رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وثلاثة 103 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وثلاثة 


يا نفسُ، لا تَجزَ’عي من عَثراتِ الطريق،
فما خُلِق الدربُ إلا ليُختَبَر فيه الثبات،
كَم مِن جُر’حٍ صار بابًا للنور،
وكَم مِن دَمعٍ صار نبعًا للأمل،
فإذا ضا’قَت بك الدنيا،
فارْفَعي قلبك إلى السماء،
ففي رحمةِ الله سَعَةٌ لا تُحصى،
وفي لُطفه خَيرٌ لا ينفد.
_ارتجال.
______________________________
<“حُكم الكبير كان كالشـ.ـرارةِ الصغيرة.”>
في غرفة المكتب؛
كان الجد ير’شق حفيديه بنظرةٍ غامضة لأول مرَّة لا يفهمان مغزاها، وإن ظننته هادئًا مِن الخارج فهو كالبر’كان الغا’ضب مِن الداخل، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قرر كسـ.ـر هذا الصمت بقوله الهادئ:
_أكيد عارفين إن جدكم مبيعديش أي حاجة مترضيهوش بسهولة مِن غير ما تتصلّح مش كدا ولا إيه؟.
تبادل الحفيدين نظرة هادئة دون أن يجر’ؤ أحدهم على التفوه بحرفٍ واحدٍ، فجدهم كان كتابًا مفتوحًا أمام أعينهم منذ طفولتهم، يعلمون ما يتغاضىٰ عنهُ وما لا يعفو فيه، أخرج “ليل” الحفيد تنهيدة طويلة وعميقة ثمّ قال بنبرةٍ باردة:
_قول عقا’بك يا جدي بدون مقدمات، أنا خدت على كدا مِن زمان الموضوع مش جديد عليّا.
شملهم بنظرةٍ سريعة قبل أن يُلقـ.ـي بكلماته الصا’رمة، وكأنه يبحث عن ثغـ.ـرة صغيرة تُطمئن قلبه بأن حفيديه لم يجر’ؤا على هد’م ما قام ببناءه لسنون طويلة، ولكن الأمر لم يكُن بتلك اللامبالاة التي يتعامل بها ابن عمّته، كان يشعُر بجده الذي يخشى أن يُخذ’ل مِنهما بعد هذا العُمر الطويل ولذلك قلّـ.ـص المسافة الفاصلة بينهما وجلس أمامه القرفصاء، مدّ كفه الدا’فئ واحتضن كف جده البارد..
كانت برودته ناتجةً عن خو’فه المستمر وكو’ابيسه السو’د’اء التي لا تنتهي ولا تر’حم عقله ليلًا، نظر في عيناه وقال بنبرةٍ هادئة يشوبها الحكمة كما أعتاد في مثل هذه اللحظات الحسا’سة:
_أنا عارف إنك خا’يف علينا يا جدي، وعارف إنك برضوا خا’يف إن كُلّ اللي بنيته فسنين يتهـ.ـد’م فثواني، وحقك تكون خا’يف اللي حصل بينا مكانش سهل، بس يا جدي عايز أفهمك إن مش على طول العلا’قة بين أي إتنين بتكون كويسة دايمًا، العلا’قة لو كُلّها حلوة ولطيفة ومليانة فرح هتحس بالمـ.ـلل، فعشان كدا في مصطلح أسمه المشا’كل مُنا’فس لمشاعر حلوة عشان الإنسان ميحسش إن كُلّ حاجة دايمًا حلوة والعكس..
ألتفت برأسه ينظر إلى ابن عمّته الذي كان يلتزم مكانه يُظهر بروده ولا مُبالاته كما أعتاد عليه، ثمّ نظر مِن جديد إلى جده وشـ.ـدّ برفقٍ فوق كفه وقال:
_الخنا’قة اللي دارت بنا دي يا جدي كانت غـ.ـلطتي أنا مِن الأول ولو هتلو’م حد فلو’مني أنا، المرَّة دي “ليل” ملهوش ذ’نب، عا’قبني أنا يا جدي وصدقني أنا راضي، أنا اللي غـ.ـلطت لمَ قعدت طول السنين دي بندو’س على جرو’حه وإحنا مش حاسين، هو منفجـ.ـرش غير لمَ أنا دو’ست عليه ودا حقه، هو كا’تم جوّه كتير أوي ومش قادر يخرّجه عشان هو مش بيعرف يعبّر عن مشاعره زينا، اللي هتقول عليه أنا هرضى بيه ومش هعا’رضك نهائي.
برغم تو’تر الأجواء بينهما مازال الفتى يُدا’فع ويقف في وجه الصعا’ب لأجل رفيق الدرب، حتى وإن تكا’لبت همو’م الدنيا فوقهم، نظر “ليل” الجد إلى حفيده الأكبر أولًا وكأنه يترقّب ردًا يعلم أنَّهُ لن يتلقّاه، ولكنهُ يملُك أملًا ولو بسيطًا يشـ.ـق ظلا’م قلبه المتحجـ.ـر، ولكن إن كُنت تظن بأنك قد تمـ.ـلُك القدرة على إحكا’م قلبك فستكون مغفـ.ـلًا كبيرًا..
لمعت عيناه بالفرحة والليـ.ـن حينما رأى رفيق دربه يطلب مِن جده معا’قبته هو فقط والعفو عنهُ، هذا لم يكُن مستحيـ.ـلًا بالنسبةِ لهُ فهو يعلم جيدًا بأنه لن يغفر لنفسُه ما دام على خـ.ـطأٍ منذ البداية، بينما نظر الجد إلى “حُذيفة” مِن جديد يرى في عيناه رجاءً لا يُخفـ.ـى، أخرج تنهيدة طويلة وأشار بالجلوس لحفيده الأكبر دون أن يتحدث، فهذا يعني بأن الحديث سيطول..
شـ.ـدّ “حُذيفة” مقعدًا صغيرًا وجلس مكانه دون أن يُفـ.ـلت كف جده، وترقّب ما سيقوله فمهمًا قال فسيكون سيـ.ـفًا فوق نحـ.ـرهم، تحدث بنبرةٍ هادئة بعد أن قرر أن يخلط قسو’ته ولينه حتى لا يتكرر هذا الفعل داخل عائلته مجددًا:
_أسمعوا أنتوا الاتنين كويس أوي اللي هيتقال دا، عشان لو قولته مرَّة مش هعيده تاني، اللي حصل بينكم دا يمين بالله العلي العظيم لو إتكرر تاني مش هتعتبوا عتبة القصر دا، معنديش أوبشن المُعا’يرة بين أي طرفين مهمًا كانوا مين، وأنتم بالذات مبشوفكمش ولاد عمّة أو خال، أنتم إخوات، ودا مبيحصلش بينهم إلّا ودخل تالتهم شيـ.ـطان، اللي حصل دا أصّـ.ـر على ولدين صغيرين أتشخصوا تحت بند الاكتئا’ب … فاهمين يعني إيه اللي بيتقال دا؟
نظر “ليل” الحفيد إلى رفيقه الذي أخفض رأسه بخجـ.ـلٍ أبى إظهاره أمام جده، وكأن كلماته سـ.ـقطت كصفـ.ـعة قو’ية عليهما، فكيف هم أول مَن يخشون على صغارهم بلحظة يكونا أول مَن يتسببا في إيذ’اءهم، أبتلـ.ـع “حُذيفة” غصَّته بهدوءٍ تام وقال بنبرةٍ هادئة للغاية:
_فاهم يا جدي، وأنا أقسم بالله ما كُنت أعرف إنهم واقفين بيسمعونا، كُلّ حاجة حصلت بسُرعة ولحد ما حضرتك جيت شايلهم بالمنظر دا فحُضنك أقسم بالله مرَّة كمان ما حسيت بنفسي غير فلحظتها، وأنا قاعد قدامك بجد مش عارف أتكلم ومعنديش كلام أقوله، لأني مش مستوعب اللي حصل، بس أنا حاولت أصلّـ.ـح الدُنيا.
مال “ليل” الجد للأمام بنصفه العلو’ي وعيناه لم تُفا’رق خاصته، يُحاول إختر’اقه بكُلّ الطرق الممكنة، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ حا’دة متخذًا قراره الصا’رم:
_طب أسمعوني أنتم الاتنين كويس أوي عشان لو فاكرينها هتعدي بكلمتين والسلام تكونوا إتغا’بيتوا، مفيش أي نقاش يتقال بعد اللي هيتقال عشان معنديش جِد’ال كتير، أولًا هتتولوا مُهـ.ـمة إدارية فالشركة تحت رقا’بتي أنا شخصيًا مِن أسبوعين لشهر، مفيش أي مُهـ.ـمة هتمسكوها فالمُدة دي نهائي وهوكل “مينا” يسـ.ـد مكانك يا “ليل” و “شهـاب” هيسـ.ـد مكان “حُذيفة”، ثانيًا تقعدوا مع الولدين وتعتذرولهم وتتكلموا معاهم، إمحـ.ـوا مِن د’ماغهم أي فكرة سـ.ـلبية خدوها عنكم بأي طريقة، اللي يهمني النتيجة فالآخر ميهمنيش الفعل أتصرفوا مع بعض اللي يخصني إن اللي حصل دا عايزُه يتمحـ.ـي كأنه محصلش جوّه بيتي..
