![]() |
رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة وسبعة بقلم بيسو وليد
الخو’ف هو عد’و الإنسان الحقيقي..
حينما يتمـ.ـلّك مِن الإنسان لا ير’حمه بتاتًا، وكأنه يتلذذ بتعذ’يبه بشكلٍ مستفـ.ـز، وعلى إثره فقد يكون هو رفيقه الوحيد في رحلته الفردية، فإما أن يتغـ.ـلّب هو عليه، أو يأ’كله هو..
<“لم يُشفـ.ـى القلب مِن ند’وبه بعد.”>
مرّ يومان على هذا الحا’دث المؤ’لم..
فيهم كان “شـهاب” كالشـ.ـريد على أرضه، لا يعلم أين هو ومَن يكون وأين رفيق الدرب، هذا الفتى الذي منذ أن وعى في هذا العالم لم يُفا’رقه لحظة، تعهدا على السير معًا؛ ومع أول ضر’بة ضـ.ـدهما لا يجد هذا الصغير..
كان يقف أمام النافذة الزجا’جية التي تتوسّط الجدار، ينظر إلى أخيه الغا’ئب عن هذا العالم، العديد مِن الأجهزة تحاوط جسـ.ـده الهز’يل، يتغذى على المحا’ليل المُعـ.ـلّقة فقط، كانت عيناه لا تُفا’رقه وقلبه يئـ.ـن مِن شـ.ـدة الأ’لم الملحق بهِ، اقتربت مِنْهُ الممرضة ووقفت على مقربةٍ مِنْهُ وقالت:
_أستاذ “شـهاب”، أتفضل عشان نجهزك.
استفاق هو على صوتها الذي كان طو’ق النجـ.ـاة مِن عالمٍ أسو’د مليئًا بالأ’لم والوحدة، لم يستطع أن يتركه تلك الدقائق وحيدًا، وكأن قلبه لا يوافقه هذا الفعل ولكن عقله أخبره أنَّهُ سيذهب حتى يعود مِن جديد ويرافقه دون أيَّ حو’اجز يُمكن أن تُفـ.ـرقهما..
ذهب إلى غرفة التعقيـ.ـم وقام الممرض الذي كان ينتظره بتجهيزه، ثُم عاد مِن جديد إلى أخيه، ولكن تلك المرَّة فتحت لهُ الممرضة الباب وسمحت إليه بالدخول، خطّت قدمه أولى خطواتها داخل الغرفة، وأُغلق الباب خلفه أوتوماتيكيًا بعد ولوجه، كُلّ ما كان يُسمع هو صوت الأجهزة، الغرفة بدت وكأنها معزولة تمامًا عن العالم الخارجي..
اقترب مِن الفراش بخطى خفيفة، بطيئة وكأنه يخشى الاقتراب؛ وفي الخارج وقفت “مَرْيَم” تنظر إليه بحزنٍ د’فينٍ وكفها يُربِّت فوق مو’ضع قلبها الموجو’ع، اقتربا مِنها كُلًّا مِن “ليل” و “حُذيفة”، وقفا إلى جوارها ونظرا إلى رفيقهم الذي دُ’مر في ثوانٍ حينما تلقّى الضر’بة في قلبه النا’بض، أخيه الحبيب..
وقف “شـهاب” جوار فراشه، عيناه تتشربانه وكأنه لم يراه منذ زمنٍ طويلٍ، ترقرق الدمع بهما وهو يتفحـ.ـصه بعناية با’لغة الدقة، وجهه متعـ.ـب؛ يحمل جرو’حًا لا تأتي شيئًا بجوار جرو’حه الداخلية، بشرته شا’حبة وشفتاه فقـ.ـدت لونها، جسـ.ـده الذي دومًا كان قويًا لا يهو’ى أصبح ضعيـ.ـفًا لا يستطيع الوقوف وحيدًا..
نقل بصره إلى الأجهزة المحـ.ـيطة بهِ بعد أن تأمّل هيئته، الإ’برة مغرو’سةً بكفه بشكلٍ يؤ’لم القلب، جهاز القلـ.ـب يعرض طبيعة النبـ.ـض والمؤشرات الحيو’ية لجسـ.ـده، وعلى رأسه ضما’دة تُعانقها وكأنها تُد’اوي جر’وحها النا’زفة، نزولًا إلى أنفه الذي كان يمر مِن أمامه خر’طومًا رفيعًا للغاية تم وضعه مؤخرًا بعد أن أنتظمت أنفاسه..
نزل بعيناه إلى جذ’عه العا’ري حيث الأجهزة تحا’وطه كعصا’بة مطا’ردة، كان مستسـ.ـلمًا لقدره بشكلٍ آ’لم قلبه بشـ.ـدة وجعله يغمض عيناه، اضطـ.ـرب نبـ.ـض قلبه داخل صدره، وكأنه يُعبّر عن خضـ.ـم المعا’ناة التي يعيشها الآن، تسـ.ـلل الدمع مِن عيناه كالفتى الخا’ئن الذي أو’هم عشـ.ـيرته بالبقاء وكان هو أول مَن قام بخيا’نتهم..
جلس فوق المقعد بجسـ.ـدٍ مترا’خٍ واسند رأسه فوق الفراش ثُم أجهش في البُكاء، لم يعُد يتحمّـ.ـل لقد عاش العذ’اب وتجرّ’ع القسو’ة بما يكفي ومازال يد’فع الثمن حتى تلك اللحظة، أصبح لا يقدر على الموا’جهة لقد تعـ.ـب بشـ.ـدة ولم تر’أف بهِ الدُنيا لحظة، رفع رأسه ونظر في وجه أخيه بوجهه الباكي دون أن يتحدث..
ينتظر أن يرأف هو بهِ ويُر’يح رو’حه التي تعذّ’بت في هذه الحياة، ولكن كيف يأتي الأمل مادام لم يكُن هُناك الد’افع، رفع كفه ونز’ع قنا’ع وجهه بيأ’سٍ، كان يتنفّس بصوتٍ مسموعٍ كمَن كان يركض في سباق المائة متر، ترقرق الدمع في عيناه واضطـ.ـربت وتيرة أنفاسه حينما بدأ الحديث بنبرةٍ يملؤها الأ’لم قائلًا:
_أنا تعـ.ـبت، اُقسم باللّٰه العظيم أنا تعـ.ـبت، مش قادر أكمل ومبقاش عندي طاقة خلاص، أنا قلبي بيتحر’ق طول اليوم ونا’ره مش راضية تخمـ.ـد، مش قادر عايز أصر’خ بأعلى صوت ومش قادر أعملها، أنا أتد’اس عليّا لمَ قرروا يأ’ذوني فيك، كسـ.ـروني يا خويا وحر’قوا قلبي على أعز ما أمـ.ـلُك، مش قادر أصدق إن عدّى يومين ودا التالت ولسه لحد دلوقتي مسمعتش صوتك، محستش بد’فا حُضنك ولا حنيتك عليّا وقت ضعـ.ـفي، أنا موجو’ع ومضطـ.ـر أكمل وموقفش..
_عايز أجيب حقك ومش عارف، القا’تل قدامي ومش عارف أجيبه مِن ر’قبته أخلّـ.ـص عليه، حتى الأد’لة اللي تثبت حقوقك و’جعاني ومش عارف أنساها، بقت كابو’س فأحلامي يا “شُكري”، أنتَ لازم تعا’فر وتقوم، مينفعش تسيب أخوك بطوله فالدُنيا دي وتمشي، أنا مبحسش بالأ’مان غير وأنتَ فضهري، أول ما تحصل معايا مشـ.ـكلة بجري عليك أنتَ، مش بشوفك على إنك أخويا الصغير، أنتَ أبويا يا “شُكري”، فيك مِن أبويا كتير أوي، كُلّ ما بشوفك بحسّ إني شايفُه قدامي..
مدّ كفه الدا’فئ وأمسك بكف أخيه البارد، أتحا’دهما يُعيد الحياة لأرضٍ مـ.ـيتةٍ، مال نحوه ولثمه بحنوٍ ثُم مسح فوقه برفقٍ وأكمل:
_يمكن أنتَ متعرفش حاجة زي دي، بس صدقني أنتَ فيك مِنُه كتير، خو’فك عليّا وعـ.ـصبيتك مِنُه، عيونك اللي دايمًا بيفضـ.ـحوك قدامي حتى لو لسا’نك منطقش بحرف، ملامحك كُلّها مِنُه بس يا دوب الإسم متغيّر، فاكر يا “شُكري” الأغنية دي؟ كُنا نغنيها دايمًا لبعض فأخر الليل وإحنا قاعدين تحت السما وبنسهر سهرتنا المعتادة لوش الفجر، نضحك ونهزر ونر’ازي فبعض زي ما أتعودنا..
أبتسم أبتسامة خفيفة وهو ينظر في وجهه بعينين باكيتين قليلًا، ثُم تلاشت ببطءٍ حينما قابله السكون مِن أخيه الغا’ئب بعقله وجسـ.ـده عن الجميع، تكاثرت العبرات في عيناه بشكلٍ مخـ.ـنق، حتى تسا’قطت واحدة تلو الأخرى كالشلا’لات المنهمـ.ـرة، مدّ كفه ببطءٍ نحوه وهو مترددًا بشـ.ـدة، فلا يعلم إن كان ذلك مسموحًا بهِ أم لا..
لا’مس وجه أخيه برفقٍ، لمـ.ـسة لم تخـ.ـلو مِن حنانه يومًا، وفي تلك اللحظة بدأ يدندن بنبرةٍ يكسوها الحزن والاختنا’ق، يبوح إليه عن احتياجه الشـ.ـديد في هذه اللحظات:
_وبحتاجلك وتحتاجلي، ما بينا ألف حلقة وصل،
وبشبهلك وتشبهلي فحُبّ الخير وطيبة الأصل،
مليش غيرك أكيد لكن محدش فينا مختار حد،
أنا وأنتَ حكاية ناس مقاسمين الحياة مع بعض،
وجودك شيء مكملني لأني لوحدي مش هقدر،
ملامحك كُلّها مِني يا دوب الإسم متغيّر،
مجردّ بس ما تصبّرني وتقولي أنا جنبك،
تطيب خاطري مِن همي بكلمة طالعة مِن قلبك.
