![]() |
رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وستة بقلم بيسو وليد
قد تقسـ.ـو الحياة علينا أحيانًا..
هُناك مَن يستسـ.ـلم لها حتى تنا’ل مِنْهُ، وهُناك مَن يوا’جه حتى وإن لم يكُن صاحب الحق، في بعض الأحيان تكون قسو’تها اختبارًا حقيقيًا للمرء، اختبارًا قا’سيًا بشـ.ـدة؛ تُختبر فيه أنت بالعزيز، وكأنها تضعك أمام الأمر الواقع، هل ستُحا’رب يا ابن آدم أم ستهرُ’ب هـ.ـلعًا وتبكي في الأخير على اللبن المسكو’ب وتنو’ح؟..
<“لحظات اشتـ.ـدت فيها الأعصا’ب وانفجـ.ـرت.”>
كان الصمت يُخيِّـ.ـم على الجميع، ونبـ.ـضت القلوب بهلـ.ـعٍ برؤية هذا المشهد المؤ’لم، تبا’طئت وتيرة أنفاسه وتراخت أعصا’به برؤية ما أصا’ب أخيه، بينما اختر’ق صوتها حِـ.ـدَّة هذا الصمت:
_يا اللّٰه، لَك شو هاد أنا ما عم بقدر اصدق شي.
هكذا أعربت “چيچي” عن صدمتها بالأمر وهي بالطبع لا تستوعب ما تراه أمامها، بينما شـ.ـدّ “إقدام” على قبـ.ـضته فوق كف رفيقه يدعمه حتى لا يسـ.ـقط تلك المرَّة ولا ينهض، بينما كان كف “شـهاب” ير’تجف بشكلٍ واضحٍ وبلحظة تسار’عت وتيرة أنفاسه وهو يرى أخيه يُصا’رع المو’ت أمامه..
اسند “شُكري” جسـ.ـده على الجدار القابع خلفه والد’ماء تخرج مِنْهُ وكأنها د’فعة مياه قو’يَّة كانت تنتظر مَن يفتح لها الطريق لتتد’فق، د’ماء رأسه تركت إثرها على الجدار وثوانٍ معدودة ثُم تها’وىٰ جسـ.ـده وـ.ـسقط أرضًا وهو لا يمـ.ـلُك طريقة ليُسيطـ.ـر بها عليها..
يضع كفه فوق جر’حه النا’زف حتى امتلئ كفه بد’ماءه، والآخر يقف أمامه يتلذذ بتعذ’يبه، رآوه يُشير إليه وكأنه يُهـ.ـدده ثُم عاد مِن حيث جاء، ظلّ “شُكري” مكانه قرابة العشرُ دقائق دون أن ينتـ.ـبه إليه أحد، حتى نز’فت د’ماءه وتركت تلك البقـ.ـعة التي رأوها قبل قليل..
وباللحظات التالية رأوه ينهض، وقف على قدميه ود’ماءه تغر’ق ملابسه ورأسه، نظر حوله ثُم إلى كاميرا المر’اقبة وكأنه يترك د’ليلًا لأخيه، وبعدها فـ.ـرّ ها’ربًا وكأن لا شيء أصا’به، عـ.ـلّقت “چيچي” في تلك اللحظة على هذا الفعل قائلة:
_يا اللّٰه لَك هر’ب وكأنه ما صارلوا شي بنوب، سبحان اللّٰه … حلاوة الر’وح متل ما بيقولوا.
اشتـ.ـدت قبـ.ـضة “شـهاب” في تلك اللحظة واصبح صوت أنفاسه مسموعًا، اكتسـ.ـت عيناه الحا’دة بحُمـ.ـرة تُشبه لهيـ.ـب النا’ر المشـ.ـتعلة بجـ.ـنون، ها هو يز’ئر الو’حش بتو’حشٍ يُطالب بالخروج وإحر’اق كُلّ يَدٍ طالت أخيه بالسو’ء، تحرّك بجسـ.ـدٍ منفعـ.ـلٍ وخطوات سريعة كالبر’ق للخارج، ولَحِقَ بهِ “إقدام” في تلك اللحظة بعد أن عَلِمَ بأن رفيقه لا ينتوي على الخير..
لم تنتظر “چيچي” ولذلك تحدثت بنبرةٍ عالية توجّه حديثها إلى الر’جُل وهي تلحق بهما قائلة:
_راح نرچع بعد شوي لناخد هالفيديو.
عاد “شـهاب” لنفس المكان وهو ينظر إلى د’ماء أخيه، وهو حتى الآن لا يُصدق ما يراه فهذا بمثابة كابو’سٍ أسو’د، وقف “إقدام” خلفه وهو لأول مرَّة يُضع بمثل هذا الموقف، ولكنهُ وجد نفسُه يُخرج هاتفه يُجري مكالمة هاتفية قصيرة اقتصرت على كلماتٍ صغيرة:
_ابعتولي شبا’ب هنا عشان ياخدوا عينات د’م ويفحـ.ـصوها بسرعة.
أغلق المكالمة ثُم نظر إلى “چيچي” التي وقفت على مسافة وجيزة منهما ثُم التزم الصمت حتى لا يُزيد مِن جر’اح رفيقه، بينما كان “شـهاب” مـ.ـغيبًا عن العالم في تلك اللحظات، كُلّ ما يراه صورًا سريعة لأخيه حينما كان ضـ.ـريرًا وفي أيام صغره حتى أضحى ر’جُلًا كبيرًا يحتفظ في قلبه بذكرى طفولية بر’يئة، وصوته الرنان يصدح في أُذنيه وكأنه قرر أن يُقيم الحـ.ـد عليه..
كانت لحظات فقط كان يحتاجها حتى ينفجـ.ـر، لمحت عيناه الحا’دة خطًا ر’فيعًا مِن الد’ماء يمتد على الأرض وكأنه طرفًا قو’يًا أراد أن يقوده نحو الها’وية، تبعه بصمتٍ مُر’يبٍ؛ وخلفه “إقدام” و “چيچي” اللذان كانا متحفـ.ـزين لِمَ ينتظرهما، فتلك اللحظات لم تكُن سوى الترقب الذي يسبق العا’صفة..
قادهم حتى الطريق العام وهُنا عَلِمَ بأن تلك النقطة كانت بها سيارته التي استعارها للهر’وب، وقف وأخرج تنهيدة طويلة يملؤها التعـ.ـب، فالآن عَلِمَ بأن الطريق قُطـ.ـع ويجب عليهم إعادة النظر إلى خط السير حتى يعلما إلى أين ذهب بعدها، فالأمر أصبح في غاية الصعو’بة، أشبه بجحيـ.ـم الو’عي.
______________________________
<“جلسةٍ واحدة تُلـ.ـملم شتا’ت المرء وتُعيده لدربه.”>
بين صر’اعات الحياة ومصا’عبها شـ.ـريد،
يحتاج فقط لجلسة تُـ.ـلملم شتا’ته وتُرتب أفكاره وتُعيده لدربه، د’فعة صغيرة وبـ.ـث الأمل في قلبًا متـ.ـعبًا تُصـ.ـلح أشياء كثيرة كادت تُفسـ.ـد..
في كافيه راقٍ وهادئٍ..
كانت “مودة” تجلس فوق إحدى الطاولات المجاورة للنافذة، تنظر إلى “حسام” الذي كان يلتزم الصمت طيلة الوقت، وضع كفيه فوق رأسه وكأنه يحمل ثقـ.ـلًا في قلبه لا يستطيع إبعاده، أخرجت “مودة” تنهيدة قصيرة ثُم قالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_صدقني يا “حسام” كُلّه هيعدي، شـ.ـدة وهتز’ول واللّٰهِ.
رفع رأسه ببطءٍ ونظر في عيناها قليلًا دون أن يتحدث، وكأن الأمر أضحى شبه مستحيـ.ـلًا أمامه، فَـ.ـرَك عيناه ثُم قال بنبرةٍ متـ.ـعبة:
_د’ماغي و’قفت يا “مودة” خلاص، حاسس إن مفيش حل فإيدي أعملهوله، حاسس بالذ’نب وتأ’نيب الضمير، هو مسابنيش ولا لحظة قبل كدا وعلطول معايا حتى وهو فشـ.ـدته كان بيفكّر فيّا، هو اللي حذ’رني إني أفكّر أرتبط بيكي بطريقة غير شـ.ـرعية، هو دايمًا بيرشدني لو هتو’ه، يرجّعني لو فكّرت أهر’ب، وهو لوحده تا’يه وبيجري مِن هنا لهنا عشان خاطر يعرف مين اللي عمل كدا فحق أخوه وأنا قدامه مش قادر أساعد.
نظرت إليه قليلًا ثُم ابتسمت إليه، أخرجت تنهيدة عميقة وقالت بنبرةٍ هادئةٍ متفهمةٍ:
_أنا فاهماك وحاسّة بيك، بس هو لو كان محتاج مساعدة كان جه وطلبها مِنك، هو مش عايز حد يمد إيده إلّا لو هو بدأ يتو’ه، وقتها هوافقك إنما دلوقتي هو مش محتاج، أنا عارفة إنه حتى تكون ذوقيًا مِنك بس هو حقيقي مش در’يان باللي حواليه، حتى “مَرْيَم” مش عارفة تتـ.ـلّم عليه شويَّة متخيل واسمها مراته … طول ما في حاجة شاغـ.ـلاه هو مستحيـ.ـل يندمج عنها مهما حصل.
مسح فوق وجهه بأيدي مر’تجفة وهو لا يعلم كيف الحال برفيقه الآن، لم يتحدث بحرفٍ بعدها فلا كلمات أُخرى يُمكن أن تُقال بعد الآن، نظرت إليه “مودة” مبتسمة الوجه ثُم قالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_كُلّ حاجة هتكون كويسة يا “حسام” صدقني، أديله وقته وأنا واثقة إنُه هيكلمك، صدقني.