رفع رأسه ونظر إلى حفيده الأكبر أولًا ووجّه حديثه إليه قائلًا بنبرةٍ جادة:
_زمان لمَ رَ’بيت أمك، ر’بيتها على الحُبّ والاحترام، حتى لو اللي قدامها قليل الأد’ب متر’باش متبقاش هي زيُّه، متنزلش لمستواه لأي سبب مِن الأسباب حتى لو شـ.ـتمها بيّا، عشان علّمتها عدم رد الإسا’ءة بالإسا’ءة، خالتك “بيسان” زمان إخواتها مكانوش بيحبوها، الأربع رجا’لة وأمك الوحيدة اللي كانت بتحتويها، واللي كان بيهون عليها وقريب مِنها كان أبوك، هو اللي بيقف فوش ولادي الأربعة يصر’خ فيهم ويقولهم دي أختكم الصغيرة مش واحدة جَـ.ـت مِن الشارع، ولمَ ربنا أبتلا’ها وغابت عن البيت حسّوا بقيمتها، مر’ضها ضر’بهم … ربنا إداهم درس عُمرهم وأنا عجـ.ـزت ساعتها لأول مرَّة فحياتي..
_تخيّل أبنك بيكـ.ـره أخته، هتعمل إيه وقتها؟ هتسيبه لحد ما البيت يتخر’ب ولا هتد’وس عليه عشان يتر’بى؟ على فكرة الكلام دا درس ليكم أنتوا الاتنين مش واحد آه والتاني لأ، أنا شوفت المُـ.ـر عشان العيلة دي تتجمّع تاني، أبويا زمان عمل نفس الغـ.ـلطة ومكانش بيحبني وشايفني ابن عا’ق، وكان جدكم “أشرف” الكُلّ فالكُلّ عنده لدرجة إني كُنت بتقهـ.ـر مِن جوّايا بس باين إني با’رد مِن برّه مبتأ’ثرش، زي ما أنتَ بتعمل دلوقتي “ليل”، وبعد ما تو’فاه الله و “أشرف” أختفـ.ـى سنين أنا اللي شـ.ـيلت كُلّ حاجة، تخيّل إنك عندك ٢١ سنة معندكش أي خبرة لسه تدرس وتشتغل وتخلّي بالك مِن اُمك وتعلم أختك وتاخد بالك مِنها وتر’بي شا’بين فسن مر’اهقة، شعورك إيه وأنتَ كُلّ حاجة بتها’جمك وأنتَ مُجبـ.ـر تد’افع..
رفع نفسُه بهدوءٍ واسند ظهره على مقعده وأكمل حديثه قائلًا:
_الحياة مش سهلة ولازم نستحمل بعض ونحسّ ببعض ونشـ.ـيل بعض ونحب بعض، أنتم أخوات الناس كُلّها عارفة طالما “ليل” حضر ورا على طول فضهره “حُذيفة”، دي الحقيقة بتاعتكم متبو’ظوش الصورة دي مهما حصل، واحد كتو’م ومبيعرفش يحب ويعبّر عن مشاعره مش عيـ.ـب، المهم إن دا بيظهر فأفعاله، الناس بتحب الأفعال مش الكلام وقليل أوي اللي بيتخذ الفعل … أتمنى كلامي يكون جاب معاكم نتيجة، واللي حصل دا بالنسبة لي صفحة وإتحر’قت ملهاش وجود، إتصا’فيتوا يبقى تروحوا زي البشوات تقعدوا مع الولدين وتتكلموا معاهم، أتفضلوا يلّا أنا كلامي خلص.
ساد صمتًا مهـ.ـيبًا بعد أن أنهى الجد حديثه الصا’رم الذي استغرق رُبع ساعة كاملة، التو’تر كان يُسيطـ.ـر على الغرفة؛ وكأن صدى كلماته مازال يتردد في أركانها، نهض “حُذيفة” ومال تجاه جده يُلثم رأسه وكفه وكأنه يعتذر إليه دون أن يقول، اقترب “ليل” الحفيد وفعل المثل ثمّ خرج مِن الغرفة ومعهُ ابن خاله بهدوءٍ تام تحت عينان “ليل” الذي تابعهما دون أن يتفوّه بحرفٍ آخر، متمنيًا أن يُنفـ.ـذا حديثه كما طلب.
_______________________________
<“مُلتقىٰ الأحِبَّة وإن فصـ.ـلتهم ألف طريق.”>
في صبيحة اليوم الموالي..
دقت الساعة الثانية والنصف ظهرًا، كانت السماء مكد’سةً بسُحبٍ رما’دية، الهواء قا’رص وكأن برودته تُراهن د’فء قلوب العشا’ق، الأرض مبللةً ورائحة الطيـ.ـن تفوح في الهواء، نا’فسها رائحة الطعام السا’خن المطبوخ بالحُبّ، تغلغـ.ـلت ضحكات عالية في المكان وأحاديث أُخرى جانبية تُلقـ.ـى، وكأن الأحباب عفو عن قلوب مُحبينهم..
مائدة خـ.ـشبية متوسطة الحجم ضمّت الخمس شبا’ب معًا، أمامهم العديد مِن الصحون والعديد مِن أصناف الطعام المختلفة، كُلّ واحدة تضع صحنًا مختلفًا أمام ولدها وكأنهن يُطعمن أطفالًا صغار، وضعت “نوران” صحن ورق العنب المحشي أمام “وهيب” و “مُهاب” ثمّ قالت بوجهٍ مبتسمٍ ونبرةٍ حنونة:
_بألف هنا على قلوبكم يا حبايبي، يلّا عايزاكم تدوقوا وتقولولي رأيكم بصراحة، قولت تجرّبوا أكلي المرَّة دي بقى المرتين اللي فاتوا كانوا لـ “فرح” و “چود”، مش هقبل مُجا’ملات.
رفع “وهيب” رأسه ونظر إليها مبتسمًا ثمّ قال:
_بُصي هو بدون مُجا’ملات واللهِ مِن قبل ما أدوق شكلُه تُحفة.
نظرت إليه ثمّ رفعت حاجبها وكأن حديثه لم يروق لها لتقول:
_أنا لسه بقول مش هقبل مُجا’ملات يا “وهيب”.
اتسعت أبتسامة “وهيب” أكثر ورفع كفه مشيرًا لها بالانتظار قائلًا:
_طب ثواني طيب أسمعيني هكمل كلامي.
هزّت رأسها برفقٍ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_أتفضل كمل كلامك.
أكمل “وهيب” حديثه بالفعل وقال بنبرةٍ هادئة:
_شكل الطبق لوحده بيعبّر عن نفسُه، دا تكتيك مش كتير يعرفه، شكل الطبق نفسُه مُهـ.ـم يا اُم “يزيد” والطبق بسم الله ما شاء الله يفتـ.ـح النِفس كفاية ريحته.
لم تستطع “نوران” أن تُنكـ.ـر إعجابها بكلماته ولذلك ابتسمت وقالت بنبرةٍ هادئة:
_لا خلاص أقتنعت بكلامك، بالهنا والشفا على قلبك يا حبيبي.
نظر “يزيد” إلى والدته وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_تسلم إيدك يا سِـ.ـت الكُلّ، وحشني أكلك أوي أقسم بالله.
ربّتت “نوران” فوق كتفه بحنوٍ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_بألف هنا على قلبك يا حبيب قلبي.
جاورت “نوران” كُلًّا مِن “فرح” و “چود” ينظرن بحنوٍ إليهم يَرونهم يأكلون بنهمٍ وكأنهم يتذوّقون الطعام لمرَّتهم الأولى، رفع “يزيد” نظره إلى “روان” التي عادت لهم بعد أن أنهت حديثها مع أخيها الأكبر، شـ.ـدّ المقعد نحوه ثمّ أشار لها وقال بنبرةٍ خافتة:
_أقعدي شاركيني بقالنا كتير مكالناش مع بعض.
جلست دون أن تُعا’رض وهي تبتسم، نظرت لهُ وهمست إليه بعد أن قررت مشا’كسته قائلة:
_على فكرة كدا كدا كُنت هقعد وأشاركك، عايزني أسيبك لوحدك مع أكل “نوران”؟ أنسى.
ضحك بخفوتٍ وأشرق وجهه بعد أن عادت الأميرة تُجالس أميرها وتشاركه لحظاتًا سعيدة خاصة بينهما، نظر في عيناها وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_أنا أستنيت اليوم دا بفارغ الصبر واللهِ العظيم، ما صدقت كُنت محتاج أرجع أقعد معاكي ونتكلم سوا زي ما كُنا بنعمل على طول، وأهي الفرصة جَت لحد عندي أستغـ.ـلها بقى ولا مستغـ.ـلهاش؟.
ضحكت هي تلك المرَّة ثمّ هزّت رأسها برفقٍ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_حقك تستغـ.ـلها، وبصراحة أنا كمان مصدقت مِن ساعة ما مشيت وأنا بجد زهقا’نة.
ترك الطاولة والطعام وكأنه أضحى لا يعنيه في وجودها، انصبّ بتركيزه عليها وقال بنبرةٍ هادئة:
_أحكيلي بقى كُلّ حاجة، بس أول حاجة عايز أطمن عليها المرسم بتاعي.
نظرت إليه كمَن د’مّر أحلامها الور’دية قبل أن تعيشها، فكانت ستبدأ الحديث بمنزل أحلامهم ولكنهُ قرّر أن يبدأ بمرسمه ولوحاته الفنيَّة التي تركها مُجبـ.ـرًا لأجل الإلتحا’ق بالجيـ.ـش، أخرجت تنهيدة قصيرة ثمّ قالت بسخريةٍ واضحةٍ:
_وأنا اللي فكرتك هتسأل عن الشقة، أتاري المرسم طلع أهم مِنها.