توقّف فجأةً عن الغناء وهو ينظر إليه، يتمنى أن يراه يُبدي أيّ إشارة تدل على تجاوبه معه، فقط إشارة صغيرة تُخبره أنَّهُ مازال هُنا، مازال يشعُر بهِ ويسمعه، أنتظر أن يُكمل المقطع التالي ولكن تلك المرَّة لم يكُن هُنا، كان في عالمٍ آخر تمامًا..
اعتدل في جلسته ورفع كفه الآخر ومسـ.ـح عبراته برفقٍ بعد أن هدأ قليلًا، أغمض عيناه قليلًا يُحاول تهدأ نفسه واستعادة ذاته، لحظات وفتح عيناه مِن جديد ونظر إليه بعز’يمة ر’جُلٍ لا يُقهـ.ـر وقال بنبرةٍ لم تخـ.ـلو مِن حد’ته:
_وعد مِني ليك لهرجعلك حقك، مهما كان التمـ.ـن هيرجع، أعرف مِنك بس الوا’طي دا عمل فيك كدا ليه وإيه الدا’فع وأنا هخلّيه يعفـ.ـن فالسجـ.ـن بقية عُمره، صدقني يا “شُكري” ودا وعد مِن أخوك اللي لو وعد بيوفي علطول.
أنهى حديثه ثُم نهض بهدوءٍ دون أن يتحدث، مال نحوه بنصفه العلوي ولثم جبينه بحنوٍ با’لغٍ وتأمله قليلًا، أخرج تنهيدة قصيرة وهمس بنبرةٍ حنونة لهُ:
_لازم تقا’وم وتقوم يا خويا، عشان مش أنا لوحدي اللي مستنيك تقوم، في واحدة هتمو’ت مِن خو’فها عليك وعايزة تقولك كلام كتير أوي مش عارفة تقولهولك.
استقام في وقفته وتأمله للمرَّة الأخيرة، ثُم تركه وخرج بعد أن انتهت مدة الزيارة، وجد رفيقيه رِفقة زوجته ينتظرونه، نظر لهما بقلة حيلة دون أن يتحدث، فقط جسـ.ـدٍ مر’هق وعينان ذا’بلتين، اقترب مِنْهُ “ليل” وضمّه بحنوٍ دون أن يتحدث، فقط أكتفى بعناقٍ حنونٍ يُد’اويه..
استسـ.ـلم إليه “شـهاب” وترك نفسُه لرفيقه، فهو يحتاج إلى المعو’نة ولم يجدها الآن إلّا في عناق هذا الرفيق الذي لم يخيـ.ـب ظنّه بهِ يومًا، شـ.ـدّ “ليل” مِن ضمّته إليه وربّت برفقٍ فوق ظهره دون أن يتحدث، فقد فضّل أن يلتزم الصمت حتى لا يزيد مِن جرو’ح هذا المسـ.ـكين الآن.
_______________________________
<“العودة إلى مما’رسة ما يُحب المرء ويهواه.”>
في منتصف اليوم..
كانت “برلين” في متجرها الحبيب، عادت إلى ما تهواه وتُفضله دومًا، هُنا حيث تجد راحتها وسعادتها بين الزهور المختلفة، كان هذا اليوم صـ.ـعبًا عليها، فقد عـ.ـجّ بالزائرين بشكلٍ لم تتخيّله يومًا، فلم يسبق يومًا وكان متجرها مزدحمًا هكذا..
كانت تُرافق إحدى الفتيات، تُعرفها على أنواع الزهور التي تجـ.ـهلها وتشرح لها إيلاما ترمز، وبين هذا الازدحام ولج هو بخطى هادئة، عيناه تبحثان عنها بين هذا الحشـ.ـد الجديد عليه، لمحها عن قربٍ تُعطي الفتاة باقة الورد مبتسمة الوجه ثُم ودّعتها..
اقترب مِنها بخطى خفيفة بعد أن رآها تتجه إلى مكتبها، بينما كانت هي تضع النقود في الدرج مبتسمة الوجه فبعد أن كادت تيأ’س مِن الأمر وتُفكر في إغلا’قه ها هو الأمل عاد إليها مِن جديد، أغمضت عيناها وحمدت ربها سـ.ـرًا بوجهٍ صافٍ، ولكن في لحظة خا’طفة شَعَرت بأنفاسٍ سا’خنة تضر’ب صفحة وجهها، وقُبلة خا’طفة تُطبع على وجنتها..
حُبِـ.ـسَت أنفاسها في تلك اللحظة واضطـ.ـربت نبـ.ـضات قلبها بجـ.ـنونٍ داخل صدرها، فلا أحد يتجـ.ـرأ على هذا الفعل في متجرها، ولكنهُ أنقـ.ـذ نفسُه مِن فضـ.ـيحة كُبرى كادت على وشك إحد’اثها بهمسه الد’افئ في أُذنها:
_إياكي تفكّري فيها بينك وبين نفسك، لأن محدش هيتجـ.ـرأ يعمل كدا غيري.
هدأت نو’بة الغضـ.ـب داخلها وقد لاحظ هو ذلك مِن أر’تخاء قبـ.ـضتها وانتظام وتيرة أنفاسها، ألتفتت هي لهُ ونظرت في عيناه بوجهٍ جا’مد دون أن تتحدث، بينما نز’ع هو نظارته وابتسم لها قائلًا:
_إيه النظرة دي، كُلّ دا عشان أتأخرت ساعة بس؟ طب واللّٰهِ الطريق كان ز’حمة دا أنا جيتلك بمعجـ.ـزة أساسًا.
عقدت ذراعيها أمام صدرها ورفعت حاجبها الأيمن عاليًا وكأنها تُشـ.ـكك في حديثه، فهي تعلم متى يكذ’ب ومتى يكون صاد’قًا معها، والآن هي تراه يكذُ’ب عليها بمنتهى الجر’أة ظنًا مِنْهُ أنها لن تعلم بذلك، اقتربت مِنْهُ خطوتين ونظرت بعمقٍ في عيناه وقالت:
_طب أحلف كدا إن الطريق كان ز’حمة فعلًا وإنك مروحتش فمكان تاني مِن غير ما تقولي.
كتـ.ـم هو ضحكته داخله بعد أن أغلقت هي سُبُـ.ـل النجـ.ـاة في وجهه، فهو بالطبع يكذُ’ب فاليوم عطلة ولا أحد يخرج كثيرًا، نظر في عيناها البُنيّة قليلًا ثُم غمز إليها بعبـ.ـثٍ وقال بنبرةٍ لم تخـ.ـلو مِن مكـ.ـره:
_جمال عيونك بيشـ.ـدوني ولو طاوعتهم شكلك هيبقى و’حش قصاد الناس دي.
ابتسمت هي بزاوية فمها بتهكـ.ـمٍ، تسخر مِن تهـ.ـديداته الفارغة مِن وجهة نظرها، ولكنها لم تكُن كذلك فهو كان جادًا في حديثه، نظرت إليه وقالت:
_متتهر’بش يا “مينا” وجاوبني عشان مش هسيبك غير لمَ أعرف.
أخرج تنهيدة قصيرة ثُم هزّ رأسه برفقٍ وبلمح البصر مال نحوها قليلًا ولثم وجنتها بحنوٍ ثُم قال مبتسمًا:
_عملت مشوار كدا فصالحك قبل ما أجيلك.
توّ’ردت وجنتيها بالحُمـ.ـرة وتمـ.ـلّك الخجـ.ـل مِنها حينما فاجئها هو بهذا الفعل أمام الجميع، منحته ضر’بة بدت خفيفة بالنسبةِ لهُ فوق صدره وأشا’حت برأسها بعيدًا وهي تكاد تتمنى أن تنشـ.ـق الأرض وتبتـ.ـلعها، بينما بالكاد قد تما’لك هو نفسُه حتى لا ينفجـ.ـر ضاحكًا والتفت ينظر حوله يتأكد مِن أن لا أحد قد رآه..
وقد صدق بالفعل حينما رأى الجميع منشغلٌ بمشاهدة الورود، التفت إليها مِن جديد وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_على فكرة محدش خد باله، كُلّه مندمج فالورد وأنا مع الوردة البرايفت بتاعتي.
اقترب مِنها مجددًا وهو يبتسم بتسـ.ـليةٍ، فقد وجد متـ.ـعةً لا توصف في تلك اللحظة لا يعلم كيف لم يُفكر بها يومًا، أمسك ذراعها وأدارها نحوه لتُصبح في موا’جهته، رفع رأسها إليه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_يا سِتي ما قولتلك محدش خد باله، بمنظرك دا هتخلّيهم ياخدوا بالهم.
نظرت إليه نظرةٍ حا’دة ثُم ضغـ.ـطت على اسنانها وقالت بنبرةٍ متو’عدةٍ:
_ماشي يا “مينا”، لينا بيت.
ضحك هو بخفةٍ على حديثها ثُم وقف بشموخٍ وقال بنبرةٍ ما’كرةٍ:
_حتى بعد اللي هقولهولك دا.
رفعت حاجبها بتحـ.ـدٍ وضغـ.ـطت على أحرف كلماتها بقولها:
_مهما قولت، مش هتراجع عن كلامي يا “مينا”.
هزّ “مينا” رأسه برفقٍ ثُم اقترب مِنها خطوة وأمسك بذراعها يمـ.ـنعها مِن الابتعاد عنهُ، نظر قليلًا لها ثُم أخرج زفيرة قصيرة وقال:
_أنا جبتلك العلا’ج تقدري تمشي عليه مِن النهاردة، دا أولًا، ثانيًا بقى فأنا روحت لز’فت الطيـ.ـن طليـ.ـقك دا وكسـ.ـرتلك عينه، خلّيته مش عارف يودي وشه مِني فين قصاد عيلته كُلّها.
