![]() |
رواية قناص الغرام الفصل الحادي عشر بقلم رباب حسين
هيأت له العشق ملون بكل أنواع الراحة كي تُقع بقلبه في شباك معدة بدقة كأفضل قطعة قماش ناعم تُريح جسده ومن وراءه كانت تقف وخنجر الغدر في يدها، تضحك بوجهه وخلف ابتسامتها ألف وعد باللعنات، استغلت وحدته، حزنه، احتياجه للحب والعاطفة، وأخيرًا استغلت عشقه لها الذي رأته داخل عينيه منذ الوهلة الأولى أما هي فلم يكن في قلبها شيء يُدعى بالحب ولم تعرف له طريق من قبل، قلبها مليء بالكره ومشاعر الانتقام سيطرت عليها وبالنهاية وقفت عاجزة عن تفسير ما تشعر به، هناك مشاعر متضاربة داخلها لا تعرف ما هي حقًا هل هو اشتياق أم بغض، احتياج أم نفور، حب أم كره، بالنهاية كلما تذكرت والدها تلاشت مشاعرها من صدرها أما إذا رأته ونظرت داخل عينيه نسيت الدنيا بأكلمها، تذوب بين يديه كلما ضمها إلى صدره وشعرت بحنانه، وبذات الوقت تكره شعور الأمان الذي يتخلل صدرها عندما تكون بجواره.
انقسمت من داخلها إلى نصفين أحدهما يكره ويبغض والأخر يعشق ويرجو وصاله، وأنتي أيتها المتخبطة المشاعر، القابعة في هذه الزاوية تشاهدين فقط ولا تتحركين، تتركين عشقِ بين أنياب الغضب وتترقبي تدمير هذا المحبوب، هلا تحركتي؟ هلا صرختي؟ هلا أفقتي هذه الغاضبة من وهم الانتقام البائس؟ أم تنتظري أن يصبح قتيل الهوى بين يديها، يلا هذا الظلم فكم من قتيل قبل يد من قتل وتمنى الراحة بها ولكن وجد فقط الغدر والخيانة، لست بمخطئ ولكن فقط أحببت.
وها هي تنظر إلى الفراغ وهي بين أحضانه، فعندما جلست بغرفتها شعرت بعدم وجوده بل كانت تبحث عنه بكل مكان وكأنها تركت عقلها معه ولكن تظل تنكر هذا الشعور حتى استكانت بين يديه، هنا وتبدل الحال، لا تعي بما يحدث بداخلها ولكن سرى بجسدها شعور دفء وراحة كالمغترب العائد لحضن وطنه، زاد الصراع وعلت صرخات تلك التي ترجو وصاله بداخلها تطالب بالمزيد والمزيد، هل ستخضع لها تلك العنيدة أم لا؟
ابتعدت عن أحضانه لترى هالة الحب تخرج من عينيه ونظراته التي ترجو السماح فنظر لها وقال : برده مش عارفة تسامحيني؟ طيب بصي إرجعي البيت وأنا مش هخرج من أوضتي هفضل فيها مش هتشوفي وشي خالص بس خليكي تحت جناحي، أول ما أخلص من القرف اللي أنا فيه ده قولتلك هختفي من حياتك نهائي مش هضايقك أبدًا.
ندا : أنا هرجع معاك بس عشان معنديش حل تاني لكن تفضل في أوضتك زي ما قلت.
فارس في حزن : حاضر، مش هتحسي بوجودي نهائي.
أوماءت له ندا فأفسح لها الطريق كي تسير أمامه وخرج من الغرفة بعد أن ابتعد غسان عن الباب وأعطاه فارس السلاح وقال : وقت ما أوصل لمكانه هنفذ وأبلغك.
غسان : طيب مش نتفق على السعر.
فارس : مش عايز منك فلوس، بس لو فكرت تلعب معايا تاني إنت عارف هعمل إيه.
غسان : تمام، اتفقنا.
ذهب فارس وندا وصعدا بالسيارة معًا ولم تنظر له ندا طوال الطريق أما هو فكان يسرق النظرات إليها وكأنه يودعها فقد قرر أن ينفذ ما كان يخطط له قبل أن تظهر في حياته وهي أن يلحق بوالديه عقب قتل غانم وأخذ ثأرهما، وصلا إلى المنزل وترجلت ندا من السيارة سريعًا ودخلت المنزل وصعدت إلى غرفتها فحاول حاتم الحديث معها ولكنها رفضت ولم تنظر إليه ولحق فارس بها فنظر له حاتم وقال : الحمد لله إنها وافقت ترجع معاك.
فارس في حزن : وافقت اه، المهم، أنا هفضل في أوضتي مش هخرج منها لو حابب تبلغني بأي شغل تعالى الأوضة، ديه الطريقة الوحيدة اللي أقنعتها ترجع البيت.
نظر له حاتم في حزن وقال : يعني خلاص، خلصت كده يا صاحبي؟
فارس : خلصت، زي ما كنت متوقع إنه هيحصل، غسان طلب مني أقتل غندور المعداوي وقالي إنه شريك غانم فأنا عايز التيم يدورو عليهم هما الاتنين عشان عايز أخلص بقى.