نفىٰ سريعًا كلماتها وسارع لإصلا’ح الأمر بقوله المتلهف:
_واللهِ ما أقصد أنتِ فهمتيني غـ.ـلط..
بَتَـ.ـر حديثه فجأةً وبسرعةٍ شمل الجميع بنظرةٍ متفحـ.ـصة، وكأنه يتأكد بأن لا أحد يُنصت لهذا السر الخطيـ.ـر الذي سيبوح عنهُ، نظر إليها مِن جديد واسند ذراعه الأيسر فوق الطاولة الخـ.ـشبية وقال بنبرةٍ هادئة يشوبها الحُبّ:
_شقتنا دي أنا مستني اليوم اللي تخلـ.ـص فيه وتبقى واقفة على وجودنا فيها، دا هو بيت أحلامي اللي كُنت بحلم بيه، يبقى مليان د’فا وراحة وأ’مان، مع البنـ.ـت اللي قلبي إختارها برضاه، وفالمستقبل يتملي بصوت صغير مبيسكوتش طول الوقت إلّا وقت النوم، بعدها ييجي المرسم، ودا هيكون فالمرتبة التانية بعد الجواز إنما دلوقتي هو فالمرتبة الأولى عشان بيحتويني فأي حالة أنا عليها، إنما أنتِ بقى غير … ومش هز’علك يا سِـ.ـتي إبدأي بالشقة.
لم تستطع “روان” كبـ.ـح ابتسامتها طويلًا أمامه بعد أن أستمعت لتلك الكلمات وتلك النبرة الهادئة التي يشوبها حُبّ ر’جُلٍ صادقٍ، لمعت عيناها ببريقٍ مِن الحُبّ الذي يكبُر داخلها كُلّ يومٍ وقالت بنبرةٍ مماثلة:
_أقولك على حاجة؟ كُلّ يوم بقعد مع نفسي قبل ما أنام وأتخيّل حياتنا سوا هتكون عامله أزاي، عارف إحساس إنك خدت حد بتحبه ولحد ما تكون معاه بتقعد تفكّر حياتهم هتكون عامله أزاي بعد كدا، هل الحُبّ دا هيفضل زي ما هو ويكبر مع الوقت ولا هييجي فيوم ويختفـ.ـي، نفسي حياتنا تفضل حلوة على طول صحيح مفيش حد حياته مفيهاش مشا’كل بس إحنا هنكون فعلًا قاد’رين نتخـ.ـطاها مع بعض ونعدي لبعض عشان حياتنا متقفش وحُبنا يفضل حـ.ـي، ولا فلحظة كُلّ حاجة ممكن تتغيّر، بس أنا مبفكرش فأي حاجة و’حشة كُلّ اللي بقعد أفكّر فيه الحلو بس، طب أقولك على حاجة؟..
هزّ رأسه برفقٍ مبتسمًا دون أن ينبُث بحرفٍ واحدٍ، يمنحها أطول وقتٍ ممكنٍ لتتحدث ويُصبح هو الطر’ف الشغوف المستمع، أعادت هي خصلة شا’ردة خلف أُذنها وقالت ضاحكة:
_إمبارح كُنت سهرانة مع “ليل”، مكانش عارف ينام ولا أنا فجه قعد معايا وقعدنا نتكلم مع بعض كتير أوي لحد الصبح، فجه حوار الشقة وكان مضا’يق لأني هسيب القصر بعد الجواز وهستقل فحبيت أر’خم عليه وقتها وقولتله بعد الجواز أنا هصحى الصبح بدري عشان أعمله كيكة الفراولة، عايزة أقولك أتجـ.ـنن أول ما سمع الكلمة دي حرفيًا أنا فضلت أضحك.
أنهت حديثها وهي تضحك بعد أن تذكّرت مظهر أخيها، بينما اتسعت أبتسامة “يزيد” وتنغض جبينه قائلًا بتساؤلٍ:
_أشمعنى يعني؟.
_عشان هو أتعود إنُه ياكُلها مِن إيدي ولمَ عملتها أول مرَّة كانت عشانه، كان مضا’يق أوي لمَ الشقة ولّـ.ـعت وأنا حبيت أعمل حاجة تفرَّحُه شويَّة فعملتهاله وزوقتها ولا كأنها كيكة ڤلانتين وفاجئته بيها عجبته جدًا و “طه” طالبني بيها فعيد ميلاده وطبعًا بابا وماما أشادوا بيها فبقت علامة مُميّزة مِني ليهم، فلما قولتله إني هعملهالك الصبح أضا’يق وقعد يقولي مبحبش حد يشاركني فحاجة بحبها كفاية إنُه هياخدك مِني وهتبعدي عني كمان هيشاركني فالكيكة كدا كتير.
ضحك “يزيد” حينها بصدقٍ بعد أن خُيِّل لهُ المشهد لتشاركه الضحك وكأنه يُعاد مِن جديد أمامها، نظر إليها مبتسمًا ثمّ قال بنبرةٍ ضاحكة:
_أنا نفسي أعرف هو ليه حاطط نِقـ.ـره مِن نِقـ.ـري بجد، برضوا عمل معايا نفس الحوار ساعة الشقة و “حُذيفة” هو اللي إتصدرله وقتها، قوليله “يزيد” بيقولك خلّي عندك د’م وحسّ بغيرك.
مدّت يَدها وتناولت قطعة ورق عنب تتذوّقها بنهمٍ وكأنها لم تتذوّقه لمرَّتها الأولى، أشارت إليه قائلة:
_ورق العنب بتاع خالتو “نوران” دا خطـ.ـير، لازم يكون موجود فالعشا مش هتناز’ل عنُه خالص.
اتسعت بسمتُه وشاركها تناول الطعام موافقًا على حديثها، مدّ يَده لها بقطعة الدجاج وهو يتبادل معها الحديث عن منزلهما، تشاركه صورها بعد أن بدأت تُجهّز وكان هو يُعطيها رأيَّه بصراحةٍ شـ.ـديدةٍ ويُلقـ.ـي بملاحظاته ويتناقش معها، وفي حضرتها ينسىٰ العالم بمَن فيه.
_______________________________
<“تمُر الأيام فُرادة، وتسر’ق العُمر معها.”>
مرّ شهرٌ آخر وتسر’ق الأيام شبا’ب المرء..
عاد الضـ.ـجيج لبيت العائلة وكأنه لا يستطيع أن يُفا’رق عزيزًا عليه، صيـ.ـحات الصغار تعلو بالضحكات الرنا’نة، ويُنا’فسها صر’خات الكبار واعترا’ضاتهم على أفعال صغارهم..
ولج إليهم “عُمير” رافعًا صغيرته “أُمَيمة” في الهو’اء كعصفورٍ صغيرٍ يُحلِّق في السماء، بسمتُه ترتسم باتساعٍ فوق فمه، خيو’ط أشعة الشمس الذهبية سـ.ـقطت فوق وجهه تُبرز لمعة عيناه البُنـ.ـيّة، اقترب مِنهم وأنزل صغيرته ضاحكًا بعد أن بدأت تصر’خ بغضـ.ـبٍ وكأنها تعتر’ض على هذا الفعل، لثم وجنتها الصغيرة بحنوٍ ثمّ ضمّها لصدره وقال بنبرةٍ هادئة:
_على فكرة أنا دراعي و’جعني بقالي رُبع ساعة را’فعك كدا كتير يعني.
نظرت إليه “أُمَيمة” لثوانٍ معدودة، وكأنها تستشعر شعورًا مقـ.ـيتًا تجاهها مِن والدها، ولم تلبس طويلًا حتى ترقرق الدمع في عيناها الو’اسعة وبدأت وتيرة أنفا’سها تضطـ.ـرب، سـ.ـقطت عبراتها وبكت بحُـ.ـرقة وكأنه عبّر عن كُر’هه وبغـ.ـته لها، تحدث “أحمد” موجّهًا حديثه إليه قائلًا بنبرةٍ غير راضية:
_إيه يا “عُمير”، إيه يا عد’يم المشاعر حد يز’عّل القمر دا ويعيّطه بالمنظر دا، إخـص عليك بجد.
نظر لهُ مذهولًا بعد أن رآه يلو’مه، فلم يهتم لذراعه الذي خُد’ل قدر أهتمامه ببُكاء الصغيرة، ضغـ.ـط على أسنانه بغيـ.ـظٍ وقال بنبرةٍ مكتو’مة:
_ودراع أهلي اللي إتخد’ل دا نظامه إيه معاك مش جاي معاك سكة؟ أنا را’فعها بقالي رُبع ساعة وهي إستحلت الموضوع وخدت على الر’فعة دي.
وقبل أن يأتي قول أحدٍ مِنهم أزداد بُكاء الصغيرة التي اسندت رأسها على صدره، وكأنها تعمّـ.ـدت أن تضر’ب أعمق نقطة بهِ، نظر إليها مذهولًا وعقله لم يستوعب كيف للأمر أن ينقـ.ـلب ضـ.ـده في غمضة عين، اقتربت “غدير” مِنْهُ تر’شقه بنظرةٍ غير راضية، وقبل أن تمُد ذراعيها لتأخذها مـ.ـنعها هو وشـ.ـدّ مِن ضمّته لها وقال:
_سيبيها مش هسيبها وهي ز’علانة مِني.
