رواية ظل البراق الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الثالث عشر 

حين تسكن الدنيا في عمق الليل، وتخفت الأصوات من حولها، تبقى قلوب قليلة ما زالت

مستيقظة، تناجي ربها بالصلاة والدعاء، وتستأنس بصفاء السكون.

كانت ناهد إحداهن.

وقفت في غرفتها ، يلقها ضوء خافت، وسجادتها مفروشة في ركن تطمئن إليه. رفعت يديها.

وأخذت تصلي قيام الليل بخشوع يملا ملامحها، تتلو الآيات بصوت هادي متهدج، وكأنها تحادث ربها عن كل ما سكن في صدرها.

وحين انتهت، جلست قليلا تسبح ثم أطبقت عينيها بدعاء طويل صادق، قبل أن تنهض للعد لنفسها مشروبا داقتا يخفف من برودة الليل.

أخذت كوبها وجلست أمام النافذة، تحدق في السماء الصافية، تسلل دفء الذكرى إلى قلبها فجاة، بينما كانت تفكر في رقبة - تلك القناة التي دخلت الحارة قبل أعوام، حاملة فوق كتفيها

مسؤولية بيت كامل.

ابتسمت ناهد وهي تستعيد تلك اللحظة الأولى التي رأتها فيها تدخل الحارة، تتلفت يخجل وثبات معا، وكأنها تضع أولى خطواتها في عالم جديد تماما.

نهاية غريب جمع بينهما ....

فكما دخلت رقية الحارة وحيدة تحمل أثقالها بصمت كانت ناهد قد عرفت الطريق ذاته منذ زمن بعيد، عندما جاءت إلى هذه الحارة وهي طفلة في العاشرة، تحمل في عينيها الخوف والدهشة، وفي قلبها عزيمة لا تلين.

جاءت هي وأبوها وأمها وأخوها بعد أن خدع والدها من أقرب الناس إليه، قد جعلوه يمضي على أوراق ، سلبوه بها بيته وأرضه، فاضطر أن يرحل مكسورا.

اختار الحارة لأنه سمع أن أهلها طيبون، وأنها مأمن لمن قست عليه الدنيا.

استأجروا شقة صغيرة في الطابق الثالث من عمارة متواضعة هي ذاتها التي تعيش فيها ناهد الآن، وافتتح الآب محل بقالة هو ذاته مكان المطعم الآن.

ومنذ اليوم الأول، كانت ناهد تلازمه في المحل، تساعده وتتعلم منه. كانت نظراتها أكبر من

عمرها، ويديها الصغيرتان تعملان يجد لا يعرف الكلل.

كانت ناهد تبتسم وهي تتأمل البخار المتصاعد من كوبها، كأن الذكريات أقبلت تزورها في هدوء هذا الليل.

مرت في خاطرها صورة طفلة صغيرة ترتدي فستانا بسيطا، يتسدل شعرها خلف كتفيها. وملامحها تنبض ينضج أكبر من عمرها.

كانت في العاشرة انذاك تعين أباها في محل البقالة الصغير الذي أصبح اليوم مطعمها، تقف خلف الطاولة الخشبية، تمد يدها بالسكر والرز، وتبتسم لكل زبون يدخل.

تذكرت اليوم الذي رأته فيه للمرة الأولى.

كانت الحارة تضح بصوت شجار حال بين جارين، والناس تجمعت في منتصف الطريق.

ومن بين الأصوات الغاضبة ظهر شاب طويل عريض الكتفين، له هيبة هادئة تشد الأنظار عامر البراق.

رفع صوته بنبات وقال

بس يا رجالة، هنتخانق مع بعض ؟ إيه خلاص نسيتوا إننا أهل ؟ هانت عليكم العشرة ؟

ناقص نموت بعض كمان ."

ظهر صوت أحد الرجال وقال بغضب:

أنا ما غلطتش في حاجة ؟ هو اللي غلط . "

قال "عامر" بصوت جاد :

الأخوات بيتخانقوا بالليل ويجوا الصبح يتلموا على ترابيزة واحدة ، وإحنا هنا مش بس

جیران، الحارة كلها أخوات وأهل وسند لبعض ، ومش عشان شوية حاجات هيئة هنخسر بعض عشانها ."

الخنافة كأنها لم تكن.

ساد صمت غريب بعد كلماته، كان الهدوء خضع لصوته فصل بين المتشاجرين بكلمتين ، وانتهت

وقفت ناهد على أول الشارع تتابعه بعينين مأخوذتين، شعرت بشيء لم تعرف له اسماء مزيج من الانبهار والدهشة، كأنها رأت بطلا خرج من شاشة التلفاز.

منذ ذلك اليوم صار اسمه يتردد في الحارة كثيرا الناس تتحدث عن شهامته، عن أخلاقه، وعن

الورشة الصغيرة التي فتحها بجهده بعيدا عن مال أبيه.

وكانت هي تمر من امام ورشته كل يوم تقريبا، متعللة بحجة واهية لتراه ولو للحظة.

وفي أحد الأيام حين لاحظ تكرار مرورها، رفع رأسه من بين أدواته وقال مبتسفا:

إيه يا طفلة | أخبار حركة المرور النهاردة ايه ؟ رايحة جاية في الشارع ولا كأنك عسكري

المرور في الحارة | حاجة تايهه منك يا ناهد ؟ ."

ارتبكت ناهد وقالت وهي تلهو بطرف فستانها:

" أصل بابا بيبعتني أجيب حاجات من هنا".

ضحك وهو يعيد ترتيب عدته:

هصدقك باستی ، بس ده انا قولت مشغلك معايا هنا بدل ما تفضلي رايحة جاية تبصى على الورشة"

قالت مازحة بخجل خفيف

حلوة الفكرة، هتديني كام في الشهر يقي يا معلم عامر ؟ "

رفع حاجبه بدهشة ، وقال وهو يضحك:

اللي تقولي عليه با ست ناهد . بس تشوف شغلك الأول وبعدها تقدره ."

أكملت وهي تمازحه :

هفكر وأقولك ، سلام يا معلم ."

تعالت ضحكاته على هذه الطفلة ، وكذلك هي ابتسمت وذهبت من أمامه، وكان في تلك الضحكة أول خيط بين قلبين النقيا في بساطة الطفولة، لا يدريان أن الأيام ستأخذ كلا منهما في طريق

بعيد ومنذ ذلك اليوم، أصبحت ناهد نمر أمام ورشة عامر كل صباح تقريبا.

كانت تمشي بخطوات خفيفة، تمسك بطرف فستانها القديم وتبتسم له من بعيد، ثم ترفع صوتها بخفة وشقاوة قائلة:

صباحو يا معلم عامر"

كان يلتفت نحوها مبتسفا، يلقي نظرة سريعة وهو يمسح يديه من الزيت، ويجيبها بمرح معناد:

صباح النور يا شقية، لسه بتلفي الحارة كلها قبل المدرسة ؟"

فتضحك وتقول بثقة أكبر مما يليق بعمرها :

أصلي يحب أمشي كثير الحارة كلها بقت صحابي "


يهز رأسه مبتسما ويعود العمله، بينما تواصل في طريقها والقلب الصغير بداخلها يخفق بخفة لا تعرف معناها بعد.

كانت تراه في عينها بطلا حقيقيا، لا يختلف عن أولئك الذين تراهم في أفلام السينما القديمة التي كانت أمها تعشقها.

ذلك الرجل الذي يحل الخلاف بكلمة، ويبتسم بثقة، ولا يعلو صوته إلا ليصلح بين الناس.

