهدوء هو سيد تلك اللحظات، كان “إيثان” يغط في سُباتٍ عميقٍ بعد ليلة مثقـ.ـلة، كان مستلقيًا على بطـ.ـنه ذراعيه يحتضنان الوسادة تحـ.ـت رأسه، خصلا’ته مبعثـ.ـرة تحجُـ.ـب رؤية عيناه، جفنيه مثقـ.ـلان وكأنه لم يحظى بنومٍ هادئ منذ أسابيع طويلة، كان عا’ري الصد’ر وأنفاسه منتظمة، وإلى جواره كانت صغيرته “روچين” مستيقظة للتو، عيناها الوا’سعة تجول في هذا الظلا’م..
تر’فس بقدميها الصغيرة وما يُسمع هو صوت أنفاسها العا’لية، كانت تئـ.ـن بين الحين والآخر تشعُر بالجوع يُدا’عب معدتها الصغيرة، وبلحظة إنقلـ.ـبت على جانبها الأيسـ.ـر ووقفت على أطر’افها، عيناها مثـ.ـبتةً فوق جسـ.ـد أبيها الساكن إلى جوارها، ولحُسن حظها شـ.ـقّ خـ.ـيطًا رفيعًا مِن أشعة الشمس داخل الغرفة..
بدأت تحبي نحوه بحذ’رٍ وهدوء، وكأنها قطًا صغيرًا يُحاول صـ.ـيد أولى فرا’ئسه، جلست فوق ر’كبتيها بجواره، وخصلا’ته كانت كنزًا ثمينًا لها، وبدون تردد مدّت كفها الصغير وقبـ.ـضت بقو’ةٍ عليها، شـ.ـدّتها بدون سابق إنذ’ار وبدأت تغمغم بكلماتٍ غير مفهومة وبصوتٍ عالٍ وكأنها تُعلن عن إنتهاء مدة قيلولته..
أستيقظ “إيثان” بسبب هذا الشـ.ـدّ المتكرر، وبصعو’بة أستطاع أن يفتح عيناه ليرى صغيرته تكاد تكون قد أعلنت إحتـ.ـلالها على خصلا’ته، أغمض عيناه مجددًا وأطلق زفيرة طويلة ثمّ تمتم بصوتٍ متحشر’ج قائلًا:
_هذا هو خطا’ئي دومًا، فلتبـ.ـصق والدتكِ بوجهي إن سمحتُ لكِ أن تنامي إلى جواري مرَّةٍ أُخرى.
ضحكت “روچين” بفرحةٍ كبيرة بعد أن نجحت في إيقاظ أبيها، وبدون تردد بدأت تشـ.ـدّ هذه الخصلا’ت بعنـ.ـفٍ أكبر حتى ألتـ.ـفّت حول أناملها الصغيرة، لم يستطع “إيثان” أن يتحـ.ـمل طويلًا هذا الوضع ولذلك صا’ح بزوجته عاليًا بقوله:
_”تكـوى”، يا امرأة أُقسم أنني سأجعلكِ ترين الجحيـ.ـم على يديّ إن لم تُبعدي هذا القر’د الصغير مِن فوقي ..!!.
ضحكت “روچين” عاليًا بنعو’مة بعد أن رأت خـ.ـطتها قد نجحت وأمتثل إليها، تركت تلك الخصلا’ت وبدأت تضر’ب بكفها الصغير فوق وجهه وهي تُطلق صر’خات عالية قصيرة، وكأنها أعلنت الحـ.ـد عليه اليوم، فتح عيناه ونظر لها بطر’ف عينه بغيـ.ـظٍ شـ.ـديدٍ ثمّ قال بنبرةٍ حا’دة:
_تـ.ـبًا أيَّتُها الصغيرة، ماذا تريدين مِني اليوم هل أصبح النوم مِن المحر’ما’ت الآن؟.
بدأت تُناديه باستمرارٍ وكأنها تتـ.ـلذذ بأحرفهِ، وجهها مشرق وبسمتُها تشـ.ـق وجهها وعيناها تلمعان بحما’سٍ طفولي لا يخمـ.ـد، أدرك بأنه لن يستطيع أن يهرُ’ب مِنها بعد ذلك، ولذلك أستسـ.ـلم لها؛ استلقى على ظهره وضمّها لصد’ره يُغدقها بسيلٍ مِن القُبلات التي لا تنتهي، بدأت هي تضحك عاليًا وتستسـ.ـلم أمام سيطـ.ـرة أبيها الذي قرر أن يثأ’ر لنفسُه، ومع مرور الوقت بدأ قلبه يلـ.ـين أمام نبرتها الضاحكة وصر’خاتها الصغيرة..
ولجت “تقوى” والخو’ف يرتسم فوق وجهها بعد أن وصلها صر’خات صغيرتها ظنًا مِنها أن مكـ.ـروهًا قد أصا’بها، ولكن رأت مشهدًا أذ’اب قلبها، زوجها مستلقٍ فوق الفراش وصغيرته بين ذراعيه العر’يضين تضحك عاليًا وتُناديه بين الحين والآخر وكأنها تطلب الر’حمة مِنْهُ..
_أنتَ تُدغدغها وأنا مَن ظننتُ بأن مكـ.ـروهًا أصا’بها توًا.
نظر إليها مبتسمًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_الفتاة أيقظتني بكُلّ حقا’رة، كانت تُشبه القر’د الصغير الذي إن أقام الحد لا يرحم، ولكن صدقًا يا عزيزتي تلك أسعد اللحظات التي أقضيها معها.
قلّـ.ـصت “تقوى” المسافة الفا’صلة بينهما واستلقت بجواره، وضعت رأسها فوق كتفه العر’يض ونظرت بوجهِ مبتسمٍ إلى أبنتها التي ما إن رأت خصلا’تها قريبةً مِنها بدون تردد مدّت كفها الصغير وقبـ.;ضت عليها بتلك الأنامل الصغيرة، ر’متها بنظرة أنتصا’ر ليضحك “إيثان” عاليًا حينما رآها قائلًا:
_تلك الفتاة تنجذب لخصلا’ت الجميع، لا أعلم مَن كان يفعل ذلك في العائلة ولكنها ور’ثتها مِنْهُ بلا شـ.ـك.
