![]() |
رواية قناص الغرام الفصل الرابع عشر بقلم رباب حسين
كان يراها أمامه ينظر داخل عيناها ويشعر بأنفاسها فلم يعد بينهما سوى نفس متقطع وكلمات تعبر عن المشاعر المختلطة فكانت قريبة حد الوجع لأنها بعيدة حد الموت. مد يده نحوها لكن المسافة بين يديه وقلبها كانت أطول من كل المسافات الممكنة. نعم، هو الذي أخطأ ولكن تخيل أن قلبها قد سامحه، قد أعطاه فرصة أخرى ولكن كان خطأ ً كفيل بأن يغلق في وجهه أبوابها كلها. كانت نظرتها إليه كسكين يغوص ببطء في صدره. رجفتها أمامه ورفضها قسم روحه إلى نصفين فلم يجد سوى الهروب من أمامها فقد انهزم أمام كلماتها البسيطة، فما أصعب شعور الرفض!
وها هو يقف بعيدًا مصلوبًا بين ذنبه وحبه يتمنى لو استطاع أن يقترب منها دون أن ترتجف
أن يقول: "سامحيني" دون أن يختنق صوته في منتصف الطريق. كل ما يؤلمه ليس الرفض بل أنها ما زالت تحبه ويرى حبها في عينيها في ارتجاف صوتها واضطراب أنفاسها لمجرد اقترابه منها ومع ذلك ترفضه وبرغم لذة الحنين التي تتخلل إلى صدره ولكنها تذكره بما فعل بكل مرة فتتحول الرغبة إلى جدار من الجليد. كم تمنى لو يستطيع أن يعيد الزمن وأن يمنحها قلبه قبل أن يجرحها، كم تمنى وكم ندم وكم حلم بفرصة ليعيد الزمن أما الآن فقد صار الحب عذابًا والاقتراب خطيئة وصار هو عاشقًا يتألم من قربٍ لا يكتمل ومن قلبٍ يحبه لكنه لم يعد يأمنه.
انتظر فارس بالخارج حتى هدأ قليلًا فلا يوجد لديه سوى الانتظار مراهنًا على حبها له فهو متأكد أنها ستأتي إليه يومًا ما فلن تجد الراحة سوى في دفئ أحضانه. عاد فارس إلى الغرفة ووجدها تجلس بالفراش تعبث بهاتفها فقد راسلت غسان وأخبرته أن الزواج لن يتم فقط سيظل مجرد ورقة عابرة وعلم رامي بالأمر فهدأ قليلًا ولكن من داخله يشعر بالخوف فهي جميلة ولن يتحمل فارس وجودها بجواره ويتركها دون أن يحظى بها. نظرت له ندا لترى كل علامات الألم داخل عينيه بالرغم من جمود وجهه فدب في قلبها الحزن. هي تحميه لا ترفضه ولكن لن يرى فارس ذلك أبدًا. دخل فارس المرحاض وأخذ حمام دافئ عله يهدأ من هذا الألم ثم بدل ثيابه وخرج وأطفئ الضوء ونام بالفراش ووالاها ظهره. ظلت تنظر إليه وهو مستلقي بجوارها فلم تقوى على رؤيته هكذا فانسابت دموعها في صمت ثم وكزته بأصبعها بخفة على عاتقه فنظر لها وأشعل الضوء مرة أخرى وعندما رأها تبكي قال في لهفة : بتعيطي ليه؟
ندا : هو أنت زعلان مني؟
أجاب بداخله "نعم" ولكن دموعها أوقفت الكلمة على لسانه فنظر لها قليلًا ثم ابتعد بنظره عنها فقالت : حقك عليا، غصب عني.
فارس : خدي وقتك أنا مش زعلان منك، يمكن أنا أكتر واحد عارف إنتي حاسة بإيه وعارف صعب إزاى تبقي قدام اللي جرحك بالشكل ده ومش قادرة تعملي حاجة لمجرد إن قلبك مانعك إنك تأذيه، عارف إني استاهل أكتر من كده ومستاهلش وجودك جنبي، متستغربيش من كلامي عشان أنا لو مش هحس بيكي مين اللي هيحس؟! لو بإيدي كنت شيلت كل وجعك وزعلك وغضبك من جواكي وزرعته جوايا ولا إني أحس إنك بتتعذبي بسببي، يمكن لسه مش عارفة أنا بحبك أد إيه أو إنتي بالنسبالي إيه بس في يوم من الأيام هتتأكدي وتعرفي وتعذري وأنا مستني اليوم ده وهفضل جنبك أحاول أطيب جرحك وأهون عليكي وجعك وهستحمل منك أي حاجة بس تفضلي جنبي.