ومرت السنوات عليها ، وظلت صورته في خيالها كما هي بطل الحارة، وصاحب الورشة الذي يشبه الأبطال في الحكايات، ومضت الأيام، وناهد ما زالت على حالها، تمر أمام ورشة عامر كل

صباح بابتسامتها الهادئة وشقاوتها التي اعتادها الجميع.

لكن شيئا في نظرات عامر بدا يتغير، وإن لم يفصح عنه.

صار يجد نفسه يمر على محل والدها كثيرا، يشترى ما لا يحتاج إليه، ويختلق الأعذار كل مرة. ليعود.

كانت ناهد تراه من خلف الطاولة، تبتسم يخفوت وتقول وهي تمسح بيديها قطعة القماش:

ازيك يا معلم عامر النهاردة برضه ناقصك حاجات؟"

فيرد مبتسها وهو يمد النقود:

والله أختي قالتلي ناقصنا شاي وسكر... وأنا راجل مطبع ما قدرش أقولها لا."

تضحك، وترد بخفة:

أختك دي شكلها بتحب الشاي أكثر من الميه طب تغير طلبها مرة ! "

فينظر إليها نظرة سريعة ويقول بنبرة فيها دفء

براحتها هو أنا اشتكيت ؟ مش يمكن الشاي هو السبب اللي بيخليني أعلى هذا؟"

تتجند للحظة وهي لا تفهم تماما قصد، ثم تضحك بخجل طفولي وتخفض عينيها إلى الأرض. بينما قلبها الصغير يطرق بابا جديدا لم تعرفه من قبل.

ابتسمت بمرارة وهي تتذكر يوم كسر قلبها .

كانت قد أتمت امتحانها الأخير في المرحلة الإعدادية، تسير في طريق العودة بخفة وفرحطفولي، تحمل حقيبتها الصغيرة وتغني بصوت منخفض لنفسها، تشعر أن الدنيا كلها أمامها.

وعندما وصلت قرب الورشة، توقفت فجأة.

كانت الأبواب مغلقة، والمكان ساكن على غير عادته، رفعت حاجبيها بدهشة، واقتربت أكثر.

هو راح فين النهاردة؟"

تمتمت لنفسها، ثم تابعت طريقها نحو محل والدها.

كان والدها يضع بعض الصناديق في مكانها حين رأها تدخل، فابتسم وقال:

خلصت با ناهد؟"

ابوه با بابا آخر امتحان والحمد لله خلصت وارتحت "

ابتسم لها بحنان، ثم قال وهو يمسح عرقه بمنديل صغير:

اقفي مكاني في المحل شوية، لما أروح مع أهل الحارة بيت البراق."

رفعت رأسها بدهشة وقلق:

في إيه يا بابا؟ في حاجة حصلت ؟"

نظر إليها مترندا، تم تنفس ببطء وقال:

"أنت ما تعرفيش ؟ "

" لا، في ايه؟"

النهاردة فرح المعلم عامر... على بنت صاحب أبوه من الحارة التي جنبنا"

تجمدت الكلمة في أذنها، وشعرت كأن الهواء انسحب من حولها، نظرت اليه بعينين واسعتين، لم

تعرف بم نرد.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرتعش حاولت أن تخفيه خلف ابتسامة باهتة:

طب.... ربنا يسعده يا بابا"

ثم أدارت وجهها بسرعة نحو الرفوف، تتظاهر بالانشغال بترتيب العلب، بينما قلبها الصغير كان

ينهار في صمت مؤلم.

استفاقت ناهد من ذكرياتها على صوت الأذان يتردد من مأذن الحارة، ينساب عبر الشباك ينغمة خاشعة توقظ القلب قبل الأذن

تنفست بعمق، كأنها تعيد روحها من زمن بعيد، ثم همست لنفسها وهي ترفع نظرها نحو السماء:

مش ناصيبي يارب . بس ليه مش قادرة أنسي بعد السنين دي كلها؟ ليه الانسان يبقي مصدر هلاك نفسه بالأحلام اللي بيبنيها وهو عارف أنها أحلام وبس، وعمرها ما هتبقي حقيقة ؟ أنا

راضية يارب ، بس ... بس قلبي واجعني "

ابتسمت ابتسامة خفيفة يغليها الألم، ونهضت ببطء لتتوضأ وتستعد لصلاة الفجر.

وقفت أمام سجادتها مرة أخرى، هذه المزة لم تكن الطفلة التي حلمت بل كانت مدام ناهد -المرأة القوية التي علمتها الحياة أن الدعاء في جوف الليل، هو السند الذي لا يزول.

في صباح مشرق هادئ، كانت أشعة الشمس تتسأل إلى مدرج كلية طب الأسنان عبر النوافذ

العالية، تلامس الوجود المتعبة من السهر والمذاكرة.

وقف الدكتور مروان الهاشمي أمام السبورة، ممسكا بقلمه يشرح بإتقان وثقة تفاصيل

المحاضرة صوته منخفض لكنه واضح، ونظراته ثابتة تتم عن عقل منظم وحضور قوي.

كان الطلاب يتابعونه بالتباه، بعضهم بدون ملاحظات، وبعضهم يكتفي بالنظر إليه بإعجاب صامت.

أنهى الشرح بهدوء، وضع القلم على المكتب، ثم التفت بنظره نحو الصفوف الأخيرة، يلمح تلك المشاهد التي مرت أمامه أكثر من مرة، لكنها اليوم أثارت شيئا داخله.

صمت لحظة، ثم قال بصوت هادي لكن حازم

يا جماعة ... قبل ما نخرج عايز أقول كلمتين صغيرين "

ساد المدرج سكون خفيف كل العربون الجهت نحوه.

ابتسم "مروان "يخفة، وقال بنبرة ودودة:

أنا ملاحظ حاجة بقالها كام أسبوع، ومش قادر أتجاهلها أكثر.

يا ريت ماحدش يزعل من كلامي .... بس لازم أقوله "

ترددت همهمات خفيفة، فأكمل:

"أنا مش ضد إن الولاد والبنات يتعلموا في مكان واحد الجامعة مختلطة وده أمر واقع، وكلنا هذا إخوات وزمايل... لكن اللي أنا شايفه أوقات بيعني حدود الزمالة ، يعني، بنت تقعد جنب ولد ومافيش أي مسافة بينهم وغصب بيبقي في تلامس و نظرات.... طب ليه ؟"

صمت لحظة، كأنه يزن كلماته، ثم قال بنبرة أهدا:

الدين عمره ما حزم التعامل بس علمنا إزاي تتعامل.

ربنا قال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم .... وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن.

الكلام ده مش تهديد ده تربية ... تربية قلب قبل ما تكون أوامر."

نظر إلى الصفوف الأولى، ثم تابع بصوت أقرب للنصح

أنا مش شيخ، ولا يعمل خطبة جمعة بس أمانة التعليم كبيرة، ومش بس في الطب ولا

الأسنان، في الأخلاق كمان ، أنا ما يحبش أشوف بنت قاعدة مضايقة بسبب شاب لازق فيها، ولا ولد شكله مش مركز عشان قاعدة جنيه زميله كلنا هنا يتسعى تكبر وتنجح، ومفيش نجاح من

غير احترام"

قال أحد الشباب بنبرة سخرية:

" ولو إحنا حابين كده يا دكتور ؟ صحاب ويتحب لقعد جنب بعض عادي ."

قال "مروان " بنبرة حازمة :

أسلوبك يتعدل وانت بتتكلم معايا الأول، وصحاب دي مش هنا ومش قدامي ، أنا ما قبلش أشوف ولد لازق في بنت مش من محارمه بالشكل ده؟ هي من أختك ولا مراتك عشان تقولي حابين تقعد بالشكل ده، ولو غيري بيسمح بكده فهو حر في محاضرته، لكن في محاضرتي فلا

مش هسمح ."

رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت بخجل:

يعني يا دكتور حضرتك تقصد تفصل البنات عن الولاد؟"

ابتسم وقال:

لا يا دكتورة مش فصل .... بس نظام.

من المحاضرة الجاية، أول كام صف لأولاد، والباقي للبنات، وممنوع الاقي ولد قاعد في صف فيه بنات ، وممنوع الولاد تقعد ورا البنات ، كلامي واضح الرجالة في الصفوف الأولي ، وده مش

اجبار، بس احترام متبادل، وأمان للقلب والعين "

نظر إلى الوجوه أمامه، فوجد بعض الابتسامات الخجولة وبعض الارتباك، فابتسم وقال بنغمة

لخفيفة التهدئة الجو:

ومافيش داعي نبض على بعض كاننا في معركة، إحنا مش في حرب، إحنا في قاعة علم .

وجايين لهدف معين ، يبقي تسعى ليه بكل احترام وتعاون "

ابتسم بعض الطلاب بخفة، بينما شعر آخرون بالاحترام لكلامه.

تم أنهى كلامه قائلاً بهدوء ووقار:

اللي بيحافظ على نفسه بيحافظ على بركة علمه.

خلوا ليتكم صافية، وربنا هيبارك فيكم وفي سعيكم "

ثم أخذ حقيبته اللى عليهم نظرة فخر هادئة، وقال قبل أن يغادر المدرج:

نشوفكم المحاضرة الجاية يا دكاترة .... بس المرة دي كل واحد في مكانه الصح."

خرج مروان من المدرج بخطوات ثابتة ووجه مطمئن

كان الصباح قد ازداد إشراقا، والهواء محملا برائحة القهوة المنبعثة من كافيتيريا الكلية.

التي التحية على بعض الطلاب الذين وقفوا أمام المدرج، فردوا عليه باحترام ممزوج باعجاب

وهو يكتفي بابتسامة خفيفة ويكمل طريقه نحو المكتبة المركزية.

قضى هناك ما يقارب الساعة بين الأوراق والمراجع، ينقح بعض الأبحاث الخاصة بطلابه.

ويراجع محاضرات الأسبوع القادم.

كان دقيقا في كل شيء، حتى في ترتيب الملفات أمامه، كان النظام جزء من طبيعته لا يستطيع

الانفصال عنه.

وحين انتهى، جمع أوراقه ووضعها في الحقيبة، ثم خرج بخطوات سريعة إلى قاعة أخرى، حيث كانت لديه محاضرة إضافية لطلاب السنة الأخيرة.

مرت الساعات تقيلة، لكنها لم تفقده هدوءه المعتاد، إلى أن انتهى من يومه الجامعي الطويل.

نظر إلى ساعته، فابتسم وقال لنفسه بنيرة منخفضة

هدي خلاص المفروض تخلص محاضراتها دلوقتي ، اروح اخدها ونروح ..

كان مروان قد وصل إلى كلية الصيدلة، ووقف بسيارته بجانب الرصيف تحت ظل شجرة عليقة عند البوابة.

أخرج هاتفه واتصل يهدى، وما إن ردت حتى سمع صوتها المرهق الممزوج بالضحكة

ايوه يا دكتور، أنا في المكتبة بصور ورق المحاضرات مع نور استناني شوية وهجيلك"

ابتسم بخفوت وقال:

تمام، أنا عند المكان اللي يستداك فيه على طول ، ما تتأخريش "

أنهى المكالمة وهبط من سيارته وأخذ يسير بخطوات بطيئة في اتجاه المكتبة. وأول ما وقع بصره على الداخلين والخارجين، لمح هدى تقف بجانب آلة التصوير وهي تتحدث نور ، تلك القناة ذات الحجاب الطويل، تحمل دفترا كبيرا وتتابع باهتمام حركة الورق الخارج من الآلة.

في تلك اللحظة كانت نور تمد يدها لتستلم مجموعة من الأوراق من العامل، ثم تعطي نصفها

الهدى وهي تقول بشرة خفيفة تعبر عن ضجر لطيف

أخيرا خرجنا من طابور العيش ده يا ريت الورق كان عيش بلدي بجد، ونحط فيه شويه كبده

ضحكت" هدى" وهي تأخذ منها النسخة ويذهبوا الخارج المكتبة:

مع كوباية حاجة ساقعة جوعتيني يا نور، وبعدين أنا وأنت قصار، بنضيع في الرجلين يا

اختي، كل واحد يزق فينا كأنه مش شايفنا "

ضحكت "نور" وهي تمسك بحقيبتها وتقول:

ما هو احنا اللي اخترنا تصور وقت الزحمة بعد كده تيجي لعمك أحمد في الطراوة."

نظرت لها "هدى" بسخرية وقالت بغمزة:

الطراوة دي هشوفها في بيت جوزي مش في صيدلة يا حلوة"

كانت "نور " سترد عليها ولكن قاطعم "صوت مروان " الهادئ وهو يقول :

السلام عليكم "

نظرت له " هدى " بسرعة وقالت بدهشة:

وعليكم السلام، إيه ده ؟ انت جيت بنفسك عادي كده؟

اقترب بخطوات واثقة وقال مبتسما :

مانا لو استنيت حضرتك ، مفضل مستنى ليكره...

اكمل كلامة وهو يقول النور:

ازيك يا دكتورة ؟".

نظرت نور له باحترام هادي وقالت يخجل بسيط

الحمد لله يا دكتور "

ابتسم وقال لهم وهو يمد نظره للحقيبة المليئة بالأوراق في يدها:

شكلكم كننوا في معركة مش مكتبة "

ضحكت وقالت:

أهو كله من الورق اللي ما بيخلصش"

هدي بدأت تجمع حاجتها بسرعة وقالت:

بلا یا مروان نمشي ؟ بالمرة توصل نور طريقها في نفس الاتجاه."

قال "مروان " بهدوء :

ولو مش طريقنا نوصلها عادي ، يلا."

هزت" نور" رأسها بابتسامة مهذبة وقالت:

متشكره جدا يا دكتور بس لسه هنا أختي قدامها محاضرة ، هستناها ونروح مع بعض ."

قالت " هدى "وهي تحضنها:

براحتك يا نور بس متتأخريش الجو بدأ يبرد"

ابتسمت " نور" وهي تردا

ما تقلقيش يا حبيبتي ، نص ساعة و هنمشي ، بلا مع السلامة "

خرج مروان وهدى من مبنى الكلية، يسيران بخطوات متناسقة نحو سيارات المركونة عند

الرصيف المقابل...

ركيت هدى في المقعد الأمامي وربطت حزامها، بينما جلس مروان خلف المقود وأدار المحرك بهدوء

لم تمر سوى لحظة صمت حتى التفتت إليه بنظرة ماكرة وقالت بمرح ظاهر في صوتها :

الا يا دكتره.... أول مرة تيجي بنفسك وتستنى ده أنت دايما تتصل وتقولي قدامك دقيقة

واحدة، أو ماجتيش همشي!"

التفت إليها بنصف ابتسامة، ونظرة فيها غيظ مصطنع.

قلبي حن النهاردة وقولت أجي أحدك ، غلطان أنا كده؟"

ضحكت وهي تنمسك بحقيبتها وقالت بمشاكسه:

لا مش غلطان یا مارو ، بس قلبك حن ولا دق ؟"

هز راسه بخفة وهو يركز على الطريق

أنت ما يتسيبيش كلمة تعدي أبدا"

أكيد لا، خصوصا لما تخص القلب أصل كلام القلوب ده واعر جوي يا ولد أبوي ."