_حسنًا “إيثان” ساعدني في إبعادها قبل أن تتقـ.ـطع خصلا’تي بأكملها في قبـ.ـضتها الصغيرة تلك.
هكذا استغا’ثت بهِ بعد أن رفعت كفها وحاولت تحر’ير خصلا’تها مِن قبـ.ـضة صغيرتها التي كانت كالصخـ.ـرة في منظورها، قررت الصغيرة معا’قبتها على هذه الجر’أة ولذلك شـ.ـدّتها بعنـ.ـفٍ وهي تصر’خ في وجهها بوجهٍ غا’ضب، رنّت ضحكة “إيثان” عاليًا بعد أن رأى ذلك ومعهُ صوت “تقوى” الموجو’ع، رفع كفه وحاول إبعاد صغيرته برفقٍ وهو يُحادثها بنبرةٍ حنونة قائلًا:
_حسنًا حبيبتي أترُكيها الآن ففي الأخير هذه والدتكِ، لا ينبغي عليكِ أن تجذ’بِ خصلا’تها بهذا الشكل المُـ.ـهين.
حاول أن يُفـ.ـلت زوجته التي كانت تتأ’لم مِن قـ.ـبضة تلك الصغيرة التي أمتعـ.ـض وجهها بضيـ.ـقٍ واضحٍ وأصبحت تصر’خ غـ.ـضبًا بعد أن حاول تحر’ير خصلا’ت زوجته، قررت الصغيرة معا’قبته كذلك وبدون تردد قبـ.ـضت على خصلا’ته بكفها الحُـ.ـر، وكأنها تنتظر أن ترى مَن يستطيع الوقوف أمامها ومنـ.ـعها مِن جذ’ب خصلا’تهم..
_تـ.ـبًا أيَّتُها الصغيرة، تظنين أنكِ إنتصـ.ـرتي الآن؟.
لم ينتظر ثانية أُخرى بعدها، بدأت أنامله تُد’اعب خصرها حتى يُجبـ.ـرها على تركهما، بدأت ضحكاتها تعلو؛ وكُلّما تعمّق تر’اخت قبـ.ـضتيها مِن فوقهما معًا، ارتسمت بسمةُ النصـ.ـر فوق فمه وقال:
_لا تعـ.ـبثي معي أيَّتُها الصغيرة، فلم يأتي مَن يعـ.ـبث معي بعد.
______________________________
<“أطمئنت القلو’ب وتبد’د الذُ’عر.”>
في مكتب الطبيب “وليم”؛
كان يجلس أمامه “ليل” الجد و “روز”، وفوق أريكة جلـ.ـدية سو’دا’ء بالقُربِ مِن الباب جلست “روزي” التي كانت تضم صغيرتها لصد’رها، وإلى جوارها “أيسل” التي ضمّت صغيرها النائم لصد’رها وإلى جوارهما “ليل” الحفيد و “حُذيفة”..
أخرج الطبيب “وليم” زفيرة هادئة ثمّ اسند ذراعيه فوق المكتب أمامه وشـ.ـبك كفيه وبدأ حديثه الهادئ بقوله:
_أنا سمعت الولدين، هما حكوا اللي جوّاهم واللي حسّوا بيه شيء مينفعش إننا نستهـ.ـين بيه، المشـ.ـكلة الأساسية بين الأبين، كانوا دايمًا بيشوفوهم بيشـ.ـدوا قصاد بعض مِن غير ما حد فيهم ياخد باله بس كانوا بعدها بيرجعوا يتصالحوا، بس آخر مشـ.ـكلة بينهم هما سمعوا كلام أكبر مِن قدرتهم على أستيعا’به، خطـ.ـف والذي مِنُه، وأول ما حسّوا وأتأكدوا إن المرَّة دي مفيش صُـ.ـلح، ومفيش بابايا مع باباك بيهزروا ويتكلموا دي ضغـ.ـطت أكتر عليهم وزي ما بنقول فجّـ.ـرت جوّاهم حاجات كتير أوي، زي مثلًا لو حسيت إن في شخص عزيز على قـ.ـلبي بيفا’رقني وأنا عا’جز على إني أخلّيه جنبي..
_نفس الفكرة هنا، هما أتعودوا عليهم مع بعض ويمكن لو شافوهم بيضحكوا سوا بيفرحوا، بس المرَّة دي عملت جوّاهم حالة مِن الهلـ.ـع، كُلّ اللي أتعودوا عليه مبقاش موجود فجأة بسبب خلا’فات كان سهل تتحل فلحظتها، عشان كدا هما مع الضغـ.ـط النفسي المستمر مقد’روش يتحملوا، المشاعر والضغو’طات أكبر مِن سِنهم فطبيعي دا يحصل، أنا سمعتهم للآخر ودي أول مرَّة أقولها هما سِنهم صغير آه بس فكرهم سابقهم وبيعرفوا يعبّروا كويس أوي عن مشاعرهم، وهما حسّوا وقتها بخيـ.ـبة أمل كبيرة، وز’علوا أوي بعد ما قدروا يجمعوهم مع بعض فجأة لقوهم بيتفر’قوا عن بعض أكتر.
أ’لقى “ليل” الجد نظرة على زوجته دون أن يتحدث، بادلته النظرة بهدوءٍ تام ولم تتحدث، فهي لا تعلم ماذا تقول الآن بعد ما حدث، نظر “ليل” الجد إلى الطبيب “وليم” مِن جديد وقال بنبرةٍ هادئة:
_طب يا دكتور وصلت معاهم لإيه؟ يعني أحفادي كويسين دلوقتي ولا إيه النظام محتاج أفهم أكتر عن حالتهم دلوقتي.
