![]() |
رواية قناص الغرام الفصل الثالث عشر بقلم رباب حسين
انتصرت في معركة العشق التي لم تسفك فيها دماء سوى شوقي ولم ترفع فيها راية غير التي تزينت باسمها فزُرعت داخل قلبي تعلن ملكيته لها وحدها.
هي الآن له بعد انتظار انهكه وبعد ليالي تشابك فيها الأمل بالحلم حتى أصبح حقيقة وها هي الآن تقف أمامه تعلن له عن فوزه بها في لحظة كانت أبعد له من الخيال بعد أن ذاق مرار الحرمان منها، تأدب قلبه بين يديها فلم يعد يطلب سواها وصبر كثيرًا حتى وصل نغمات صوتها إلى مسامعه بأعذب كلمة سمعها طوال حياته "موافقة".
اقترب منها ليرفع يده تلامس وجهها ببطء، يخشى أن يكون وهمًا خيله عقله له من شدة اشتياقه لها، يخشى أن تكون حلمًا يتحول إلى خيبة أمل وحزن جديد يعصف بهذا القلب المتهشم الدامي من الحرمان والرفض وعندما لمس وجنتيها وعلم أنها حقيقة فاض قلبه عشقًا إذا خرج من صدره تلاشى أمامه كل حزن وبكاء في العالم أجمع، سعادته لا توصف بالكلمات فقد عجز المعجم عن تفسيرها فلم ينطق بكلام أخر فقط ضمها بين ذراعيه فما بداخله من مشاعر لن تشعر به سوى بسماع نبض هذا القلب.
أما هي فكانت بين شقيّ الرُحى، أخذت قرار دون موافقة غسان وتخشى ما سيفعله عندما يعلم بذلك وما ترهبه حقًا هو رامي فهو متيم بها وغضبه يسيطر عليه دائمًا وبرغم من رفضها له إلا أنه لم يسمح لأحد بأن يقترب منها منذ نعومة أظافرها، وبالجانب الأخر قلبها تعلق به وبوجوده وتخشى خسارته.
ابتعد فارس عنها ونظر إليها نظرة جعلتها تنسى كل ما تفكر به وبصوته العذب قال : مش هسيبك ليلة واحدة بعيد عني تاني.
ندا : يعني إيه؟!
فارس : يعني النهاردة هنكتب الكتاب.
ندا : لا مهتزرش يا فارس، أكيد مش النهاردة.
فارس : ما هو أنا مضمنكيش بصراحة، خايف ترجعي في كلامك تاني.
شعرت ندا بالارتباك فهي لا تملك بطاقة شخصية باسم ندا مهيب فحاولت أن تقنعه بأن يتزوجا بيومٍ أخر وأيضًا تخشى رد فعل عائلتها فقالت : فارس حبيبي بس نأجلها شوية.
فارس : يا نهار مش فايت، هي بعد فارس حبيبي ديه فيها تأجيل، إنسي.
ضحكت ندا وقالت : أنا غلطانة إني قولتها بجد، استنى بس هفهمك، يعني يرضيك اتجوزك من غير حتى فستان فرح؟
فارس : يا حبيبتي نكتب الكتاب وبعدين نعمل فرح أد الدنيا كلها بس اطمن إن خلصنا من غانم كمان وساعتها هنعمل كل حاجة إنتي عايزاها.
ندا : طيب بس اسمعني، خلينا بس نستنى شوي....
لم يعطي لها فارس فرصة لتكمل حديثها فاقترب منها ليسكت الكلام على شفاها بطريقته الخاصة حتى فتحت عيناها في صدمة وابتعد ليبتسم لها وقال : أظن كده موافقة.
لم تتحدث فقط نظرت له كالمغيبة وأمسك يدها وأخذ حقيبته وسلاحه ونزل إلى أسفل ليجد حاتم داخل السيارة فابتسم لهما عندما رأهما يتشابكا الأيدي معًا وصعدا بالسيارة وقادها حاتم وقال فارس : عايزين مأذون يا حاتم.
ضحك حاتم وقال : إيه ده؟! بسرعة كده.
فارس : يا عم اسكت أنا أقنعتها بالعافية.
ندا : طيب حتى خليها بكرة.
نظر فارس خلفه لها وقال : بس حبيبتي، يلا يا حاتم.