حاتم : حاضر.
صعد فارس إلى غرفته أما رجال غانم بالخارج فقد رأو ما حدث وعلمو أن من خطف ندا هو غسان أبو العزم وأبلغو غانم بالأمر.
غانم : وغسان خطفها ليه؟
ماهر : أكيد ليه عنده حاجة.
غانم : وطالما خد البت ديه معاه يبقى هينفذ طلب غسان، الموضوع ده مش مريحني، وبعدين إنت مش قولتلي إن غسان هو اللي قتل سيادة اللوا إبراهيم؟
ماهر : أيوة هو، أنا سمعت الموضوع ده من جوا بيت غسان نفسه.
غانم : شكل فارس مش عارف الحوار ده.
ماهر : عايز تعمل إيه يا باشا؟
غانم : لو الواد ده بقى تحت إيد غسان يبقى كلنا كده الله يرحمنا فا لو فارس مش عارف الحقيقة نعرفه.
ماهر : طيب تفتكر غسان هو اللي مخلي الواد ده يظهر في كل حتة إنت تروحها بالشكل ده؟
غانم في غضب : أكيد، وأديني مستخبي زي الفران بسببه، مش كل مرة هتسلم معايا وبعدين ده بيضرب الطلقة تخلص في ساعتها، العمر مش ببلاش يا ماهر، خليهم بس يفضلو يراقبوه وفي أقرب فرصة يجيبوه عندي هنا.
ماهر : تحت أمرك يا باشا.
مر الليل الطويل على هذا العاشق الحزين، كانت النهاية سريعة، مرت كلمح بالبصر، ذاق طعم السعادة ثم سُلبت منه على حين غفلة، عادت الوحدة تقتله من داخله والأسوء أنها هنا بجواره ولا يقوى على مد يده ليلمسها، لن تكون ملكه يومًا ما، لن ينعم بها بين أحضانه ثانيةً، لن يرى حقل عينيها، لن يسمعها صوتها، نعم خطئي ولكن الثمن باهظ، وافق عقله مرغمًا صرخ قلبه رافضًا وبين عقله وقلبه أعلنت عيناه عن ضعفه فبكى.
مر ثلاثة أيام، لم يحاول فارس الخروج من الغرفة أما حاتم فقد إعتذر عما فعل لندا وقبلت إعتذاره وحاول معها مرارًا أن تسامح فارس ولكنها رفضت حسب تعليمات غسان فهو أرغمها على ذلك حتى يتعلق فارس بها أكثر ولا يرفض لها أمر ولكن كان لهذا العشق المسجون داخلها رأي أخر، نعم اشتاقت له، تبحث عنه بأرجاء المنزل وتراه كأنه بلا روح فوجود فارس به هو ما كان يعطي هذا المنزل دفء عجيب، كانت تعلم أنه قام بملء فراغ بداخلها وليس بأي فراغ بل عوضها عن هذا الشعور الذي احتل صدرها منذ أن غادر والدها وهذا ما كانت تكرهه أكثر، لماذا أنت من يعوضني هذا الشعور الذي تسببت به يداك؟ أنت من حرمتني هذا الدفء فكيف تعطيه لي؟! رفضته، حاولت أن تردد داخل عقلها كلمة واحدة " أكرهه" وإن كان هذا القلب يشتهي وصله.
كانت تقف تنظر من النافذة لهذه الحديقة تتمنى فقط سماع صوته، أن يخطئ مرة ويخرج من الغرفة، ألم تشتاق إليّ؟!
نعم اشتاق إليكي حد الجنون، يعلم أن هذا عقاب ما فعل ويرحب به فقط ليدعها ترتاح بسلام وإن كان قلبه يدمي حزنًا وألمًا فالمهم عنده هو أن تكون مرتاحة.
في الليل وبعد ٣ أيام عدد ساعات نوم لا تذكر وطعام قليل جدًا غفى فارس رغمًا عنه وقامت الأحلام بمهاجمته من كل اتجاه وبسبب إرهاق جسده لم يستطع الاستيقاظ ووصل صوته إلى الخارج وهو يصرخ ولكن هذا المرة لم يكن يصرخ باسم والده، كان يصرخ باسمها فلم تتحمل ندا أكثر فخرجت من الغرفة ووقفت عند الباب عندما رأت حاتم يهم بالدخول فنظر لها وقال : أعتقد هو محتاجك أكتر مني.
سمعت ندا صوته وهو يصرخ وكأنه في النفس الأخير فشعرت بالخوف، نعم خافت أن تفقده وتحطمت مشاعر الانتقام تحت هذا الخوف فنظرت إلى حاتم وبدموع صادقة قالت : هو ليه مش بينام من غير كوابيس بس؟
حاتم : عشان عنده إكتئاب يا ندا، فارس مريض إكتئاب وللأسف إتعالج في الأول لكن رفض العلاج بعد كده واستسلم.