عاد للخلف خطوتين وربّت بحنوٍ فوق ظهر صغيرته وأبتعد عنهم دون أن ينظر لأحدهم، أبتسم “ليل” الجد وهزّ رأسه بقلة حيلة ثمّ قال ضاحكًا:
_شوف يا أخي، سُبحان الله البنـ.ـت برضوا نقطة ضـ.ـعف، ز’علت يبقى النكـ.ـد عم عالكُلّ وهو مِن ٥ دقايق قعد يقول دراعي و’جعني وكفاية وصَـ.ـدرلها الوش الخـ.ـشب قامت منـ.ـكدة عليه ومحسساه بالذ’نب.
_أ’نثى ما’كرة فهيئة طفلة صغيرة أقسم بالله.
هكذا عقّب “مُعاذ” على كلمات أبيه مبتسمًا وهو ينظر إلى “عُمير” الذي كان يُجاهـ.ـد لمصالحة صغيرته، وعلى ذِكره؛ كان يجوب في غرفةٍ صغيرةٍ جيئة وذهابًا، يهزّها برفقٍ ويُربّت فوق ظهرها ويُتمتم لها بكلماتٍ حنونة خافتة، وفي المُقابل كانت تأبى هي الاستسلا’م لهُ بسهولة، فقد جر’ح قلبها الصغير والآن جاء معتذرًا وكأنها ستعفو في الحال..
أغمض عيناه بأ’لمٍ حينما رأى عبراتها الصغيرة تتسا’قط كالمطر الذي يروي أرضًا عطـ.ـشة، د’فئها أشعـ.ـل النا’ر بشكلٍ جـ.ـنوني في صدره، واهتـ.ـزاز جسـ.ـدها الصغير كأنه أحدث زلز’الًا مد’مرًا داخله، وبُكاءها آلا’م قلبه بشكلٍ لم يستطع تحمُـ.ـله ولذلك ر’فعها مجددًا ونظر في وجهها الباكي ثمّ قرّبها مِنْهُ ولثم وجنتها المبتـ.ـلة وهمس لها قائلًا:
_حقك عليّا يا “أُمَيمتي”، واللهِ ما قصدت أز’علك.
رفع كفه ومسح عبراتها بحنوٍ عن وجنتيها ثمّ أغدقها بسيلٍ مِن القُبلات الصغيرة عليهما، ولم يكتفي بها فقط بل بدأ يُدندن بكلمات موسيقتها المفضّلة ويغمُرها بحُبّه فقط ليرَ ضحكة صغيرة صا’دقة نا’بعة مِن قلبها، فيما كان “شهـاب” يقف على مسافة وجيزة مِنْهُ، يرفع هاتفه ويقوم بتصويره مقطع فيديو بعد أن شـ.ـدّه أسلوبه وسعـ.ـيُه في إرضاءها مبتسمًا..
في تلك الآونة كان “ليل” الجد يجلس بين أولاده وأحفاده مندمجًا في هاتفه، كان يتصفح إحدى التطبيقات الشهيرة، وبلحظة رفع رأسه ونظر إلى حفيده “حُذيفة” بعد أن تذكّر أمره وقال بنبرةٍ هادئة:
_إلّا صحيح يا “حُذيفة” أنتَ مش ظاهر يعني عالفيس اليومين دول، خدت على ظهورك دايمًا المحتوى خلص ولا إيه؟.
نظر إليه “حُذيفة” الذي ضمّ “عدنان” لصدره وقال مبتسمًا:
_لأ خالص، الموضوع كُلّه إن اليومين اللي فاتوا دول مكانوش أحسن حاجة، بس أكيد هظهر تاني.
هزّ “ليل” الجد رأسه برفقٍ مستحسنًا رأيه ثمّ عاد يندمج مِن جديد لبضع دقائق حتى توقّف فجأةً أمام إحدى المنشورات التي جذ’بت إنتباهه بشكلٍ ملحوظ، صفحة شخصية لشخصٍ يمـ.ـقته منذ زمنٍ، “غالب الدهشان” ابن خال زوجته كان ناشرًا صورته على الموقع، يقف في حديقة مُزدهرة بالزهور الملوّ’نة، السماء ملبدة بالغيوم الرما’دية، والأرض العشبية يعلوها بساطًا أحمـ.ـر اللو’ن مزر’كش بالخيوط الذهبية..
و “غالب” يقف بشموخٍ قاتـ.ـل، مرتديًا بنطالًا مِن الچينز الأسو’د يعلوه كنزة شتوية باللو’ن الرما’دي الغا’مق، ومعطفًا أسو’د أعطاه هيبته الكاملة، بشرته بيـ.ـضاء كالخاصة بزوجته وعيناه رما’دية بهما لمعةً مِن الصر’امة التي لا تنفـ.ـك عنهُ، بعض خصلا’ته تغلغـ.ـلها الشـ.ـيب وكذلك لحيـ.ـته الخفيفة التي أعطته حقه في الوسامة، عيناه حا’دة كالسيـ.ـف وكأنها لا تُقهـ.ـر، طويل القامة ذو هيبة كبيرة؛ ر’جُلٌ خمسيني يصغره بسنواتٍ قليلة..
صورته حظت على العديد مِن التفاعلات والتعليقات التي لا تُعّد، ولكن لا شيء قد جعل النير’ان تحر’ق صدره وتُشعـ.ـل فتـ.ـيلة غـ.ـضبه سِوى تفاعُل زوجته على صورته برمز القلب، تنغض جبينه ولمعت عيناه بغيرةٍ لم يستطع إخفا’ءها، فيعلم بأنها لا تتفاعل مع أيُ ر’جُلٍ مِن أفراد عائلتها، ولكن تلك المرَّة قد فعلت دون سببٍ وجيه، حاول لجـ.ـم غضـ.ـبه بقدر استطاعته حتى لا يُفضـ.ـح أمامهم جميعًا..
رفع عيناه ونظر إلى أبنته الصغيرة التي كانت تُنصت إلى “قاسم” باهتمامٍ شـ.ـديدٍ وكأنها متحـ.ـفزةً لسماع نهاية القصة، ولكنهُ أفسـ.ـد تلك اللحظة عليها منتصـ.ـبًا في وقفته بقوله الجا’مد:
_”بيسان” عايزك ثواني.
تركهم وأبتعد بخطى جا’مدة وجسـ.ـدٍ مشد’ودٍ، عيناه حا’دة كذ’ئبٍ أُخِذَت فر’يسته مِنْهُ بالقو’ة، لَحِقَت بهِ سريعًا ووقفت خلفه قائلةً:
_خير يا بابا محتاج حاجة مِني؟.
ألتفت إليها “ليل” ولم يُكلف نفسُه لإخفا’ء ذلك عنها، نظر في عيناها وأشهر الهاتف بوجهها قائلًا بحـ.ـدةٍ:
_إيه اللي أُمك عاملاه دا ..!!.
نظرت هي إلى الهاتف لتجد صورة ر’جُلٍ جذ’ابًا بشـ.ـدة، ر’جُلٍ بمثابة فتى أحلام السيـ.ـدات بلا شـ.ـك، لم تعلم أين تكمُن المشـ.ـكلة حتى سـ.ـقطت عيناها على إسم والدتها في الأسفل مِن ضمن المتفاعلين بصورته، جحـ.ـظت عيناها قليلًا وقد جـ.ـفّ حلقها بعد أن عَلِمَت سبب غضـ.ـب أبيها، نظرت لهُ مِن جديد ونَفَـ.ـت معرفتها بالأمر بهزّة صغيرة مِن رأسها، فيما أنزل هو الهاتف وقال بنبرةٍ يشوبها الغيرة:
_تطلعي حالًا تخلّيها تشـ.ـيله مفهوم.
هزّت رأسها برفقٍ كموافقة صامتة على أمره وهي تُجاهـ.ـد لكبح ابتسامتها عنهُ، تركته واتجهت إلى غرفة والدتها في الأ’على وبتلك اللحظة اتسعت البسمةُ فوق فمها باتسا’عٍ وقد كـ.ـتمت ضحكتها بوضع كفها سريعًا فوق فمها حتى لا يسمعها، فلأول مرَّةٍ ترى غيرة أبيها على أُمها بتلك الطريقة..
ولجت إلى الغرفة بعد أن سمحت لها والدتها لتراها تجلس فوق المقعد المجاور للشُرفة والهاتف بيَدها تعـ.ـبث بهِ بتركيزٍ، اقتربت مِنها وجلست فوق طر’ف الطاولة الصغيرة أمامها وقالت بنبرةٍ هادئة:
_بابا اللي باعتني ليكي على فكرة.
رفعت “روز” عيناها لها وتنغض جبينها بعد أن أستمعت إلى كلمات أبنتها، بينما أكملت “بيسان” حديثها بابتسامة واسعة:
_بابا ظهرله بوست لواحد أسمُه “غالب الدهشان” ولقاكي عملاله لاڤ على صورته، مضا’يق جدًا والغيرة بتا’كُل فيه أكل فبيقولك إلـ.ـغيه دلوقتي.
رفعت “روز” حاجبها وابتسمت بزاوية فمها وعادت تنظر إلى هاتفها قائلةً:
_دا المتوقع مِن أبوكي، كدا كدا كُنت هلغـ.ـيه أنا مبطـ.ـيقهوش أساسًا بس قولت أضا’يقه زي ما ضا’يقني.
ذُهلت “بيسان” التي لم تُصدق ما تسمعه لتضحك بصخـ.ـبٍ على أفعا’ل والديها وبسرعةٍ وضعت كفيها فوق فمها حتى لا يسمعها “سيـف” ويُقيم الحـ.ـد عليها، مسحت فوق خصلا’تها للخلف وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_أنتِ بتتكلمي جد يا ماما؟ أنتوا بجد بضا’يقوا بعض كدا، دا هو على أخرُه تحت شكله مبيحبش الرا’جل دا، هو أينعم شكله أصغر مِن بابا بسنتين تلاتة كدا بس بصراحة شكله عسول وچنتل مان كدا حاجة هيبة، إلّا صحيح مين دا بقى؟.