لمعت عينان “برلين” في تلك اللحظة، لا تُصدق ما تسمعه أُذنيها؛ وصدقًا أستطاع أن ينجح ويجذ’ب انتباهها إليه في لحظة واحدة، فابتسم وهمس إليها قائلًا:
_كُلّهم عرفوا إنك سِـ.ـت البنات وقادرة تكسـ.ـري عين أتخـ.ـنهم، عرفوا إنك ينفع تخـ.ـلفي عادي ومش أرض بو’ر زي ما كانوا بيقولوا عليكي، وقولتلهم إن أول ما تخفـ.ـي وتحمـ.ـلي هتكون المفاجأة مستنياهم ساعتها وفأي وقت، بس إن جيتي للحق أنا عرفت حاجة صد’متني.
تنغض جبينها وزاد فضولها لسماع المزيد مِنْهُ، لا تُنكـ.ـر بأنها شَعَرت بالسعادة بفعله، ولكن ما ستسمعه سيجعلها تشعُر بالإنصا’ف، هكذا فكّرت هي؛ بينما اقترب هو مِنها أكثر وهمس إليها حتى لا يسمعهما أحدٍ قائلًا:
_الباشا طلع عقـ.ـيم ومكانش يعرف.
جحـ.ـظت عيناها بصدمةٍ حقيقية حينما استمعت إليه، استطاع أن يُفاجئها بكُلّ سهولة وجعلها تشعُر بأن حقها قد عاد بعد هذا الذُ’ل والاحتقا’ر الذي عاشته وهذا الأ’لم الذي لم يترك رو’حها يومًا، لمعت عيناها ونظرت في عيناه تنتظر إجابة تأكيدية، فهزّ هو رأسه بعد أن تفهم نظرتها وقال:
_عملوا تحا’ليل عشان السينيورة اللي متجوزها كانت عايزة تخـ.ـلف، وأول ما عرفوا مسـ.ـحت بكرا’متهم كُلّهم الأرض ومسـ.ـكته غسيل ومكو’ة، خدت حقك وحقها مِنُه.
رُسمت البسمةُ فوق فمها دون أن تشعُر، وسـ.ـقطت عبراتها فوق صفحة وجهها دون أن تمـ.ـنعها، فهذا أشبه بحُلمًا بالنسبةِ إليها، فأ’كّد هو على قوله بهزّة صغيرة مِن رأسه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_حقك رجع الحمدللّٰه، هو اللي بقى واقف مش قادر ينطـ.ـق بحرف واحد، ووشه فالأ’رض وعينه مكسو’رة، أنا مر’حمتهوش برغم حالته دي ودو’ست على جر’حه، زي ما عمل معاكي بالظبط لمَ مر’حمكيش هو وعيلته الوا’طية، ولسه هو’جعه أكتر بس مش دلوقتي، فالتوقيت المناسب عشان حقك يرجع ويتقفل الباب دا نها’ئي.
بكت “برلين” دون أن تنطـ.ـق حرفًا بعدها، فشعور المرء حين تُد’هس كر’امته وقلبه ليس شعورًا عابرًا يُمكن أن يتغا’ضىٰ عنهُ، ضمّ جوا’رحها قبل أن يضم جسـ.ـدها، ضمّ قلبًا استنـ.ـزف كُلّ طاقته وبقيّ يقطـ.ـر د’ماءًا لا يعلم إن كانت ستُد’اوى أم لا..
ربّت بحنوٍ فوق ظهرها ومنحها قُبلة حنونة فوق رأسها، كطفلة صغيرة جُر’حت مِن الحياة وركضت إلى الصدر الحنون الذي نصـ.ـفها أمام الجميع، تركها تبكي مثلما تُريد دون أن يمنـ.ـعها، فهو يعلم أنها الآن تحتاج إلى المو’اساة أكثر مِن أيُّ شيءٍ آخر..
ألتفت ينظر إلى الفتاة التي كانت تُنادي زوجته ثُم عاد ينظر لها وقال:
_”برلين” في ناس محتاجاكي برّه هتقدري تخرجيلهم ولا؟
هزّت رأسها تنفـ.ـي قوله دون أن تتحدث، بل ابتعدت عنهُ قليلًا ورفعت كفيها تمسـ.ـح عبراتها وهي تُحاول تهدأة نفسها، بينما رفع هو كفه ومسـ.ـح بحنوٍ فوق رأسها وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_طب خلاص خليكي هنا، وأنا هخرج بدالك ومتخرجيش غير لمَ تحسي إنك كويسة، أتفقنا؟
هزّت رأسها برفقٍ توافق على حديثه، فاقترب هو مِنها ولثم جبينها بحنوٍ ثُم تركها وخرج ليُلبي نداء الزبائن، نظرت إلى إثره وجلست بهدوءٍ فوق مقعدها تُحاول تهدأة نفسها، بينما اقترب هو مِن الفتاة وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أتفضلي.
نظرت إليه الفتاة باندهاشٍ ولم تتحدث في بادئ الأمر، فقد توقعت أن ترى “برلين” وليس هذا الر’جُل الذي يرتدي حُلّته العسكـ.ـرية، نظرت إلى صديقتها بتساؤلٍ والتي بدورها سألته بحذ’رٍ بنبرةٍ هادئةٍ:
_هي “برلين” مش موجودة النهاردة؟
أبتسم “مينا” بعد أن تفهّم الأمر ولذلك قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_لأ موجودة بس مر’هقة شويَّة، أنا هنا بدلها مؤقتًا تحبو تطلبوا حاجة؟
نظرت الفتاتين لبعضهم قليلًا وكأنهن يتشاورن بالنظرات، وهذا لم يُخفـ.ـى عنهُ فهو يفهم لغة الأعين وخبرته ليست بقليلة، ألتفت ينظر إلى زوجته التي كانت تترقب ما يحدث بقلـ.ـقٍ، منحها أبتسامة مطـ.ـمئنة ثُم نظر إلى الفتاتين وقال:
_على فكرة أنا بعرف أعمل بوكيهات حلوة زي “برلين”، ميغركوش البدلة دي أنا أتعلمت مِنها، جرّبوا.
نظرت لهُ الفتاتين قليلًا بعد أن فكّرن قليلًا في الأمر ثُم وافقت الأولى على اقتراحه بقولها الهادئ:
_ماشي موافقين.
أبتسم “مينا” بعد أن نجح في إقناعهن، وبدأ يستمع إلى طلباتها بهدوءٍ وتركيزٍ شـ.ـديدٍ، وكأنه يتلقّى أوامر عسكـ.ـرية؛ وبعدها بدأ هو في تجهيز الباقة بمهارة وخفة لم يكُن يتوقعها، فتلك الفتاتين كانتا اختبارًا ويجب عليه أن ينجح فيه..
بينما كانت “برلين” تلتزم مكانها وتشاهد زوجها بعينين لامعتين وابتسامة خفيفة تُزين ثغرها، تراه يفعل شيئًا جديدًا عليه، فيه يُجا’هد نفسه ليُثبـ.ـت نجاحه؛ وبعد مرور الوقت رأت الفرحة في أعين الفتاتين حينما أنهى هو الباقة بالشكل المطلوب..
رُسمت بسمتها فوق فمها باتساعٍ بعد أن رأت زوجها أستطاع أن يُتقن عملها بدلًا عنها، اقترب مِنها بخطى هادئة مبتسم الوجه، وضع الوريقات النقدية فوق مكتبها أمامها ونظر في عيناها وقال:
_عايزك ترتاحي على قد ما تقدري، طول ما أنا موجود مش عايزك تقـ.ـلقي مِن حاجة.
تركت “برلين” مكتبها واقتربت مِنْهُ تحت عيناه، ضمّته بحُبٍّ ووضعت رأسها فوق صدره، تسمع نبـ.ـضه الهادئ داخل صدره، كُلّ نبـ.ـضة مِنْهُ كأنها نغمة نا’عمة صاحبتها “برلينه”، مسّد فوق خصلا’تها برفقٍ ولثم جبينها بحنوٍ دون أن يتحدث..
لم يبتعد عنها بعد تلك القُبلة بل ظلّ ثا’بتًا يستنشق تلك الرائحة العطرية الخفيفة التي تنبعث مِن خصلا’تها، فوجودها وحده يُطمئن قلبه أنها مازالت هُنا، إلى جوار قلبه ونيسةً وحبيبةً.
______________________________
<“بعض اللحظات العائلية لا تُشترى.”>
في أُمسية هذا اليوم،
داخل قصر عائلة آل دمنهوري،
كانت الأجواء هادئةً بعد هذه الأحد’اث المجـ.ـنونة التي عاشوها، القصر أصبح أكثر هدوءًا ود’فئًا، زاد الترا’بط الأُسري بين الجميع حتى أضحى الأمر في أعين الغرباء كالاتحا’د السو’فيتي..
في المطبخ الواسع؛ كان “ليل” الجد يقف أمام الرخا’مية، يسند كفيه فوقها ويُفكر ماذا سيأكل في هذا التوقيت بعد أن غادرت زوجته للاطمئنان على “شُكري” وزيارة “نُهىٰ”، كانت عيناه البُنيّة تجوب في كُلّ رُكنٍ بهِ، وعقله لا يكف عن التفكير، أخرج تنهيدة عميقة مِن جو’فه وتمتم بقلة حيلة:
_فينك يا “روز”، كُنت زماني متعشي دلوقتي مِن إيدك زي ما عودتيني.
أعرب عن احتياجه لها في تلك الكلمات البسيطة، وكأنه أشتاق لنَفـ.ـسها الدا’فئ في طعامه، فوحدها مَن يستطيع أن يأ’كل مِن يديها دون أن يستفسر عن شيءٍ، فهي تُعد الطعام بحُبٍّ لهُ..