نظر في عيناها مباشرةً ولم يتحدث، اقترب النادل مِنهما ووضع طلبهم فوق الطاولة بهدوءٍ ورحل، بينما سحبت هي حقيبتها وتفحـ.ـصتها قليلًا حتى رأت مُرادها، ابتسمت وأخرجتها بهدوءٍ ونظرت إليه، مدّت يَدها بعُلبتين صغيرتين إليه، نظر لهما “حسام” متعجبًا ثُم نظر إليها وقال متسائلًا:
_إيه دول؟.
أشارت إليه مبتسمة الوجه وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_أفتحهم وشوفهم بنفسك.
أخرج تنهيدة قصيرة ثُم أخذ العُلبة الأولى وفتحها أمام عيناها ليظهر التفاجؤ فورًا على وجهه، تفحـ.ـصها جيدًا وهو ينظر إلى “مودة” التي كانت ترسم أبتسامة مشرقة على وجهها، أبتسم هو وقال بعدم تصديق:
_هو إيه دا بجد، مش مصدق واللّٰهِ، جبتيها أمتى دي وبمناسبة إيه؟.
اتسعت ابتسامتها فوق فمها ونظرت في عيناه وقالت:
_جبتها إمبارح، بمناسبة عيد ميلادك اللي أنتَ مطـ.ـنشه فالأساس.
هزّ رأسه بعدم استيعا’ب وقال:
_أنتِ أكيد بتهزري، أنا مش بتاع هدايا إطلاقًا، عيد ميلادي دا أساسًا تقريبًا مبفتكرهوش غير لمَ ألاقي اُمي داخلة عليّا بقا’لب كيكة وبتقولي كُلّ سنة وانتَ طيب.
ضحكت “مودة” قليلًا ثُم عـ.ـلّقت على كلماته بقولها:
_أديني سبقت أنا المرَّة دي، مفيش حد ينسى عيد ميلاده يا “حسام”.
نظر إليها قليلًا دون أن يتحدث، وتلك الابتسامة التي كانت تُزين فمه تبخّـ.ـرت في غضون ثوانٍ، دام الصمت بينهما قليلًا ثُم قرر كسـ.ـره بقوله الهادئ:
_لأ في يا “مودة”، أنا بنسى عيد ميلادي عشان بيو’جعني كُلّ سنة، مبحبش افتكره وبتعمّـ.ـد أخُد اليوم دا كُلّه نوم، المرَّة دي أنتِ تقريبًا كسـ.ـرتيلي القاعدة دي، وانا قاعد قدامك دلوقتي حاسس إني عايز أهر’ب … أنا عارف إنك مستغربة كلامي ومش فاهمة، بابا تو’فى يوم عيد ميلادي، كان عندي ١٠ سنين وقتها، عملي وقتها عيد ميلاد زي ما بيعملي دايمًا، تو’فى بسـ.ـكتة قـ.ـلبية، كُنا وقتها بناكل الجاتوه اللي جابهولي، كان عاملهولي على شكل سبايدر مان لأني كُنت بحبُه وأنا صغير، كُنت بضحك وفرحان بمفاجأة بابا ليّا، وفثانية بقيت أعيّـ.ـط على بابا لمَ أدركت إنُه ما’ت..
ترقرق الدمع في عينان “مودة” التي أدركت سبب كر’هه ليوم مولده، وتستقبل جرو’ح برحابة صدر فور شعوره بأنها الشخص المناسب الذي يستطيع أن يعلم ما لا يعلمه غيره، بينما أكمل هو بنبرةٍ مهز’وزة في محاولةٍ مِنْهُ للتما’سُك:
_وقتها مكُنتش مُد’رك حاجة، ولا عارف إيه اللي بيحصل وفاكر إن بابا نايم، وأنا بعفويتي بصحيه وأقوله متنامش دلوقتي قبل ما تكمل التورتة يا بابا، وسامعهم حواليّا بيعيطوا واُمي تجـ.ـري عالشباك تصوّ’ت وتطلب مِن جيرانا النجـ.ـدة، وأنا أقولها بتعيطي ليه أكيد محتاج ينام أنا هصحيه دلوقتي، مأدركتش إنُه ما’ت ومش هشوفه تاني غير وهما بيد’فنوه، مِن وقتها ر’فضت احتفل بعيد ميلادي عشان بفتكره واشوفه ميـ.ـت قدامي بجد، وبسمع صر’يخي وأنا صغير إنهم مياخدوش بابا مِني ويخلوه معايا حتى لو هو مش هيرُد عليّا، مكُنتش ساعتها أعرف إن الإنسان بيقعد أيام ويتحـ.ـلل، كُلّ اللي بيتبقى مِنُه هيـ.ـكله بس.
لم تستطع أن تمنـ.ـع نفسها مِن البكاء، هو يسرد لها وعقلها يُصور لها المشهد أمام عيناها، آ’لمها قلبها حينما شاركها جر’احه ولم تجد الكلمات المناسبة التي تقولها لهُ، بينما د’فن هو وجهه في كفيه ولم يستطع السيطـ.ـرة على عبراته التي خا’نته وتسا’قطت كالشـ.ـلالات المنهمـ.ـرة..
رفعت كفيها لوجهها ومسحت عبراتها بهدوءٍ، ثُم نظرت إليه وواسته بقولها الباكي:
_هو فمكان أحسن دلوقتي يا “حسام”، وأكيد هو شايفك وسامعك وحاسس بيك، أنا مهما قولت أكيد مش هقدر أد’اوي جرو’حك، بس أنا فأي وقت موجودة، وقت ما تحتاج تفضفض قولي، مش دا كان اتفا’قنا مِن الأول برضوا؟ هسمعك حتى لو عيدت الكلام مليون مرَّة، أهم حاجة إنك تكون مرتاح بعدها، وأنا هفضل جنبك دايمًا وهشاركك كُلّ حاجة، كُلّها أسابيع ونبقى فبيت واحد سوا.
رفع رأسه ونظر لها بعينان باكيتين بعد أن مسح عبراته عن صفحة وجهه، ولا يُنكـ.ـر بأن كلماتها البسيطة تلك أرا’حت قلبه قليلًا، أبتسم بعد أن ذكّرته بأمر زفافهما، وأخرج تنهيدة عميقة ثُم قال بنبرةٍ برغم الحز’ن الذي غـ.ـلّفها خرجت حنونة:
_دا هيبقى أحلى وأجمل يوم عدَّ عليّا مِن سنين، كُلّ حاجة جهزت مفاضلش غير إنك تكوني معايا.
ابتسمت هي وشَعَرت بالقليل مِن الخجـ.ـل ولذلك أعادت خصلة خلف أُذنها وأشارت تجاه العُلبة الأخرى وقالت:
_أنتَ مشوفتش العلبة التانية.
اتسعت ابتسامته أكثر حينما عَلِمَ بأنها تتهرّ’ب مِنْهُ، أخرج تنهيدة قصيرة ثُم هزّ رأسه قليلًا وسحب العُلبة الأخرى قائلًا:
_تمام، لينا يوم يجمعنا وهفكرك.
فتحها بهدوءٍ دون أن يتحدث، بينما كانت هي تُحاول أن تُخفـ.ـي ابتسامتها عنهُ بخجـ.ـلٍ، رفع حاجبه ونظر لها مشهرًا بالقلادة السو’دا’ء قائلًا:
_إيه دا يا “مودة”، جيبالي سلسلة؟ على حسب علمي يعني أنا ظابط لو نسيتي يعني.
ابتسمت هي وهزّت رأسها قليلًا ثُم قالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_بس دي مش ليك أساسًا.
رفع حاجبه عاليًا يستنكـ.ـر قولها ثُم سألها بنبرةٍ متعجبةٍ:
_أومال لمين؟!.
_”مشمش”.
_لأ واللّٰهِ؟ جايبة لـ “مشمش” سلسلة، شيفاه مِن قطط الشوارع يعني إيش حال لو مكانش قط بفـ.ـرو.
هكذا علّـ.ـق على كلمتها ساخرًا وهو يتفحـ.ـص القلادة التي اشترتها، بينما نظرت هي إليه وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_على فكرة دي سلسلة مُميَّزة، لو فتـ.ـحت القلب الصغير دا هتلاقي أسمه محفو’ر عليها عشان لو ضا’ع فيوم مِن الأيام تقدر تلاقيه بسهولة، دا غير جهاز التتبُـ.ـع الصغير اللي فيها.
فتـ.ـح القلب الصغير بالفعل ليرَ أسمه محفو’رًا عليها بالعربية وثمة نقـ.ـطة صغيرة حمـ.ـراء تُضيء كُلّ ثانية، أخرج تنهيدة قصيرة ثُم نظر لها مبتسمًا وقال:
_هقولهالك بعد كتب الكتاب، عشان دلوقتي في حد’ود ولا كأنها حد”ود سـ.ـينا.
ضحكت “مودة” ثُم رفعت كوبها وارتشفت القليل مِن القهوة وهي تراه يرتدي الساعة التي أشترتها وينز’ع الأخرى وكأنها لم تعُد تُهمه بعد تلك اللحظة، قام بتشغيلها ليراها تعرض إليه سرعة نبـ.ـضه، رفع عيناه ونظر إليها قائلًا:
_الساعة دي كدا هتفضـ.ـحني، يعني فيما بعد لو ضر’بات قـ.ـلبي زادت قدامك وأنا مقولتش دي هتفضـ.ـحني علطول.