قالتها وهي تضحك بصوت عال...

قال لها بسخرية :

يا قلبي ؟ لا حنينة وحنيتك مغرقانا يا هدي ."

رمقته بنظرة جانبية وقالت بغيظ

يعني مش هتعترف ؟"

نظر لها بقلة حيلة وقال:

اعترف بأي حاجة وخلاص عشان ترتاحي ؟"

ردت وهي ترفع حاجبيها بخفة:

لا يا دكتور ، تعترف وتقولي جيت ليه تأخدني بنفسك ؟ ولا مروح أقول لسيادة اللواء علي

تصرفاتك وهو يعمل تحرياته ويعرفلي الموضوع كله "

ضحك رغماً عنه، وقال :

تحريات مرة واحدة؟ مسجل خطر يا بت ولا إيه ، تصدقي أنا غلطان، بعد كده هسيبك

تروحي مواصلات ."

ضحكت أكثر وقالت:

لا خلاص يا باشا ، أنت تعمل اللي أنت عايزه ، إن شاء الله تبجي تأخدني من قلب المدرج ...

أكملت كلامها بغمزة :

هتلاقيني قاعدة جنب نور !"

هز رأسه بقلة حيله وقال :

خليني ساكت أحسن ، عشان شكل المعادلات عملتلك دماغ . "

قالت وهي تضحك بمرح:

دماغ بالنور..."

انزلي يا بلوة وصلنا "

ردت بشقاوة وهي تفتح باب السيارة وتسرع من خطواتها :

هروح أقول لسيادة اللواء برضوا.

ضحك "مروان " بصدمة وهو يراها تختفي من أمامة وقال بمرح:

يا فضيحتك يا مروان، طالما دي عرفت يبقى أخبارك متطلع ترند بكرة"

ركن السيارة أمام العمارة، وهبط منها ثم أغلق الباب بهدوء، وبقى للحظة في مكانه، ينظر إلى

الطريق أمامه وهو يفكر بصمت لا يعرف سببه.

ركزي يا بنتي في المحاضرة وسيبي التليفون ده!"

جملة قالتها "هنا" بحدة لصديقتها سارة وهما في المحاضرة

رفعت "سارة" ، رأسها بتكاسل . وقالت بلامبالاة واضحة:


زهقت بقالنا ساعتين قاعدین، دماغی راحت

ابتسمت " هنا " بخفة وقالت وهي تعود لتنظر نحو الدكتور:

ما هو لازم تركزي شوية دي أهم محاضرة في الأسبوع."

لم تعيرها سارة اهتماما ، وأكملت عبتها بهاتفها حتى انتهوا من المحاضرة .

خرجت هذا مع سارة إلى ساحة الكلية، والهواء البارد يتسلل بين الأشجار كانت سارة تمسك

هاتفها بعصبية، تفتح الرسائل وتغلقها بسرعة، كأنها تخاف أن تراها هنا.

رفعت "هذا "حاجبيها وقالت وهي تراقبها بنظرة فاحصة

سارة، هو في إيه؟ التليفون ده مش سايبك لحظة، وبقالك كام أسبوع بتزوغي من

المحاضرات... مالك ؟"

زفرت "سارة بخفة وقالت بترقب

مفيش يا بنتي بس... كنت بقابل عمرو."

توقفت "هذا" فجأة كأن الكلمة نزلت عليها صاعقة:

عمرو ؟ استني كده، تقصدي عمرو اللي معانا؟ اللي عايد السنه ؟"

قالت "سارة" بتوتر :

أيود... هو. بس بلاش نبرة الاستغراب دي، عمرو بني آدم كويس على فكرة."

"هنا" بصتلها بحدة خفيفة وقالت:

کوپس ؟! ده سمعته في الكلية كلها مش لطيفة، كل أسبوع مع واحدة وأنت بتقولي كويس ؟"

"سارة "عقدت يديها وقالت بدفاع واضح

يا بنتي انسي اللي الناس بتقوله عمرو معايا غير بيحترمني وبيخاف عليا"

ضحكت " هنا بسخرية وقالت وهي تسير جنبها ببطه:

بيخاف عليك؟ طب وليه يخليكي تزوغي من المحاضرات؟ وليه محدش يعرف علاقتكم؟"

ردت "سارة "بسرعة :

هو بس مش عايز الناس تتكلم.... الدنيا كلها بتقلب كلام، وأنا كمان مش بحب حد يعرف "

"هذا وقفت قدامها وقالت بنيرة أهدأ :

يا سارة، اللي نيته جد مش بيستخبى اللي بيخاف على البنت يروح يخطبها مش يقابلها في السر"

"سارة" هزت رأسها وقالت بنبرة بها شجر

هو قاللي كده فعلاً، قاللي أول ما يلاقي شغل محترم هييجي من الباب"

رفعت "هنا" حاجبها وقالت وهي تحاول كتم انفعالها:

وسمعنى الكلام ده قبل كده منه؟ ولا دي أول مرة؟"

نظرت "سارة" بعيد وقالت يخفوت

كام مرة ... بس المرة دي حسيته صادق."

ضحكت " هنا "بسخرية وقالت:

يا سارة أنت مش شايفه حقيقته بسبب مشاعرك من كلمتين حلوين منه يعملوا فيك كده .

بعدين هتكتشفي إن الكلام الحلو أرخص حاجة في الدنيا "

"سارة " تنهدت وقالت وهي تنظر إلى الأرض:

أنا مش غبية يا هنا، بس هو بيخليني أحس إني مهمة، بيهتم بيا، بيكلمني كل يوم... محدش

قبل كده عمل كده معايا."

ابتسمت "هنا" بحزن وقالت:

حبيبي أنا مدركة مشاعرك ، بس اللي عايز يخليكي مهمة في حياته مش بالكلام، بالفعل. الحب يا سارة مش مواعيد على السلم ولا رسائل في السر."

قالت بعدات

انت مش فاهماني، أنا بحبه، ومش عايزه أخسره"

هنا " قالت بهدوء وهي تنظر في عينيها :

طب قوليله ييجي يتقدم رسمي حتي لو ما عندوش شغل ثابت ، يروح بس يكلم والدك ، ولو هو فعلاً بيحبك مش هيتردد لحظة. بس لو لف ودور أو قالك استني شوية، يبقى خدي بالك.....

لأن بعد شوية الاستنادي بتطلع بنت هي اللي اتعلقت ، وهو اللي مشي"

صمتت "سارة"، وظهر بداخل عينيها خوف ، لكن حاولت تضحك وقالت:

يا شيخة أبعدي عني، دايما بتخوفي الواحد كده"

"هنا" ضحكت وقالت بخفة ممزوجة بالحنان

أنا مش بخوفك ، أنا بنيهك عشان بحبك مش عايزة أشوفك بتعيطي بعدين "

سارة تنهدت وقالت:

هشوال، يمكن أعمل اللي بتقوليه .... پس متر دلوقتي"

"هنا" قالت بابتسامة صغيرة وهي تسحبها من يديها :

ماشي يا بنتي، بس أوعي تسيبي المحاضرات ثاني عشان عمرو، هو مش هيمتحن بدالك ."

ضحكت سارة بخفة وقالت:

مانت هتجيبلي المحاضرات ..

ضحكت " هنا " معاها وقالت:

ده بعيدك يا حلوة ، تحضري محاضراتك كلها بعد كده عشان مازعلش منك ، ويلا نمشي "

رن هاتف هنا في هذه اللحظة نظرت للشاشة وابتسمت قائلة بهدوء

دي نور، شكلها خلصت محاضرتها. ".