فتحت ندا الباب واقتربت منه سريعًا وأمسكت بوجهه وظلت تنادي باسمه عاليًا ووقف حاتم ينظر إليه في قلق ولم تتوقف ندا عن النداء عليه حتى فتح عينيه وعندما رأها نهض وضمها على الفور فظن أنه لازال داخل هذا الحلم وقال : متروحيش معاه، هيقتلك، إبعدي عنه.
رتبت ندا على ظهره وقالت : بس حبيبي، ده حلم، مفيش حد هنا أفتح عينك وشوف.
ابتعد فارس عنها ونظر داخل عيناها، ألف كلمة إشتياق، سيل من العبارات انطلقت من عينيه فاستلمت، نعم أعلنت إستسلامها، خرج حاتم من الغرفة وتركهما فنظرت ندا إلى الباب وعادت النظر إلى فارس الذي تجمعت الدموع داخل عينيه وقال : مش قادر، طيب اقتليني أرحم، عارف إني استاهل العقاب ده بس مش قادر، صعب تبقي جنبي ومش عارف حتى أشوفك، مش هطلب منك السماح عشان عارف إني مستحقهوش بس أرحميني شوية، خدي السلاح أهوه وخلصيني من اللي أنا فيه ده، لو في قلبك ذرة حب ليا لسه باقية اقتليني.
أمسكت بوجهه وبكت وقالت : إهدى طيب.
فارس في غضب : لو كنت أعرف إن رصاصة واحدة غلط هتعمل فيا كده كنت ضربتها في صدري ولا إني أتعذب بالشكل ده، إنتي عارفة إني مليش حد غيرك، أنا مش هعرف أعيش من غيرك مش هعرف، أقتليني وريحيني بقى حتى لو مستاهلش الراحة حني عليا، أشفقي عليا حتى.
ندا في بكاء : خلاص يا فارس، خلاص مسمحاك، خلاص بطل تقول كده.
نظر لها فارس في صدمة وقال : خلاص إيه؟! قولتي إيه؟!
على بكائها وقالت : خلاص مسمحاك.
ضمها إليه وقال : طيب متعيطيش، أنا مستاهلش تعيطي بسببي.
لماذا تحبني لهذا الحد؟ لماذا لا أستطيع الإبتعاد عنك؟ لماذا أشعر بالسعادة بين يديك الآن؟
ابتعد عنها فارس ونظر داخل عينيها بقوة وقال : عارف إنك هتقولي عليا مجنون ومعنديش دم وأناني بس أنا فعلًا أناني وعايز أطمن إنك هتفضلي معايا لحد أخر نفس في صدري...... تتجوزيني يا ندا؟
ظهرت الصدمة جالية على وجهها، لم يكن هذا الطلب ضمن خططتها، لم تتوقع أن يطلب منها الزواج بهذه السرعة وخاصةً بسبب وضعهما، ارتبكت وأخذت تنظر حولها ولا تعرف بماذا تجيب فنظر لها فارس وقال : أنا عارف إني فاجأتك بس... بس أنا عايزك، عايزك ليا، عايزك هنا في حضني، عارف إني مستعجل وإنتي لسه مفوقتيش من اللي حصل، عارف إني أكبر منك بكتير ويمكن معرفش أسعدك زي شاب في سنك بس أنا بحبك، ده يشفع عندك إنك توافقي تبقي ليا؟
نظرت له ندا وهي ترى الصدق داخل عيناه جعلها مغيبة وبذات الوقت لا تستطيع أن ترفض أو تقبل إلا إذا أخذت الأمر من غسان أولًا فأردف فارس : طيب قولي حتى متقبلاني ولا لا.
ابتلعت ندا ريقها وقالت : متقبلاك بس.
فارس : ما هو فيه حاجات كتير ضدنا، بس وإحنا مع بعض هنعرف نعدي أي حاجة، هحاول أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أعوضك، عارف إني عمري ما هعوضك وجوده أبدًا بس خليني جنبك، إديني فرصة بس.
ندا في حيرة : طيب، أنا مش عارفة.
فارس : حبيبتي خدي وقتك أنا مش مستعجل، كفاية عليا أشوفك بس كل يوم عشان من غيرك أنا مش عايش.
ندا : طيب سيبني أفكر.
وضع فارس يده على وجنتها وقال : مش إنتي بتحبيني؟ رفضاني ليه؟
كفى جلدًا بهذا القلب، لم أعد أتحمل أكثر، أمسكت يده وضغطت عليها لتضع رأسها على راحته وأغمضت عينيها ثم فتحتها مرة أخرى وقالت : بحبك، بس إديني وقت، عايزة أفكر بس.
فارس : حاضر حبيبي، خدي وقتك.
كادت أن تذهب فأمسك يدها وقال : خليكي جنبي شوية، عايز أنام، بقالي ٣ أيام مش عارف أنام وبجد تعبان أوي، خلي إيدك في إيدي بس مش طالب حاجة تانية.
شعرت بالشفقة عليه وهناك غضب من ذاتها يجلدها من الداخل، نعم أحببت من قتل أبي، حضنت كفه الذي قتله به بين راحتي، أنا الخائنة، أنا الابنة السيئة، وليت عشقي صادق بل أصبحت أيضًا عاشقة كاذبة.