ولج حفيده الأكبر بعد أن لمحه بطرف عينه، نظر إليه بترقبٍ ثُم قال بنبرته الرجو’لية متسائلًا:
_مالك يا جدي واقف عندك كدا ليه؟
التفت إليه الجد بهدوءٍ ونظر إليه، كان حفيده يقف بملابسه السو’د’اء وينظر لهُ بترقبٍ، أخرج تنهيدة قصيرة ثُم قال:
_مفيش جعان ومش عارف أعمل إيه، وجدتك مش هنا عشان تعملي زي ما متعود.
_طب ما تخلّي حد مِن الخد’م يعملك.
هكذا جاوبه ببساطة دون اكتراث، فرآه يلتفت إليه بحد’ةٍ وهو يقول بنبرةٍ صا’رمة:
_مستحيـ.ـل، أنا خدت على أكل جدتك، مبقتش أعرف أكُل غير مِن إيديها هي.
لم يتفاجئ “ليل” الحفيد مِن إند’فاع جده العد’واني ذاك، فهو يعلم أنَّهُ بالفعل لا يستطيع أن يتناول مِن أيدي أُخرى غيرها، وهذا حقه؛ أبتسم لهُ ثُم اقترب مِنْهُ بخطى خفيفة وهو يقول بنبرةٍ هادئةٍ:
_طيب محلولة، تعالى نطبخ أنا وأنتَ سوا … أنا كمان جعان وكُنت جاي أشوف أي حاجة أكُلها.
وقف جواره وعيناه تجوب أمامه بين أغراض المطبخ، بينما تنغض جبين “ليل” الجد بتعجبٍ وسأله قائلًا:
_وفين مراتك؟
رُسمت ابتسامه هادئة بزاوية فم الحفيد، ثُم جاوبه بنبرةٍ هادئةٍ:
_مفيش، غضـ.ـبانة عليّا النهاردة، فقالتلي متطلبش مِني حاجة النهاردة قامت أتقمـ.ـصت وطلعت على فوق.
رفع “ليل” الجد حاجبه عاليًا مستنكرًا تلك البر’اءة التي يتحدث بها حفيده، فتلك ليست عادته؛ ر’شقه بنظراته الحا’دة وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_قلبي مش مطا’وعني إني أصدقك يا “ليل”، أنتَ عملت حاجة خلّتها تقلـ.ـب عليك بالمنظر دا.
اتسعت ابتسامة “ليل” الحفيد فوق فمه بعد أن أمسك بهِ جده متلـ.ـبسًا، نظر إليه بطرف عينه وقال:
_أصل أنا كسـ.ـرتلها قلم كحل جديد.
رفع “ليل” الجد حاجبه عاليًا مستنكرًا قوله وتلك البسمة معًا، فرد عليه بقوله المغتا’ظ:
_دا أنتَ تستاهل تضر’ب برشا’ش بسبب برود أهلك فالكلام دا مش تتحر’م مِنها بس.
ضحك “ليل” الحفيد عاليًا على كلمات ونبرة جده، فمال نحوه قليلًا وهمس إليه قائلًا بعـ.ـبثٍ:
_عايز أقولك إني بحسّ بمُتـ.ـعة ر’هيبة وأنا بكسـ.ـرلها كُلّ يوم قلم شكل.
_عشان أنتَ مر’يض نفسي.
ضحك الحفيد على كلمات جده الذي اغتا’ظ بشـ.ـدة مِن فعل حفيده الأكبر، غمز إليه بعـ.ـبثٍ وقال:
_مر’يض نفسي بس برتاح واللّٰهِ، صعـ.ـب أشرحلك.
أخرج “ليل” الجد تنهيدة طويلة وعميقة ثُم قال بنبرةٍ جادة:
_طب فُـ.ـكك مِن الجـ.ـنان بتاعك دا وفكّرلي هناكل إيه، أنا جعان أوي ومش هستحمـ.ـل أكتر مِن كدا مكالتش حاجة مِن الصبح.
وبهدوءٍ تام نز’ع “ليل” الحفيد معطفه الشتوي الأسو’د وتركه فوق ظهـ.ـر المقعد، ثنـ.ـى أكمام كنزته السو’د’اء وقال:
_يعني لو على بالي أكلة معيّنة دلوقتي هتاكل معايا.
هزّ “ليل” الجد رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_آه هاكل، أنا جعان بقولك.
غسل “ليل” الحفيد يديه ثُم ذهب إلى الثلاجة وشملها بعيناه بنظرةٍ سريعةٍ، وبعد لحظات أخرج ما احتاجه وعاد إلى جده، شمل الجد ما جلبه حفيده سريعًا ثُم قال:
_مكرونة بشاميل.
أبتسم “ليل” الحفيد وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_بالفراخ، هتاكُل أحلى مكرونة بشاميل فحياتك يا جدي، ثق فيّا.
أبتسم الجد بعد أن بدأ تحضير تلك الوجبة ومساعدة حفيده فيها قائلًا:
_خلاص طالما فيها مكرونة بشاميل يبقى لازم أحط لمـ.ـساتي السحـ.ـرية، عشان محدش فينا يعـ.ـلي عالتاني.
ضحك “ليل” الحفيد وبدأ في تحضيرها وهو يتحدث مع جده طيلة الوقت عن أشياءٍ كثيرة ومختلفة، يتبادلان الضحكات والدُعابات، ومع مرور الوقت وضعها “ليل” الحفيد في الفر’ن واغلقها، ألتفت إلى جده وقال بنبرةٍ يغمرها المرح:
_خلصنا الحمدللّٰه، نا’قصلنا السلطة، هعملك طبق سلطة يا جدي مكالتهوش فحياتك قبل كدا.
جلس “ليل” الجد فوق المقعد الخشـ.ـبي وأشار إلى حفيده بقوله:
_لأ أعملها أنتَ بقى أنا مش قادر.
ضحك “ليل” الحفيد بعد أن جلس في مقابلته وبدأ في تقـ.ـطيع الخضروات قائلًا:
_إيه يا جدي، فرهـ.ـدت بسرعة وأنا اللي قولت إنك جبـ.ـل، صينية مكرونة بشاميل تهـ.ـدك كدا.
هزّ “ليل” الجد رأسه برفقٍ وقال:
_يا ابني جعان، أنا مِن ساعة ما فطرت الصبح مكالتش تاني، جدتك معملتليش حاجة النهاردة.
نظر إليه حفيده مبتسم الوجه والخبـ.ـث في عيناه حاضرًا، تحدث بنبرةٍ هادئةٍ قائلًا:
_جدتي طلع قلبها قا’سي، بقى يجيلها قلـ.ـب تسيب الر’اجل الحلو المسمسم دا مِن غير أكل كُلّ دا، لأ مش مصدق.
_شوفت بقى، مع إني غـ.ـلبان ومعملتش حاجة.
ولج “حُذيفة” في تلك اللحظة بعد أن مرّ مِن أمامهم ووصله صوتهما، نظر إلى ما يفعله ابن عمّته وقال متسائلًا:
_بتعملوا إيه فالمطبخ؟
رفعا رأسيهما معًا ونظرا إليه، فأجابه “ليل” الجد بنبرةٍ هادئةٍ:
_جعانين فعملت أنا والو’اد دا صينية مكرونة بشاميل بالفراخ إنما إيه مقولكش.
جذ’ب “حُذيفة” مقعدًا وجلس إلى جواره وأبتسم قائلًا:
_يبقى أنا اُمي بتحبني ودعيلتي ليلة القدر عشان أحضر الحد’ث العظيم دا.
رفع “ليل” الجد ذراعه وربّت برفقٍ فوق كتف حفيده مبتسم الوجه، وبهدوءٍ ظاهري قال:
_بشوفك قدامي قلبي بيطمن، معرفش إيه السبب بس أول ما بشوف “حُذيفة” فأي وقت بحسّ إن الدُنيا لسه بخير.
نظر الحفيد إلى جده مبتسمًا بعد أن أستمع إلى تصر’يحه المفاجئ لهُ، فرأى ذلك في عيناه وكأنه يؤكد على صدق كلماته، مدّ كفه وأمسك بكف جده ثُم قرّبه مِن شفتاه ولثمه بحنوٍ وقال:
_علشان قلو’بنا طيبة وبتحسّ ببعض يا جدي، دا شيء شبه ترابط الأروا’ح كدا، لمَ يكون في حدث معيّن را’بط قلبين ببعض صعـ.ـب أي حاجة تفرّ’قهم، وإحنا كُلّنا معاك كدا كبيرنا قبل صغيرنا، أنتَ حلقة الو’صل بينا كُلّنا منقدرش نعيش مِن غيرك يا حبيبي.
ترقرق الدمع في عينان الجد الذي كان ينظر إلى حفيده وكأنه يرى المعجزة أمام عيناه، فلم يفشـ.ـل حديثه يومًا أن يأ’ثر قلبه، وكأنه يعلم مفتاحه أين يكمُن؛ ضمّه إلى د’فء صدره وشـ.ـدّ برفقٍ مِن ضمّته لهُ، وكأنه يضمّ كنزًا ثمـ.ـينًا لا يُقدّر بثمنٍ في زمنٍ قلّ فيه الأ’صيل..
بادل الحفيد عناق جده في تلك اللحظة، ليكون الأمر في أعين الجميع أحتياجًا قبل أن يكون سـ.ـد فجو’ة في حياة الحفيد، فما إن وضع “حُذيفة” رأسه فوق كتف جده وشَعَر بد’فء جسـ.ـده أبتسم، وغمره الحنين في تلك اللحظة ورأى نفسُه طفلًا صغيرًا كان يركض إليه في طفولته..
نظر ابن عمّته لهما مبتسمًا دون أن يتحدث، ويقوم بتقطـ.ـيع الخضراوات في تلك اللحظة، فوحده مَن يفهم نظرة رفيقه ويعلم ما ينقـ.ـصه، ولذلك يجده دومًا في عناقٍ صغيرٍ مِن هذا الجد الذي أضحى لهم الأب الرو’حي.