نظر لهُ “وليم” وقال بنبرةٍ هادئة موضحًا الصورة بشكلٍ أوضح إليه:
_هما كويسين وزي الفُل، كانوا محتاجين بس اللي يسمعهم ويشوف مُتطلباتهم، واضح إن كُلّ واحد فيهم متعلـ.ـق بأبوه أوي، كُلّ واحد أتكلم عن أبوه بشكل ولا أروع، بيحبوهم أوي وبيحبوهم أكتر لمَ بيشوفوهم مع بعض، زي ما هما مع بعض، فعشان كدا أيًا كان الخلا’ف بينهم لازم يتصا’فوا لأن صداقتهم هي اللي بتقو’ي الولدين دول، صداقتهم بتحسسهم بالأ’مان لو أنتهـ.ـت مفيش أي وسيلة بعدها تقدر تحسسهم بالأ’مان وهيحسّوا بالجـ.ـفا والخو’ف.
ساد الصمت بعدها ولم يُسمع بعدها أي صوتٍ آخر، فكان “ليل” الجد يُفكر في حديث الطبيب ومعهُ الحفيدين، ففي الأخير هم يعنون لهُ الكثير ولن يُخا’طرا حفاظًا عليهما، وبعد مرور القليل مِن الوقت ولج “ليل” الحفيد أولًا إلى الغرفة، سـ.ـقط بصره على صغيره الذي كان يجلس فوق المقعد الخشـ.ـبي المخصص للأطفال ويلعب بلُعبة صغيرة على شكل بطلٍ خا’رق..
أغلق الباب خلفه واقترب مِنْهُ بخطى هادئة، جلس القرفصاء أمامه وعيناه لم تفا’رق وجهه الصغير، فكان الحز’ن يُخـ.ـيِّمها بشكلٍ فا’ضح، نظر لهُ الصغير ثمّ أبتسم لهُ دون أن يتحدث، حاول “ليل” أن يُسيطـ.ـر على نفسُه ويحفظ هدوءه أمام صغيره الذي ذرف بسببه عبراتٍ كثيرة لا تتوقّف..
أخرج تنهيدة قصيرة ثمّ مدّ كفه العر’يض وأمسك بكف صغيره مشد’دًا فوقه برفقٍ، محاولًا أن يبث الأ’مان في قلبه مِن جديد، أبتلـ.ـع غصَّـ.ـته بتروٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنتَ كويس يا حبيبي؟ ولا في حاجة بتو’جعك؟.
تعجب الصغير مِن سؤاله ولكنهُ هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_لأ أنا كويس.
أخفض “ليل” رأسه أرضًا محاولًا السيطـ.ـرة على عبراته التي تكاثرت بشـ.ـدة في مُقلتيه مهد’دةً إياه بالسقو’ط، وبدون و’عيٍ مِنْهُ شـ.ـدّ على كف صغيره، يشعُر بالحز’ن عليه وبالغضـ.ـب مِن نفسُه، فهو مَن أوصلهم لتلك النقطة، رفع رأسه مِن جديد ونظر في عينان صغيره، لم يستطع أن يُخـ.ـفي عبراته عنهُ فهو الآن يشعُر بالذ’نب يأ’كله حـ.ـيًا، تحدث بنبرةٍ حاول جعلها هادئة ولكنها خرجت مهز’وزة:
_أنا آسف، عارف إن أنا السـ.ـبب فوجودك هنا دلوقتي، بس عايزك تعرف إنُه كان غصـ.ـب عني، كُلّ اللي سمعته مِني كان حقيقة، كُلّ واحد فينا يا “رائد” بيكون عنده ماضي و’حش، بيو’جع كُلّ ما تفتكره أو حاجة مِنُه تأ’ثر عالواقع بتاعك دلوقتي، ودا حصل معايا أنا، وأنا غصـ.ـب عني أستحملت كتير أوي، بس فاللحظة دي أنا و’جعي زاد أكتر ومبقتش قا’در أستحمل فكُلّ غضـ.ـبي خرج دُ’فعة واحدة، زي ما حصلك كدا بالظبط، بس أنا مش و’حش ولا قا’سي.
تأمله الصغير قليلًا دون أن يتحدث، وكأنه قرر أن يترك لهُ المساحة ليبوح عن كُلّ ما يؤ’لمه، ولكن “ليل” أكتفى لهذا الحـ.ـد وأنتظر الفعل مِن صغيره، فالآن هو يشعُر بالأ’لم لكونه السبب الوحيد الذي أوصلهم لهذه المرحلة، وبعد دقيقة تقريبًا تحرّك “رائد”، ترك اللُعبة وأر’تمى بأحضانه دون أن يتحدث..
تضا’عف الأ’لم داخل “ليل” أكثر، فما فعله تلقّى مقابله عناقًا دا’فئًا وصا’دقًا مِن صغيره، شـ.ـدّ على ذراعيه العر’يضين حول جسـ.ـده الصغير وكأنه يعتذر عمَّ حدث بالفعل بدلًا مِن الكلمات، منحه قُبلة حنونة على خده وقرر أن يلُذ بتلك اللحظة التي يغني فيها شعورها عن كلماتها..
ولج “حُذيفة” بهدوءٍ تام لهُ وعلى ذراعه صغيره “عدنان” الذي كان يتعلّـ.ـق بهِ منذ أن ذهب لهُ أبيه وأصـ.ـلح ما حدث بقليلٍ مِن الكلمات، تلاقت الأعينِ دون أن تجر’ؤ الأ’لسنةُ على النطق، لحظة صمتٍ بينهما قالت فيها لغة الأعينِ كُلّ ما عجـ.;ز الفم عن نطقه، كانت نظراتٍ صا’فية متبادلة بينهما، لا غضـ.ـب؛ لا كرا’هية فقط أعتذاراتٍ صامتة ونظرة صفاءٍ..
أنزل “حُذيفة” صغيره أرضًا بعد أن قرر هو البدء وتقديم الاعتذار لرفيقه، فهو مَن بدأ وهو مَن سيُنهي ذلك، استقام “ليل” في وقفته ولم تُفا’رق عيناه رفيقه، فبنظرةٍ واحدة فهم صديقه، قلّـ.ـص “حُذيفة” المسافة الفا’صلة بينهما وبدون تردد ضمّ رفيقه وقال بنبرةٍ هادئة معتذرًا:
_أنا آسف على اللي عملته يا صاحبي، حقك عليّا مش عايزك تكون ز’علان أو شا’يل جوّاك مِني.