عادت تضحك مِن جديد وقد أجابت على كلماتها بقولها:
_أيوه أنا قا’صدة على فكرة، إحذ’ر عشان لسه فيها تقنـ.ـيات جديدة أتمنى أنتَ متعرفهاش.
ر’ماها نظرةٍ متو’عدةٍ ثُم ضغـ.ـط على أسنانه وقال بنبرةٍ مكتو’مة:
_ليكي يوم يا “مودة”، الصبر حلو برضوا.
ارتشفت القليل مِن القهوة وهي تنظر إليه مبتسمة الوجه وتر’ميه نظرات أ’نثى متحد’ية وكأنها أعلنت الحر’ب بينهما في تلك اللحظة.
________________________________
<“بصيصًا مِن الأمل عاد يد’ب في قلوبهم.”>
في المشفى..
كانوا جميعًا ينتظرون بصيصًا مِن الأمل، كلمة صغيرة تُعيدهم إلى الحـ.ـياة مرَّةٍ أُخرى، كانت “نُهىٰ” تجلس مكانها دون أن تُفا’رق الممر لحظة، عيناها تذهب بين الفينة والأخرى تجاه الباب، ترى المصباح مازال لم ينطفئ بعد وكأنه يُعا’ندها ويتعمّـ.ـد زرع الخو’ف داخلها حتى يُصبح جزءًا لا يتجزأ مِنها..
مرّت خمس ساعات ولم تطمئن قلوبهم بعد، وكُلّما زاد عدد الساعات زاد خو’فهم أكثر، ارتشفت “مَرْيَم” آخر ما تبقّى في كوبها ثُم نظرت إلى هاتفها الذي أعلنها عن مكالمة هاتفية مِن زوجها، أخرجته مِن حقيبتها ثُم استقامت على قدميها وتحرّكت قليلًا تبتعد عنهم حتى تستطيع التحدث معهُ..
وضعت الهاتف فوق أُذنها لتسمع صوته المر’هق، كان متـ.ـعبًا للغاية وكأن الجميع قد أتحـ.ـدوا ضـ.ـده:
_وحشتيني.
كلمة واحدة خرجت مِنْهُ أوصلت إليها الكثير مِن المشاعر المتخبـ.ـطة، فكلمة واحدة حمـ.ـلت الشوق في أعما’قها، والحاجة في قُربها، والشـ.ـكوة الغير واضحة بأنهُ تعـ.ـب، لم يعُد يتحمّـ.ـل؛ يُريد أن يحظى باستراحة محا’رب ولكنه لا يستطيع أن يصل لها، رقّ قـ.ـلبها لنبرته ولذلك قالت بنبرةٍ حنونة:
_وانتَ كمان وحشتني، حاسّة إنك مش كويس أنتَ تـ.ـعبان؟.
أخرج تنهيدة عميقة مُحمَّلة بالتعـ.ـب ثُم قال:
_كلمة تـ.ـعبان دي قليلة على اللي شوفته يا “ريما”، أنا موجو’ع أوي بجد وشوفت حاجات مش عارف أنا أزاي صبرت قدامها ومنها’رتش.
أجابته هي بنبرةٍ هادئةٍ بعد أن تفهّمت شعوره وقالت:
_تعالى يا “شـهاب” عشان نروّح بيتنا وترتاح شويَّة، أنتَ محتاج راحة وأكيد مكالتش حاجة مِن الصبح، تعالى علشان خاطري.
وقبل أن يُجيبها ألتفتت هي خلفها لترَ الطبيب قد خرج أخيرًا ويظهر عليه التعـ.ـب الشـ.ـديد، فقالت بنبرةٍ متلهفة:
_استنى يا “شـهاب” الدكتور خرج.
اقتربت بخطى خفيفة مِنهم كي تطمئن عليه، وهي تستمع إليه في نفس الوقت يقول بتلهفٍ:
_متقفلـ.ـيش يا “ريما” عايز أسمع هيقول إيه.
_حاضر.
وقفت أمام الطبيب بعد أن تجمّعوا حوله، ينظرون إليه بتلهفٍ ليأتي سؤال “نُهىٰ” بقولها المتلهف:
_خير يا دكتور طمني بالله عليك، أبني كويس مش كدا؟.
شملهم الطبيب جميعًا بنظرةٍ سريعةٍ ثُم قال بنبرةٍ مر’هقة:
_أطمنوا يا جماعة الحمدلله العمـ.ـلية نجحت وقدرنا نلـ.ـحقه، نسبة نجـ.ـاته فالحقيقة كانت ضئـ.ـيلة جدًا خصوصًا إنُه عنده سيو’لة فالد’م والكمية اللي نز’فها مش قليلة خالص، الضـ.ـربتين اللي خدهم د’مّروا الوظايف الحيو’ية، الضـ.ـربة لوحدها كانت قو’ية جدًا غير الضـ.ـربات اللي فالر’اس دي لسه منعرفش إذا كانت أصّـ.ـرت عليه ولا لأ، إحنا وقفنا النز’يف ونقلناله د’م عشان نعوّض اللي خسـ.ـره وحاليًا هو دخل فغيبو’بة ودي حاجة متوقعنها، أدعوله الكام ساعة الجايين يعدوا على خير وهنعمله أشـ.ـعة عالمُـ.ـخ عشان نتطمن إن مفيش أي ضـ.ـرر مِن الضـ.ـربات دي.
بكت “نُهىٰ” حينما استمعت لحديث الطبيب، فما كانت تخشاه قد حدث بالفعل، اقتربت مِنها “حبيبة” لتواسيها بينما أبتعدت “مَرْيَم” عنهم وهي تضع الهاتف فوق أُذنها مِن جديد دون أن تتحدث، فقط أنفاسها السريعة مَن كانت مسموعة وهي تشعُر بأنها لم تعُد تتحمّـ.ـل ولذلك أكتفت بتلك الكلمات التي كانت بمثابة إنذ’ارٍ صريحٍ لهُ:
_تعالى خُدني يا “شـهاب”، مش قادرة أكمل أكتر مِن كدا تـ.ـعبت.
أخرج تنهيدة عميقة مُحمَّـ.ـلةً بالتـ.ـعب والإرها’ق، ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أنا جاي يا “مَرْيَم”، ساعة وهكون عندك.
أنهى حديثه وأغلق المكالمة دون سماع الرد مِنها، ضر’ب بعـ.ـنفٍ على مقو’د السيارة وهو يشعُر بأنفاسه تُز’هق، لم يكُن يعلم بأن الأمر سيصل إلى تلك المرحلة، لم يُصور عقـ.ـله إليه يومًا بأن أخيه مهد’دًا بالرحيل في أيَّ لحظة، شـ.ـدّ مِن قبـ.ـضته فوق المقود وز’اد مِن سرعة سير السيارة، وكأنه أضحى في سباقٍ مع الزمن الآن يسـ.ـعى فيه هو للفوز.
_____________________________
<“فـ.ـك الشفـ.ـرة لم تكُن تحتاج إلّا محتر’فًا.”>
وصل “علي” إلى المقر الجنا’ئي بعد ساعة..
ولج إلى الداخل بخطى هادئة وهو يتلقّى الترحيب مِن الجميع، اقترب مِن السيارة ليراهم يعملون بجديَّة شـ.ـديدة، لم يتركوا قطعة صغيرة دون فحـ.ـصها، رأى “إقدام” يقف على بُعد خطواتٍ مِنْهُ ولذلك اقترب بخطى هادئة ثُم وقف بالقربِ مِنْهُ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_موصلتوش لحاجة لحد دلوقتي؟.
نظر إليه “إقدام” ثُم أخرج زفيرة قصيرة وقال:
_بنر’فع البصمات مِن كُلّ حِـ.ـتة، لقينا د’م عالدركسيون بس طبعًا الد’م نشـ.ـف ودا طبيعي، بس لقينا زي قطعة صغيرة خدناها عشان نحـ.ـللها، بس عالباب اكتشـ.ـفنا إن في بصمات حد تاني، لمَ حاولنا نطا’بقها مع بصمات “شُكري” ملقيناش بينهم تطا’بق، كدا بدأنا نوصل للجا’ني.
أخرج “علي” تنهيدة طويلة ثُم أبتسم وقال:
_حلو، بدأنا نوصل لطرف الخيـ.ـط، عايزين بس صورة للجا’ني نفسُه عشان نقدر نشتغل ونكمل بعد كدا.
وافقه “إقدام” قوله وأضاف عليه كلماته:
_آه واللّٰهِ يا خويا، نشوف بس وشه وأنا هجيبه حتى لو كان تحـ.ـت الأرض.
هزّ “علي” رأسه برفقٍ ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ وعيناه تلمـ.ـع بالخبـ.ـث:
_هديك و’شه وأسيبلك مُـ.ـهمة الصيـ.ـد يا خويا، بس مش عايز أي حد غيرنا إحنا التلاتة يشـ.ـم خبر باللي هيحصل دا.
تنغض جبين “إقدام” بتعجبٍ ثُم سأله بنبرةٍ هادئةٍ قائلًا:
_مين التالت؟.
_”شـهاب”.
تركه واقترب مِن السيارة بخطى هادئة، بينما لَحِقَ بهِ “إقدام” وهو لا يفهم شيئًا، فتح الآخر باب السيارة الخلفي ثُم جلس فوق الأريكة وأخرج جهازه الحاسوبي مِن حقيبته، فَهِمَ “إقدام” ما سيفعله رفيقه ولذلك قال:
_دلوقتي فهمت، رغم إن “چيچي” قالت مش هينفع عشان دي تقنـ.ـيات حديثة ومينفعش إختر’اقها.
_”چيچي” دي على قدها، مفيش حاجة مستحيـ.ـلة طالما أنا موجود.