______________________________
<“عودة الضجـ.ـة لبيتٍ أفتقـ.ـر في غيابهم السعادة.”>
في غرفة المعيشة الدا’خلية للقصر..
كان “مُعاذ” يجلس فوق الأريكة وعيناه مثـ.ـبتةً فوق شاشة التلفاز الكبيرة التي تتوسط الجدار، كان يُتابع المباراة بتركيزٍ تام، عقله مندمجًا بها بشكلٍ لا يوصف؛ بينما وقفت “چود” في الخلفية تنظر إليه بابتسامة حنونة بعد أن رأت عودة تلك الرو’ح المرحة التي حينما غابت عنهم ساعاتٍ قليلة فقط أضحى المنزل وكأنه مـ.ـيتًا..
وقف “فادي” جوارها وهو ينظر إلى أبيه بأعينٍ راضية، ابتسامته رُسمت فوق فمه حينما رأى أبيه الذي كان ير’حل ببطءٍ أمام أعينهم يجلس أمام التلفاز الآن ويُتابع فريقه كأيّ مشجعٍ مُحبٍّ لفريقه، أخرج تنهيدة قصيرة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_وجوده وسطنا مش كمالة عدد، هو رو’ح البيت دا، ولمَ الرو’ح دي حاولت تخرُج إحنا كمان بدأنا نمو’ت معاها بالبطيء، إحنا كبشر مبنحسش بقيمة الناس اللي فحياتنا إلّا لمَ بنلاقيهم بيرو’حوا فلحظة مِننا، بشوفه وهو مش قادر ياخد نفـ.ـسُه قدامي وعمّي وجدي بيحاولوا يساعدوه بحسّ إن قلبي و’جعني، لأول مرَّة أحسّ إني ولا حاجة مِن غيره.
نظرت إليه “چود” بابتسامة هادئة وعينين لامعتين، ترى نظرة الاحتياج في عينان ولدها دون أن تسمعها مِنْهُ، فلم يكُن “مُعاذ” مجرّد زوج وأب لولديه، بل هو الر’وح التي تسكُن في أجسا’دهم إن غادرت ما’ت هذا الجسـ.ـد..
رفعت كفها وربّتت بحنوٍ فوق ذراعه دون أن تتحدث، فلا تمـ.ـلُك الكلمات المناسبة لتقولها إليه في هذه اللحظة، تركها هو واتجه إليه بخطى هادئة، بعد أن قرّر أن يُلبي هو هذا الاحتياج تجاهه، جلس إلى جواره دون أن يتحدث، فقط وضع رأسه فوق كتفه..
نظر إليه “مُعاذ” قليلًا دون أن يتحدث، ولكنهُ عَلِمَ ما يشعُر بهِ ولده تجاهه، عَلِمَ أنَّهُ لا يستطيع أن يتخيّل تلك الحياة بدونه، فإن كان على قيـ.ـد الحياة الآن وابتسامته لا تُفا’رقه فهذا لأجله هو..
ضمّه “مُعاذ” مبتسمًا ولثم جبينه بحنوٍ، مسّد برفقٍ على ذراعه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أنا بقيت أحسن مِن الأول، مش عايزك تخا’ف عليّا.
مدّ “فادي” ذراعه وأمسك كف أبيه برفقٍ وشـ.ـدّ عليه، وكأنه يُثبـ.ـت لهُ شيئًا لا يُقال، بل يُحس؛ تحدث بنبرةٍ هادئةٍ قائلًا:
_خو’فت عليك أوي يا بابا، منظرك قدامي وقتها مش راضي يتمـ.ـحي مِن د’ماغي، حتى شعوري وقتها مش قادر أنساه، مش مُتخيِّل حياتي مِن غيرك يا “مُعاذ”.
أبتسم “مُعاذ” حينما استمع إلى كلمات ولده إليه، فشـ.ـدّ مِن ضمّته إليه وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أي حاجة بتحصل فحياتنا سواء حلوة أو و’حشة فهي مكتوبة تحصلنا مِن قبل ما نيجي عالدُنيا يا “فادي”، ومفيش حاجة بتحصلنا إلّا ولازم يكون فيها در’س لينا علشان نتعلم، وبعدين أنا و “سامح” كدا مِن زمان، هزارنا غشيـ.ـم حبتين وإحنا عارفين كدا، في اللي مش حابب دا وفي اللي لقى مفيش فايدة مِن الكلام معانا فسابونا.
رفع “فادي” رأسه ونظر إلى أبيه نظرةٍ غير راضيةٍ وقال:
_على فكرة أنا مع الطرف اللي مش قابل الهزار دا، “مُعاذ” الهزار دا با’يخ أوي ولقدر اللّٰه الهزار دا وارد يقـ.ـلب جَد، وليه نوصل نفسنا للمرحلة دي يا “مُعاذ” فهمني.
أبتسم “مُعاذ” وأخرج زفيرة عميقة ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_أومال لو كُنت شوفتني وأنا فعز شبابي كُنت بعمل إيه هتقول إيه عليّا؟ جدك “ليل” شاف كُلّ حاجة ويُعتبر حضر معانا تاريخنا المنيـ.ـل كُلّه، إحنا عملنا الألـ.ـعن مِن كدا بمراحل، كُنا خا’ربينها أنا والتوأم المتخـ.ـلف دا عالآخر، قول بس للزمن يرجع وأنا مش هحل واحد فيهم.
رفع “فادي” حاجبه عاليًا يستنكر قول أبيه، بينما الآخر فقد قاده الحنين وعادت بهِ ذاكرته لتلك الفترة الشبابية المجـ.ـنونة التي لم يسـ.ـلم فيها أحدٌ مِن زو’بعة جـ.ـنونه، بينما أقترب “سامح” مِنهما وهو يُلقـ.ـي عليهما نظرةٍ متعجبة دون أن يتحدث..
وقف على مقربةٍ مِنهم دون أن يتحدث، فلم ينسى بعد ماذا حدث بينهما وكيف لهذا المجـ.ـنون أن يُفا’رقهم في لمح البصر، وعلى ذِكره فقد قال بنبرةٍ عاليةٍ خـ.ـبيثةٍ:
_إيه يا “سموحة” واقف عندك ليه، تكونش لقدر اللّٰه مكسو’ف مِني بعد اللي عملتُه معايا آخر مرَّة؟ بصراحة معاك حق أنا لو مكانك هحط را’سي فالأرض.
كان “سامح” قد بدأ يشعُر في بادئ الأمر بتأ’نيب الضمير تجاهه، فما فعله ليس بهينٍ وكان ينوي الاعتذار، ولكن حينما رأى السخرية والشما’تة في نبرته تغيّرت نظرته وتراجع عمَّ كان سيفعله..
ظهر الغيـ.ـظ في نظرته والضـ.ـيق تمـ.ـلّك مِن صدره، فاقترب مِنْهُ وهو يُتمتم بنبرةٍ غمرتها الغـ.ـضب:
_طب شوف بقى عشان أنا ميتلا’مش عليّا تاني وكُلّه هيكون قصاد أبنك، شوف يا أشقـ.ـر أنتَ أنتَ اللي بتبدأ فقـ.ـلة الأدب وأنا لسا’ني طويل وإيدي أطو’ل فخف عشان المرَّة الجايَّة هيكون فيك حاجة مكسو’رة.
ضحك “مُعاذ” على كلمات “سامح” وكأنه أ’لقى لتوه دُعابة، وهذا لم يزيد إلّا مِن غضـ.ـب الآخر الذي كان ينظر إليه بغيـ.ـظٍ، وبينهما كان “فادي” ينظر لهما دون أن يتحدث، فالآن هو أكتشف أن لا أحد في هذا القصر يُطا’رد أبيه من عد’مٍ..
بدأت المشا’جرة المعتادة بينهما، فأخرج “فادي” تنهيدة قصيرة ثُم هزّ رأسه بقلة حيلة وتركهما ورحل، تخطى والدته وهو يقول بنبرةٍ يشوبها اليأ’س:
_مفيش فايدة مِن المُنا’هدة والكلام معاهم، أنا رايح لـ “فيروز”.
أبتسمت “چود” ولم تتحدث؛ فقط اكتفت بالنظر إلى زوجها وعمّه، تركتهم يتشا’جران كما أعتاد الجميع مِنهم، فعلا’قتهم لا تتوقف على تلك المشا’جرات التي تُنشـ.ـب بينهما فجأةً، وكأنهم لا يتنفسون سِوى المعا’رك.
______________________________
<“قلبًا نبـ.ـض بالد’فء بين نير’ان العالم.”>
في مركز الأ’من – مكتب “إقدام”..
كان “إقدام” يجلس فوق مقعد مكتبه بهدوءٍ، منعز’لًا عن ضو’ضاء العالم وصر’اعاته، كان يتأمل الملف الموضوع أمامه بعناية با’لغة، وأمامه كوب قهوته يتسر’ب مِنْهُ خيو’طًا ر’فيعة مِن الد’خان الأبيـ.ـض، في تلك اللحظة وصله صوت طرقات خفيفة فوق باب مكتبه الزجا’جي..
رفع رأسه سريعًا ونظر إلى الوافد الذي وقف فوق عتبة الباب وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_ينفع أدخل؟
نهض “إقدام” فورًا حينما رأى النائب “طلعت” أمامه يطلب مِنْهُ الإذن للدخول، فسمح إليه سريعًا بقوله:
_آه طبعًا يا حضرة النائب أتفضل.
أغلق “طلعت” الباب خلفه ثُم اقترب مِنْهُ بخطى هادئة وأشار لهُ بالجلوس قائلًا:
_أقعد يا “إقدام”، الرسميات دي قدام الناس بس.
جلس “إقدام” وعيناه لم تُفا’رقه لحظة، فجاوبه بنبرةٍ هادئةٍ وقال:
_أيوه يا حضرة النائب وإحنا لسه فالشغل دلوقتي، وبعدين زي ما أنتَ شايف المكتب معزو’ل بإزا’ز مش حيـ.ـط بطو’ب يعني فُرجة لأي حد، مش عايزين نلـ.ـفت انتباه النائب “بهجت” مهما حصل، يكفي العد’اوة اللي بينكم مش عايزين الوضع يتعقـ.ـد أكتر مِن كدا.
