![]() |
رواية قناص الغرام الفصل الخامس عشر بقلم رباب حسين
كانت ترفضه، تضع بينهما جدارًا من الخوف وتصنع ألف حد بينهما فقط لتحظى بانتقامها، وتخفي خلف ابتسامتها خداعًا متقنًا. كانت تظن أن البعد عنه أمان، وأن المشاعر عبء لا تستحق أن يُحمل. لكن اللحظة التي سمعت فيها أن مكروه أصابه انكسر في داخلها شيء لم تفهمه. ارتجف قلبها كطفلة فزعت في ليلة مظلمة بلا قمر، وسقطت كل الحصون التي كانت تصنعها لتُبعده عنها. أدركت أن رفضها لم يكن كرهًا بل خوفًا من أن تُحبه أكثر مما ينبغي، وينكشف أمر عشقها أمام الجميع لتواجه رفض عائلتها وحدها. والآن هي تشعر أن الزمن قد ينتزع منه أنفاسه الأخيرة، فاكتشفت كم كانت بحاجة إلى صوته، إلى حضوره، إلى دفء نظراته التي كانت تلاحقها حتى وهي تدير وجهها عنه. تشتاق إلى حديثه وعشق عينيه اللا محدود.
كم كانت مخطئة حين ظنت أنها تستطيع أن تعيش بدونه، أنها ستنسى كل ما مرا به معًا وستعود إلى حياتها الطبيعية قبل أن تراه دون أن تتأثر. لحظة واحدة كانت كفيلة أن تخبرها: "أنتيِ من دونه لا شيء"، ليدب الذعر بقلبها، وها هي الآن ترتجف خوفًا من فكرة أن تفقده قبل أن تقول له: "ابقى، أنا لم أرفضك إلا لأني خفت أن أحبك أكثر مما أحتمل، وأن أراك تدفع ثمن هذا العشق الكاذب وحدك."
كانت تنتظره في المنزل، تقف عند النافذة تارة وتارةً أخرى تجلس على طاولة الطعام منتظرة أن يدخل من هذا الباب. تأخر الوقت وهي تنظر إلى هاتفها تحاول أن تتصل به ولكن دون جدوى. بعد وقت وجدت اتصال من حاتم وقال في قلق : أيوة يا ندا، فارس طلع عليه ناس ضربوه ودلوقتي هو في المستشفى.
وقفت ندا في خوف وهوى قلبها بين قدميها فقالت : جراله إيه يا حاتم؟
حاتم : هو في العمليات دلوقتي، هبعت حد من الرجالة عندي هنا بالعربية بتاعته عشان تتأكدي إنه تبعنا هيجيبك هنا، فارس لو فاق وعرف إنك لوحدك في البيت هيخلص عليا، إجهزي وهو جيلك حالًا.
أنهت ندا المكالمة وجسدها يرتجف بالكامل، تنساب دموعها دون إرادة منها، لم تشعر بهذا الشعور إلا عند سماع خبر وفاة سالم فنظرت إلى وجهها بالمرآة متعجبة من نفسها. وقفت تعترف لأول مرة دون خوف " أنا أحبه" فسحقًا لكل شيء، فارس ملكي ولن أتركه مهما حدث وإن كان هو السبب في حرماني من والدي فهو من قام بتعويض هذا الفراغ الذي احتل قلبي منذ وفاته.
بعد وقت وصل أحد الرجال بسيارة فارس وعندما رأت السيارة أخذت حقيبة ملابس لها وله وبعد الأغراض التي قد يحتاجها وصعدت معه بالسيارة وهي تبكي دون توقف ثم نظرت إلى هذا الرجل وقالت : هو فارس حالته إيه؟
بكر : عنده كسور في الجسم وكدمات وفيه كسر في القفص الصدري، ده أكتر حاجة خطر بس إن شاء الله هيبقى كويس متقلقيش.
زاد بكائها وقالت : طيب بسرعة أرجوك.
أما غانم فكان يجلس في هذا المنزل الذي يختبئ به خوفًا من فارس ويقف أمامه ماهر وقال : معرفناش نجيبه، هو قاوم وضرب الرجالة فا اضطرو يضربوه عشان ميقاومش بس فيه رجالة ظهرو وضربو نار عليهم فا جريو وسابو فارس على الأرض، ودلوقتي جالي أخبار إنه في المستشفى وحالته خطر.