أخرجت “روز” تنهيدة عميقة ثمّ أغلقت هاتفها ونظرت لها قائلة:
_خلّيه غيران كدا، عشان يبقى يضحك حلو أوي مع رئيسة مجلس إدارة الشركة اللي عايزة تدخل معاه صفقة، كُلّ ما تقول كلمة يبتسملها ويكلمها بنبرة مكلمنيش أنا بيها قبل كدا، خلّيه كدا عشان يحسّ باللي بحسّ بيه ساعتها، ودا يبقى ابن خالي كان بيحبني زمان أيام الثانوي والجامعة، بس أنا مكُنتش بحبُه كان بيسافر برّه يشتغل وينزل إجازة لمصر.
لمعت عينان “بيسان” التي اتسعت بسمتُها ود’فعها فضولها لمعرفة المزيد عنهُ قائلة:
_الله يعني الرا’جل يا “روز” مقيم برّه وبينزل أجازات وبيحبك ويتمنالك الرضا ترضي وعسول وأنتِ متحبيهوش، أزاي يعني؟.
نظرت لها “روز” قليلًا ثمّ ابتسمت بخفةٍ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_الجمال مش مقياس للحُبّ يا “بيسان”، العسول اللي عاجبك دا يا حبيبتي شخص بيفر’ض سيطـ.ـرته، يقولك أعملي يبقى تعملي لأ يبقى لأ، ولو وافقت وكُنت حبيته وأتجوزته كان وراني المُـ.ـر كُلّه، دا يا حبيبتي مُتمـ.ـلك لو حب واحدة عايزها تفضل لِيه هو طول الوقت، متتعاملش مع رجا’لة حتى لو أخواتها ويبقى عنده علم أنا بكلم مين وبقول إيه، دا واحد مهو’وس وأنا مستحيـ.ـل كُنت هوافق عليه بأي شكل، أينعم أبوكي بيغير بس عا’قل، وكدا أو كدا أنا كُنت هختار “ليل”، أينعم أفعاله بضا’يقني وبتخلّيني عايزة أمو”ته بس برضوا بحبُه.
صفّقت “بيسان” بمرحٍ وهي تصـ.ـيح بقولها الما’كر:
_الله عليكي يا “روز” يا جا’مدة، القلب يحب مرَّة ميحبش تاني، وبعدين هو سيادة اللوا ييجي إيه جنبه دا حتى قمور وحلو وبر”قبته، على الأقل هيتقال عليكي مرات سيادة اللوا ور’جُل الأعمال “ليل سالم الدمنهوري” على سِـ.ـن ورُ’مح، بس رأيك إيه بقى لو قولتلك تسيبي بابا وتتجوزي “غالب”؟.
وفي تلك اللحظة ولج “ليل” الجد فجأةً بالتزامن مع قولها بأن تتركه والدتها وتتزوج بهذا الر’جُل، انتفـ.ـضت “بيسان” في جلستها وهـ.ـبت واقفة تنظر إلى عيناه التي كانت محتـ.ـقنة، ابتـ.ـلعت “بيسان” غصَّتها بتروٍ وابتسمت بتو’ترٍ بعد أن أيقنت بأنها سـ.ـقطت في مأ’زقٍ لن تنفـ.ـد مِنْهُ بسهولة، تحرّكت بحذ’رٍ قائلة:
_أهدى يا بابا أنا مقولتلهاش حاجة، كُلّ اللي قولته إنك بتحبها ومينفعش تسيبوا بعض مهما حصل، وقعدت أفـ.ـخّم فيك على فكرة كتير أوي يا حلو يا جميل يا مسمسم أنتَ.
أنهت حديثها بوقوفها أمامه، وبسرعةٍ خا’طفة لثمت وجنته وركضت للخارج هر’بًا مِنْهُ، ألتفت هو ينظر لطيفها دون أن ينبُث بحرفٍ واحد، فلم يكُن ليفعل شيءٍ لها فهو يعلم أبنته جيدًا وهذا ما هو إلّا مزحة مِنها، عاد ينظر إلى زوجته مجددًا مغلقًا الباب خلفه دون أن يتحدث..
بينما كانت “بيسان” تركض هر’بًا مِنْهُ اصتد’مت فجأةً بـ “سيـف” الذي اند’فع جسـ.ـده للخلف نتيجة اصتد’امها، تما’سك سريعًا وحاوطها بذراعيها كي لا تسـ.ـقط، نظرا لبعضهما وجاء قوله المتسائل:
_في إيه يا “بيسان” مالك بتجري كدا ليه؟.
أخذت هي نفسًا عميقًا بعد أن رأته هو أمامها ثمّ قالت بنبرةٍ لا’هثة:
_خـ.ـضيتني يا “سيـف” حد يطلع فو’ش حد كدا.
رفع حاجبه وكأنه يُشـ.ـكك في صحة كلماتها، فقال بنبرةٍ هادئة:
_لأ يا شيخة، أنا برضوا اللي طلعت فوشك ولا أنتِ اللي بتجري ولا كأن عليكي تا’ر، وبعدين بتجري كدا ليه؟.
نظرت لهُ ثمّ ابتسمت بعد أن تذكّرت الأمر وقالت:
_مفيش كُنت بتكلم مع ماما وقعدت أفـ.ـخّم فبابا وبعدين بقولها تسيب بابا وتتجوز ابن خالها فهو دخل بقى فاللحظة دي، أنا ذ’نبي إيه بقى إنُه دخل فالآخر؟.
هزّ رأسه برفقٍ ثمّ عكـ.ـص شفتيه قليلًا وقال:
_لا طبعًا مش ذ’نبك، أنتِ أميرة مبتغـ.ـلطيش خالص.
نظرت إليه قليلًا ثمّ منحته ضر’بة خفيفة فوق صدره وقالت:
_متتريقش يا “سيـف” أحسنلك.
شـ.ـدّ مِن ضمّته لها وتجا’هل كُلّ ما قالته قبل قليل، نظر في عيناها مباشرةً مبتسمًا ولمعت عيناه بالمكـ.ـر قائلًا:
_فُـ.ـكك مِن كُلّ اللي بيحصل دا بقى وقوليلي، إيه الجمال دا كُلّه؟ أنتِ عمّالة تحلوي كدا ومش مراعية قلبي اللي دا’يب فجمالك وغر’قان فحُبك.
ضحكت هي دون تردد وكأنه أ’لقى على مسامعها دُعابة جديدة، نظرت في عيناه وقالت بوجهٍ مبتسمٍ:
_قال وأنا اللي قولت أول ما يكبر هيبطّـ.ـل يعبّر عن حُبه، أتاريك بتتطوّر كُلّ يوم وتفاجئني.
ارتسمت البسمةُ بزاوية فمه وأجابها بنبرةٍ خافتةٍ وكأنه يخشى أن يكشـ.ـف أحدهم سره:
_وإيه اللي يمنـ.ـعني أبطّـ.ـل أعبّر عن حُبي؟ كُلّ ما أفتكر المُعا’فرة اللي عا’فرتها عشانك حُبك لوحده بيزيد، مِن أول مرَّة شوفتك فيها خـ.ـطفتي قلبي قبل عـ.ـقلي، كسـ.ـرتي كُلّ الحو’اجز اللي بنيتها حوالين قـ.ـلبي واحتـ.ـلتيه، كُنت واخد عهد على نفسي مدخّلش واحدة فحياتي مِن بعد “نسمة” وهعيش لـ “ملك”، بس فجأة لقيت نفسي بخو’ن العهد وبتشـ.ـدلك، ظهرتي عشان تشـ.ـديني مِن عقلي وتسـ.ـحبيني مِن ضـ.ـلمتي لنورك، عشان تفو’قيني وتعرّفيني إن الحياة مبتوقفش على حد وإننا لازم نِدي لنفسنا فرصة نحب مرَّة كمان، بس يمين بالله ما ند’مان على جوازي مِنك، بالعكس أنا قدرت أكوِّن الأُسرة اللي حلمت بيها، وربنا عوضني بيكي عشان تد’اوي قلبي وأد’وب أنا فحُبك.
ردًا واحدًا كان كفيلًا بأن يُخبره ما بقلبها لهُ، عناقًا دا’فئًا مليئًا بالحُبّ والأ’مان، كلمةٌ واحدةٌ صغيرة تُسعد قلب امرأة، ولكنهُ أغدقها بالعديد مِن الكلمات، والنظرات الصا’دقة؛ كانت الدواء لد’اءٍ ظن بأن لا دواء لهُ، منحته حُبًا وحياة كان يظن بأنه خسـ.ـرهم، منحته العائلة والأ’مان لقلبه الشـ.ـريد، شـ.ـدّدت مِن ضمّتها لهُ وكأنها تخشى أن تفقـ.ـده في أيّ لحظة..
بينما بادلها هو عناقها بأخرٍ أكثر د’فئًا وأما’نًا، فهذا كان ملاذه وأ’منه مِن صعا’ب الحياة، لحظات وابتعدت هي ولكنهُ أبى أن يتركها تبتعد، لثم جبينها بقُبلةٍ طويلة بعض الشيء وحنونة، ثمّ نظر في عيناها وقال بنبرةٍ عميقة:
_أنا بحبك أوي يا “بيسان”، بحبك فوق ما تتصوري، وعايزك تفضلي معايا على طول إيدك متسيبش إيدي لحظة، وأنا مش ناوي أسيبك مهما كانت الظروف حوالينا، وعندي استعداد أخسـ.ـر أي حاجة بس مخسـ.ـرش عوض ربنا ليّا مهما حصل.