هكذا جاوبه “علي” مبتسم الوجه وهو يفتح جهازه ويُدخل العديد مِن الأكو’اد المعقـ.ـدة بسرعةٍ فا’ئقةٍ، بينما وقف الآخر في الخارج ينظر إليه دون أن يتحدث، كان “علي” يتفحـ.ـص الكاميرا تارا ويعود بنظره إلى الحاسوب تارا أُخرى..
مرّ القليل مِن الوقت وهو بهذا الحال حتى أخرج تنهيدة عميقة وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه ويُفكر في شيءٍ آخر، بينما كان الآخر يتابعه دون أن يتفوّه بحرفٍ، وبلحظة خطرت الفكرة على رأسه ولذلك قال:
_لقيتها خلاص.
نظر إليه “إقدام” بترقبٍ ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_لقيت إيه يا رفيقي؟.
رفع “علي” رأسه ونظر إليه مبتسمًا ثُم قال:
_غا’بت عن عـ.ـقلي أزاي دي بس، هقولك دلوقتي لو نجحت.
عاد ينظر إلى شاشة حاسوبه بتركيزٍ شـ.ـديدٍ وهاتفه بيَده يستعين بهِ إن تطلّب الأمر، بينما صدح رنين هاتف “إقدام” عاليًا في تلك اللحظة، أخرجه مِن جيب سترته ليرَ المتصل النائب ولذلك ردّ عليه بقوله المهذ’ب:
_نعم يا حضرة النائب.
صمت قليلًا يتلقّى حديث النائب “طلعت” بإنصاتٍ شـ.ـديدٍ، وحينما أنهى حديثه رد عليه هو بقوله الهادئ:
_أمرك يا حضرة النائب، ٥ دقايق وأكون عندك.
أغلق المكالمة بعدها ثُم نظر إلى “علي” الذي ترقّب سماع ما سيقوله، أخرج “إقدام” تنهيدة عميقة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_النائب عايزني، بيقول إنُه أستدعى عيلة “شـهاب” للتحـ.ـقيق دلوقتي، محتاج ياخد إفا’دتهم.
هزّ “علي” رأسه بتفهمٍ ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_خلاص روح أنتَ وأنا هبقى أقولك أول ما أوصل للد’ليل.
هزّ “إقدام” رأسه برفقٍ ثُم ودّعه مبتسمًا ورحل، بينما عاد “علي” يعمل بتركيزٍ شـ.ـديدٍ لمدة رُبع ساعة كاملة، وحينما نجح اتسعت ابتسامته أكثر فوق فمه وقال بنبرةٍ منتصـ.ـرة:
_أيوه كدا، أخيرًا اختر’قتك.
بدأ يفحـ.ـص ما تمت الكاميرا بحفظه مقطعًا تلو الآخر بتركيزٍ شـ.ـديدٍ، كان ما يراه أمامه يبدو طبيعيًا حتى وصل إلى المقطع الذي تم توثيقه في الساعة الثانية ونصف ظهرًا حتى الساعة الرابعة إلّا رُبع، بدأ يشاهده وهو يفحـ.ـص كُلّ ما يتم عرضه وكأنه آ’لة رصـ.ـدٍ..
وحينما أصبحت الساعة الثالثة إلّا رُبع بدأ الحد’ث، رأى “شُكري” يستعين بسيارته وكفه غا’رقًا في د’ماءه، تحرّك بجـ.ـنونٍ وهو ينظر خلفه بين الفينة والأخرى، مِمَّ جعل تركيز “علي” يزداد بتحـ.ـفزٍ، وبعد القليل مِن الوقت رأى سيارة أُخرى سو’د’اء تظهر في الصورة وتقوم بمطا’ردته، صاحبها حاول كسـ.ـر الطريق عليه مئات المرات..
ولكن لم يفلح هو حينها في ذلك، استطاع بعدها “شُكري” أن يهرُ’ب مِنْهُ لمدة نصف ساعة كاملة حتى كسـ.ـر الآخر الطريق عليه وأجبـ.ـره على الوقوف، رآه يُها’جمه ويسـ.ـحبه للخارج بالقو’ة، فد’قق “علي” النظر في وجه الشا’ب الذي بدا واضحًا وضوح الشمس أمامه، لا يعلمه ولكن يُيقن بأن رفيقه يعلمه..
ولذلك عبـ.ـث في هاتفه قليلًا ثُم قرّبه مِن فمه وقال بنبرةٍ أعربت عن فرحته:
_اختر’قت الكاميرا يا صاحبي، وظهر وش الجا’ني زي الشمس في الفيديو، الد’ليل ظهر خلاص.
أرسل المقطع الصوتي إليه ثُم أغلق هاتفه وقام بحفظ نسخة مِن الفيديو معهُ، لملـ.ـم أغراضه وابتسامة النصـ.ـر تعلو فمه وكأنه حقق المستحيـ.ـلات.
_____________________________
<“الوصول إلى النهاية كان هو في الأساس البداية.”>
في مركز الأ’من؛
كان النائب “طلعت” يفحـ.ـص الملفات الجديدة المتعـ.ـلقة بقضا’يا أُخرى، حتى وصله صوت طرقات خفيفة فوق الباب، سمح للطارق بالدخول ليدخل “إقدام” ويقف على مسافة وجيزة مِنْهُ قائلًا:
_سيدي أهل “شـهاب” برّه زي ما أ’مرت عشان يدوا إفا’دتهم.
أشار إليه “طلعت” قائلًا:
_دخل أول واحد فيهم يا “إقدام”.
_أمرك يا سيدي.
تركه “إقدام” وخرج يُعطي الإذن للشاهد الأول بالولوج، وكان ر’جُلٍ كبير في السـ.ـن يظهر الشيب على ملامحه، أشار إليه “طلعت” وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أتفضل.
جلس الر’جُلٍ وهو ينظر إلى “طلعت” الذي ترك ما بيَده وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_نتعرف بيك فالأول.
_”ظافر العطار”، عمّ “شـهاب” و “شُكري”.
هكذا استدل “ظافر” حديثه، بينما أبتسم إليه “طلعت” وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أتشرفنا، تقدر تقولي علا’قتك إيه بولاد أخوك، تعرف عنهم إيه ولا إذا متعرفش وفي بينكم مشا’كل عائلية، حابب أعرف كُلّ حاجة بالتفصيل.
أبتـ.ـلع “ظافر” غصَّـ.ـته بتروٍ ثُم بدأ حديثه بنبرةٍ هادئةٍ وثا’بتةٍ، بينما بدأ مساعد النائب في تسجيل ما يقوله:
_”شـهاب” و “شُكري” ولاد أخويا، مِن وقت ما والدهم تو’فاه اللّٰه وأنا المسؤو’ل عنهم، بطمن عليهم مِن الوقت للتاني وأشوفهم إذا كان نا’قصهم حاجة ولا لأ، علا’قتي بيهم كويسة جدًا ولو حصل حاجة معاهم بييجوا يحكولي عادي، بس حقيقي أنا معرفش أي حاجة عن الموضوع دا أنا زيي زيهم اتفاجئت بالحا’دثة، حتى “شُكري” مجابليش سيرة إذا كان في مشـ.ـكلة معاه ومش عايز يدخلني فيها، محدش فينا كان يعرف حاجة كُلّنا أتفاجئنا.
أخرج “طلعت” تنهيدة قصيرة ثُم بدأ يسأله عنهم أكثر حتى اصطحب البعض مِنهم وبدأ يستمع إلى الجميع، وحديثهم في الأخير كان واحد لا أختلاف في شيءٍ، حتى جاء دور ابن عمّه الذي استدل الجلسة بنفس القول، فقط كُلّ ما أُضيف عن غيره كلمات المديح والتأ’ثر واضحًا عليه وكأنه لا يُصدق ما يسمعه..
في الطابق السُـ.ـفلي بمركز الأ’من..
ولج “شـهاب” بخطى واسعة والشـ.ـرر يتطا’ير مِن عيناه، يضغـ.ـط على فكه بعـ.ـنفٍ وبيَده قطعة معد’نية صغيرة بها د’ليلٌ قو’ي سيقـ.ـلب الطاولة على الجميع، وخلفه “چيچي” التي لم تستطع أن تتفوّه بحرفٍ بعد أن رأت حالته المخـ.ـيفة تلك..
فبعد أن كان يُخـ.ـطط للعودة إلى المنزل وردته رسالة “علي” التي قلـ.ـبت الموازين وجعلته يعود مِن جديد بتلهفٍ، وكأنه عثر أخيرًا على طو’ق النجـ.ـاة مِن الغر’ق، وصل إليهم لتتجه أعين الجميع نحوه وتظهر في أعينهم العديد مِن ردات الفعل المختلفة..
نظر إليه “إقدام” بتحفـ.ـزٍ بعد أن رأى عيناه تجوب على جميع الجالسين، ثُم قال بنبرةٍ حذ’رة:
_في إيه يا رفيقي، جاي والشـ.ـر فعيونك إيه اللي حصل؟ النائب خد إفا’دة الكُلّ هنا، بس نا’قص ابن عمّك “إسلام” جوّه النائب بياخد إفا’دته.
ظهر الشـ.ـر في عينان “شـهاب” الذي ما إن أستمع إلى أسمه لم ينتظر لحظة بعدها، اقتحـ.ـم الغرفة دون أن يعـ.ـبأ بأنها تخص النائب، لم يُمهل الجميع فرصة لاستيعا’ب شيءٍ، فقد هجـ.ـم على “إسلام” يُسـ.ـدد إليه اللـ.ـكمات المتتالية ويصر’خ بهِ كالثو’ر الها’ئج بنبرةٍ د’بت الرُ’عب في قلبه:
_أنتَ يا وا’طي، أنتَ يا ابن الـ*** عايز تقتـ.ـل أخويا، دا أنا أشرب مِن د’مك حـ.ـي قبل ما تفكّر تلمـ.ـس شعرة مِنُه، عملت فيه كدا ليه؟ عملك إيه عشان خاطر تفكّر تقتـ.ـله يا *** ..!!.