أخرج “طلعت” تنهيدة عميقة ثُم مسـ.ـح فوق خصلا’ته السو’د’اء النا’عمة وقال بنبرته الرجو’لية الهادئة:
_مش عايز “بهجت” يعرف أي حاجة بنعملها خارج إطا’ر الشغل، صحيح أنا بحب النظام وبمشي على القوا’نين بس الإنسان وارد إنُه يغـ.ـلط، أنا عايز أساعد “شـهاب” على قد ما أقدر، ودي كمان المحامية “چيچي الدالي”، إنسانة لو أتحركت تجذ’ب المصا’يب ليها فثانية، لسه مخلصينها مِن البلا’غ اللي أتقدم ضـ.ـدها مش عايزين أي حركة غير محسو’بة يستغـ.ـلها “بهجت” وتضـ.ـيعنا كُلّنا.
لم يستطع “إقدام” أن يمـ.ـنع ابتسامته مِن الظهور حينما ذكر “چيچي” أمامه، فهو أحب فو’ضاها قبل أن يُحبها هي، واضحت أمامه ملاذًا لقلبه وعقا’رًا لجرو’حًا تأ’بى أن تندمل، نظر لهُ “طلعت” بطرف عينه واستطاع أن يقرأ ما يخلد في رأسه دون أن يسأل عنهُ..
_أوه معذرةً، نسيت إني بحكي للعا’شق الولهان، زي ما بتقعد تقول دايمًا لمَ بتتعـ.ـصب، فلحظة بتغـ.ـلي وتصر’خ زي المجا’نين وتقول لك العمـ.ـى شو هاد، مِن بعدها مبنعرفش نسكتها.
ضحك “إقدام” حينما رأى “طلعت” يقوم بتقليد أفعال “چيچي” المجـ.ـنونة حينما تغضـ.ـب، فهي كذلك بالفعل؛ وعن “طلعت” فقد هزّ رأسه بقلة حيلة ونظر إلى “إقدام” وقال:
_طلعلي ميزة واحدة فيها، “چيچي” دي عقا’ب لأي حد حرفيًا، كفاية صوتها لوحده لمَ تصر’خ، كأن في عر’سة دا’ستها عربية، دا أنا مرَّة مسكت قـ.ـضية لقيتها داخلة بمنتهى الثقة ووقفت قدامي تقولي موكلي بر’يء والتـ.ـهمة دي أتلفـ.ـئتله، حسيت فاللحظة دي إن وشي جاب ألو’ان ود’مي فا’ر.
رنّت ضحكة “إقدام” بعد أن أستمع إلى شـ.ـكوى “طلعت” ضـ.ـد تلك المجـ.ـنونة التي أصا’بت الجميع بجـ.ـنونها ذاك، ولكن برغم ذلك نظر “طلعت” إلى “إقدام” مذهولًا حينما قال بنبرةٍ ضاحكةٍ:
_بصراحة مهما تقول عنها أنا برضوا حاببها، ويمكن دي الحاجة اللي عجباني فيها وشـ.ـداني ليها، إنها مختلفة عني.
_أنا مستعد فاللحظة دي أقطـ.ـع علا’قتي بيك يا “إقدام” عشان المر’ض دا شكلها نشرته عالكُلّ.
هكذا رد عليه “طلعت” سريعًا وكأنه يطلب الخلا’ص مِنْهُ، أشار إليه “إقدام” ضاحكًا ثُم قال:
_خلاص خلاص، أنسى موضوع “چيچي” دلوقتي، قولي اللي جاي عشانه.
هدأ “طلعت” في لحظة وكأن “إقدام” أ’لقى عليه سحـ.ـرًا لا يُرى، فصمت قليلًا ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_جايلك بخصوص الو’اد اللي محطوط فالأنفر’اد دا.
تنغض جبين “إقدام” وصمت لبرهةٍ مِن الوقت ثُم قال حينما تذكّر أمره:
_آه، تقصد “إسلام”.
_آه هو، الو’اد دا وراه حوار كبير إحنا منعرفش عنُه حاجة، عايزك تاخد مِنُه عـ.ـينة وتفحـ.ـصها إذا كان بيتعا’طى ولا لأ، وحوار العربية عايز أعرف إذا كان فيها حاجة ولا لأ، عربيته متتسابش غير لمَ تتفـ.ـتش حِـ.ـتة حِـ.ـتة يا “إقدام”، الوا’د دا شكله مش سهـ.ـل ووراه حدوتة كبيرة محتاج أعرفها فأسرع وقت مفهوم.
هزّ “إقدام” رأسه برفقٍ ثُم تحدث بنبرةٍ هادئةٍ وقال:
_ماشي معنديش مشـ.ـكلة، إحنا ر’فعنا البصمات مِن على عربية “شُكري” وثبـ.ـتنا وجود بصمات غير بصمات “شُكري” على باب العربية لكنها اتطا’بقت مع بصمات “إسلام” ودا اللي أكدهولنا الفيديو اللي متسجل، إحنا بندوّر وراه بالفعل وإذا لقينا حاجة أكيد هقولك، هسـ.ـحب مِنُه عـ.ـينة وهخليهم يفحصوها وأول ما النتيجة تطلع هبـ.ـلغك فورًا، وعربيته موجودة بيفحـ.ـصوها إذا طلعلنا حاجة أكيد هقولك.
هزّ “طلعت” رأسه برفقٍ ثُم استقام واقفًا وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_تمام، هستنى مكالمتك، المهم إنك تاخد بالك مِن “بهجت”.
أبتسم لهُ “إقدام” وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_متخا’فش عليّا، بعرف أتعامل.
أبتسم لهُ “طلعت” ثُم تركه ورحل كما جاء، تبعه عينان “إقدام” الذي أخرج زفيرة قصيرة وعاد ينظر إلى هذا الملف مِن جديد، ولكن للمرَّةِ الثانية يتم مقا’طعته عن إكمال هذا الملف حيث طرقت “چيچي” فوق الباب وقالت:
_بقدر أدخل.
رفع رأسه فورًا حينما سمع صوتها ونظر لها، كانت تقف فوق عتبة الباب وتنظر إليه بعينين هادئتين على غير العادة، أشار لها بدون تردد وقال:
_آه طبعًا أدخلي.
ولجت “چيچي” بالفعل وأغلقت الباب خلفها، اقتربت مِنْهُ بخطى هادئة ثُم جلست أمامه وتركت حقيبتها أمامها ونظرت إليه بوجهٍ مبتسمٍ، نظر هو إليها مترقبًا فقالت هي:
_ما في شي بس حسيت حالي مضا’يقة شوي قلت بچي لعندك إذا ما كنت تما’نع.
اتسعت أبتسامته فوق فمه ولمعت عيناه فورًا، ترك ما كان يفعله وصـ.ـبّ تركيزه عليها وحدها، تحدث بنبرةٍ هادئةٍ وقال:
_مش هما’نع أكيد يا “چيچي”، مكتبي مفتو’حلك فأي وقت وأنتِ عارفة حاجة زي دي.
خـ.ـفق قلبها بعنـ.ـفٍ داخل صدرها في تلك اللحظة حينما سمعت تلك النبرة ورأت تلك اللمعة في عيناه، كأنه أكتنز شيئًا ثمينًا؛ حاولت أن تهدأ قليلًا حتى تستطيع أن تُكمل ما جاءت مِن أجله، ولكن بقيت نظرته هي العامل الوحيد الذي يُشـ.ـتتها إن أرادت قول شيءٍ ما..
ولكن لم تكُن تعلم بأن “إقدام” سيُبا’غتها ويبدأ هو في مسارٍ آخر غير الذي جاءت مِن أجله، أخذ نفسًا عميقًا ثُم قال بنبرةٍ هادئةٍ:
_محتاج أتكلم معاكي شويَّة خارج إطار الشغل، هينفع؟
التزمت الصمت قليلًا ولم تُعطيه إجابتها مباشرةً، فهو قد فاجئها توًا وكانت قد قررت الذهاب إليه لتستشيره في شيءٍ ما، ولكن يبدو أنَّهُ قد قرر أن يُغيّر مسارها تلك المرَّة، هزّت رأسها برفقٍ وقالت بنبرةٍ هادئةٍ للغاية:
_إيه بيصير، بدك تحكي هون.
استقام واقفًا على قدميه وأشار لها قائلًا:
_لأ هنا مش هينفع، أنا عازمك فالمطعم اللي هنا.
هزّت رأسها برفقٍ ثُم سحبت حقيبتها وتحرّكت أمامه وهي متعجبةً مِن تصرفاته، خرجا سويًا مِن مركز الأ’من دون أن يتفوّه أحدهما بحرفٍ حتى وصلا إلى هذا المطعم القريب مِن مقر عملهم، وجلسا في مواجهة بعضهما فوق إحدى الطاولات بصمتٍ تام..
اسندت ذراعيها فوق سطح الطاولة أمامها ونظرت إليه تنتظر سماع ما سيقوله، بينما أخرج هو تنهيدة قصيرة ثُم قال بنبرةٍ متسائلة في بادئ الأمر:
_تحبي تطلبي إيه الأول؟
_بس أنا ما أچيت لهون لحتى أكُل.
هكذا ردت عليه بنبرةٍ با’ردةٍ دون أن تحيـ.ـد بعيناها عنهُ، بينما نظر هو في خاصتها وقال:
_وأنا قولتلك إني عازمك، هتكون حركة مش لطيفة إذا ر’فضتي.
دام الصمت بينهما قليلًا بعد أن حا’صرها هو تلك المرَّة ومـ.ـنع تمر’دها عليه، سحبت قائمة الطعام بهدوءٍ ونظرت فيها أسفل نظراته التي كانت تتابعها طيلة الوقت، تبحث عن أدق تفاصيلها وكأنها خاضت تجربةً استكشا’فية عليها..