بادله “ليل” عناقه كذلك بدون تردد، وكذلك أعتذر إليه قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_وأنا كمان آسف على اللي قولتهولك، كانت ساعة شـ.ـيطان.
أبتعد “حُذيفة” عنهُ قليلًا ونظر في عينان رفيقه وقال:
_لأ مش مُجبـ.ـر إنك تعتذر، كلامك كان كُلّه صح، أنتَ شـ.ـيلت كتير أوي جوّاك وفضلت كا’تم كُلّ السنين دي، أنتَ أستحـ.ـملتنا كتير أوي وأنا مكُنتش أعرف إن كلامي بيجر’حك، أنا آسف بجد سامحني.
لم يتحدث “ليل” هذه المرَّة، بل ترك قلبه يتحدث هذه المرَّة ويقول ما لم يستطع قوله مِن قبل، ضمّه مِن جديد إلى أحضانه وربّت برفقٍ فوق ظهره مبتسمًا، وكأنه بذلك أعلن عن الصُـ.ـلح وأغلق الصفحة التي كان يشوبها السو’اد، وفي تلك اللحظة سعد الصغيرين بعد أن تصالحا الرفيقين، فهذا ما كانا يُريدانه منذ البداية، وهذا ما أستطاعا فعله الآن.
_______________________________
<“صر’خاتٍ متأ’لمة وأخرى تُعلن عن حيا’ة جديدة.”>
بعد مرور شهرًا؛ وُلدت حيا’ة جديدة..
انقشع النهار وبدأت أولى خيوط الفجر تتسـ.ـلل في عنان السماء، كان الهواء با’ردًا بعض الشيء يُنذ’ر الجميع عن قدوم شتاءٍ قا’رص لن يسـ.ـلم مِنْهُ أحدًا هذا العام، كان الهدوء يُسيطـ.ـر على أرجاء القصر بالكامل، الجميع نيام بعد ليلةٍ طويلة مِن الضحك واللعب، ولكن طولها لم يستمر كثيرًا..
في غرفة “علي”؛
كان الهدوء يلـ.ـف الغرفة وكأنه عا’زلًا لأي صوتٍ مز’عج قد يضا’يق ساكنها، كان “علي” يغط في ثُباتٍ عميقٍ بعد يومًا حافلًا مِن العمل الشا’ق الذي فـ.ـتك بهِ، إلى جواره “لارين”؛ ولكن ليلتها لم تكُن هادئة كما في السابق، إشتـ.ـد عليها الأ’لم فجأةً وكأنه قرر أن يُقيم الحـ.ـد عليها، أستيقظت بالفعل وأمتعـ.ـض وجهها بأ’لمٍ شـ.ـديدٍ، رفعت نفسها بصعو’بةٍ با’لغة وهي تضع يدها فوق بطـ.ـنها المنتفـ.ـخ، حاولت أن تأخذ أنفا’سها كما عوّدها “علي” ولكن لم يفلح الأمر معها هذه المرَّة..
خرج مِنها آهٍ تنبـ.ـض بالو’جع بعد أن فشـ.ـلت في كتـ.ـمها داخل صد’رها، وبلحظة تندى جبينها بالعرق البا’رد وأصبح صوت تنفسها عا’لٍ، أستيقظ “علي” بعد أن بدأ صوتها يتغلغـ.ـل إلى عقله كإنذ’ارٍ صريح بالخطـ.ـر، فتح عيناه بكـ.ـسلٍ واضحٍ حتى رأى هيئتها وأدرك ما يحدث، نهض سريعًا وهو ينظر إلى ساعة الكومود بجواره ليراها لم تتم السادسة بعد..
نظر لها مِن جديد وبحركةٍ تلقائية وضع كفه فوق كفها الموضوع على بطنها وقال بنبرةٍ أعربت عن قلـ.ـقه:
_مالك إيه اللي حصل؟.
_و’جع شـ.ـديد أوي يا “علي”، مش قا’درة أستحمـ.ـل.
أستدار “علي” وسحب هاتفه بخفةٍ مِن فوق الكومود ونظر فيه ليرى أن اليوم هو ميعاد ولا’دتها كما أخبرتهم الطبيبة مِن أسبوعًا مضى، ولكن الوقت باكرًا للغاية؛ نهض سريعًا وإتجه نحو الخزانة أخرج كنزة خريفية باللو’ن البُنيّ وأرتداها بسرعةٍ فا’ئقة ثمّ سحب أُخرى لها بدرجةٍ أفتح وعاد لها مجددًا..
ألبـ.ـسها إياها بحذ’رٍ وهو يقول بنبرةٍ هادئة في محاولةٍ مِنْهُ لبث الطمأنينة في قلـ.ـبها:
_ششش، إهدي خالص كُلّ حاجة هتعدي وهتبقي زي الفُل، أنا جنبك مش هسيبك لحد ما تخرجي وأنتِ بخير وصحتك كويسة.
سـ.ـقطت عبرات “لارين” التي إنخرطت في بكاءٍ مرير قائلة بنبرةٍ متأ’لمة:
_مش قا’درة يا “علي”، الو’جع شـ.ـديد أوي المرَّة دي، أنا خايفة أمو’ت.
نظر في عيناها مباشرةً برغم خو’فه الذي تمـ.ـلّك مِن قلبه ولكنه لم يُعلن عنهُ لحظة، تحدث بنبرةٍ حنونة وهو يُرتب خصلا’تها قائلًا:
_لأ يا حبيبتي متقوليش كدا كُلّ حاجة هتعدي بسرعة وهتكوني بخير، أنا مقدر خو’فك بس صدقيني هتعدي، يلّا لازم نتحرك بسرعة.
تحرّك تجاه الخزانة سريعًا أخرج مِنها الحقيبة التي كانت مجهزة منذ أسبوعًا فقط حملها على ظهره ثمّ أخذ أغراضه المـ.ـهمة وعاد لها مجددًا، حملها على ذراعيه؛ تحا’مل على نفسُه برغم ثقـ.ـل جسـ.ـدها النا’بض بالأ’لم وتحرّك بخطى خفيفة، فليس لديه الوقت ليُعلم الآخرين..