لم يقدر عليه أحدٍ في هذه اللحظة، “إقدام” يُحاول إنتشا’له مِن فوقه ومعهُ “علي” و “طلعت”، وفي الخلفية كانت “چيچي” تقف وتنظر إليه بصدمةٍ حقيقية لا تُصدق ما تراه، بينما كانت “نُهىٰ” تنظر إلى ولدها وقلبها ينبـ.ـض بالخو’ف عليه، فقد فاجئهم جميعًا بفعله وترك عقو’لهم في ذهولٍ تام..
جذ’به كُلًّا مِن “إقدام” و “علي” بالقو’ة مِن فوقه، بينما نهض “إسلام” بمساعدة مساعد النائب وهو يتر’نح ويضع كفه فوق وجهه متأ’لمًا، بينما “شـهاب” أمامه ينظر إليه وهو لا ينتوي إلّا على الشـ.ـر معهُ، مكـ.ـبلًا مِن رفيقيه بالقو’ة حتى لا يتهوّ’ر مِن جديد، خصيصًا بعد أن فاجئهم..
أبتسم إليه “إسلام” بسمةٌ مستفـ.ـزة ومنحه نظرةٍ مليئةٍ بالشـ.ـر دون أن يتحدث، وكأنه يؤكد إليه صحة حديثه ويُخبره بأنه فعل ذلك بالفعل ولا يند’م على ذلك، بينما نظر النائب “طلعت” إلى “شـهاب” نظرةٍ جادة وصا’رمة ثُم قال بنبرةٍ حا’دة:
_في إيه يا “شـهاب” مش كدا إحنا فمكان فيه نظام وقا’نون، مينفعش اللي عملته دا.
نظر إليه “شـهاب” بغضـ.ـبٍ سا’حقٍ بعد أن أستفـ.ـزته كلمات “طلعت” خصيصًا وهو في هذه الحالة، فصر’خ بانفعا’لٍ وقد تشنـ.ـج جسـ.ـده كردٍ تلقائي:
_مش هاممني دلوقتي غير أخويا اللي بين الحـ.ـيا والمو’ت، أنا مش بفكّر لا فقا’نون ولا غيره أنا يهمني دلوقتي أخويا وبس، والـ*** دا هو اللي حاول يقتـ.ـل أخويا، الد’ليل معايا ..!!.
أصبحت الأنظار نحوه في هذه اللحظة مصدومة، الصمت يُخيِّـ.ـم في المكان بشكلٍ يُثيـ.ـر الر’يبة في النفو’س، حتى أنفاسهم لم تعُد مسموعة فقط صمتٍ قا’تلٍ، بينما رفع “شـهاب” يَده بالقطـ.ـعة المعد’نية الصغيرة “فلاشة” وقال بنبرةٍ حا’دة:
_الد’ليل هنا، الفلاشة عليها فيديو مِن الكاميرا اللي مر’كبها أخويا فعربيته صوّرت اللي حصل بالتفصيـ.ـل وجابت وشه ظاهر زي الشمس، والفيديو التاني خدته مِن محل فـ “صلاح سالم” جاب البيه وهو بيطعـ.ـن فأخويا وبيضـ.ـربه بأبشـ.ـع طريقة..
نظر في عينان “إسلام” التي كانت تملؤها الرُ’عب، تكاد عيناه تأ’كله حـ.ـيًّا، أكمل حديثه بنبرةٍ حا’دة بقوله:
_كُلّ سجلاتك الـ**** معايا يا “إسلام”، وهعرف السبب اللي خلّاك تعتـ.ـدي على أخويا بالمنظر البشـ.ـع دا وتحاول تقتـ.ـله، يفوق هو بس بالسلامة مِن الغيبو’بة اللي هو فيها دي وأنا أوعدك إنك مش هتكون على وش الدُنيا.
نظر إليه “طلعت” بعد أن أستطاع جذ’ب انتباهه بكلماته، أ’لقى نظرة سريعة على “إقدام” و “علي” ثُم وقف بشموخٍ وقال بنبرةٍ جادة لا تقبل النقاش:
_وريني الفيديوهات دي يا “شـهاب”.
وبعد مرور القليل مِن الوقت..
كان “طلعت” يُشاهد المقطـ.ـعين بتركيزٍ تام، وأمامه “إقدام” و “شـهاب” و “علي”، أخرج تنهيدة عميقة بعد أن شاهد الفيديو ثُم نظر إليهم وأصدر قر’اره لـ “إقدام” بنبرةٍ صا’رمة:
_خدوه عالحـ.ـبس الإنفـ.ـرادي لحد ما نشوف هنتصرف معاه أزاي.
جحـ.ـظت عينان “إسلام” بهـ.ـلعٍ وسريعًا انتصـ.ـب واقفًا وقال بنبرةٍ يشوبها الصدمة والرُ’عب:
_لأ ليه أنا معملتش حاجة، كُلّ اللي شوفتوه دا كد’ب، أنا معملتش حاجة دا مش حقيقي هما عايزين يو’قعوني وخلاص، دا إفتـ.ـرى واللّٰهِ.
أمسك بهِ “إقدام” بالقو’ة وضغـ.ـط على أسنانه وقال بنبرةٍ مكتو’مة:
_أفترى برضوا يا كد’اب يا قا”تل، أنا هوريك الأفتـ.ـرى على حق، أتحرك قدامي يا حقـ.ـير.
أنهى حديثه وهو يد’فعه أمامه بعنـ.ـفٍ، تاركًا إياه يثرثر كالبغبغاء دون أن يهتم إليه، بينما نظر “شـهاب” إلى إثره بحـ.ـدة وهو يُحاول تما’لُك نفسُه حتى لا ينقـ.ـض عليه ويقتـ.ـله، وقف “علي” بجانبه وربّت على كتفه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_نقدر نقول و’قع خلاص، أرتاح يا صاحبي شويَّة أنتَ بقالك كتير واقف على رجليك ويُعتبر مرتحتش لحظة، متقلقـ.ـش مِن حاجة المسألة بقت مسألة وقت خلاص.
أخرج “شـهاب” تنهيدة عميقة في تلك اللحظة، أخرج معها جميع مشاعره السـ.ـلبية ومخا’وفه التي طا’ردته طيلة الوقت دون أن تر’حمه، أر’تمى داخل أحضان رفيقه باستسـ.ـلامٍ تام، بينما استقبله “علي” برحابة صدر، ربّت برفقٍ فوق ظهره مبتسم الوجه دون أن يتحدث، وهو يشكر ربُّه سـ.ـرًا.
______________________________
<“أثمن لحظات المرء تكمُن في ضحكة صغيرة.”>
في قصر عائلة آل دمنهوري..
كانت الضحكات الصغيرة تنشـ.ـر سعادتها في أرجاء القصر بالكامل، كأنها تبعـ.ـث الأمل في قلوب الجميع مِن جديد، تخبرهم بأن الحياة لم تنتهـ.ـي بعد، ومازالت هُناك الكثير مِن المحاولات والفرص تستحق أن نغتـ.ـنمها، مازال الدرب طويلًا يستحق الشـ.ـقاء، وأشخاصًا جُدد سيقتـ.ـحموا حياتنا ليُشاركونا أسعد لحظاتنا، يُقدمون الدعم والحُبّ، ويرونا أشخاصًا تُثيـ.ـر الدهشة في أعينهم..
داخل غرفة “ليل”..
كان يقف في منتصف الغرفة ويحمل صغيرته على ذراعه، يُلاعبها ويمنحها قبلاته الصغيرة على أنحاء وجهها الصغير، تسـ.ـلل صغيره “رائد” مِن خلفه كاللـ.ـص الصغير الذي يُريد سر’قة قطعة الحلوى خاصته، وقف فوق الفراش وهو ينظر إلى أبيه بعينين صغيرتين تلمعان بالمكـ.ـر..
كان “ليل” مندمجًا مع صغيرته التي كانت تعـ.ـبث في لحـ.ـيته، لحظات خـ.ـطط فيها الصغير كيف سيُها’جم أبيه كما أعتاد، وبعدها قرر إقامة الحـ.ـد عليه، قفـ.ـز عليه دون سابق إنذ’ار وتعلّـ.ـق في عُـ.ـنقه وهو يصر’خ بنصـ.ـرٍ، تفاجئ “ليل” مِن فعل صغيره حتى أنَّهُ أختـ.ـل توازنه وعاد خطوتين للخلف بسبب هجو’م هذا الكا’ئن الصغير..
سيطـ.ـر على نفسُه سريعًا قبل أن يسـ.ـقط بهما وصا’ح بهِ متو’عدًا بقوله الو’قح:
_يا ابن الـ***، أنتَ مبتحر’مش ياض، دا أنا هعـ.ـلقك.
ضحك “رائد” عاليًا بعد أن نجح في إثا’رة غضـ.ـب أبيه ثُم قال بنبرةٍ ضاحكة:
_مش هتقدر يا بابا.
أغتا’ظ “ليل” مِن عناد صغيره وتحد’يه إليه، ولذلك تو’عد إليه بقوله:
_ماشي يا ابن الـ****، أنا هوريك دلوقتي.