لم ردت بسرعة:

ايوه يا نور... تمام. أنا عند البوابة اللي جنب الكافيتريا ... أه خلاص أنا جايالك "

أغلقت المكالمة والتفتت إلى سارة وقالت برفق

يلا بينا نمشي هتقابل نور وتروح سوا."

هات سارة رأسها وقالت بصوت واهن:

أنت روحي يا هذا، أنا هستنى شوية.

نظرت اليها هنا يتردد لحظة، ثم ربتت على كتفها وقالت بلطف

ماشي يا حبيبتي بس خدي بالك من نفسك... وما تفكريش كثير."

وغادرت بخطوات بطيئة حتى لمحت نور مقبلة بابتسامتها المعتادة، تحمل كتبها بيد وكوب

عصير بيد أخرى.

قالت "نور" وهي تلوح من بعيد

"يا بنتي، الأخرني ليه؟ أنا كنت همشي وأسبيك"

ضحكت " هذا "وقالت وهي تمسك بإيدها:

الحبست في نقاش خطير مع سارة."

"نور" رفعت حاجبها بدهشة لطيفة وقالت:

"نقاش خطير؟ يخاف من كلامكم ونقاشكم "

ضحكت "هنا" وقالت:

ده أحدا غلابة ، ماتخافيش ."

سارتا مقا وسط الزحام، ونور تسألها بمرح

طب إيه أخبار الدكتور اللي كان بيزعق امبارح ؟ لسه بيقلب وشه كده؟

"هنا" هزت رأسها مبتسمة:

آه والله شكله ناوي يتخانق مع الزمن كله النهاردة، وأنا كنت همسكه أقول له اهدي يا دكتور

منتصعب عشان شوية عيال زينا

انفجرت" نور" في الضحك وقالت وهي تسير بخفة:

أنت ما تعرفيش تهدي حد ده لو حد بيضحك ممكن تعصبيه !"

ضحكت هنا هي الأخرى، وقالت باستعجال:

طب يلا عشان نبدأ معركتنا مع المواصلات "

ضحكنا الاثنتان وساروا في اتجاه موقف السيارات .

جلس مهاب على مكتبة في المعرض، يراجع أوراق الحسابات بتركيز تام، بينما مازن في محاضراته، فكان كل شيء يسير بهدوء، حتى انقطع الصمت بدخول على مسرغا، وجهه مشحون بالتوتر.

معلش با باشمهندس ممکن آمشي دلوقتي ؟ ضروري جدا .. " جملة قالها "علي " وهو يلهت قليلا

رفع مهاب رأسه من الأوراق، نظر إليه باستغراب من توتره، وصوته هادئ

اهد يا بني ... في حاجة حصلت؟"

"أصلهم كلموني من البيت وقالوا المدام شكلها بتولدا"

رد "علي" يعينين متسعتين وقلبه يخفق بسرعة.

وقف "مهاب" عن المكتب، وأخذ نفسا عميقا قبل أن يجيب بهدوء:

طب اهدي كده كلم الأول الدكتورة اللي متابع معاها عشان تجهز لما توصلوا ليها."

رد "علي" بتوتر :

"كلموها ... وأنا هروح أحدهم وتروح."

قال على بتوتر واضح.

نظر" مهاب " حوله، ثم نادى على حمادة

تعال يا حمادة .... خد عربية الشغل، وصل على عند الدكتورة جسمه كله بيترعش كده، ومش هيقدر يسوق ... وبعدها سيب العربية معاه بعد لما تتطمن انهم استقروا في مكان ، بعدها تعالي

ابتسم "حمادة " قائلاً:

عيوني يا هندسه.... مخرج العربية واستناه برل"

توجه" مهاب " نحو الخزنة سحب مبلغا من المال وسلمه لعلى وهو يحتضنه برفق

- احمد شوية يالا مالك يتترعش كده؟ ، يلا روح لمراتك "

حاول " على " رفض أخذ الفلوس:

لا يا باشمهندس ... مستورة والحمد لله."

قاطعه میاب بابتسامة دافئة.

أنت أخويا يا علي وده مرتبك على فكرة بس هتاخده بدري شوية، ومكافأة عشان أنت

شاطر في شغلك وحققت مبيعات كويسة الشهر ده.... وهدية مني لبيبي اللي أبوه واقف يتكلم و ساییه"

وضغط بخفة على كتف علي.

- يلا يا علي... حمادة هيوصلك، ولو احتجت حاجة كلمني على طول "

احتضن "علي" مهاب بسرعة وهو يقول:

والله من ينحبك من فراغ يا ريس "

ابتسم مهاب بخفة وهو يراقب على وهو يمشي مبتعدا، ثم عاد إلى مكتبه و جلس، متابعا أوراقه

وكان شيئا لم يطرأ، لكن قلبه كان يخفف بابتسامة صغيرة.

كانت عقارب الساعة تقترب من الثالثة عصرا، حين خيم الصمت على مكتب مهاب داخل المعرض.

جلس منهمكا فوق أوراق الحسابات، يراجع الأرقام بعين متعبة، وصوته الخافت يتهامس مع

الورق كأنه يحاول ضبط إيقاع يوم مزدحم بالضغوط

وفجأة انفتح الباب يصوت خفيف، أعقبه صوت أنثوي رفع ضغطه في لحظة:

"مساء الخيرا"

رفع رأسه يبط.. وكأنه يعرف مسبقا مصدر الإزعاج، كانت شهد تقف عند الباب، بثقة وابتسامة واسعة لا تخلو من تحد.

قال ببرود ظاهري:

"مساء النور يا شهد نورت المكان "

دخلت بخطوات محسوبة عيناها تتجولان في أرجاء المكتب، قبل أن تجلس أمامه قائلة

بابتسامة ناعمة:

"المكان منور بيك يا مهاب..... بس المعرض بجد حلو أوي أنا أول مرة أجي هنا."

رفع حاجبيه وقال بجدية لا تخفى

- "وجاية ليه ؟"

تغيرت ملامحها للحظة، واصطنعت الحزن في صوتها :

"الحق عليا، كنت قريبة فقولت أعدى عليك وأشوفك "

ضحك يخفوت ساخر و هز راسه

"كتر خيرك والله "

ثم عاد لينحني فوق أوراقه، يقلبها وكأنها أهم من أي وجود في الغرفة.

تطلعت إليه بضيق وقالت:

هتشتغل وأنا قاعدة ؟"

رفع رأسه دون أن ينظر لها طويلا، وصوته خرج متماسكا، لكنه مشحون بالغضب المكتوم:

مانا هنا عشان اشتغل يا بنت عمي مش جاي العب ولا أعمل مقابلات عايزة تقعدي ؟ اقعدي

في المعرض بره أو هنا زي ما تحبي، بس أنا هكمل شغلي "

قالت بنغمة ناعمة متعقدة:

بس أنا جاية أقعد معاك يا هوبا."

تجمدت ملامحه لثوان، ثم رفع نظره إليها بحدة واضحة، وقال بصرامة وهو يضغط على الكلمات:

"اسمي مهاب، ومش عايز اسمع الكلمة دي تاني.

وخلي بالك من كلامك بعد كده."

رماته بنظرة فيها مزيج من الدهشة والاستخفاف، وقالت بخفوت متصلع للبراءة:

"عادي يعني... بدلعك، ما إحنا ولاد عم."