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا – داخل المشفى..
كان يسير بجوارها ممسكًا بكفها، إسورةً ور’دية تُعانق معصمه مدوَّن عليها إسمها، تقبـ.ـض على كفه العر’يض بكُلّ قو’تها وعبراتها لم تتوقف عن السقو’ط، مسح فوق خصلا’تها بكفه الآخر وقال بنبرةٍ مهز’وزة:
_مش عايزك تخا’في خالص، أنا جنبك على طول، أوعي يا “لارين” تخو’في نفسك، سمعاني يا حبيبتي؟.
أنهى حديثه ورفع كفها يُلثمه بحنوٍ دون أن يتحدث، فالخو’ف كان المُسيطـ.ـر على الأجواء في هذه اللحظة، وبرغم أنَّهُ بذ’ل جهـ.ـدًا ليُطمئنها كان هو نفسُه مَن يُريد شخصًا يُطمئنه، توقّف أمام غرفة العمـ.ـليات وترك كفها مرغمًا بعد أن تم منـ.ـعه مِن الولوج معها، نظر في طيفها قبل أن يُغلق الباب في وجهه ويحجُـ.ـب عنهُ الرؤية تمامًا، أطلق زفيرة عميقة واسند ظهره فوق الجدار وأغمض عيناه..
فهو يعلم أن الدقائق القادمة لن تكون سهلة عليه البتة، صدح صوت خُطاهم في الرواق الطويل، برغم و’قعها على الأرضية الرُخا’مية كانت متو’ترة، فمَن رآه حينها كان “طه” الذي لم ينتظر وبدأ يمُر على غرف الجميع وهو يصيـ.ـح عاليًا بموعد ولا’دة “لارين” في الصباح البا’رد..
وقفوا أمامه جميعًا وقبل أيُّ شيءٍ تحدثت “تيسير” بلوعةٍ قائلة:
_طمني يا “علي” فين “لارين” دلوقتي وإيه اللي حصل فجأة؟.
أخرج تنهيدة طويلة وعميقة ثمّ فتح عيناه وشمل الجميع بنظرةٍ سريعة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_مفيش، النهاردة ميعاد الولا’دة زي ما الدكتورة قالتلنا، بس شكل الطـ.ـلق جه بدري، كُنت نايم مش حاسس بالدُنيا وراسي تقـ.ـيلة واللهِ قومت على صوت عياطها وكُلّ اللي طالع عليها آه، مكانش فيه وقت خدت الشنطة وحاجتي وخدتها وجيت عالمستشفى على طول خدوها جهزوها ودخلت عالعمـ.ـليات على طول.
تحدثت “تيسير” وهي تجلس فوق أقرب مقعدٍ لها بنبرةٍ متو’ترة:
_خير إن شاء الله، ربنا يجعلها ساعة سهلة عليها يا ربّ.
وقف “قاسم” إلى جانبها ووضع كفه فوق كتفها برفقٍ دون أن يتحدث، يُشـ.ـدد مِن أزرها بأقل حركةٍ مِنْهُ وهو وحده يعلم كيف تُعا’ني أبنته في الداخل، جلس “ليل” الجد مقابلتها وقال بنبرةٍ هادئة:
_خير إن شاء الله، أدعولها … مش محتاجة غير الدُعاء دلوقتي.
جلسوا جميعًا في إنتظارها وخيَّم الصمت عليهم، وبدأت الدقائق تمُر ببطءٍ شـ.ـديدٍ وكأنها دهرًا، كانت صر’خاتها المو’جعة تصلهم في الخارج، ولم يخـ.ـفى عنهم تلك النبرةُ الباكية مِن شـ.ـدة الو’جع، كان “علي” يحمل صغيره على ذراعه ويسير في الرواق الطويل بخطى بطيئة، محاولًا كبـ.ـح عبراته في مُقلتيه؛ ولكن لم يستطع فمع كُلّ صر’خة تتأ’لم القلوب وكأنها تُعا’ني مثلها..
بينما كان “ثائر” متشـ.ـبثًا بأبيه، عبراته تسـ.ـقط فوق صفحة وجهه كالشلا’لات المنهمـ.ـرة لا تتوقف، قلبه الصغير شَعَر بأن والدته ليست بخيرٍ الآن، فتبكي وتصر’خ عاليًا وتتأ’لم ولا أحد يستطيع الولوج لها ومؤازرتها، عقله الصغير مازال لا يستوعب ما يحدث لها ولكنهُ يعلم أنها تتأ’لم الآن..
اقترب مِنْهُ “أحمد” وبيَديه كوبين صغيرين مِن القهوة الطازجة، وقف أمامه ومدّ كفه إليه قائلًا:
_عارف إنك بتقا’وم دلوقتي عشان تفضل واقف على رجلك وعارف إنك تـ.ـعبان ومش قا’در، فعشان كدا جبتلك قهوة تفوّقك.
أخذها “علي” بهدوءٍ تام واقترب مِن نافذة زجا’جية متوسطة الحجم، وقف أمامها ووضع الكوب جانبًا ثمّ أجلس صغيره فوق قطعة رُخا’مية تخرج قليلًا مِن الجدار وضمّه لصدره يمسح برفقٍ فوق ظهره محاولًا طمئنته، والآن أصبح صوت زوجته بعيدًا بعض الشيء عنهم، فلم يعُد يحتمل سماعها تُعا’ني شَعَر بأعصا’به تتلـ.ـف بعد مرور دقائق قليلة..
نظر إلى صغيره بعد أن شَعَر برُ’جفةً تجتا’ح جسـ.ـده وبدون ترددٍ شـ.ـدّ مِن ضمّته إليه وقال بنبرةٍ هادئة:
_سقعان يا حبيبي؟.
_شويَّة.
اقترب “أحمد” مِنْهُ بخطى هادئة وجاوره قائلًا:
_محتاج حاجة؟.
نظر لهُ “علي” ثمّ قال بنبرةٍ مر’هقة:
_”ثائر” سقعان، كُنت بفكر أنزل أجيبله أي حاجة سُـ.ـخنة يشربها تدفيه شويَّة … الجَو النهاردة أسـ.ـقع شويَّة عن كُلّ يوم.