ما أصعب أن يأتيك كل هذا الحب من أخر شخص تتمناه منه، كانت تحلم بأن تعيش قصة حب كهذه وترى هذه الهالة من العشق حول الشخص الذي ترغب به ولكن للقدر رأيًا أخر فلم تتحمل أنها تقابل كل هذا الحب والإخلاص بالغدر والكذب فبكت أكثر لينظر فارس إليها حائرًا لا يقوى على الاقتراب وضمها بين يديه ولا يتحمل رؤيتها هكذا فقال : متعيطيش، كل حاجة هتعدي والزمن كفيل يصلح كل اللي حصل.
أمسكت ندا يده وقالت : نفسي أعرف بتحبني ليه كده؟
فارس : عشان عمري ما قلبي دق لحد غيرك ولا اتمنيت غيرك عشان كده مش هعرف أزعل منك، لو بتعيطي عشان أنا زعلان فا أنا مش زعلان خلاص، ممكن تهدي بقى.
رفع يده ليزيل دموعها وقال : نامي، النهار قرب يطلع، نامي وارتاحي حبيبتي.
دثرها بالفراش وظل يرتب على شعرها حتى نامت كالأطفال بين يديه. برغم الحزن والكسرة التي يشعر بها من رفضها ولكن رؤيتها بهذه الحالة كانت أصعب بمراحل.
حل الصباح واستيقظ فارس ونزل إلى أسفل ليحضر الطعام ثم اتصل بحاتم الذي تلقى المكالمة وقال : صباح الخير يا عريس.
فارس : صباح النور، قولي في أخبار عن غانم؟
حاتم : لا ليه؟
فارس : أكيد هيتحرك عشان قتل غندور، خلي الشباب يفتحو عينهم ويدورو عليه وخلي حد يتابع عملية الدفن بتاعت غندور برده يمكن يظهر ومتنساش تبعت الأدلة اللي تدين غندور للنائب العام.
حاتم : حاضر، معلش في سؤال هموت واسأله، إنت في إيه ولا في إيه يا فارس؟!
فارس : ملكش دعوى، وابعت حد بعربيتي اللي عند الفيلا عشان عايز أنزل اشتري حاجات.
حاتم : لا بلاش نزول دلوقتي يا فارس، أنا قلقان من غانم بصراحة.
فارس : مش هنموت من الجوع يعني، بلغني كمان لو فيه طلبات جديدة جات على الأبليكشين.
حاتم في ملل : حاضر، يا ابني فكك من الشغل وروح لمراتك، أنا مش فاهمك بصراحة، هو حصل حاجة يا فارس ولا إيه؟!
فارس : لا محصلش حاجة.
تنهد حاتم وقال : ماشي يا صاحبي، بص هو بالنسبة للطلبات فا رائد كان جي أخر مرة عشان يقولك إن فيه رجل أعمال اسمه صالح زين الدين حواليه شبهات فا إيه رأيك؟
كان معتز صديق حاتم يجلس بجواره فتعجب مما سمع وقال : صالح زين الدين حواليه شبهات؟! ده أنضف رجل أعمال في البلد، رائد بيقول عليه كده ليه؟
حاتم : إنت تعرفه يا معتز؟
معتز : جدًا، أخويا يبقي السكرتير بتاعه وكمان الراجل بيعمل أعمال خيرية كتير جدًا ومفيش حد عرفه إلا وشكر فيه، غريب رائد يقول عليه كده.
سمع فارس ما قاله معتز فقال : خلي التيم يعمل تحريات الأول يا حاتم.
حاتم : هو عادةً بنثق في أي معلومات من رائد ومش بنراجع وراه بس بعد كلام معتز هشوف كده بس مش هقول لرائد إن احنا بنتأكد.
فارس : ماشي، وبلغني تمام.
حاتم : تمام.
أنهى فارس المكالمة والتفت ليجد ندا تقف خلفه وتنظر إليه فابتسم لها وقال : صباح الخير حبيبتي.
ندا : بطل تمثل قدامي إنك مش متضايق، أنا واقفة من بدري وسامعة صوتك وإنت بتكلم حاتم وأكيد يعني هعرف أفرق بين صوتك وإنت زعلان وصوتك وإنت مبسوط.
فارس : اممم، مقدرش أنكر إني اه كنت متضايق من شوية بس تفتكري هشوف القمر ده قدامي ويبقى لسه فيه زعل.
ندا : إنت بتضحك عليا صح؟
فارس : لا، لما بشوفك بنسى كل حاجة وحشة في حياتي كلها، وياريت نفطر عشان أنا جعان جدًا.