رفع "مهاب" نظره لها يحدة طفيفة، تبرته بها جدية أكثر من المعتاد :

شهد في فرق كبير بين الدلع، وبين قلة الحدود الدلع ده مع الناس اللي بينا حدود تسمح

بکده. "

قطبت حاجبيها وهي تميل على المكتب ناحيته وقالت:

يعني ايه؟ هو أنا عملت ايه يعني؟ ده هزار یا مهاب متاخدش كل حاجة بالجد كده !"

أخذ نقشا طويلا، أنقي القلم وأشار لها لكي تعود لمكانها وقال بهدوء متحكم:

"أنا مش بزعل من الهزار، بس مش منك انت مش واحد صاحبي، ولا في بيدا الكلام ده، ودي مش أول مرة تتجاوزي الحدود "

شهقت بخفوت وهي تحاول تضحك تخفف الجو:

انت دايما كده ناشف على طول متحفظ وملوش في الضحك.

هو كل حاجة عندك تتحسب بالقلم والورقة يا باشمهندس ؟"

رمقها بنظرة جانبية وقال ببرود لا يخلو من التعب:

"الضحك مش غلط بس مش على حساب الاحترام

ولو مش عاجبك أسلوبي، الباب هناك مفتوح "

انعكست على ملامحها صدمة خفيفة، ثم سرعان ما تمالكت نفسها وقالت بنغمة متوترة تخفي

وراءها الغيظ:

"هو كل ده ليه؟ أنا بس بحاول أتكلم معاك، ولا حتى ده بقى ممنوع؟"

أجابها ببرود نام:

مش ممنوع بس أنا شايف أن مافيش داعي لكلامنا ، وكمان أنت يتتكلمي بطريقة غيري.

وأنا ليا طريقتي.

هزت رأسها ساخرة:

طريقتك جامدة قوي يا مهاب كل البنات شايفاك متحجر... لا بتضحك ولا بترخي، حتى معايا أنا !"

قال بنبات:

"مافيش داعي أرخي مع حد ما يخصنيش ولا داخل دايرتي"

كانت كلماته قاطعة، كأنها باب أغلق في وجهها

تغير وجهها، وبدت نظراتها تجمع بين الجرح والغيرة، ثم قالت بتهكم واضح

آه، نسبت.... الدائرة اللي في حياتك محجوز لحد ثاني "

توقف عن الكتابة، ورفع نظره إليها جاي:

"يعني ايه الكلام ده؟"

ضحكت بخفوت من ثم قالت وهي تشيح بنظرها:

مش لازم تمثل علي، أنا مش غبية.

عارفة إن في واحدة شغلاك، بس مش قادر استوعب أن مهاب البراق وواحد في مكانه

يعجب بواحدة مالهاش قيمة في رق .."

قاطعها مهاب وهو يثبت وقد تبدل وجهه كليا غابت ملامح الهدوء، وصوته حين تكلم كان

منخفضا لكنه قال:

"خدي بالك يا شهد من اللي بتقوليه"

ليه ؟ هو أنا قلت حاجة غلط ؟ مش هي دي اللي موقعاك ومخلياك مش شايف حد غيرها ، بس

ازاي ها ... بتعملك ايه عشان تحيها الحب ده كله ، دي حتى ماتسواش حاجة."

تحرك مهاب ووقف قبالتها .. لم يكن في صوته لنبرة صراخ، لكن الصرامة التي خرجت من كلماته

جعلت الدم يتجمد في عروقها:

كلمة كمان عن رقية.... وهنسى أن بينا دم.... وإنك واحده است ....

شهقت بخفة وهي تحدق فيه مذهولة، لكنه اكمل بصوت منخفض حاد

هي مش موضوع كلام ولا مقارنة ولا تلقيح، وبما إنك شاطرة وعرفني مكانها عندي ، يبقي مجرد ما اسمه يتذكر يفكري في كلامك مليون مرة قبل ما يخرج منك ، عشان لو سمعتك تاني

جابية سيرتها هر علك "

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت يفوت مرتجف

ده حب ولا هوس يا مهاب؟"

قال وهو يشير نحو الباب بصرامة :

خروجك دلوقتي أحسن من ردي "

وقفت لثوان، نظراتها تحاول أن تخترق جدار الهدوء الذي يختبئ خلفه، ثم قالت بغيظ مكتوم:

" هي مش قدنا يا مهاب ولا شيهدا ...

قطاعها وهو يقول بسخرية :

رأيك والزبالة واحد بالنسبالي ، ويلا عشان عايزين نرش مبيد حشرات.

دخلت وهي تغلق الباب يعنف، وتركته وحده في صمت تقيل

ظل واقفًا لتوان بعد أن دخلت شهد، ثم اتجه إلى مكتبه مرة أخرى وجلس على الكرسي، رتب


الأوراق أمامه، ثم قال بخفة وضحكة خافتة:

البت حرقاهم من غير ما تعمل حاجة مجرد اسمه مكهرب الدنيا... ليهم حق يتحرقوا والله.

هي أي حد ا دي حبيبة الروح والقلب !"

سرح الثوان، ثم الفجر ضاحكا بمرارة وهو يقول :

كل واحد فينا في دنيا، ورضوا ما حدش سايبنا في حالنا ... أومال لو اجتمعنا هيحصل ايه؟

بس تجتمع الأول يا مهاب..... ربنا يحنن قلبها عليا يا رب"

قال آخر كلماته بنيرة يملؤها الرجاء.. ثم نظر إلى ساعته، مديده إلى الهاتف واتصل بمازن، وما

ان رد حتى قال بنبرة هادئة :

"خلصت محاضرتك يباشا ولا لسه ؟ "

قال "مازن" بمرح :

ابوه با هندسه لسه مخلص ياخويا ، أنا عايز أتخرج من الكلية يا مهاب، خرجني بسرعة .

رد "مهاب " ضاحكا:

حاضر، روح هات نادين من الشغل الأول، وأنا هخرجك بالليل وأفسحك وأعملك اللي أنت. عايزه .

قال "مازن" بلهفة.

"أحلف كده ، ونروح نجيب لبس وأنت اللي تدفع ؟"

ضحك "مهاب " علي كلماته أخيه وقال :

"أفضل أتكلم كثير وسيب أختك لعند لما تزهق وتروح لوحدها ، يلا يا حبيبي روح هات أختك

وروح على البيت وأنا ساعة كده وهاجي "

جاءه رد "مازن" وهو يقول بجدية :

خلاص أنا ركبت العربية ومتحرك أهو ، يلا سلام يا كبير .

أنهى المكالمة وضعت الهاتف على المكتب، ثم جلس بهدوء وأسند ذراعيه إلى المقعد الخلفي.

لحظة صمت قصيرة مزت غابت فيها نظرائه عن الواقع، وبدت تأتي تهيم في مكان آخر... في وجه آخر

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ثم همس يخفوب

رقية مهاب البزاق !! ياه .... يارب تنقال قريب"

رفع رأسه من جديد، واستعاد ملامح الجدية المعتادة، ثم عاد إلى عمله كأن شيئًا لم يكن.

كانت نادين تجلس خلف مكتب أنيق في الطابق الرابع من شركة الديكور التي تعاملت بها مؤخرًا.

الشمس كانت ما تزال تلتقط بخيوطها الأخيرة من خلال الزجاج الواسع، تضيء أوراق الحسابات

المصفوقة أمامها، وتعكس لمعة على قلمها الذهبي الذي تديره بخفة بين أصابعها.

بدت منهمكة في العمل، ثقلب الفواتير وتدون الملاحظات على شاشة الحاسوب بدقة وحزم.

كانت ملامحها هادئة لكن حادة في الوقت ذاته، وصوتها الجاد وهي تتحدث مع الموظفة

الجالسة بجوارها يدل على ثقة كبيرة بنفسها.