أخذ “أحمد” رُشفة صغيرة مِن قهوته وقال بنبرةٍ هادئة:
_وعلى إيه خلّيك وهروح أجيبله أنا.
أبدى “علي” بر’فضه سريعًا قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_لأ خليك أنتَ لسه طالع مش هقعد أطلعك وأنزلك كُلّ شويَّة، أنا هنزل أجيبله حاجة ياكُلها ويشربها.
ر’فض “أحمد” قوله سريعًا دون أن يمنحه الفرصة قائلًا بنبرةٍ جا’دة:
_عيـ.ـب عليك يا عمّ متقولش كدا الله، أنتَ أخويا وابنك زي أبني بالظبط، خليك أنتَ تـ.ـعبان وواقف بالعافية أساسًا، أنا هنزل أجيبله هو و “سديم” مع بعض، أوعـا تتحرّك مِن مكانك لحد ما أرجعلك مش هتأخر عليك.
ترك كوبه بجوار كوب رفيقه وتحرّك دون أن يلتفت لهُ، بينما نظر “علي” إلى إثره وأبتسم دون أن يتحدث، فلا يعلم كيف كان سيكون عليه الحال إن لم يكُن معهُ في تلك اللحظات العصـ.ـيبة، أمسك كوبه وأرتشف مِنْهُ القليل بهدوءٍ وهو ينظر إلى السماء التي بدأت تغطيها السُحُب المكد’سة بالماء، وابتسم بداخله في تلك اللحظة، فصغيرتيه ستُضيئان حياته بعد قليل..
وبمرور الوقت سكتت صر’خات “لارين” أخيرًا وتعالت صر’خات صغيرة أُخرى، لقد جاءت الفتاتين بخيرٍ بعد أشهرٍ عصـ.ـيبة شهدت لياليها عن معاناةٍ صامتة، أعطى “علي” الصغير إلى “قاسم” واقترب مِن باب الغرفة الذي فُتِحَ وأطلت عليهم الممرضة بالفتاتين وأبتسامتها المشر’قة تُزين وجهها..
_بنتين زي القمر يتربوا فعزك.
قالتها الممرضة وهي تُعطيه الصغيرتين بحذ’رٍ، تأملهما “علي” بعينين دامعتين، أر’تجف قلبه بعنـ.ـفٍ داخل صدره بعد أن شَعَر بهما مضمومتين في حضنه الدا’فئ، كانت الفتاتين ساكنتين؛ السالوبت الشتوي النا’عم أعطاهن مظهرًا لطيفًا، اقتربت “تيسير” بتلهُفٍ لتشاهد حفيدتيها الصغرتين بشوقٍ، وهي لا تُصدق عينيها فتلك اللحظة كانت تنتظرها بفراغ الصبر..
وبعد مرور ساعة تقريبًا..
كانت “لارين” مستيقظة، تجلس نصف جلسة فوق الفراش وتضم الصغيرتين بحُبٍّ لصد’رها، تنظر لهما وبسمتُها لا تُفا’رق وجهها، إلى جوارها “علي” الذي يضم صغيره لحضنه ويضحك كُلّما أقترح أحدهم أسمين لا يتشابهان مع بعضهما، تحدث “علي” مقررًا إنهاء هذا الجد’ل قائلًا:
_وحدوا الله وأهدوا أنا و “لارين” مختارين الإسمين خلاص.
إتجهت الأعينِ نحوه وعمّ الصمت المكان فجأةً في إنتظار سماع ما سيقوله “علي” الذي أخذ نفسًا طويلًا ثمّ قال مبتسمًا مشيرًا إلى الفتاة التي تحملها زوجته بذراعها الأيمن:
_دي هتبقى “فيروز” ودي “نيروز”.
_فن إختيار الأسامي، أقسم بالله ذوقك حلو وعجبني.
ضحكوا جميعًا بعد أن علّـ.ـق “فادي” على الإسمين ثمّ قال وهو يضم زوجته مبتسمًا:
_بس كدا هنتلغبط يا رياسة، ما مراتي أسمها “فيروز” برضوا.
جاوبه “علي” بنبرةٍ هادئة وببساطة يُحسـ.ـد عليها قائلًا:
_يا عمّ بسيطة دي “فيروز” الصغيرة ودي “فيروز” الكبيرة، زي ما في “ليل” الكبير و “ليل” الصغير، وفي “روز” و “روزي”، إحنا عيلة بتحب التكرار عادي.
عادت الغرفة تضـ.ـج بالضحك والد’فء مِن جديد بعد أن مازحهم “علي” بكلماته واستطاع حلّ تلك المعـ.ـضلة بسهولة ويُسرٍ.
______________________________
<“البداية نحو الأفضل شكّلت د’فئًا غير مسبق.”>
الأول مِن ديسمبر؛ تبدأ أولى ليالِ الشتاء القا’رصة، الشوارع شبه فارغة، أبواب المنازل مغلقة بإحكا’مٍ، والستائر الثقيـ.ـلة موصدة فوق النوافذ البا’ردة، وبرغم قسو’ة البرودة في الخارج كان المنزل ينبـ.ـض بالد’فء والمحبة..
كانت “نوران” تجلس في غرفة المعيشة، ترتدي ملابسها الثقـ.ـيلة لتـ.ـحمي نفسها مِن برودة الجَو في الخارج، تضع الهاتف فوق أُذنها قرابة الدقيقتين وتُلـ.ـقي تعليماتها الصا’رمة على ولدها:
_أسمعني كويس يا “يزيد”، تلبس تقيـ.ـل يا حبيبي الجَو عندك صعـ.ـب مش عايزاك تـ.ـعيا، أسمع الكلام ومتو’جعش قلبي بقى، تلبس تقـ.ـيل مش هقول الكلام دا تاني غير كدا هحاسبك لو جر’الك حاجة كفالله الشـ.ـر، وتاكُل كويس، أنا بُكرة إن شاء الله هاجي أزورك، يا’ض بطّل لماضة شويَّة مسجو’ن إيه بس، هجيبلك الأكل اللي بتحبه، أنتوا كام واحد؟ خمسة حلوين أنا هتفق مع “فرح” و “چود” ملكش دعوة هتصرف..