أمسك يدها وجذبها خلفه وأبعد الكرسي عن الطاولة قليلًا حتى تجلس عليه وبعد أن تناولا الطعام دخلت وغسلت الصحون ثم خرجت من المطبخ وقالت : تيجي نقعد في الجنينة برا شوية.
فارس : ماشي.
جلسا معًا بالخارج وبدأت ندا تسأله عن شخصيته وما يحب وما يبغض لتفهم شخصيته أكثر.
في منزل غانم الذي استيقظ على خبر وفاة غندور ليقف وسط رجاله وهو يصيح في غضب فهو صديقه المقرب فقال : اتقتل جوا بيته! إزاى ده حصل؟!
ماهر : فيه خبر عايز أبلغه لحضرتك بس ممكن تهدى شوية؟
غانم : ما هو مش هيبقى فيه أسوء من الخبر ده يا ماهر، قول وخلصني.
تحمحم ماهر وقال في تردد : فيه بلاغ اتقدم للنائب العام من شوية بخصوص غندور باشا، واضح كده، إن... إن قناص العدالة هو اللي قتله.
غانم في غضب : اه، كده وضحت، كده عرفت مين اللي اتجرأ وعرف يقتله جوا بيته، الواد ده زودها أوي، أنا عايز الواد ده، ولو معرفتش تجيبوه خلصو عليه، أنا زهقت منه ومن اللي بيعمله، مش كفاية إني كل أما اروح في حتة ألاقي ورايا وعاملي رعب، خلصني من الواد ده يا ماهر وبأي شكل.
أما فارس فكان في عالم أخر، يسمعها وهي تتحدث بكل ارتياح، ضحكا معًا وانغمس في صوت ضحكتها، رأى السعادة في عينيها لأول مرة وأخذا يمزحان معًا حتى نست ندا كل ما تشعر به من حيرة وضيق، نست كل شيء حدث فقط شعرت بالراحة بوجودها بجواره.
قاطع حديثهما اتصال حاتم وأخبره أن عمرو سيأتي إليه بالسيارة فأنهى المكالمة وأخبر ندا بالأمر ثم دخل المنزل ليقوم بتحضير قهوة لهما وظلت ندا بالحديقة وعندما دخل فارس لمحت ندا أن هناك أحد يتحرك نحو باب الحديقة الخارجي فنظرت جيدًا لتفتح عينيها بصدمة عندما رأت رامي يقف أمام الباب فنظرت إلى باب المنزل في خوف ثم ركضت إلى الباب الخارجي وقالت في ذعر : إنت اتجننت يا رامي، بتعمل إيه هنا؟!
نظر لها رامي في غضب : قاعدة عمالة تضحكي معاه ولا كأن هو اللي قاتل أبوكي، كنت فاكر إن عندك دم أكثر من كده، كنت فاكرك بنت عيلة ابو العزم فعلًا لكن طلعتي رخيصة وبعيتي عيلتك وأبوكي عشانه.
ندا في غضب : إنت بتتكلم معايا كده ليه؟! وبعدين إنت جاي تراقبني؟!
رامي : جي أشوف الهانم خطيبتي اللي اتجوزت غيري وياريت حد يتقارن بيا أصلًا ده حد ميسواش.
ندا : أنا مش خطيبتك ولا مراته، أظن إنت عارف أنا بعمل إيه هنا واللي إنت جاي تبوظه، إمشي يا رامي قبل ما يشوفك وتبقى مصيبة.
وصل عمرو ووقف بجوار الباب ونظر إلى رامي في صدمة فهو يعلم من هو جيدًا وفي ذات اللحظة خرج فارس وهو يحمل كوبين القهوة في يديه ورأى ندا تتحدث مع أحد الرجال عند الباب فسقط الكوبان من يده وركض إليها على الفور وجذبها من يده ونظر إلى رامي في غضب وقال : إنت مين؟!
نظرت ندا له في صدمة ثم نظرت إلى رامي الذي قال : هو حضرتك صاحب البيت؟
فارس : أيوة.
رامي : أسف أنا غلطت في العنوان.
اقترب عمرو وسمع الحوار بين فارس ورامي ثم قال فارس : مفيش مشكلة، اتفضل حضرتك.
ذهب رامي واقترب عمرو من الباب فقال : فارس باشا، أنا جبت المفتاح.
فتح فارس الباب وقال : تعالى يا عمرو إدخل.