ندا : طيب مش هينفع على فكرة بقى، مفيش شهود.
فارس : بسيطة هتصل برائد يجي يشهد مع حاتم، فيه حجة تانية؟
أمسك فارس هاتفه واتصل برائد على الفور وأبلغه بالأمر فوقف رائد في صدمة وقال : هتتجوزها؟!
فارس : أيوة، مالك اتخضيت كده ليه؟
رائد : لا أبدًا بس، موضوعكم غريب بصراحة.
قالت ندا بصوت مرتفع : متنساش البطاقة يا رائد باشا.
فارس : اه صح، هات بطاقتك عشان تشهد.
فهم رائد ما ترمي إليه ندا فقال : طيب أجيلكم فين؟
فارس : على المزرعة.
أنهى فارس المكالمة وهو يتراقص من السعادة وقال حاتم : إنت مخدتش عربيتك ليه؟
فارس : رجالة غانم كانو بيراقبوني خلي العربية تحت البيت تجننهم شوية.
أما رائد فاتصل بغسان على الفور وقال : غسان باشا، أسف إني بتصل في وقت متأخر بس عرفت حاجة كده ومعرفش حضرتك عندك علم بيها ولا لا.
غسان : خير يا رائد.
رائد : فارس كلمني وقالي أروح عنده المزرعة عشان أشهد على كتب كتابه على ندا.
وقف غسان في صدمة ووقف بجواره حسني ورامي الذي عاد للتو من السفر وقال : يتجوز مين؟!
رائد : واضح إن حضرتك معندكش علم، ده اللي سمعته من شوية وأنا هروح وهاخد بطاقة ندا معايا عشان تعرف تكتب الكتاب.
غسان : أقفل يا رائد أما أشوف المجنونة ديه بتعمل إيه من غير ما ترجعلي.
أنهى غسان المكالمة واقترب منه رامي في غضب وقال : مين المجنونة ديه يا جدي؟
غسان في ارتباك : ديه، ديه ندا، هتتجوز فارس النهاردة.
رامي في غضب : نعم!!! تتجوز مين؟!
حسني : ده اللي كنت خايف منه وقولتلك ندا هتحبه وهتقع فيه.
غسان : ما أنت شفت لما كانت هنا كانت بتتكلم عليه إزاى.
رامي : طيب إيه اللي خلاها توافق ومن غير حتى ما تقولك.
غسان : هي قالتلي النهادره الصبح وقالتلي إنها رفضت زي ما قولتلها بس فارس ساب البيت وقالها إنه مش هيرجع تاني، واضح إنها وافقت بس عشان الخطة.
قذف رامي الطاولة أمامه في غضب وقال : أنا أصلًا مكنتش موافق إنها تعمل العملة ديه، إنت اللي أصريت يا جدي وأدي النتيجة، عارف لو لمسها يا جدي هقتله وهقتلها، مش هخليه يتهنى بيها يوم واحد، سامع يا جدي هقتله وهقتلها.
غسان : يا ابني إهدى عشان نعرف نفكر، عايز اتصل بيها بس خايف حد ياخد باله.
رامي :ياخدو بالهم، إمنع الجوازة ديه حالًا.
غسان : طيب اسكت هتصل بيها.
اتصل بها غسان على الفور ولكن لم تستطع أن تتلقى المكالمة داخل السيارة وظل رامي وغسان وحسني يتناقشون بالأمر والغضب يشتعل بينهم ورامي يتوعد بالانتقام منه ويرمي باللوم على غسان وحسني وهما ينظران إليه ولا يتحدثان، هو كان معراضًا لهذا الأمر غسان من ألح عليه بسبب العمل المشبوه الذي يحتاجه به فقال رامي : برده مش مبرر، وقعدت تقولي متخافش يا رامي، استحالة هتحب اللي قتل أبوها، عمرها ما هتبصله، ده أنا كدبت عليها عشان تشتغل معايا في الخطة ديه واستغليت إنها متعرفش حاجة عن شغلنا التاني ولا إن عمي سالم كان بيتاجر في السلاح وهي هترجع بعد ما تخلصنا من غانم وغندور، قولتلك يا جدي الكذبة ممكن تتكشف وساعتها هتحس بالذنب ناحية الواد ده وهتعرف إنه مقتلش عمي وإن إنت اللي قتلت أبوه مش غانم وساعتها هتكرهنا كلنا مصدقتنيش، النهاردة جاي تقولي رايحة تتجوزه وإيه من غير ما تعرف الحقيقة أصلًا، يبقى زي ما بابا قال، حفيدتك حبت الواد ده يا جدي، حبت الجربوع ده ورفضتني أنا، رامي أبو العزم، اسمع مني يا جدي الكلمتين دول وخليهم في دماغك، الواد ده أنا هقتله لو لمس ندا، أنا حافظت عليها من الهوا الطاير من ساعة ما كانت عيلة صغيرة عشان يجي هو وياخدها مني بسهولة كده، لا، على جثتي.