أقتربت “روان” مِن زوجة خالها وجلس جوارها دون أن تتحدث، فقط تركت عيناها تجوب حولها في محاولةٍ مِنها لمعرفة الطر’ف الآخر، قلبها يُخبرها أنَّهُ هو؛ فهي تعلم أن تلك النبرة وهذا اللـ.ـين لا تتحدث بهِ “نوران” إلّا مع ولديها فقط، وما أكّد لها صدق شعورها “نوران” التي قالت أسمه دون أن تنطقه ومنحتها نظرةٍ ما’كرة بعدها وأكملت حديثها معهُ تُجيب على أسئلته:
_كُلّ حاجة زي الفُل مش عايزاك تقـ.ـلق، آه “حُذيفة” جاب السيراميك وأتر’كب خلاص، جميل يا “يزيد” هبقى أخلّيه يصوّرهولك وهو هناك وهوريهولك بُكرة، أيوه “روان” اللي إختارته بتقول إنكم أتفقتوا عليه سوا، لأ مش عايزاك تشيـ.ـل هم أخوك موجود بيخلصلك فيها واحدة واحدة، إلّا بالحق يا “يزيد” مش “لارين” ولدت … آه واللهِ جابت “فيروز” و “نيروز”، شوفت بقى أنتم اللي نحـ.ـس أزاي، متنساش تعرّف “عادل” بقى لأن “علي” مش عارف يوصله، مين “روان”؟..
أ’لقت نظرة مترقبة عليها بعد أن نطقت أسمها، وبلحظة رأت ترقبها الشـ.ـديد بعد أن أستمعت إلى أسمها الذي لفظه هو، فوحدها تعلم أنَّهُ إذا ذكرها فجأةً فهذا يعني أنَّهُ أشتاق إليها، وبالفعل رأت زوجة خالها تمُدّ يَدها بالهاتف وهي تهمس لها قائلة:
_بيسأل عليكي، شكله كان عايز يسأل مِن بدري بس إتحر’ج يقا’طعني.
أنهت حديثها وغمزت لها بطر’ف عينها وبسمةٌ ما’كرة رُسمت فوق فمها، تركتها “نوران” وذهبت حتى تمنحها خصو’صيتها، وتركتها تنصهـ.ـر خجـ.ـلًا مكانها، تنظر إلى شاشة الهاتف لترى المكالمة مازالت مستمرة وأسمه يُنيرها، خـ.ـفق قلبها بعنـ.ـفٍ وار’تجفت يَدها قليلًا، وضعت الهاتف فوق أُذنها لتسمعه يتحدث مع “وهيب” ويقوم بمضا’يقته كالمعتاد ويلفُظ أسم “عنان” بسخريةٍ بدت لها غريبة..
أبتلـ.ـعت غصَّـ.ـتها بهدوءٍ تام ثمّ أخذت نفسًا عميقًا وقالت بنبرةٍ هادئة:
_”يزيد” ..!!.
توقّف عن مضا’يقة رفيقه وبثانية ساد صمتٌ غريب مِن طر’فه جعلها تتعجب وتظن بأن المكالمة أنتهت دون أن تشعُر، أبعدت الهاتف قليلًا تنظر لهُ لترى المكالمة مازالت مستمرة، إزدادت حيرتها بشكلٍ ملحوظ وعادت تنطق أسمه بنبرةٍ أكثر هدوئًا قائلة:
_”يزيد” أنتَ سامعني؟.
_سامعك، وبصراحة إتفاجئت، متوقعتش إني أُمي هتديكي الموبايل بالسرعة دي أنا لسه بسأل ملقتش رد مِنها … طمنيني عليكي أنتِ كويسة وكُلّ حاجة تمام؟.
أعتدلت في جلستها وقامت بضم قدميها لصدرها وقالت بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
_أنا كويسة وبخير الحمدلله، طمني عليك أكيد الجَو صعـ.ـب عندك عننا.
أخرج تنهيدة عميقة ثمّ أبتسم وقال بنبرةٍ هادئة:
_بصراحة آه، بس اللي مهوِّ’ن عليّا كتير واللهِ، أينعم لسه فاضل نُص المُدة بس هانت يعني، هشوفك على أول ٧ الجاي.
وبمرور الوقت إندمجت معهُ في المكالمة بشكلٍ ملحوظ، كانا يتحدثان في أمورٍ عديدة لا علا’قة لها بالأخرى، كانت تضحك تارة، وأخرى تستمع بإنصاتٍ وكأنها تسمع قصصًا أسطورية، مرّ أخيها “ليل” بالقُربِ مِنها وحينما رآها مِن بعيد تضحك أبتسم فهو يعلم بأن لا أحد يستطيع إخراج تلك الضحكات بتلك السهولة غيره..
لم يطيل الوقوف فقد تحرّك مباشرةً إلى المطبخ حيث تقف زوجته، ولج بهدوءٍ معتاد وبلحظة دا’عبت الروائح العديدة أنفه، أقترب مِن الطاولة وجلس فوق المقعد وأبتسم قائلًا:
_بقالك فترة معملتيش حاجة، بصراحة لمَ كُنا فشقتنا كُنتي بتعملي كُلّ يوم وكُلّ شويَّة أشوفك فالمطبخ، مِن ساعة ما جينا هنا ومشوفتكيش فيه خالص غير دلوقتي … قررتي تدلعيني ولا إيه؟
أبتسمت هي ولم تُجيبه بسرعة، وقفت أمام المو’قد وكان بيَدها صحنًا زجا’جيًا، بدأت بغرف القليل مِن الحساء بهِ وعادت لهُ بخطى هادئة، وضعته أمامه ثمّ نظرت في عيناه التي لم تفارقها لحظة وقالت بنبرةٍ هادئة:
_وأهي جاتلك الفرصة لحد عندك.
اتسعت بسمتهُ وقال بنبرةٍ هادئة دون أن يحـ.ـيد بعيناه عنها:
_ياريت تكون جيّالي كُلّ يوم.