_شوربة الجمبري حلوة أوي هنا على فكرة، عن تجربة إذا بتحبيها.
نظرت إليه بعد أن وجّه حديثه إليها قليلًا ثُم قررت أن تتخـ.ـلّى عن برودها وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_إيه بحبها كتير، بتكون شي أساسي.
أبتسم هو قليلًا ثُم قال متسائلًا:
_تجربيها؟
هزّت رأسها برفقٍ وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_تمام، بچربها ليش لأ، لك أنتَ يلي راح تدفع مو أنا.
ضحك هو بخفةٍ ثُم هزّ رأسه برفقٍ وقال:
_آه حقك طبعًا، أنا اللي هدفع مظبوط.
أشار إلى الناد’ل وبدأ يُملي عليه الطلب، بينما كانت هي تنظر إليه مبتسمة الوجه بعد أن مازحها بكلماته، وبعد دقيقتين عاد ينظر لها ليرى تلك البسمةُ مرسومة فوق فمها، أخرج تنهيدة قصيرة ثُم قال:
_دلوقتي إحنا خارج إطار الشغل، يعني مفيش بينا أي رسميات، أنا “إقدام” وأنتِ “چيچي”.
هزّت رأسها برفقٍ كإشارة مبدئية على حديثه ثُم قالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_إيه ماشي إذا كان أنتَ بدك هيك لكان، شو الشي يلي بدك إنك تقوله، لك أكيد ما راح تطلب مِني بيچي معك لهون وبتعزمني على وجبة حلوة متل هي حُبًّا فيني، شو هي المصـ.ـلحة يلي بدك ياها؟
نظر إليها قليلًا قبل أن يُعطيها الإجابة، فإجابته كانت في حديثها وقد قالتها دون أن تنـ.ـتبه، اعتدل في جلسته واسند ذراعيه فوق الطاولة أمامه ونظر في عيناها الزيتونية وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_آه جايبك هنا وعازمك عالأكلة الحلوة دي حُبًّا فيكي، مش عشان خاطر مصـ.ـلحة أنتِ عارفة إني بعرف أمشي أموري كويس، جايبك هنا بعيد عن الشغل عشان أقولك الإجابة اللي جاوبتي نفسك بيها مِن غير ما تاخدي بالك..
لا’نت نظرتها حينما صارحها بما يود قوله في تلك اللحظة، لا تُصدق ما تسمعه وتراه أمامها، فبدت تحلُم في تلك اللحظة بلا شـ.ـك، ولكنهُ لم يُعطيها الفرصة وأكمل حديثه قائلًا:
_أنا عايز أصارحك مِن بدري ومكانش في فرصة إني أعمل كدا بسبب اللي حصل مع “شُكري” والحوار اللي حصل ساعتها شغـ.ـلني تمامًا، بس دلوقتي أنا شايف إن دي اللحظة المناسبة إني أقولك فيها يا “چيچي” إني بحبك، وشوفت القبول فعيونك ليّا وقتها، بس مش هتعرفي تعبّري عن مشاعرك دي بسهولة، أنا بحبك ومع الوقت أتشـ.ـدتلك، شخصيتك غريبة بس حبيتها، لقيتك مختلفة عني، أنا بطبعي بحب النظام فالشغل والهدوء، فالمقابل أنتِ شخصية حركية..
_بتد’افعي عن نفسك وإذا عملتي حاجة بتقولي آه عملتها بدون خو’ف وبتو’اجهي حتى لو الحاجة دي خطـ.ـر عليكي وعلى مهنتك، اختلا’فك شـ.ـدني ليكي ومبصتش على المظهر الخارجي قد ما شـ.ـدني المظهر الداخلي، أنتِ شجا’عة وقو’ية، بتعرفي تو’اجهي وتعتر’في بالحاجة اللي عملتيها بدون خو’ف، شخصية مجـ.ـنونة كدا أنا حاببها، ومع الوقت أنا حبيتك وتعـ.ـلُقي بيكي زاد، ومبقتش عارف أخـ.ـبي عنك دا فعشان كدا أنا قررت أقولك وأوا’جه وأتقبل رأيك سواء وافقتي أو ر’فضتي، فالآخر دا قرارك ودي حياتك وأيًّا كانت إجابتك أنا هقبلها وهحترمها، بس كان لازم أقولك لأني مبقتش عارف أسيطـ.ـر على مشاعري تجاهك أكتر مِن كدا.
كانت “چيچي” تنظر إليه بتفاجؤٍ دون أن تتحدث، فقد صدمها بحديثه بلا شـ.ـك؛ نظرت بعيدًا بعد أن أصا’بها التو’تر ولم تتحدث في تلك اللحظة بحرفٍ واحدٍ، فضّلت الصمت؛ ولكنها لم تستطع أن تُخـ.ـفي لمعة عيناها عنهُ والتي مِن خلالها أعطته قبولها دون أن تقولها..
كانت عيناه تحا’صرها وكأنها عد’وًا حاول الفر’ار مِن حصا’ر جنو’د الأر’ض ولم يقوو على ذلك فخضـ.ـع أسيـ.ـرًا لهم، أبتسم أبتسامة خفيفة ثُم أخرج تنهيدة قصيرة وقال بنبرةٍ هادئةٍ:
_فكّري مع نفسك قبل ما تتسرعي وتديني إجابة تند’مي عليها بعدين، مش هحددلك مُهـ.ـلة معيّنة خُدي راحتك فالتفكير وأنا هستنى الإجابة مِنك.
نظرت إليه “چيچي” دون أن تتحدث، ولكن الأعين قالت ما عجـ.ـز الفم عن البوح بهِ، فدومًا تكون كا’شفةً لقلوب العشا’ق حتى وإن لم يمـ.ـتلكوا الجُر’ءة لقولها، وفي تلك اللحظة منحها أبتسامة هادئة ليُخـ.ـفف مِن تو’ترها قليلًا والتزم الصمت بعدها.
______________________________
<“جلسةً واحدة أخرجت آلا’م المرء وشَفَـ.ـت قلبًا.”>
في شقة “شـهاب”،
جلست “مَرْيَم” بجوار صديقتها “رنيم” بعد أن أعدّت كوبين مِن الشاي ووضعتهما فوق الطاولة، نظرت لها وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_حظك حلو، “شـهاب” مش هنا النهاردة وهيتأخر شويَّة، قوليلي بقى مالك، حالك متبدل بقالك كام يوم إيه اللي جَد.
نظرت إليها “رنيم” بأعينٍ يسكُن فيها الحز’ن دون أن تتحدث، كانت تجاهـ.ـد نفسها لتظل جا’مدةً أطول وقتٍ ممكنٍ أمامها، ولكنها لم تستطع؛ فسـ.ـقطت عبراتها فوق صفحة وجهها وار’تمت في احضانها تجهش بالبُكاء..
تفاجئت “مَرْيَم” في تلك اللحظة مِن هذا الفعل المفاجئ، نظرت لها وهي لا تفهم ما الذي حدث مع رفيقها جعلها في تلك الحالة المؤ’لمة، ولكنها ضمّتها إلى أحضانها وربّتت برفقٍ فوق ظهرها قائلةً:
_أهدي يا “رنيم” إيه اللي حصل بس.
ظلت “رنيم” تبكي في أحضان رفيقتها، فقلبها أكتفى مِن الحز’ن والأ’لم، لم تعُد تستطيع أن تتحمّـ.ـل أكثر مِن ذلك، وبين بكاءٍ نتج عن قلـ.ـبٍ نا’زفٍ أكتفى مِن الأ’لم وحُبٍّ وُ’لد مِن العد’م كانت هُناك رو’حٍ تتأ’لم ولا تقدر على البوح بذلك..
لم تكُن “مَرْيَم” تفهم شيءٍ في بادئ الأمر، فلم سبق وقد خبـ.ـأت “رنيم” شيئًا عن رفيقة دربها، فأي صغيرة وكبيرة تكون “مَرْيَم” على درايةً بها، ولكن الآن كانت كالحمقاء لا تفهم ما يحدث حولها، ولكن في الأخير تحدثت “رنيم” أخيرًا وأخرجت ما يكمُن في جبعتها وقالت:
_أنا مش كويسة يا “مَرْيَم”، ومش عارفة أبقى كويسة وأتعا’يش عادي.
ابتعدت عنها وهي تجـ.ـفف عبراتها، بينما نظرت لها “مَرْيَم” بتمعنٍ وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:
_أحكيلي طيب مالك، وازاي مخـ.ـبية عني كُلّ دا وساكتة؟
نظرت “رنيم” لها بوجهٍ باكيٍ وبدأت تقـ.ـص عليها الأمر بقولها:
_”شُكري”..
تنغض جبين “مَرْيَم” في تلك اللحظة بعد أن تغـ.ـلغل أسمه في أُذنيها، وتتسأل في تلك اللحظة أما سمعته صحيحًا أم لا، ولكن أكّدت لها “رنيم” الأمر حينما نظرت في عيناها وقالت:
_أنا قعدت مع نفسي كتير أوي وفكّرت قبل ما أحكـ.ـم واظـ.ـلم نفسي، اكتشفت إني بحب “شُكري”، لقيت إني ظـ.ـلمته ومدتهوش فرصة واحدة يحاول فيها يقول اللي جوّاه، دوغري قفـ.ـلت كُلّ البيبان فوشه وسيبته واقف بيحاول، آخر مرَّة شوفته فيها وحصل التا’تش دا قدامكم وشوفت قد إيه متعـ.ـصب ومضا’يق عشان مدتلهوش فرصة بحسّ إني إنسانة و’حشة وأنا’نية، قفـ.ـلت الباب فوش واحد خد الطريق جَد..