اقترب مِن مهد صغيرته ووضعها فيه بهدوءٍ بعد أن لثم وجنتها بحنوٍ ثُم وضع ذراعيه خلفه وأمسك بصغيره الذي تشبـ.ـث أكثر بهِ وهو يعلم بأن أبيه سيسـ.ـحبه في أيَّ لحظة كما أعتاد، في هذه اللحظة اقتربت “روزي” مِن الخلف بخطى غير محسو’سة، ومِن ثم مدّت كفيها وداعـ.ـبت خصره الصغير بأناملها الر’فيعة مبتسمة الوجه..
رنّت ضحكة الصغير عاليًا وبحركةٍ تلقائية ترك أبيه وحاول إبعاد يَدي والدته عنهُ، أمسكت “روزي” بهِ ورأت زوجها يلتفت لهما وهو ينظر إلى ولده بمكـ.ـرٍ وبسمةٌ خبـ.ـيثة بعد أن فاز عليه للمرَّة التي لا يعلم عددها، أخذه مِنها ووضعه فوق الفراش واعتـ.ـلاه هو مد’غدغًا إياه دون توقف بالتزامن مع علو صوت ولده بضحكاتٍ متتالية لا تتوقف..
_فاكر نفسك أذكى مِني ياض، دا أنا أجيبك حتى لو كُنت فآ’خر الدنيا ياض، دا أنا “ليل” يا شبر ونص.
صر’خ “رائد” ضاحكًا بعد أن زاد أبيه الأمر سو’ءًا عليه، ووقفت “روزي” في الخلفية تُتابع مبتسمة الوجه، ضحكت بعد أن رأت كيف أضحى صغيرها أمام عا’صفة أبيه فأ’رًا صغيرًا يبحث عن مخـ.ـبأ يأ’ويه، تركه في الأخير بعد أن نا’ل مِنْهُ ووقف يلهـ.ـث مبتسمًا، بينما ظل الصغير مكانه يلهـ.ـث ويضع كفيه الصغيرين فوق وجهه الذي آلا’مه بسبب كثرة ضحكه..
ألتفت إلى زوجته التي كانت تقف وتعقد ذراعيها أمام صدرها، تنظر إليه مبتسمة الوجه وأعينٍ لامعة، اقترب مِنها بخطى هادئة ووقف أمامها مباشرةً دون أن يتحدث، عيناه فضـ.ـحته وقالت ما لا ينطقه فمه، اقترب مِنها بهدوءٍ ولثم وجنتها بحنوٍ وقال بنبرةٍ خافتةٍ:
_طالعة زي القمر النهاردة عن كُلّ يوم، إيه السـ.ـر يا ترى؟.
نظرت في عيناه مبتسمة الوجه، والخجـ.ـل قد طـ.ـغى على وجنتيها بشكلٍ ملحوظ، بينما اتسعت ابتسامته أكثر وقال:
_قولي إني عشان بطّـ.ـلت أبقى د’بش معاكي، أعتر’في وقولي الحقيقة مش هز’عل على فكرة أنا هتبسط مِني ومش بعيد أتغّـ.ـر حبتين.
ضحكت “روزي” وازدادت الحُمـ.ـرة على وجنتيها وكأنها قررت أن تكـ.ـشف أمرها تلك المرَّة أمامه دون أن تتهرّ’ب، هزّت رأسها برفقٍ تؤكد على حديثه دون أن تتحدث، وبنفس اللحظة اتسعت ابتسامته أكثر فوق فمه فضمّها بحُبٍّ إلى د’فء صدره وقال بنبرةٍ أعربت عن حُبّه لها:
_تقريبًا لو فضلت أقولك كُلّ شويَّة بحبك مش هنخلص وهتز’هقي مِني، بس بجد أنا بحبك أوي يا “روزي”، وحاسس الفترة دي إن حُبك زا’د فقلبي عن كُلّ لحظة عدت معرفش إيه السبب بس حاسس إني محتاجك جنبي علطول، تبقي قريبة مِني لأن فقُربك أنا برتاح نفسيًا واللّٰهِ، بحسّ إن الدنيا بخير.
أبتعدت عنهُ قليلًا تنظر إليه مبتسمة الوجه وبأعينٍ لامعة أعربت عن حُبّها لهُ، رأت الصد’ق في عيناه بارزًا كالشمس، وكأنه يؤكد إليها صحة حديثه، حاوطت وجهه بكفيها الدا’فئين، تمنحه لمـ.ـستها المليئة بالحنان والد’فء وكأنها تطمئن قلبه وتُعيد ترتيب عقله، اقتربت مِنْهُ ولثمت وجنته بحنوٍ..
_وأنا هفضل قريبة مِنك وجنبك طول العُمر، مستحيـ.ـل حاجة تقدر تبعدني عنك يا “ليل”، دا أنتَ حبيب رو’حي.
اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه فرحةً بكلماتها، وكأنه حظى بمكافأةٍ خاصة وفريدة مِن نوعها، ضمّته هي هذه المرَّة بحنوٍ دون أن تتحدث، فهي تعلم بأنه يحتاج إلى تلك اللحظة حتى وإن لم يطلبها، فنظرة عيناه وحدها تستطيع أن تكشـ.ـفه، بينما رحّب هو بتلك اللحظة برحابة صدر..
ولكن “رائد” لم يكُن يُعجبه هذا الأمر، وكأن أبيه سر’ق مِنْهُ شيئًا ثمينًا لا يُقدّر بثمن، نهض بعد أن قرر إفسا’د تلك اللحظة عليه ووقف أمامهما يعقد ذراعيه الصغيرين أمام صدره وقال بنبرةٍ أعربت عن ضـ.ـيقه:
_أبعد عنها لو سمحت عشان هي ليّا أنا بس.
لم يستجـ.ـيب إليه “ليل” الذي قرر تجا’هله حتى لا يقطـ.ـعه إر’بًا في تلك اللحظة، ولكن الصغير لم يصمت عند تلك النقطة، بل أخذ خطوة للأمام وقرر أن يجعله يستجيب إليه بالإجبا’ر، ولذلك سـ.ـدد إليه ضر’بة قو’ية في خصره، أبتعد على إثرها “ليل” الذي تأ’وه وقال بنبرةٍ حا’دة متو’عدًا إليه:
_يا ابن الـ****، ياض أنتَ مبتتعلمش أبدًا.
نظر إليه “رائد” بعد أن تنغض جبينه وقال بنبرةٍ غا’ضبة:
_متقربش مِن ماما ولا تحضنها علشان بغيـ.ـر.
_بـ إيه يا رو’ح اُمك؟ وتغيـ.ـر مِني ليه كُنت جوز اُمك وأنا معرفش؟.
هكذا رد عليه “ليل” بنبرةٍ حا’دة بعد أن أستمع إلى كلماته التي بالطبع أصا’بته بالصدمة وجعلته لا يُصدق ما يسمعه، بينما ضحكت “روزي” حينما رأت النقاش بين زوجها وصغيرها سيتحوّل إلى ساحة حر’ب لن تخمـ.ـد إلّا بانتصا’ر إحدى الطر’فين، نظر الصغير بعنا’دٍ إلى أبيه وقال:
_بغيـ.ـر عليها، مبحبش حد يحضنها غيري.
ترك “ليل” زوجته وصـ.ـبّ تركيزه على هذا الصغير الذي بالتأكيد سيقـ.ـتله بصدمة عصـ.ـبية عمَّ قريب، أشار إليه بسبابته وقال بنبرةٍ حا’دة:
_بقولك إيه ياض مش عيل شبر ونص زيك اللي هيقولي أعمل إيه ومعملش إيه، دي مراتي يعني أحضنها براحتي مش هستنى أو’امر مِنك، ولو مش عاجبك أخبط د’ماغ أهلك فأكبر حـ.ـيطة هنا.
رفع الصغير حاجبه عاليًا وكأن كلمات أبيه لم تُعجبه، شـ.ـدّ عو’ده وقال متحـ.ـديًا إياه:
_لأ مش هتحضنها أنا الوحيد هنا اللي مسموحله يحضنها، أنا بغيـ.ـر عليها ومبحبش أشوف را’جل غريب يحضنها قدامي.
_مين يا رو’ح اُمك؟ را’جل غريب ليه شايفني واحد شا’قطها مِن جامعة الدول وهفسحها فسحتين وبعدين اخُد رقمها، ما تظبط الكلام ياض علشان معـ.ـلّقش زي الد’بيحة على باب القصر، أنا ما’سك نفسي عنك فلحظة هوريك عجايب الدنيا.
لم يرد عليه “رائد” تلك المرَّة بل ألتفت إلى والدته ورفع رأسه بشموخٍ وقال بنبرةٍ قو’ية:
_خلاص الاختيار ليكي يا ماما، أنا ولا هو.
_لأ بقى أنا سكتلك كتير، ومش هفضل ما’سك لساني علطول ..!!.
تجا’هل الصغير صيحا’ت أبيه بهِ عمـ.ـدًا وظلت عيناه مثـ.ـبتةً على والدته ينتظر الجواب مِنها، فوحدها مَن ستختار مَن يبقى ومَن يرحل، أعاد سؤاله عليها مِن جديد بقوله:
_يلّا يا ماما اختاري، أنا ولا هو؟ واللي هتختاريه مِننا هيفضل فالأوضة دي والتاني ياخد حاجته ويمشي فأي أوضة تانية، متخليهوش يضغـ.ـط عليكي وعلى فكرة أنا را’جل ميخد’عكيش بس حجمي دا مع إنها مبتتقا’سش بالأحجام.
_أحيـ.ــه، دا أنا أتلغـ.ـيت وأتقـ.ـل مِني وأنا واقف مِن حـ.ـتت عيل لسه كان بيتغيّرله إمبارح، دي بقت تربية ****، دا أنا ربيت عشان أتنفـ.ـي مِن الوجود مش عشان يتم تقديري فيما بعد ..!!.