وصلو إلى المزرعة ونزل فارس وأمسك بيد ندا ولم يتركها لحظة حتى جاء رائد وطلب حاتم المأذون وانتظروه بالأسفل فجلس رائد أمامها وقال : مبروك يا عروسة.
ندا : الله يبارك فيك، أنا هطلع أغير هدومي وأجي.
أوماء لها فارس وذهبت من أمامه وهو يتابعها بعين عاشقة ثم وقف رائد وقال : ندا، ممكن بس أدخل المطبخ أجيب ماية؟ إنتي صاحبة البيت دلوقتي لازم استأذن.
ندا :اه طبعًا البيت بيتك.
غمز لها رائد بعينه ففهمت ندا أنه سيضع البطاقة الشخصية بالمطبخ فصعدت لتبدل ثيابها سريعًا واتصلت بغسان على الفور وقالت في ارتباك : أيوة يا جدي.
غسان في غضب : إنتي بتعملي إيه من ورايا يا ندا؟! إوقفي الجوازة ديه فورًا، عايزة تتجوزي اللي قتل أبوكي ويبقى حفيدي وحفيده منه؟!
ندا في همس : مش هعرف أرفض يا جدي، فارس مصمم ومش لاقية حجة تمنعه ولو عارضت من غير سبب هيشك فيا.
سمعت صوت رامي عبر الهاتف وهو يصيح في غضب قائلًا : الواد ده لو لمسك يا ندا هخلص عليه، وإنتي عارفاني مجنون واعملها.
سمعت طرق الباب فأنهت المكالمة على الفور لينظر رامي إلى الهاتف في غضب وأخذ يصيح بهما وهو في حالة هياج، فتحت ندا الباب لتجد فارس يستند على الباب وينظر إليها في سعادة وقال : قمر عيوني خلصت؟
أوماءت له ندا بنعم فلاحظ تغير ملامحها وشحوبها فاقترب منها في قلق وقال : مالك حبيبتي؟ هو أنا كل أما أغيب عنك شوية ألاقيكي متغيرة كده.
نظرت إليه نظرة حائرة، نعم لأول مرة تشعر بالخوف ولكن هذه المرة ليس منه بل عليه، تعلم أن رامي مستهتر وغضبه لا يحتمل وإن كان هذا هو أحد أسباب نفورها منه والآن تخشى عليه من غضبه، ماذا تفعل؟ ترفضه الآن أم تصبح له زوجة وتكون سبب في وفاته؟ ما الذي تغير فجأة؟ كنت أرغب في رؤيتك قتيل أمامي والآن أخشى أن يصيبك مكروه، نعم، عمي محق، أنا أحببتك.
تجمعت الدموع داخل عيناها مما دب في قلب فارس الخوف فاحتضن وجنتيها بين راحتيه وقال في قلق : مالك يا قلبي؟ فيه إيه؟ مش عايزة نتجوز؟
أوماءت له بلا ثم قالت في صوت مخنوق بالبكاء : أنا بحبك.
نظر لها وهو يبتسم وقال : طيب بتعيطي ليه؟!
ندا : عشان خايفة عليك.
فارس : خايفة عليا من إيه؟!
ندا : من كل حاجة، خايفة عليك حتى مني، هو أنت ممكن تزعل مني في يوم من الأيام؟
فارس : لو دبحتيني عمري ما هزعل منك.