_كُلّ ما كان بيشوفني كُنت بشوف لمعة بتصحى فعيونه فجأة، مبتظهرش غير فوجودي، فكّرته بيتسـ.ـلى زي أي واحد غيره عمل قبل كدا وصدقته، بس للأسف أنا طلعت قسو’تي وبرودي قدام الشخص الغـ.ـلط، هو الوحيد اللي كان صاد’ق فمشاعره، مكانش بيلعب ولا بيتسـ.ـلى شويَّة وبعدين يختـ.ـفي أول ما الموضوع يقلـ.ـب جَد، وأنتِ حضرتي كُلّ دا معايا وشوفتي بنفسك أنا أتخذ’لت قد إيه، غصـ.ـب عني واللّٰهِ، بس أنا مِن ساعة ما عرفت إنُه عمل حا’دثة وشوفته قدامي وهو فالعنا’ية مش حاسس بحد قلبي و’جعني يا “مَرْيَم”..
مدّت “مَرْيَم” كفها وضمّت كف “رنيم” بحنوٍ وشـ.ـدّت برفقٍ عليه، وكأنها تواسيها سـ.ـرًا دون أن تتحدث، تحدثت بنبرةٍ هادئةٍ حنونةٍ وقالت:
_متلو’ميش نفسك يا “رنيم” أنتِ ملكيش ذ’نب، وعلى فكرة أنا قعدت مع “شُكري” بعدها وفهمته كُلّ حاجة، هو عارف إيه اللي حصل معاكي قبل كدا وعشان كدا هو بعدها متكلمش وبِعد، عشان ميضغـ.ـطش عليكي وعشان برضوا مير’ميش نفسُه وأنتِ عارفة الرجا’لة مبيعا’فروش مع حد مش حاسين بالقبول مِنهم، برضوا ميرضنيش يفهم ر’فضك غـ.ـلط فكان لازم أقوله كُلّ حاجة، وصدقيني هو لمَ عرف فهم ومقالش أي حاجة بالعكس أتمنالك الخير..
سـ.ـقطت عبراتها مِن جديد وتلك المرَّة تركتها تغسل رو’حها، لعلّها تحظى بالراحة قليلًا، نظرت بتمعنٍ في عينان صديقتها وقالت بنبرةٍ باكيةٍ:
_هو مبقاش يحبني يا “مَرْيَم” صح؟ أكيد كر’هني بعدها عشان كدا مبقاش يحاول.
ابتسمت لها “مَرْيَم” وقالت بنبرةٍ حنونة”
_بالعكس مين قال كدا، “شُكري” بيحبك على فكرة، آخر مرَّة جمعت بينكم هو قال إنُه مش هيسيب حاجة هو حاببها، ولمَ “شـهاب” لقاه هيفقـ.ـد أعصا’به وبالتالي هيشـ.ـيل الغـ.ـلط سحبه ومشي، “شُكري” مكـ.ـرهكيش يا “رنيم” بالعكس، هو بيحبك بس قرر يبعد شويَّة لحد ما أنتِ تفكري صح وتاخدي القرار، ثقي فيّا أنا عارفة أنا بقولك إيه كويس، هو بس لولا الحا’دثة دي لغـ.ـبطت كُلّ حاجة.
رفعت “رنيم” كفها ومسـ.ـحت دمعة سا’خنة سـ.ـقطت فوق صفحة وجهها، نظرت بتمعنٍ في عيناها بعد أن د’بّ الأمل داخلها مِن جديد وقالت:
_بجد يا “مَرْيَم”، هو لسه بيحبني بعد كُلّ دا بجد.
_أيوه لسه بيحبك، وأول ما ربنا يقومه بالسلامة ويفوق مِن الغيبو’بة لازم تعرّفيه، حسسيه بقبولك يا “رنيم” صدقيني “شُكري” دا طيب أوي، مفيش أطيب مِن قلبه ولا في فحنيته، أسمعي كلامي قبل ما ترجعي تند’مي.
شردت “رنيم” في كلمات رفيقتها قليلًا، تُفكر بعمقٍ حتى لا تد’فع الثمن مِن جديد وتعود في الأخير لتبكي على اللبن المسكو’ب، نظرت لها قليلًا ثُم اقتربت مِنها ووضعت رأسها فوق قدمها دون أن تتحدث كما أعتادت، بينما أخرجت “مَرْيَم” تنهيدة عميقة ثُم بدأت تمسـ.ـح فوق خصلا’تها بكفها الدا’فئ وهي تدعو داخلها أن يعود كُلّ شيءٍ كما كان.
______________________________
<“الضر’بة كانت مفاجئة، فجاءت مو’جعة.”>
في صبيحة اليوم المرالي..
كان “حُذيفة” يقف أمام المرآة يُهندم حُلّته الكحلية، كانت ملامحه هادئة وعيناه صا’فية تُعلن الجميع عن صفاء ذ’هنه في بداية هذا اليوم، أ’لقى نظرة أخيرة على هيئته قبل أن يتحرّك، حُلّته مهندمة وخصلا’ته ممشطة بعناية ولحـ.ـيته الخفيفة المنمـ.ـقة متساوية..
أبتسم بهدوءٍ تام بعد أن شَعَر بالرضا ثُم ألتفت خلفه ليرى “أيسل” تولج وهي تحمل عُلبة سو’دا’ء متوسطة الحجم في يَدها وزجاجة مِن نفس اللو’ن، اقتربت مِنْهُ بخطى هادئة وهي تبتسم في وجهه ثُم وقفت أمامه وقالت:
_أنا جهزتلك الفطار، موجود هنا الحلو والحادق عشان أنا عارفة إنك بتحتاج تحلي بعد ما تاكُل، ودي إز’ازة الميَّة كُلّ حاجة جاهزة.
أبتسم “حُذيفة” لها ومدّ كفيه لها، أخذهم مِنها وقال بنبرةٍ دا’فئةٍ:
_تسلم إيدك يا حبيبة قلبي، تعيشي وتعملي، عودتيني على كدا للأسف.
ابتسمت “أيسل” لهُ ثُم مدّت كفها وربّتت برفقٍ فوق ذراعه وقالت:
_وليه للأسف، أنا اللي بعمل كدا علشان عايزة أعمل كدا، أنا مشوفتش مِنك غير الحلو، ونادرًا لو شوفت مِنك حاجة و’حشة.
ترك ما بيَده فوق الطاولة الصغيرة ثُم نظر في عيناها وضمّها لد’فء صدره بحُبٍّ وهمس لها بقوله:
_كُلّ يوم حُبّي ليكي بيزيد عن اليوم اللي قبله، ومعرفش الموضوع دا هيوصل بينا لفين بس عايزك تعرفي إني مش هقدر أستغـ.ـنى عنك فيوم مِن الأيام.
ربّتت هي بحنوٍ فوق ظهره وبادلته تلك الضمّة وقالت:
_ولا أنا هقدر أتخيّل حياتي مِن غيرك، المرَّة اللي كُنت هخسـ.ـرك فيها قلبي متحمـ.ـلش.
أبتعد عنها قليلًا ونظر في عيناها بوجهٍ مبتسمٍ ثُم قال:
_وعد مِني مش هتخسـ.ـريني مهما حصل، بس أنا حاليًا متأخر ولازم أمشي، أول ما أرجع وعد هنقعد سوا.
أنهى حديثه ولثم وجنتها بحنوٍ ثُم رحل سريعًا بعد أن أخذ أغراضه، نظرت في إثره وضحكت بخفةٍ ثُم اتجهت إلى الشرفة، بينما كان هو يُلقـ.ـي تحية الصباح على جميع مَن يظهر أمامه على عُجا’لة، بينما كان “ليل” الحفيد قد تجهز هو الآخر ويستعد للرحيل..
شَعَر بأحدهم يُلثم وجنته على سهـ.ـوٍ فرفع رأسه ليرى “حُذيفة” يُلوح لهُ ويُرسل إليه قُبلة هو’ائية، رفع حاجبه وقال بنبرةٍ عالية:
_نتقابل فالمُد’يرية يا سا’فل.
رنّت ضحكة “حُذيفة” عاليًا حينما وصله صوته العالٍ، ألتفت إليه وأشار لهُ مبتسم الوجه، خرج ونظر إلى الأعلى ليرى “أيسل” تقف وتنظر إليه مبتسمة الوجه، أشارت إليه ليُرسل إليها قُبلة هو’ائية وغمزة صغيرة مِن عينه اليُسرى..
خجـ.ـلت “أيسل” وسريعًا أستدارت للجهة الأخرى، ضحك هو وأكمل سيره وكُلّ لحظة وأخرى يلتفت ينظر لها حتى استقل سيارته وغادر، تاركًا حبيبة القلب في الخلفية تنظر إلى إثره بحُبٍّ..
ذهب إلى المد’يرية في وقتٍ قياسيٍ قبل أن ينتـ.ـبه أحدهم لغيابه، صفّ سيارته وأخذ أغراضه وولج للداخل سريعًا، أثناء سيره وهو يُلقـ.ـي التحية على كُلّ مَن يظهر في طريقه حتى وصله همسات صغيرة تأتي مِن داخل المكتب..
توقف فجأةً أمامه وتنغض جبينه وهو يُحاول سماع ما سيُقال، فهو يعلم أن تلك الهمهمات لا يأتي بعدها إلّا الشـ.ـر، وقد صدق حدسه بالفعل:
_بقولك إيه، جالي خبر كدا مِن حد معرفة.
سأله صديقه عن هذا الخبر الذي وصل إليه مؤخرًا بقوله:
_إيه الخبر دا، أكيد مش أي كلام.
_فعابدين في حارة أسمها حارة درويش، فيها شيخ أسمه “رمـزي إبراهيم” يُقال إنُه مشـ.ـكوك فيه، عايزين ننزل نجيبه أتمـ.ـسك مرتين قبل كدا مرَّة فالسعو’دية والتانية كانت هنا.
جحـ.ـظت عينان “حُذيفة” في تلك اللحظة بصدمةٍ حقيقية، ففي تلك اللحظة توقّف العالم مِن حوله وكُلّ ما يتردد في أُذنيه أسم رفيقه، أتفقا كلاهما على إحضاره بالفعل وتعانقت الأيدي لإيقا’ع البر’يء.