نظرت في عيناه التي كانت تفيـ.ـض مِن الحُبّ ما شاءت، وقد خا’نها قلبها مِن جديد وعاد يخفق بسر’عةٍ مجـ.ـنونة داخل صد’رها، فوحده مَن يعلم أين تكمُن طُرُق العا’شقين، رُسمت البسمةُ فوق فمها ومنحته جوابًا صادقًا نابعًا مِن قلب امرأة عا’شقة:
_و “بيسان” بتحبك أوي ومش مستعدة تسيبك مهما حصل، ولو لازملها تضـ.ـحي عشانك مش هتفكّر مرتين وهتضـ.ـحي، ما هو ياما حبيبها ضـ.ـحّى عشانها معقولة هيطلع هو أحسن مِنها يعني؟.
اتسعت ابتسامته أكثر وترقرق الدمع في عيناه، لم يستطع قـ.ـلبه أن يتحمّـ.ـل فأخذ يصر’خ بأسمها، ضمّها وشـ.ـدّد على ذراعيه حولها، وإن كان يستطيع أن يُدخلها قلبه لكان فعل ذلك دون تردد، أغمض عيناه بعد أن شَعَر بها تُبادله ضمّته وبراحةٍ غريبة تسكُن قلبه، وترك نفسُه لتلك اللحظة التي لا تأتي إلّا كمفاجأة لهما.
_____________________________
<“عودة الثلاثي المشاكـ.ـس، عودة الجـ.ـنون.”>
في الحديقة الخلفية للقصر..
خرج “حمزة” مِن باب المطبخ الزجا’جي المُطِل على الحديقة حاملًا إناء معد’ني كبير مليئًا بورق العنب الذي أعدّته “نوران” ليلة أمس وتبقّى نصف الإناء، جلس فوق المقعد ووضعته فوق قدميه وبدأ تناولهِ بتلذذٍ، وعيناه تجوب فوق أخيه التوأم الذي كان مفعمًا بالطاقة هذا اليوم وكأنه ابن العشرين..
تسـ.ـلّل “مُعاذ” كالنمـ.ـر مِن خلفه وعيناه تلمع بمكـ.ـرٍ لا يخمـ.ـد، كان “سامح” يتما’يل على إيقاع الموسيقى المنبعثة مِن هاتف “علي” الذي كان يُتابعهم بأعينٍ دامعة والضحكة تتسع فوق وجهه يرى إلى أيُّ مدى وصل جـ.ـنون تلك العائلة، إتجهت جميع الأعينِ فوق “مُعاذ” الذي مدّ كفيه وبحركةٍ با’غت بها عمّه حرّك أنامله فوق خا’صره..
تشـ.ـنج جسـ.ـد “سامح” وألتفت إليه ير’ميه بنظراتٍ حا’قدة بعد أن أفسـ.ـد عليه متعة تلك اللحظة، تعا’لت ضحكات عا’لية مِن الجميع أمتزجت بسُعا’ل “حمزة” الذي كان يتناول الطعام وحينما رأى هذا المشهد لم يستطع أن يتما’لك نفسه، اقترب “أشرف” مِنْهُ ماددًا كفه بكوب الماء قائلًا:
_خُد أشرب بدل ما تفطـ.ـس مِننا دلوقتي.
أكتـ.ـست الحُمـ.ـرة وجه “حمزة” وتسا’قطت عبراته، أخذه بيَدٍ مر’تجفة وارتشف الماء دون أن يحيـ.ـد ببصره عن أخيه التوأم الذي بدأ يقترب مِن ابن أخيه متو’عدًا إليه بالهلا’ك تلك المرَّة، بينما أبتعد “مُعاذ” بخطى حذ’رة للخلف وهو يُشهر بسبابته بوجه عمّه قائلًا:
_بقولك إيه يا “سامح” لو فاكر نفسك المعلم فالعبد لله فتو’ة، فأهدى عشان منقلـ.ـش مِن قيمة بعض قدامهم.
اقترب “قاسم” مِنهم حاملًا كوب قهوة سا’خن ينظر لهم بوجهٍ مبتسمٍ، تخطّاهم دون أن يُكلف نفسُه عنا’ء السؤال عن الأمر، فهو يعلم بأن أخيه هو مَن بدأ تلك الحر’ب ووحده مَن سيُـ.ـنهيها، وبلحظة ها’جمه “سامح” واستطاع “مُعاذ” في المُقابل أن يَصُـ.ـد هـ.ـجمته ويفر’ض سيطـ.ـرته تلك المرَّة، وانقسـ.ـموا جميعًا لنصفين، النصف يُشجع “سامح” والنصف الآخر يدعم “مُعاذ”..
برغم أن “مُعاذ” هو المُسيطـ.ـر الآن ولكن لم يفلح الأمر كثيرًا، با’غته “سامح” واستطاع بحركةٍ خا’طفة أن يلُـ.ـفّ ذراعه حول عُنـ.ـق ابن أخيه مسـ.ـقطًا جسـ.ـده أرضًا، أعتـ.ـلاه هو في تلك اللحظات وقال بنبرةٍ ساخرة:
_إيه يا’ض فاكر نفسك الوحيد اللي بيعرف يخد’ع، ياض دا أنا “سامح الدمنهوري” أبوك نفسُه مكانش بيقدر عليّا تيجي أنتَ يا أهـ.ـبل وتعملهم عليّا؟.
كُبِـ.ـل “مُعاذ” بواسطة عمّه كالفر’يسة التي سـ.ـقطت في عـ.ـرين الأسـ.ـد، لا يقد’ر على الحركة ولو إنشًا صغيرًا، ولكنهُ أبى أن يُظهر ذلك لهُ ولذلك ضحك عاليًا وقال:
_أقسم بالله مهما حاولت وعملت ما هتعرف تكسـ.ـر عيني، مش هناولهالك يا ابن الدمنهوري.
شـ.ـدّ “سامح” على قبـ.ـضة يَده وابتسم بخبـ.ـثٍ وقال ضاحكًا:
_ياض بطّـ.ـل غـ.ـرورك وأستسـ.ـلم مرَّة فحياتك.
ضحك “مُعاذ” ضحكة أ’نثوية وتشـ.ـدق بقوله:
_دا لمَ أشيـ.ـل أسم أخوك مِن البطاقة يا عنيا.
صدحت صيـ.ـحات الشبا’ب عقب قوله ليُمازحه “علي” ضاحكًا:
_رجو’لة أقسم بالله، أديلوا متر’حمش.
ألتفت لهُ “سامح” وقال بنبرةٍ يشوبها التحذ’ير:
_أتـ.ـلم يا ابن “طارق” بدل ما تنول مِن المحبة جانب.
وضع “علي” قدمًا فوق أُخرى وفرد ذراعيه على مسند الأريكة الخـ.ـشبي مِن خلفه وقال ساخرًا:
_فاكرني هخا’ف مِن تهـ.ـديدك ولا إيه؟ دا أنا بدخُل على العد’و ولا كأنه ابن خالتي هخا’ف أنا بقى مِنك يا جدو؟.
تعالت صيـ.ـحات “مُعاذ” بمرحٍ صـ.ـبياني وقال ضاحكًا:
_أديلوا أدي، طول عُمرك يا “سامح” بضحكني، بشوفك بضحك على طول واللهِ.
ضغـ.ـطوا معًا على و’تره الحـ.ـسّاس، وبدون سابق إنذ’ار قبـ.ـض على وجهه بأنامله متو’عدًا لهُ، بينما صاح “مُعاذ” مستـ.ـغيثًا بعد أن خرج جـ.ـنون الآخر الغير متوقع، اقترب “ليل” الجد مِن موقع الصوت بعد أن جذ’به عقب خروجه ليرَ أخيه منقـ.ـضًا على أبنه وكأنه عزم على قتـ.ـله..
جحـ.ـظت عيناه ولم يتردد لحظة واقترب مِنهم بخطى واسعة، شـ.ـدّ أخيه مِن فوق ولده بعنـ.ـفٍ بعد أن تصلّـ.ـب جسـ.ـد “سامح” الذي كان الأمر إليه بمثابة زر الإنذ’ار، استغا’ث “مُعاذ” بأبيه الذي شـ.ـدّ أخيه بعزم قو’ته بعيدًا محر’رًا ولده مِن بر’اثنه، ألتقط “مُعاذ” أنفا’سه بعد أن كاد “سامح” يقتـ.ـله بالفعل وبدأ يسعُـ.ـل..
اقترب مِنْهُ أبيه الذي انحنى قليلًا نحوه وأمسكه مِن أسفل ذراعيه داعمًا ثقل جسـ.ـده، اقترب مِنْهُ “عُدي” وتنغض جبينه بعد أن لمح المشهد مِن بعيد ولم يُنكـ.ـر أنَّهُ شَعَر بالقلـ.ـق مع تدخٌل أبيه، وقف أمامه يفحـ.ـصه بعيناه ممسكًا بذراعيه، وعيناه تقول ما لم يستطع إخراجه..
بينما ألتفت “ليل” إلى أخيه وصا’ح بهِ بغضـ.ـبٍ واضحٍ بقوله:
_في إيه يا “سامح” أنتَ أتجـ.ـننت، كُنت هتقتـ.ـل الواد ..!!.