ولج “حُذيفة” للمطبخ بخطى هادئة، و’قع أقدامه فوق الأرض الرُخا’مية جعلت “ليل” يلتفت لهُ، وحينما نظر في عيناه أبتسم وقال:
_ابن حلال وأُمك دعيالك، تعالى أتعشى معايا.
نز’ع “حُذيفة” معطفه الأسو’د ووضعه فوق المقعد وجلس إلى جواره قائلًا بنبرةٍ مر’هقة:
_حظي حلو أوي فعلًا، أنا جاي جعان أصلًا ومش قا’در.
أخرجت “روزي” صحونًا إضافية وبدأت بسـ.ـكب الطعام لهُ كذلك دون أن تتحدث، بينما أخرج “ليل” تنهيدة عميقة ثمّ نظر إليه وقال بنبرةٍ هادئة متسائلًا:
_مالك شكلك مش مطمني؟.
اسند “حُذيفة” مرفقيه فوق الطاولة أمامه ومسح بكفيه فوق وجهه ثمّ نظر لهُ بعينين مر’هقتين وقال:
_مفيش، الشغل كان كتير النهاردة وضهري تعـ.ـبني أوي، دا غير إن الجلسة الأسبوع الجاي، “لؤي” لسه مكلمني وقالي إنُه متابع القضـ.ـية، بإذن الله الحُكـ.ـم مِن أول جلسة.
أخرج “ليل” تنهيدة عميقة بعد أن تذكّر هذا الأمر وقال بنبرةٍ هادئة:
_تصدق أنا نسيت حوار “سليم” دا، متقـ.ـلقش هتعدي، أنا معاك مش عايزك تخا’ف أنا وأنتَ فالمر’كب دي سوا.
وضعت “روزي” الصحون أمامه ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة مبتسمة الوجه:
_بالهنا على قلوبكم.
شكرها “حُذيفة” وبدأ يتناول طعامه بهدوءٍ تام مع ابن عمّته الذي كان هادئًا على غير العادة، ولكن وعلى غير العادة كسـ.ـر هذا الصمت و’قع أقدامٍ ثا’بتة تقترب مِن المطبخ، لحظات وظهر “ليل” الجد يقف على عتبة المطبخ وينظر لهم، ألتفتا نحوه ولم ينبث أحدهم بحرفٍ، وكأنهم ترجموا هذا الصمت لحدثٍ مفاجئ ينتظرهم، أبتسم “ليل” الجد بسمةٌ هادئة بدت لهم مُر’يبة ثمّ قال:
_خلّصوا وتعالولي عالمكتب، عايزكم فموضوع مهـ.ـم ميستناش لبُكرة.
رحل بعدها مثلما جاء دون أن يتحدث، لم يمنحهم الفرصة لقول كلمة أو للاستفسار عن الأمر، نظرا إلى بعضهم البعض قليلًا ثمّ أبتسم “ليل” وعاد يُكمل طعامه قائلًا بسخريةٍ لم تنفـ.ـك يومًا مِنْهُ:
_متستغربش أوي كدا، جدك جايبلنا حاجة مِن الإتنين ملهومش تالت، يا مصيـ.ـبة جديدة ممكن تجيب أ’جلنا، يا عنده فر’يسة هتـ.ـكيفنا المرَّة دي.
أخرج “حُذيفة” تنهيدة عميقة ثمّ أبتسم بزاوية فمه وقال ساخرًا:
_يبقى ربنا يسترها عشان دخلته دي مريحتنيش أساسًا، جدك مِن النوع اللي بيحب المفاجآت.
نظر لهُ “ليل” بطر’ف عينه مبتسمًا ثمّ قال ضاحكًا:
_قول زي ما تحب، جدك هيقول حاجة غير متوقعة ممكن تجـ.ـلطنا وإحنا واقفين قدامه.
نظر لهُ “حُذيفة” بطر’ف عينه قليلًا ثمّ ضحك بخفةٍ وعاد يُكمل طعامه قائلًا:
_طب كُل، خلّينا ناكُلنا لُقمتين قبل ما تتسـ.ـد نفسنا، كويس إنُه مقومناش مِن عالأكل أساسًا.
تناول “ليل” قطعة د’جاجٍ مشو’ي وقال ساخرًا:
_جدك هيعا’قبنا على اللي عملناه فبعض مِن أسبوع، ير’قّد ير’قّد ويفاجئ مرَّة واحدة بس ميعديش حاجة جَت على باله.
مدّ “حُذيفة” إليه صحن الخضراوات وقال ضاحكًا:
_إحنا هيتعمل مِن كرامتنا بادچات، بس العبدلله كاريزمته نا’قحة عليه.
ضحك “ليل” الذي نظر إليه وقال:
_فكّرني ندخُله بكوباية ميَّة ساقعة.
هزّ “حُذيفة” رأسه يوافق على حديثه دون أن يتحدث، ثمّ عاد يُكمل طعامه مِن جديد وهما يتبادلان النظرات والكلمات المازحة، لا يعـ.ـبئان لِمَ ينتظرهم في الخارج، فإن كان الشـ.ـر يتر’بص فالمكـ.ـر خدّ’اع، وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا كانا يقفان أمام جدهم، يُمسكان كوبين مِن الماء البارد وينظرون لهُ بابتسامة مستفـ.ـزة..
بينما كان “ليل” الجد يجلس فوق مقعده، يضع ساقٍ فوق أُخرى وينظر لهما ببرودٍ تام كعادته، عيناه البُنـ.ـيَّة تنتقلان بينهما بين الفينة والأخرى محاولًا إختر’اقهما ومعرفة ما يُفكران بهِ، وببطءٍ ظهرت أبتسامة غير مفهومة بزاوية فمه ثمّ أخيرًا كسـ.ـر حد’ة هذا الصمت بقوله الهادئ:
_طبعًا أنتم عارفين أنا جايبكم ليه؟.
أبتسم “ليل” الحفيد بزاوية فمه قليلًا ثمّ نظر إلى ابن خاله بطر’ف عينه دون أن يتحدث، فالقادم جحـ.ـيمًا مع جدهم لا شـ.ـك في ذلك.

غير معرف
غير معرف
تعليقات