رنّت ضحكة “روزي” عاليًا ووضعت سريعًا كفها فوق فمها وهي ترى صدمة زوجها في “رائد” الذي في لحظة نفـ.ـىٰ وجود أبيه وكأنه لم يأتي يومًا، بينما هو لم يهتم وظل مصـ.ـرًّا على قراره، ولكن في لحظة جذ’به “ليل” مِن سترته ونظر إليه بشـ.ـرٍ وقال بنبرةٍ مكتو’مة:
_كدا الحر’ب بينا قامت، أنتَ اللي أختارت ووقفت قصادي فأستحمـ.ـل يا ابن الـ*** اللي هعمله فيك، وعهد اللّٰه يا “رائد” لأند’مك وهخليك تقول حقي بر’قبتي.
تدخّلت “روزي” في تلك اللحظة قبل أن يسو’ء الوضع وهي تفصـ.ـل بينهما قائلة:
_بس أنتوا الاتنين بتتخا’نقوا وتعا’ندوا بعض على إيه، خلاص يا “ليل” متعملش عقـ.ـلك بعقـ.ـله.
عا’ندها “ليل” الذي ضغـ.ـط على أسنانه وقال بنبرةٍ حا’دة:
_وعهد اللّٰه لهعمل د’ماغي بد’ماغه لحد ما نشوف آخرة الحوار دا هيرسىٰ على إيه، مش هو اللي جَـ.ـر شَـ.ـكَلي يستحـ.ـمل.
ضحكت “روزي” مِن جديد في محاولةٍ أُخرى مِنها لإبعادهما عن بعضهم، ولكن أبى “ليل” الإنسحا’ب قبل أن يرى إلى أين سيصلا في تلك الملحـ.ـمة التي تشكّـ.ـلت بين الإبن والأب.
_______________________________
<“أثمن لحظات المرء مع د’فءٍ عائليٍ خاص.”>
في غرفة المعيشة الكبيرة..
كان “حُذيفة” جالسًا فوق الأريكة يضحك عاليًا كُلّما صر’خ صغيره الذي لا يفعل شيئًا سِوى أن يخسـ.ـر أمامه، نظر إليه “عدنان” وصا’ح بنبرته الطفولية بعدم تصديق:
_أزاي عمّال تكسبني بجد، طب سيبني أكسبك مرَّة واحدة بس.
ضحك “حُذيفة” مِن جديد بعد أن رأى اليأ’س قد تمـ.ـلّك مِن صغيره، نظر إليه وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_أنا نبـ.ـهت عليك وقولتلك يا “عدنان” محدش بيعرف يكسبني فالشطرنج، مسمعتش أنتَ الكلام وعا’ندت خلاص براحتك بقى.
نظر إليه “عدنان” نظرةٍ مُحمَّـ.ـلة بالبر’اءة الطفولية وكأنه يظن بأنه سيجعل أبيه يلـ.ـين أمام تلك النظرة، وصدقًا لم يُخـ.ـطئ في ذلك فقد تأ’ثر أبيه بالفعل، أخرج تنهيدة طويلة ثُم قال:
_الخبـ.ـث الطفولي فأبهى صورة واللّٰهِ، ماشي يا “عدنان” يلّا وهخليك تكسبني المرَّة دي.
_بجد ولا بتضحك عليّا؟.
نظر إليه “حُذيفة” نظرةٍ ذات معنى فقال:
_أنا عُمري ضحكت عليك برضوا؟.
شَعَر “عدنان” بالتأ’ثر بسبب نبرة أبيه ونظرته، ولذلك خضـ.ـع أمامه وقال:
_لأ بصراحة، خلاص متز’علش يلّا نلعب.
اعتدل “حُذيفة” في جلسته وضمّه إلى أحضانه أكثر وقال بنبرةٍ هادئةٍ مبتسم الوجه:
_يلّا يا عمّ، أبدأ.
بدءا اللعب مِن جديد بتركيزٍ أكبر، ولكن تلك المرَّة هو بالفعل أستطاع أن يتغـ.ـلّب على أبيه، كُلّ ما كان يحتاج إليه التركيز فحسب، صا’ح بسعادة بقوله:
_كسبتك أخيرًا، أنا مش مصدق نفسي بجد.
ضحك “حُذيفة” ولثم وجنته الصغيرة بحنوٍ ثُم قال بنبرةٍ يشوبها الفرحة:
_شوفت بقى لمَ بتركز أزاي بتكسب.
ضحك “عدنان” بفرحة وضمّ أبيه الذي ضحك وضمّه لصدره ولثم وجنته بحنوٍ ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_تعرف إن أنا بحبك أوي.
نظر إليه “عدنان” مبتسم الوجه وقال بنبرةٍ أعربت عن حُبّه إليه:
_وأنا كمان بحبك أوي يا بابا، بحبك قد البحـ.ـر.
نظر “حُذيفة” في وجه صغيره الذي ور’ث مِنْهُ ملامحه، كأنه يرى نفسه في صغره، رفع كفه ومسح على خصلا’ته النا’عمة برفقٍ، لا يعلم ما سبب هذا الشعور ولكنهُ شعورٌ لطيف، ضمّه للمرَّة التي لا يعلم عددها وترك نفسه لهذا الشعور الجميل، شعور الأبوة المفر’طة والحنان الزائد..
أسند رأسه فوق رأس صغيره التي وُضعت فوق كتفه وشرد في الماضي، رأى صورته في صغره تتشكّل في عيناه، ضحكاته وشقا’وته؛ وها هو اليوم يحمل صغيره، قطـ.ـعة مِنْهُ ومِن حبيبته، حُبّ الطفولة والشبا’ب؛ أمسك كفه الصغير يتلمـ.ـسه برفقٍ، صغره ونعو’مته ذكّرته بالحنين إلى الطفولة..
شـ.ـدّ مِن ضمّته لهُ وقال بنبرةٍ هادئةٍ متسائلة:
_بقولك إيه، بما إننا قاعدين فمـ.ـلل تيجي نخرج سوا؟.
_هنروح فين؟.
فكّر “حُذيفة” قليلًا قبل أن يُعطيه الجواب هُنَيهة ثُم قال:
_أي مكان، نروح مطعم أو كافيه، أو نلـ.ـف بالعربية شويَّة، أي حاجة تكسـ.ـر المـ.ـلل دا يا عمهم.
وافق “عدنان” على حديثه فورًا بعد أن لمعت عيناه:
_موافق أكيد، بُص أنا جعان فناكل وبعدين تاخدني نشرب حاجة.
_طب و “أيسل” هنعمل إيه نسيبها يعني هتزعل مِني، يرضيك أزعلها؟.
رفع “عدنان” رأسه ونظر في عيناه وقال مبتسمًا:
_لأ طبعًا، خلاص قولها تيجي معانا وتسيب “يونس” مع تيتا ونخرج سوا وبكدا هي مش هتزعل مِننا.
هزّ “حُذيفة” رأسه برفقٍ ثُم منحه قُبلة حنونة واستقام في وقفته حاملًا إياه على ذراعه ثُم أتجه إلى غرفته بخطى هادئة وهو يتحدث معهُ ويمازحه، ولج إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه وهو يقول:
_”أيسل” أجهزي عشان هاخدك أنتِ و “عدنان” أوديكم حتت مطعم تُحفة، عازمكم عالغدا.
______________________________
<“مفاجأة مد’وية لم تكُن في الحُسبان.”>
في شقة “عنان”..
كانت والدة “عنان” تسير في أرجاء الشقة كالنحـ.ـلة التي لا تتوقّف عن الد’وران، كانت قد أنهت عملها بالكامل وها هي تقف بفستانها البسيط وحجاب رأسها تؤكد على كُلّ ما تم تحضيره، بينما كان “فضل” في الخارج يتحدث في الهاتف، وفي الغرفة كانت “عنان” قد انتهت وتجلس الآن أمام المرآة تنظر إلى إنعكاس صورتها بها..
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا لونه بترو’لي وخمارها بنفس اللون، وضعت بعضًا مِن الزينة النا’عمة وهي لا تعلم حتى الآن مَن هذا الزائر الذي سيحضر فجأة ويتناول الغداء معهم، أخذت هاتفها تعبـ.ـث بهِ قليلًا حتى يمُر الوقت وترى مَن يكون هذا الزائر..
وبعد مرور رُبع ساعة..
وصلها صوت أبيها الذي رحّب بالزائر بحـ.ـرارة، تنغض جبينها ونظرت إلى باب غرفتها المغلق، اضطـ.ـربت نبـ.ـضات قلبها بعنـ.ـفٍ داخل صدرها وهي لا تعلم السبب، فهذا لا يحدث إلّا معهُ هو؛ ابتـ.ـلعت غصَّـ.ـتها بتروٍ ودون أن تشعُر قبـ.ـضت على ملاءة الفراش..
بينما في الخارج أشار “فضل” إلى “وهيب” ووالديه بالجلوس مبتسمًا وجلس هو وزوجته معهم، نظر “فضل” إلى “وهيب” وقال مبتسمًا:
_نوّرتنا يا عريس أنتَ والعائلة الكريمة.
أبتسم “وهيب” وقال بنبرةٍ هادئةٍ مهذبة:
_البيت منوّر بصحابه دايمًا يا حج “فضل” واللّٰهِ.
بدأت العائلتين بالتعارف على بعضهما ثُم بدأت الأحاديث تند’رج نحو أمور الزواج، قدّمت لهم “زينب” كرم الضيافة ثُم بعدها اتجهت إلى غرفة أبنتها بخطى هادئة، فتحت الباب لتُبصر “عنان” تجلس فوق الفراش تضع قدمًا فوق أُخرى وتعـ.ـبث في هاتفها بمـ.ـللٍ، أبتسمت “زينب” بزاوية فمها ثُم قالت بسخريةٍ:
_عيـ.ـشت وشوفت عروسة يوم ما عريسها ييجي يتقدملها تبقى قعدة فأوضتها حاطة ر’جل على ر’جل وماسكة موبايلها، عجبًا عليك يا زمن.