قالت وهي تسلم زميلاتها بعض الأوراق:

خدي دي يا منار الحسابات دي له ناقص بند المصروفات تأكدي إلهم ماتسوش يرفعوها للمدير."

ابتسمت "منار" وقالت بمزاح خفيف

ما شاء الله يا نادين لسه جديدة في الشركة وبتتكلمي كانك المديرة."

ضحكت "نادين" يخف وهي تقول:

"هو ده المطلوب يا منار أهم حاجة الشغل يبقى مظبوط ....وبعدين ما أنا داخلة أشتغل بجد مش أضيع وقت

لحظة حين اهتز هاتفها على المكتب، نظرت إلى الشاشة، فارتسمت على وجهها ابتسامة

تلقائية وهي ترى اسم "مازن".

فتحت المكالمة وقالت بنبرة لطيفة

ها یا مازن فين وصلت؟"

قال "مازن " مازخا:

"أنا تحت يا ست المحاسبين، يلا خلصي بقى ، عشان جعان أوي"

قالت "نادين " وهي تتمسك بأوراق :

"لسه عندي خمس دقايق كمان وهانزل، ما تستعجلنيش"

رد "مازن " بضجر :

خمس دقايق عندك يعني ربع ساعة، أنا عارفك، ما أنت أختي من زمان "

ضحكت وهي تقول:

"طيب خلاص، أوعدك المرة دي خمس دقايق بجد"

ما قعد أعدهم یا لادین، بلا سلام "

أنهت المكالمة رثبت أوراقها بسرعة، وأغلقت الحاسوب، ثم وقفت أمام المرأة الصغيرة المعلقة بجانب مكتبها تصلح حجابها بعناية أنيقة، وأضافت القليل من المرطب على يديها، قبل أن

تلتقط حقيبتها.

وهي خارجة من المكتب نادتها منار بخفة ظل

استنی یا نادينا ما تنسيش تبقى تسألي المدير عن معاد اجتماع بكرة ، عشان نتأكد برضوا "

التفتت" نادين " بابتسامة واثقة وقالت:

"ما تقلقيش، أنا كاتبة الملاحظات كلها ... الاجتماع بكرة الساعة عشرة الصبح ، وكمان أحدا

حساباتنا سليمة ، يبقي مافيش داعي للخوف ، أنا هستي يقي .. سلام "

ضحكت "منار" وهي تلوح لها :

ماشي يا ست المديرة الصغيرة ، مع السلامة . "

هبطت نادين إلي الأسفل وعلى وجهها ملامح رضا وراحة، كأنها أخيرا بدأت تعيد بناء نفسها من جديد، وحين خرجت إلى الشارع، كان مازن واقفا بجوار السيارة يتكئ على الباب ويهز المفتاح

بيديه.

ابتسم وقال مازحا:

" نزلني بعد خمس دقايق فعلا .. الله اکبر ده أحنا نديح فرخة بقي "

قالت وهي تتجه له :

" أهو شوقت؟ أنا بنت ملتزمة يا سيدي "

فتح لها الباب وقال بمزاح

طب نبدأ تحتفل بالمناسبة دي تعزميني علي عصير ولا قهوة؟ "

ضحكت وهي تجلس علي الكرسي بداخل السيارة

" أعزمك ؟ أنا اللي هعزمك يا مازن ؟ بس أنا مش هعزم حد، أنا عايزة أروح بس، رجلي مشى

حاسة بيها."

قال يمرح وهو يجلس على مقعد السائق :

ليه بتشتغلي وانت واقفة يا نادين ؟ ده انتوا قاعدين في مكتب فكيفه يا ماما ."

الله أكبر الله أكبر ، عينك هتجيبني الأرض."

ضحك هو وتحرك بالسيارة، وظل يتحدث معها وهي ترد عليه بحنيه ومرح لأول مرة فنذ وقت طويل .

مرت أيام عدة على نفس الوتيرة الهادئة، لا جديد في الحارة سوى تكرار التفاصيل المعتادة

العمل، العودة، القلق الصامت والليل الطويل الذي لا يخلو من التفكير.

وفي تلك الليلة، كان البيت ساكنا تماما، كان أنفاسه هادئة مثل من فيه.

نام الجميع، وبقيت رقية وحدها ترتب ما تبقى من الفوضى الصغيرة التي تتركها الحياة اليومية. كانت تجمع الغسيل المعلق على الخيال داخل البلكونة لنزل القطع واحدة تلو الأخرى وتطويها

في صمت، قبل أن تتجه إلى سلة الملابس لتبدأ في فرز ما يحتاج للغسل.

جلست على الأرض أمام السلة الكبيرة، وبدأت تقلب الملابس قطعة قطعة، كعادتها تبحث في الجيوب قبل أن تأخذ بها في الغسالة.

ضحكت بخفة وهي تخرج من أحد البنطلونات مناديل وقالت بصوت منخفض:

"عمر ما يفتكر يطلع حاجة من هدومه."

مدت يدها إلى جاكيته الشتوى، وجلست الجيب الداخلي كعادتها، لكنها هذه المرة لم تخرج ورقة أو عملة معدنية كما اعتادت، بل شيئًا صغيرًا ملفوفا بعناية في ورقة بيضاء.

نظرت إليه بدهشة خفيفة، الفتح الورقة الجاية، فإذا بداخلها حبة صغيرة جدا.

رفعتها أمام عينيها تناملها باستغراب، همست لنفسها:

حياة إيه دي اللي في هدوم سيف ؟!"

تجهم وجهها قليلا، وجلست على الكرسي تفكر

"أصحيه وأسأله ؟.... ولا أستنى الصبح ؟ يمكن حباية صداع جابها من الصيدلية ومخدها....... بس دي صغيرة أوي، وأول مرة أشوف شكلها كده ولا حتي معاها شريط ولا علية ولا عليها

أسم ... غريبة."

صمنت قليلا، تنظر للحبة بقلق متزايد. ثم بدأت الذكريات تهاجمها كلام "محمد" العامل في السنتر، حين حكى عن سيف وما يفعله في الفترة الأخيرة، وأيضا تذكرت عصبيته بدون مبرر

تنهدت تنشيط، وشعور تقبل بالشك بدأ يغزوها، ثم قالت بحسم وهي تقف:

"هفضل أكل في نفسي كده؟ الصيدلية لسه فاتحة ... أنا هليس وأنزل أسأل هناك"

أخذت عباءتها وخمارها، وخرجت في هدوء من الغرفة.

البيت كان غارقا في الظلمة إلا من ضوء خائفت يتسلل من المطبخ، والحارة في الخارج ساكنة. لكنها ما تزال نابضة بالأمان

الهواء البارد لامس وجهها وهي تمشي بخطوات سريعة عبر الأزقة المبلة ببقايا مياه الغسيل. تمر على ذكاكين أغلقت أبوابها إلا من ضوء واحد خائفت أمام مقهى صغير مازال بعض الرجال

يسهرون فيه بصوت منخفض

قطعت شارعين صغيرين حتى وصلت إلى الصيدلية المضاءة من بعيد بلونها الأخضر الهادئ. دفعت الباب الزجاجي بخفة، لتجد الطبيب "أحمد" جالنا خلف الكاونتر، راجع بعض الأوراق.

رفع رأسه فور سماع صوت الباب، وابتسم قائلًا:

السلام عليكم يا رقية ... تور مش هنا؟"

ردت بوضوح وهي تقترب

عارفة يا دكتور أنا جايا أسألك على حاجة "

اعتدل في جلسته بابتسامة ودودة

تأمري يا أجدع بنت في الحارة، خير؟"

قالت بتردد خفيف وهي تخرج الورقة من جيبها

"هو انا لو جبتلك حباية، تقدر تعرف دي بتاعة إيه؟"

نظر لها بابتسامة فضولية وقال:

"لو عليها اسم أو رمز أقدر في حبوب مميزة معروفة، وبالخبرة بتعرف أشكال كثير."