استقام الآخر على قدميه ونظر إلى أخيه ببر’ودٍ لا يتناسب مع اللحظة وقال ساخرًا:
_لأ يا حبيبي متخا’فش عليه أوي كدا، ابن عامل زي القـ.ـطط بـ ٧ أروا’ح.
_هو إيه اللي مخا’فش أنتَ أتهـ.ـبلت، الواد كان ثانية وهيمو’ت فإيدك فاكرها لعبة هي دا أبني ..!!.
هد’ر بهِ بانفعا’لٍ واضحٍ جعل الأجواء مِن حوله تتو’تر، وقد أدرك الجميع بأن “ليل” لا يمزح الآن، عمّ الهدوء المكان فجأةً وترقب الجميع هذا الحدث، ألتفت بنصف جسـ.ـده مشيرًا تجاه ولده وصر’خ بهِ قائلًا:
_شايف وشه عامل أزاي ومش قادر يتنفـ.ـس، “سامح” دا مش هزار أنتَ كُنت بتخـ.ـنق الواد … وأنتوا قاعدين بتتفرجوا عليه وسايبينه يمو’ت تحت إيديه هو في إيه ..!!.
صمتٌ قا’تل خيَّم على الحديقة بأكملها، حتى أنفاسهم حُبِـ.ـسَت في صدورهم، تحرّك “قاسم” تجاه أخيه الذي جلس بمساعدة “عُدي” فوق المقعد الخـ.ـشبي، أمسك برأس أخيه وأسندها فوق الوسادة التي وضعها لهُ “عُدي”، نظر في عيناه الوا’هنة وقال بنبرةٍ هادئة:
_أهدى خالص وحاول تاخد نَفَـ.ـسك يا “مُعاذ” براحة.
وقبل أن يقترب أحدهم للاطمئنان عليه أوقفهم “عُدي” بقوله الهادئ:
_محدش يقرّب مِنْهُ دلوقتي عشان الهوا.
ألتفت “ليل” ينظر إلى ولده الذي كان يُرشده أخيه لالتقاط أنفا’سه مِن جديد، ولا يُنكـ.ـر بأنه تأ’لم لأجله فقد أنقـ.ـذه مِن المو’ت للتو، وقد سُميّ هذا في الأخير مزاحًا، وبلحظة لمعت عيناه بالحـ.ـدة وألتفت إليهم مشهرًا سبابته في وجوههم قائلًا بنبرةٍ تحذ’يرية:
_لو الهزار بالطريقة دي يبقى بلاها أحسن، دا مش هزار دا أسمه تخـ.ـلف فحذ’اري ألمح واحد فيكم بيعمل كدا تاني، أنا أبني نفسُه بيضـ.ـيق لوحده إيه اللي كان هيحصل لو كان دا حصل وهو ماسكُه بالمنظر دا؟ أقسم بالله لو لمحت المنظر دا تاني لتشوفوا مِني وش هتتمنوا ميظهرلكوش تاني باقي حياتكم، كلامي مسموع ..!!.
لم يجر’ؤ أحدهم التفوه بحرفٍ واحدٍ، أعينهم ثُبـ.ـتت على الشقيقين بتحفـ.ـزٍ وأعصا’بٍ مشد’ودة، أمسكت “چود” بيَده وشـ.ـدّت على قبـ.ـضتها برفقٍ وعيناها مصوَّ’بةً على زوجها، وكفها الآخر يمسح على خصلا’ته بحنوٍ، تُتابع “قاسم” الذي يُرشده وإليه حينما يفشـ.ـل في الاستجابة لهُ..
كاد “فادي” يتحرّك ليطمئن على أبيه ولكن قبـ.ـضة “كمال” منـ.ـعته، ألتفت برأسه ينظر إليه ليرمقه الآخر نظرةٍ هادئة يطمئنه مِن خلالها، ولكن عيناه نطـ.ـقت بالرُ’عب وقلبه لم يهدأ بعد، عاد ينظر إلى والده؛ وقد قـ.ـبض بعـ.ـنفٍ على كفه محاولًا تما’لُك نفسُه حتى لا ينفجـ.ـر غضـ.ـبه في تلك اللحظات المتو’ترة..
_حاول مرَّة كمان يا “مُعاذ” عشان خاطري.
طلبتها “چود” برجاءٍ مؤ’لمٍ وعيناها تأبى زر’ف عبراتها، تُحاول أن تظل متما’سكةً لأجله ولكنهُ فشـ.ـل في ذلك، نظر هو إلى أخيه وقال بنبرةٍ وا’هنة:
_مش قادر يا “قاسم”.
أخرج “قاسم” زفيرة طويلة وقبـ.ـض على مسند المقعد مستمعًا إلى أخيه التوأم يقول بنبرةٍ متسائلة:
_والحل دلوقتي يا “قاسم”، هنسيب “مُعاذ” كدا؟.
صوِّ’بت الأعينِ نحوه وكأن حـ.ـياة أخيه أصبحت متوقفةً عليه هو، نظر هو إلى أخيه قليلًا واشتـ.ـد قبـ.ـضته وكأنه وُضع تحت ضغـ.ـطٍ لا يقدر عليه هو، ولكنهُ الآن أضحى مُجبـ.ـرًا لاتخاذ القرار، استقام في وقفته فجأةً وقال بنبرةٍ حا’دة:
_هاخده عالمستشفى.
وكأن كلماته فجّـ.ـرت بداخلهم بر’اكينًا حر’ق لهـ.ـيبها صد’ورهم، نظرت لهُ “چود” وقالت بنبرةٍ يغمُرها الخو’ف:
_مستشفى ليه؟ “مُعاذ” ماله يا “قاسم”.
نظر إليها وطمئنها بنظراته قبل قوله:
_متخا’فيش مفيش حاجة، هيتركبله جهاز تنفـ.ـس عشان يقدر يتنفـ.ـس بشكل أحسن.
وبعده جاء قول “عُدي” مند’فعًا في الحال:
_أنا هاجي معاك، مش هسيبه لوحده.
نظر لهُ “قاسم” وهزّ رأسه برفقٍ دون أن يتحدث، ساندوه كليهما وتحرّك “عبدالله” معهم مقررًا تو’لي القيا’دة هو، نظر “قاسم” إلى والديه وقال بنبرةٍ هادئة:
_متقـ.ـلقوش هطمنكم عليه، خليكم عشان ميبقاش في ز’حمة كتير هناك.
أمسك “ليل” بكف “روز” قبل أن تُعا’رض وقال بنبرةٍ هادئة وهو ينظر إليه:
_خلّوا بالكم مِن أخوكم ومتنساش تطمني عليه على طول.
هزّ “قاسم” رأسه برفقٍ ثمّ ساند أخيه وتحركوا تحت أعينهم، كانت عينان “روز” مُعلَّـ.ـقةً على ولدها وقلبها لا يُطا’وعها لتركه هكذا، ولكن “ليل” منـ.ـعها مِن الذهاب مُـ.ـلبيًا قول ولده وحتى لا يجعله يشعُر بالتو’تر بألتفافهم حوله جميعًا، نظرت لهُ بعيناها الفيروزية الدامعة ليضمها هو لصدره ممسّدًا فوق ذراعها بهدوءٍ وكأنه يُطمئنها أن كُلّ شيءٍ سيكون بخيرٍ..
بينما اقترب “حمزة” مِن أخيه التوأم، جاوره وهمس في أُذنه موبـ.ـخًا إياه بقوله:
_زودتها المرَّة دي جا’مد أوي يا “سامح”.
تركه بعدها واقترب مِن أخيه الأكبر يؤازره كما أعتاد منذ الصغر تاركًا توأمه في صر’اعٍ طا’حنٍ بداخله، فلأول مرَّةٍ يصل هذا المزاح المتعارف بينهم لتلك المرحلة مِن الجـ.ـنون.
___________________________
<“كُسِـ.ـرَ هدوء اللحظة، وتسـ.ـلل التو’تر كأفـ.ـعى سا’مة.”>
داخل شقة “شـهاب”؛
كان الظلا’م يُخيِّم في أرجاءها بشكلٍ مـ.ـهيب، مازالت الساعة الثالثة والنصف عصرًا، ولكن ستائرها الثقـ.ـيلة حجـ.ـبت عن أرجاءها ضوء النهار الرما’دي، أضواءًا خافتة متفر’قة كسـ.ـرت هذا الظلا’م قليلًا، ولكن في غرفة النو’م كان الظلا’م مسيطـ.ـرًا، أنفاسهم المنتظمة وحدها مسموعة ووحدها مَن كسـ.ـرت هذا الصمت..
كان “شـهاب” يغط في نومٍ عميقٍ بعد ليلة طويلة مِن العمل الشا’ق الذي ضا’عفه “ليل” الجد على عا’تقيه حتى تنتهي مُدة عقو’بة رفيقه، ضاممًا “مَرْيَم” التي بدأت تغفو كثيرًا في ساعات النهار بعد أن كانت نشيطة وتُحب الحركة كثيرًا، وكان الغطاء الثقيـ.ـل يبعث لهما د’فئه في تلك الأجواء البا’ردة..
ولكن لم يمكث هذا الصمت طويلًا، فكسـ.ـره رنين هاتفه العالي الذي أعلنه عن أتصالٍ هاتفي، وبرغم صوته المز’عج لم يتحرّك “شـهاب”، ولكن المتصل كان لهُ رأيًا آخر فظلّ يُلـ.ـح باتصالاته المز’عجة التي بدأت تنتشـ.ـله مِن غفوته الثقيـ.ـلة، تنغض جبينه بانز’عاجٍ بعد أن أيقظه هذا الحقيـ.ـر بكُلّ وقا’حة..