رفعت “عنان” رأسها تنظر لها بترقبٍ وذهولٍ، نظرت في عيناها وهي تنتظر سماع المزيد مِنها، ولذلك لم تُطيل عليها “زينب” وقالت:
_”وهيب” برّه هو وباباه ومامته، نزل مخصوص عشان يتقدملك.
انتصـ.ـبت “عنان” في وقفتها سريعًا بصدمةٍ واضحةٍ بعد أن أستمعت لها، نبـ.ـض قلبها بعـ.ـنفٍ في صدرها حتى أر’تجفت أوصا’لها، وبالفعل جاءها صوته مِن الخارج، تلك النبرة لا تُخـ.ـطئها أُذنيها مهما حدث، بينما أشارت لها “زينب” وقالت:
_تعالي يلّا عشان تطلّعي الشربات.
تركتها وخرجت دون أن تلتفت خلفها، بينما ظلّت “عنان” في مكانها لا تتحرّك، كالصنـ.ـم المنحو’ت في العصر الجا’هلي، لا تُصدق ما يحدث فلم يُخبرها أحدهم بأن فارسها سيأتي اليوم ليطلب الوِّد مِنهم، وضعت يَدها على صد’رها وحاولت تنظيـ.ـم أنفاسها برغم فشـ.ـلها، ثُم خرجت بخطى بطيئة؛ رأت “زينب” تنتظرها بصينية متوسطة الحجم يعلـ.ـوها أكوابًا أنيقة مِن الشربات..
أخذتها مِنها بأيدي مر’تجفة ثُم سارت تجاه غرفة المعيشة بحذ’رٍ وكأنها تخشى أن يتم الإمسا’ك بها بالجُـ.ـرم المشهود، لمحته مِن بعيد يجلس بجوار أبيها ويتحدث معهُ بوجهٍ ضاحكٍ، نبـ.ـض قلبها بعـ.ـنفٍ مِن جديد حينما رأت ضحكته ولمعة عيناه التي لم تنفـ.ـك عن ناظريها يومًا حتى في أحلامها تطا’ردها..
خرجت والخجـ.ـل يطغـ.ـي على وجهها بعد أن شَعَرت بأنظار الجميع قد صوِّ’بت نحوها وعلى رأسهم هو، ظهرت لمعة خاصة في عيناه حينما نظر لها وكأنه رأى أميرته الحسناء تر’أف بقلبه وتمنحه فرصةً على طبقٍ مِن الذهب لا تتكرر مرتين، نبـ.ـض قلبه بعـ.ـنفٍ داخل صدره حينما رآها، ودون أن يشعُر منحها أبتسامة عا’شق سـ.ـقط في بؤ’رةٍ مِن الفتـ.ـن التي لا تنتهـ.ـي..
جلست أمامه دون أن تنظر إليه ويَديها أسفل الطاولة تضغـ.ـط عليهما بخجـ.ـلٍ، أبتسم والد “وهيب” وقال:
_بسم اللّٰه ما شاء اللّٰه يا “فضل”، ونِعمة التر’بية واللّٰهِ، أخلا’ق وأحترام وحـ.ـشمة وجمال، لينا الشـ.ـرف واللّٰهِ إننا نناسبكم.
وافقته زوجته القول ثُم أضافت على حديث زوجها بقوله مبتسمة الوجه:
_عندك حق يا حج، للأما’نة يعني أنا قلبي أرتا’حلها، وشها بشوش وفيه القبول ما شاء اللّٰه، ولو لينا نصيب إن شاء اللّٰه هعاملها زي بنتي وأكتر كمان، وأهي تبقى بنتي الأولى لأني معنديش غير “وهيب” أبني وحيد أبوه واُمه.
أبتسم “وهيب” ونظر إليها يرى الخجـ.ـل يكاد يبتـ.ـلعها حـ.ـيَّة في مكانها، وهذا أكثر شيءٍ أحـ.ـبَّهُ فيها؛ لمحها تبتسم في الخـ.ـفاء ولذلك لم يستطع أن يمـ.ـنع ابتسامته كذلك وترك أبيه يتوّ’لى ذِ’مام الأمور في تلك الجلسة، وبعد مرور القليل مِن الوقت انسحـ.ـبوا جميعهم وتركوها أمامه كي يتحدثا سويًا ويتعرفا على بعضهم بشكلٍ أفضل..
أخرج هو تنهيدة قصيرة ثُم قرر هو البدء في الحديث، ولذلك نظر لها وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_عارف إنك مصدومة ومتفاجئة، بصراحة أنا اللي قولتلهم ميعرفوكيش حاجة، حبيت تكون مفاجأة ليكي، عشان أشوف رد فعلك دا دلوقتي قصاد عيني.
أزداد خجـ.ـلها أكثر مِن زي قبل، ولكنها لم تستطع أن تُخفـ.ـي سعادتها بقدومه، فعيناها كانت تفضـ.ـحها طيلة الوقت أمامه، أعتدل هو في جلسته وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_تحبي تسأليني عن أي حاجة؟ براحتك أسألي زي ما تحبي هجاوبك بصراحة.
رفعت رأسها أخيرًا ونظرت في عيناه قليلًا، ابتـ.ـلعت غصَّـ.ـتها وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_أنتَ يعني، بتصلي، بتقرأ قرآن، بتد’خن ولا لأ، هل كان في قبلي ولا أنا الأولى.
تفهَّم هذا النوع مِن الأسئلة التي تُريد قولها، ولذلك لم يبخـ.ـل عليها بالإجابة وقال مبتسمًا:
_تمام فهمت قصدك، أنا بصلي وبحافظ عالخَمَس فروض كاملين وبصليهم فمواعيدهم، بقرأ وبحفظ القرآن فنفس الوقت ومش بد’خن نهائي، عُمري ما صاحبت واحدة، أنتِ أول واحدة تشـ.ـدني وأبقى حاسس مِن ناحيتها بحاجة ودا اللي خلّاني أجيب والدي ووالدتي عشان أدخل البيت مِن بابه علطول، قبل كدا كان تعامُلي معاكي بحد’ود الشغل وبس، بس الموضوع مقتصـ.ـرش على الشغل بس فعشان كدا أنا جاي أشرب الشربات ونعـ.ـلي مع بعض الجواب.
أطمئن قلبها وكادت سعادتها تأخذها وتر’فرف بها عاليًا، لم تستطع أن تمنـ.ـع ابتسامتها مِن الظهور ولذلك حمـ.ـحمت وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_أنا كمان بصراحة زيك، عُمري ما فكّرت أصاحب شا’ب لأن مش دا اللي أنا أتر’بيت عليه، معنديش أي تجا’رب سابقة بصراحة ولو لينا نصيب دي هتكون المرَّة الأولى ليّا، فهتعا’ني معايا بعدين.
أبتسم “وهيب” وقال بصراحةٍ تامة:
_بصراحة أنا كمان دي هتكون أول تجربة ليّا لو حصل نصيب بينا، وأنا مستعد إننا نمشي الطريق سوا مع بعض مِن الأول، دي حاجة تفرحني على فكرة، بصراحة مقدرش أديكي أي وعود دلوقتي بس تأكدي إني هعمل أي حاجة فسبيل إني أحا’فظ عليكي مِن نفسي أولًا ومِن أي حد ثانيًا، وإن شاء اللّٰه أكون عند حُسن ظنك بيّا.
منحته “عنان” ابتسامة هادئة بعد أن أستشـ.ـفت الصدق مِنْهُ، عادوا مِن جديد وألتزموا أماكنهم ليأتي قول والد “وهيب” الذي أبتسم:
_أنا شايف إنهم متفاهمين الحمدللّٰه.
أجابه “فضل” بنبرةٍ هادئةٍ ووجهٍ مبتسمٍ:
_يبقى تدونا أسبوع “عنان” تستخير ربنا وتفكّر مع نفسها كويس، وأول ما تدينا الإجابة هنبلـ.ـغكم بيها علطول.
أبدى والد “وهيب” موافقته وقال:
_تمام، و “وهيب” بُكرة راجع مقـ.ـره تاني أول ما ناخد الموافقة بإذن اللّٰه أجي أتفق معاك يا حج “فضل” و “وهيب” ينزل قبلها بيومين يروحوا ينقوا اللي يعجبهم والخطوبة تبقى بعدها بيومين عشان اللي حا’كمنا بس الجيـ.ـش وهو مش صابر يستنى ٦ شهور كمان.
ضـ.ـجت الغرفة بضحكاتهم وأعطى “فضل” موافقته على حديث والد “وهيب”، بدت في غضون لحظات العلا’قة تأخذ منحد’رًا لطيفًا، وضعت “زينب” الحلوى أمامهم وقد اندمجت مع والدة “وهيب” في الحديث وكذلك “فضل” مع والده، بينما “وهيب” كان يكتفي بالنظر إلى “عنان” التي كانت تنظر في جميع الاتجاهات عداه..
كانت سعيدة بشـ.ـدة ولا تُصدق بأن “وهيب” قد جاء بالفعل وطلب القر’ب مِنها، شَعَرت في تلك اللحظة بأنها أنتصـ.ـرت في حر’بٍ كانت هي الطر’ف المحا’رب الوحيد فيها، لم يضـ.ـيع حُبّها الداخلي لهُ، وكُلّ ما كتبته في كُتيبها أضحى حقيقة وواقعًا ملمو’سًا أمامها، فبالفعل هو أصبح فارسها النبيل.