الفتح الورقة وقدمت له الحية

تناولها بين أصابعه يتفخصها لفترة طويلة، ثم رفع عينيه إليها وقد بدا عليه التردد والشك:

بصي يا أستاذة رقية.... دي مفيهاش لا اسم ولا رمز ... شكلها مش دواء عادي، مش هقدر أقولك حاجة دلوقتي غير لما أتأكد بالتحليل"

رفعت حاجبيها بقلق:

تحليل وتحللها إزاي؟"

قال بهدوه ​​مطمئن

دي شغلتنا بقى أنا هاخدها معايا الشغل، وحللها في المعمل بتاعنا، وهتعرف بالضبط دي ايه.. بس أنا مسافر بعد الشغل على طول، فهنستني يومين كده لما أرجع الصيدلية... أو هيقى أتصل عليك، أنا معايا رقم المطعم "

قالت وهي تخفي توترها بابتسامة صغيرة:

"تسلم يا دكتور.... ماشي هنتظر مكالمة حضرتك وياريت نور ما تعرفش حاجة عن الموضوع ده"

ابتسم وهو يهز رأسه:

سرك في بير يا شيف حارتنا تحبي أنادي حد يوصلك البيت؟"

أجابت بهدوء وهي تهم بالخروج

الحارة أمان يا دكتور... مع السلامة "

خرجت بهدوء، وخطاها تتردد على الأرض الصامتة.

وقف الطبيب ينظر للحبة مرة أخرى، يقلبها بين أصابعه بتوجس قبل أن يهمس لنفسه بحيرة ظاهرة

جابت الحباية دي منين يا ترى ؟.... يا رب ما تطلع اللي في بالي .... ولا يكون اللي في بالي هو

اللي بياخدها، عشان البنت دي ماتستاهلش كده أبدًا".

ثم أطفأ النور الزائد في الصيدلية، وبقي ينظر من خلال الزجاج إلى الحارة الهادئة، وقد يدت ملامحه شاردة كان شيئا في صدره القبض فجأة.

كان الليل ساكنا، والحارة شبه نائمة لا يسمع فيها سوى وقع خطوات رقية العائدة في صمت متأمل، وما إن وصلت أمام الورشة، حتى خرج مهاب | توقف لحظة اتسعت عيناه، وخرج صوته متعجبا:

" رقية ؟!"

التقنت ناحيته، توقفت مكانها، ونظرت إليه باستغراب يمتزج بالحذر، اقترب منها يخطوات

ثابتة، حاجباه مرفوعان، وصوته منخفض لكنه حال

كنت فين في الوقت ده؟"

اجابته بهدوء متعمد وهي تنظر إليه بنبات:

" في مكان عادي "

نظر لساعته وهو يقول لها غضب طفيف:

" الساعة ١٢ يا رقية مكان عادي إيه اللي بيشتغل في الوقت ده؟ إزاي أصلا تخرجي في الوقت.

اده لوحدك ؟؟

قالت له ببرود ظاهري :

ما أنا عارفة الوقت مش محتاجة تفكرني ؟"

تنفس بغيظ واضح، وعدل ساعته بيده قائلا بحدة مكتومة:

. ولما حضرتك عارفة ، نازنة لوحدك ليه في الوقت ده ؟"

قالت له بغضب وهي تنظر بعيد:

أنا مش طفلة يا باسمهندش مخاف أنزل لوحدي ، وما نتكلمش معايا بالطريقة دي ."

محدش قال إنك طفلة بس أنت بنت والبنت مكانها مش الشارع في نص الليل"

قالت بصدمة :

نص الليل ؟ أنت مكبر الموضوع أوي عالفكرة ، الناس لسه في الشوارع . "

شد أنفاسه، وحدق فيها بنظرة يملؤها الغضب المكبوت:

وأنا مالي بالناس ، هخاف عالناس ليه ؟ يخرجوا وقت ما يحبوا ، أنا يتكلم عليك."

قالت وهي تذهب من أمامه :

وفر خوفك مش محتاجة حد يخاف عليا.

مكانك "

قالها بحدة جعلتها تقف في مكانها بتوتر ، وقف أمامها وقال بهدوء مزيف:

كتب فين يا رقية ؟"

ابتعلت ريقها من نبرته ، وقالت بزهق 


كنت في الصيدلية ، أرتحت ؟"

في الصيدلية ؟ الساعة ٢١٢ بتعملي إيه هناك؟"

" يسأل على حاجة "

"حلو، تسألي على إيه؟"

نظرت له ياستغراب وقالت :

أنت فاضي للدرجادي ؟ روح شوف اللي أنت بتعمله في الورشة ."

قال لها بغيظ :

ما بعملش حاجة ، الحاج نسي تليفونه هنا وجيت أخده وهروح ."

حلو يبقى مع السلامة بقي وبلاش تعمل تحقيق "

حاول يتحكم في غضبه منها وقال بهدوء:

مش تحقيق يا رقية ، بس لما الاقيكي ماشية لوحدك في الوقت ده، لازم اقلق"

قالت بهدوء وهي تتحاشي النظر إليه:

مافيش داعي القلقك المبالغ فيه ده يا باشمهندس ."

توقف لحظة، وبدت عيناه وكانهما فقد تا حدثهما، وقال بغيظ:

اسمي مهاب ... مهاب، حروفه مش صعبه ."

نظرت إليه، ونبرتها أصبحت أهدأ لكنها لا تزال حادة:

استغفر الله العظيم ، أنت عايز ايه . "

ثبت نظره في عينيها لثوان طويلة، وصوته خرج أبطأ وأهدا:

أنت عارفة الإجابة ، بس عماله تودي وتجيبي فينا "

تنهدت وقالت :

أنا قولت ردي من ست سنين ، وقفلت الموضوع ، أنسي أنت بقي وأقفل الموضوع ومترتاح "

لا مش مرتاح "

جرب يمكن ترتاح ".

ضحك بمرارة وقال:

لا مش مرتاح يا رقبة ، ومش عايز أحاول ... لو في حاجة هحاول عشائها هي أن أحنا نجتمع

مع بعض ."

رفعت نظراتها له وقالت بهدوء :

" أنسي ."

"مش باختياري "

" يبقى مشكلتك أنت خليني أطلع، الليلة اتأخرت خلاص"

روحي بس تاني مرة، لو احتجتي تنزلي في وقت زي ده، قوليلي"

ضحكت بسخرية خفيفة وقالت:

أقولك ؟ وليه ؟ عشان أحد الأذن ؟"

هز راسه بيأس وقال :

اطلعي يا رقية رفعتيلي ضغطي ."

قالت بهمس وصل له :

رحم ، مش هو اللي وقفني وصدع دماغي ."

نظر إليها نظرة حادة امتزج فيها الغضب بالكتمان، عض على شفته وقال بصوت هادي غاضب

علي فوق ، تصبحي على خير."

تم استدارت دون أن تجيبه، ومضت بخطوات ثابتة، بينما قلبها يخفق يعنف في صدرها.

وأما هو، فظل واقفا في مكانه، يتابع ظلها المتلاشي في آخر الحارة، وهمس في سره بنبرة

تحمل وجها مكتوفا:

" هتجننيني يا بنت المهدي، بس أنا وراها وراها ، أنا يعني ورايا حاجة ."

تعليقات