فتـ.ـح عيناه بثقـ.ـلٍ وتأ’فئف بضيـ.ـقٍ، شَعَر بأنفاسها الهادئة تضر’ب عُـ.ـنقه ولذلك رفع نفسُه بحذ’رٍ وألتفت قليلًا جهة اليسار يُوقف رنينه المز’عج قبل أن تصحو هي، فحينما غفت توقّفت قليلًا عن التأ’لُم وهدأت، سحب هاتفه مِن فوق الكومود الذي يجاور الفراش ونظر لهُ ليراه “ليل”، زفر بضـ.ـيقٍ وتمتم بنبرةٍ منز’عجة:
_طبيعي الز’ن دا ميجيش غير مِنك.
فتح المكالمة ووضع الهاتف فوق أُذنه وقال بنبرةٍ متحشـ.ـرجة:
_يعني يا بني آدم أنتَ معندكش مـ.ـخ للدرجة دي، يعني مردتش أفهم إني مشغول ومش فاضي ولا مخمو’د حتى.
أتاه صوته مندهشًا بعد أن سمع صوته المثقـ.ـل ناعسًا:
_إيه دا أنتَ نايم؟ مش المفروض إنك فالشغل النهاردة؟.
أخرج “شـهاب” تنهيدة عميقة ثمّ قال:
_المفروض، بس اضطـ.ـريت أخُد أجازة عشان “مَرْيَم” تعـ.ـبانة النهاردة ومكانش ينفع أسيبها لوحدها.
أتاه همهمة رفيقه التي جعلته يشعُر بخُـ.ـبثه دون أن يبوح عنهُ ليرُد عليه قائلًا:
_تعـ.ـبانة بسبب الحمـ.ـل يا ز’فت وأتـ.ـلم أحسنلك.
ضحك “ليل” حينها وبرّ’اء نفسُه مِن هذا الاتها’م الفا’حش في حقه:
_أنا متكلمتش على فكرة ومش كوني عملت كدا يبقى بشـ.ـكك فكلامك لا سَمَحَ الله.
ضحك “شـهاب” بسخريةٍ واضحة وقال:
_أيوه ما أنا عارف أنتَ هتقولي.
أخرج “ليل” حينها تنهيدة طويلة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_بس غريبة يعني متعودتش عليك تنام بدري أوي كدا.
وضع “شـهاب” رأسه فوق الوسادة مِن جديد بعد أن شَعَر بثقـ.ـلها وقال:
_واللهِ يا صاحبي ولا أنا، بس اليوم إمبارح كان طويل وتقيـ.ـل بعد ما شيلت شغل “حُذيفة”، نمنا مِن التعـ.ـب كدا كدا أنا فاضي قولت أريّحلي شويَّة.
أتاه صوته الهادئ عبر الهاتف بقوله:
_حاسس بيك، معلش بقى هنشيلك شيلة مش بتاعتك بس حُكـ.ـم القو’ي بقى.
قهقه “شـهاب” على كلماته وقال:
_أنتوا أتهـ.ـبلوا وأنا أشيـ.ـل شيـ.ـلتكم مش كدا؟.
ضحك “ليل” في المُقابل وقال:
_يا عمّ وماله مرَّة مِن نِفسنا شويَّة.
أخرج “شـهاب” تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ:
_ماشي يا عمّ، خلّيها عليّا المرَّة دي، واقفل بقى عشان عايز أنام.
_هقفل يا وا’طي، روح نام نوم الهنا.
أنهى حديثه وأغلق الهاتف مبتسمًا، نظر إلى “مَرْيَم” التي لم تصحو بعد حتى على صوته، وصدقًا قد شكر ربه؛ وقبل أن يترك هاتفه ويعود إلى نومه رأى رسالة عبر التطبيق الشهير _واتساب_ مِن أخيه، أخرج زفيرة صغيرة وولج بتكا’سلٍ عليه ومِنْهُ إلى محادثة أخيه ليضـ.ـربه في مقتـ.ـلٍ عقب سماعه لنبرة أخيه المتأ’لمة يستغـ.ـيث بهِ:
_”شـهاب” أ’لحقني … في واحد طلع عليّا ضر’بني وطـ.ـعني بمـ.ـطوة، حاولت أستنـ.ـجد بيك تليفونك مشغول، أنا فحِـ.ـتة مقطو’عة مش عارف مكاني، هسيبلك الچي بي إس عشان تعرف تلاقيني، يا تلحـ.ـقني يا لأ.
أحتـ.ـدت عيناه ولمعت بغضـ.ـبٍ مكتو’مٍ حينما أستمع لنبرة شا’بٍ يُصا’رع المو’ت، يلـ.ـهث وصوته يضـ.ـعف وكأن المو’ت يحو’مه مِن كُلّ مكان، نهض سريعًا وتحرّك للخارج واضعًا هاتفه على أُذنه منتظرًا تلقّي الإجابة مِنْهُ، ولم تأتي إلّا في نهاية المكالمة، يلهـ.ـث ويـ.ـئن دون أن يتحدث ولكن لم ينتظر “شـهاب” إجابته فقد جاء قوله بنبرةٍ حا’دة يشوبها الخو’ف:
_مش هسألك دلوقتي إيه اللي حصل لأني هحتاج كُلّ حاجة بالتفصـ.ـيل، المهم دلوقتي مش عايزك تخا’ف أنا هجيلك وهتبقى كويس، أوعى تقفـ.ـل خلّيك معايا.
وقف في غرفة المعيشة المظـ.ـلمة، أبعد هاتفه وهاتف رفيقه “علي” سريعًا، أنتظر إجابته على أحـ.ـر مِن الجمـ.ـر حتى وصله صوته، وسريعًا قال بنبرةٍ حا’دة:
_فظرف ١٠ دقايق هبعتلك رقم “شُكري” أخويا تشوفلي مو’قعه فين بالظبط وأول ما تعرف دوغري تبعتله عربية إسعا’ف وتديني المعلومات فأسرع وقت ..!!.
تعجب “علي” ولكن لم يُجادله، سحب ورقة بيـ.ـضاء وأخذ قلمًا حبـ.ـري وقال بنبرةٍ جادة:
_قول الرقم.
دوّن الرقم سريعًا ثمّ قال بنبرةٍ جادة:
_تمام يا صاحبي، مش عايزك تقلـ.ـق.
أنهى “شـهاب” المكالمة وعاد إلى مكالمة أخيه ليسمعه مازال يتنفّـ.ـس، مازال حـ.ـيًّا؛ عاد إلى غرفته وسحب ملابسه سريعًا والخو’ف يغمُـ.ـر قلبه، فهو لم يكُن فقط أخيه الصغير، بل كان عالمه والداعم الوحيد لهُ في أيامه العصيـ.ـبة التي مرّ بها، وكذلك كان الأب الرو’حي قبل الأخ..
وبعد مرور ما يُقارب رُبع ساعة، خرج “شـهاب” مِن شقته بعد أن أطمئن على “مَرْيَم” وترك رسالته إلى جوارها، لفحت نسمات الهواء البا’رد بشرته الد’افئة دون أن تستطيع بر’ودتها إخما’د نير’ان صدره، أدار سيارته وتحرّك بالتزامن مع وروده مكالمة “علي”، أجاب سريعًا وترقّب إجابته بنفا’ذ صبر، ولم يبخـ.ـل عنهُ “علي” بالإجابة قائلًا بنبرةٍ جادة:
_قدرنا نحدد مو’قعه يا صاحبي وبعتناله عربية إسعا’ف على طول.
_فين؟.
كلمة واحدة حملت مشاعرًا لم يستطع إخفا’ءها، حملت غضـ.ـبًا وحـ.ـدة؛ بينما أخرج “علي” تنهيدة قصيرة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_مخز’ن على طريق المفروض إنُه مقفو’ل.
شـ.ـدّ “شـهاب” قبـ.ـضته على مقود السيارة بعنـ.ـفٍ وتشنـ.ـجت عضـ.ـلات فـ.ـكه بعد أن أستمع إلى كلماته تلك، تحدث بنبرةٍ حا’دة قائلًا:
_أبعتلي المو’قع عالواتساب دلوقتي حالًا.
أغلق المكالمة بعدها دون أن يمنحه فرصة الإجابة، ثبّـ.ـت عيناه على الطريق أمامه محاولًا إخما’د نو’بة الغضـ.ـب العنيـ.ـفة التي تجتا’حه الآن حتى لا يفقـ.ـد كُلّ شيءٍ دُ’فعةً واحدة، دقائق ووصلته رسالة “علي” لهُ بمو’قع أخيه، لم يتردد وفتحه وتابع المو’قع وبمثابة أن عَلِمَ المكان إحتـ.ـدت عيناه أكثر وتمـ.ـلَّك الغضـ.ـب مِنْهُ تمامًا..
إزدادت سـ.ـرعة السيارة وكأن إطا’راتها تأ’كل الأسـ.ـفلت مِن تحتها، يتجا’وز العديد مِن السيارات بتهو’رٍ جديدٍ عليه لأول مرَّة، ولم يهتم لتلك المخا’لفة التي أر’تكبها فلا يرى أمامه الآن سِوى صورة أخيه غر’يقًا في د’ماءه، وفي نفسُه تو’عّد للفاعل بالهلا’ك المُمـ.ـيت، فلن يدع الأمر يمُر مرور الكرام إلّا بالر’دع، فلم يكُن الأمر هينًا عليه، فقد مُـ.ـسّت رو’حه.


تعليقات