على بكائها فضمها بين بأحضانه وقال : هي حبيبتي طلعت كئيبة وأنا معرفش؟ النهاردة فرحنا يا عروسة هنقضيها بكى، وبعدين المأذون مستني عايزاه يشوفك بالمنظر ده هيقول خاطفها وبيتجوزها غصب عنها.
ابتعدت ندا عنه وأزالت دموعها فأمسك يدها على الفور وأزال دموعها بأنامله وقال : لا، إيدي أنا اللي تمسح دموعك، أنا مهمتي إني أشيل الحزن والخوف من جواكي وأخليكي أسعد واحدة في الدنيا، مش عايز أشوف دموعك أبدًا ولا ألمح في عينيكي حزن.
أوماءت له بنعم فأردف : يلا ننزل.
نزلت معه ثم وقفت عند أخر الدرج وقالت : هشرب وأجي.
تركت يده ودخلت المطبخ وأخذت بطاقتها الجديدة وذهبت إلى البهو وجلست بجوار المأذون وبعد توقيع الورق تم عقد القران وفارس لأول مرة يظهر عليه السعادة من زمن طويل، كان يضحك من قلبه فوجودها أعطاه معنى للحياة مرة أخرى، رحل المأذون وصعد حاتم ليأخذ بعض الثياب له ليترك المنزل لفترة ويذهب ليقيم بمنزل أحد أصدقائه القدامى حتى لا يعرف مكانه غانم وبعد وقت نزل حاتم وقال : هروح أنا عند صاحبي معتز يا فارس ولو عايز أي حاجة كلمني وهبعتلك العربية اللي عند البيت مع حد من الشباب تبقى معاك هنا عشان لو حبيتو تخرجو أو تجيب طلبات.
فارس : تمام، معلش يا حاتم.
حاتم : يا عم معلش إيه قولي عقبال، هو أنا يعني كان مكتوب عليا أقعد وشي في وشك طول عمري.
فارس : تصدق أنا غلطان، اطلع برا.
حاتم : ما أنا طالع يا عم، وبعدين ما أنت كده كده كنت هتطردني فا أنا أطرد بكرامتي أحسن.
ضحكو جميعًا وقال رائد : طيب همشي أنا كمان، يا بخت من شهد على الجواز وخفف.
فارس : مش عارف أقولكم إيه بصراحة، ناس بتفهم.
صعدت ندا وتركتهم يمزحون معًا وهي تقف في غرفة فارس وتشعر بالتوتر ولا تعرف ماذا تفعل حتى رحل رائد وحاتم وصعد فارس إلى غرفته فوجدها تقف أمامه وتواليه ظهرها فنظرت له على الفور وبدا عليها التوتر فقال : مبروك يا أحلى عروسة.
ندا : الله يبارك فيك.
فارس : والله مبروك عليا فعلًا، تخيلي أنا اتجوزت القمر ده، ده مفيش حد مش هيحسدني عليكي.
ندا : ليه يعني؟ مش للدرجة ديه.
اقترب منها وقال : وأكتر، إنتي أجمل ما رأت عيني.
اقترب منها أكثر فارتبكت وأشاحت بوجهها عنه فنظر لها وهو يعقد حاجبيه وقال : بتبعدي ليه؟
نظرت ندا أرضًا في خجل فقال : مكسوفة مني، أسيبك شوية تهدي؟
ندا : مش مكسوفة، أنا، أنا.
فارس : فيه إيه يا ندا فهميني.
ندا : مش قادرة، مش قادرة يا فارس دلوقتي، مش متقبلة الموضوع.
تنهد فارس بقوة وعلم أنها لم تتخطى أمر قتل والدها فتبدلت ملامحه للغضب والحزن وقال : فهمت، ماشي يا ندا، خدي وقتك، تحبي تنامي هنا ولا تروحي أوضتك؟
ندا في حزن : لا، هنام هنا.
فارس : تمام، هخرج لحد ما تغيري هدومك.
تركها وخرج من الغرفة وهي تنظر إليه في حزن وانسابت دموعها، تعلم ما يفكر به وإن كان هذا الأمر يشعرها بالذنب أيضًا ولكن عندما علمت أنه قتل الرجل الذي أمر بقتل والدها شعرت بالارتياح قليلًا وهذا ما جعلها توافق على الزواج فهي تحبه ولا تقوى على ابتعاده عنها ولكن عليها إن تحميه الآن.