دخل عمرو وجلس بالحديقة ثم نظر فارس إلى ندا بغضب وقال : إيه اللي خلاكي تقربي ناحية الباب؟
ندا : كنت فكراه الراجل اللي جايب المفتاح فلما قربت سألني عن رقم البيت وأنا معرفهوش.
فارس في غضب : تقوليلي أنا إن فيه حد على الباب وتدخلي جوا البيت مش واقفة تتكلمي معاه كده وخلاص.
ندا : إنت بتشك فيا يا فارس.
فارس : بشك فيكي إيه؟! إنتي مش عارفة اللي ممكن يحصل من غانم أو غيره ولا عايزة تتخطفي تاني؟!
صمتت ندا ونظرت أرضًا فقال : إدخلي البيت يا ندا ومفيش خروج الجنينة تاني.
ذهبت ندا من أمامه تحت نظرات عمرو الذي سمع ما حدث واقترب فارس منه وجلس أمامه، كان عمرو يريد أن يخبره بأن هذا الشخص هو رامي أبو العزم ولكن لاحظ غضبه الشديد وقرر أن يؤجل المعلومة لوقت لاحق ثم تحدث معه فارس ببعض أمور العمل داخل الفريق وأخذ منه المفتاح وذهب عمرو وعاد فارس إلى الداخل فوجد ندا تقف أمامه فقالت : أنا فهمتك غلط، افتكرت إنك مش عايزني اتكلم مع أي راجل وخلاص.
فارس : هو ده سبب اه، أنا مجنون ومش بحب حد يقربلك ولا يبصلك ولا يتكلم معاكي، هاين عليا أحبسك محدش يشوفك غيري، أنا كده، لكن اللي خوفني إن وضعنا مش حلو وفيه حد بيجري ورايا في كل حتة وأنا مش هستحمل حد يلمسك ممكن ساعتها أحرقهم كلهم وميهمنيش فلو سمحتي يا ندا متغلطيش.
ندا : حاضر، أنا أسفة.
جذبها فارس لأحضانه وأغمض عينيه وقال : مش هستحمل يجرالك حاجة، الموت عندي أهون.
ندا : بعد الشر عليك.
ابتعد عنها ونظر إليها وابتسم لها وقال : مراتي تتفضل تحضر الغدا وأنا هنزل زي أي راجل مسئول عن بيت يجيب طلبات ويجي، تحبي أجيبلك حاجة معايا يا سيدة المنزل؟
ابتسمت ندا وقالت : لا مش عايزة حاجة، تحب تتغدى إيه؟
فارس : أي حاجة.
ندا : طيب متتأخرش عليا.
فارس : حاضر، هجيب طلبات وأجي على طول.
بدل فارس ثيابه وغادر المنزل ولاحظ أن هناك سيارة تتبعه فدخل أحد المنافذ واشترى الأغراض التي يحتاجها ووضعها بالسيارة وفي طريق العودة لاحظ وجود أكثر من سيارة خلفه فاتصل بحاتم على الفور وقال : فيه عربيتين ماشيين ورايا يا حاتم حوالي ٨ أشخاص وأنا لوحدي.
وقف حاتم في ذعر وقال : إنت فين؟!
فارس : هبعتلك شير لوكيشن، خلي الشباب يجو ورايا أنا هحاول أراوغهم شوية لحد ما يوصلو.
حاتم في قلق : طيب طيب، أقفل وأنا هتصرف.
ظل فارس يجوب بالشوارع قليلًا حتى دخل في شارع يؤدي إلى المزرعة ولاحظ أن هناك سيارة تقترب منه بسرعة لتقف أمام سيارة فارس وتقطع عليه الطريق ووقفت السيارة الأخرى خلف سيارته فلم يستطع التحرك ثم التف الرجال حول السيارة وكسر أحدهم الزجاج الذي بجواره وفتح الباب وجذب فارس من ملابسه وحاولو أن يضربوه فقام بالدفاع عن نفسه ولكن كان عددهم كبير فلم يستطع التغلب عليهم جميعًا وتوالت الضربات من كل اتجاه حتى سقط أرضًا وصوت صرخاته يملء المكان حتى اقتربت سيارتين سريعًا ونزل بعض الرجال منهما وقامو بإطلاق الرصاص عليهم فعادو إلى سيارتهما وتركو المكان سريعًا واقترب عمرو من فارس الذي يتنفس بصعوبة ووجهه مليء بالكدمات والجروح ويمسك بقفصه الصدري ويتألم بشدة فاتصل بحاتم على الفور وقال : إلحق يا حاتم، ضربو فارس ورمو في الأرض وشكله عنده كسور كتير، أعمل إيه؟
حاتم : خده على المستشفى فورًا وابعتلي اسم المستشفى.