غانم : يعني هيموت ونرتاح؟
ماهر : نتمنى، على العموم إحنا متابعين حالته وأي جديد هبلغك يا باشا.
وصلت ندا إلى المشفى وركضت إلى الداخل سريعًا خلف بكر حتى وصلا إلى غرفة العمليات. وجدت حاتم يقف أمام الغرفة وهناك عدد كبير من الرجال فاقتربت من حاتم وهي تبكي بشدة وقالت : فارس، فارس يا حاتم.
حاتم : إهدي يا ندا متخافيش، هيبقى كويس، فارس قوي وهيعدي منها وهيرجع زي الأول وأحسن.
ندا : يارب، يارب يقوم بالسلامة.
حاتم : إقعدي بس كده وهو هيخرج على طول إن شاء الله.
جلست ندا في توتر وهي تبكي وتنظر إلى باب الغرفة في ترقب. بعد وقت، خرج فارس وهو لايزال فاقد للوعي أثر المخدر ووجدت جسده في حالة سيئة. هناك جبيرة بذراعيه الاثنين وأخرى حول قفصه الصدري، فوضعت كلتا يديها على فمها تكتم صرختها بداخلها، فاقترب منها حاتم وأمسك يديها وقال : إهدي يا ندا، متخافيش هي فترة وهتعدي.
أومأت له بنعم وهي في حالة بكاء هيستيري ثم ذهبا خلفه إلى غرفته وقام الممرضات بوضعه في الفراش بحذر وغادر الجميع الغرفة لتبقى فقط ندا بجواره التي اقتربت منه وارتمت على صدره تبكي وقالت : متسبنيش يا فارس، أنا أتأكدت إني مش هعرف أعيش من غيرك، حقك عليا لو يوم زعلتك، مش عارفة أعتذر عن إيه ولا إيه، بس أنا مش عايزة أخسرك، معرفش هعمل ده إزاي بس أنا هحميك، هحميك بروحي بس إرجعلي.
كان عمرو يقف بالخارج مع حاتم، رؤية ندا في هذه الحالة وخوفها وحزنها على فارس جعلت الشك الذي سكن قلبه تجاهها يهدأ، فمنذ أن رآها تتحدث مع رامي ويبدو على وجهها الغضب وارتباكها الذي بدى على إيماءات جسدها تتنافى مع ما قالته لفارس لتبرر تواجدها مع رامي أبو العزم. كان بالفعل ينوي التحري عنها أكثر ولكن تأكد من حبها لفارس فنفض هذا الشك عنه.
بعد وقت، هدأت ندا قليلًا وجلست بجوار فارس تنتظر أن يفتح عيناه ولكن تسلل بداخلها شعور بأن رامي هو السبب فيما حدث لفارس فلم تتمالك ذاتها أكثر وتركت الغرفة واقتربت من حاتم وقالت : هو لسه نايم، هروح الحمام وأرجع تاني، خليك معاه يا حاتم لحد ما أرجع.
أومأ لها حاتم ودخل الغرفة وظل باقي الرجال بالخارج، دخلت ندا المرحاض واتصلت برامي على الفور وقالت في غضب: إنت اللي عملت كده في فارس؟
رامي: ليه؟ جراله إيه الحيوان ده؟!
ندا في غضب: رد على أد السؤال يا رامي، إنت السبب ولا لا؟
رامي : ما أنا مش عارف أنا السبب في إيه عشان أجاوب، بس لا معملتش حاجة ليه أصلًا، إنتي عارفاني لو حابب أعمل حاجة مش هيطلع عليه صبح.
ندا: رامي، لو إتدخلت تاني في الموضوع ده هبلغ جدي وهو يتصرف، اللي حصل ده هيعطل الخطة كلها و إنت عارف جدك هيعمل إيه لو الخطة ديه باظت، خليك بعيد عن فارس وسيبني أتصرف.
رامي في غضب : اسيبك تتصرفي اه، عشان ترجعيلي حامل منه صح؟
ندا في غضب : ملكش دعوى، رامي لأخر مرة بقولهالك متتدخلش في الموضوع ده نهائي.
رامي : الحالة الوحيدة اللي هتخليني متدخلش إنك تفضلي مراته على الورق وبس، لو عرفت إنه لمسك مش هيهمني حد ولا حتى جدك، إنتي بتاعتي أنا وبس.
أخفضت ندا صوتها وقالت: أنا لا بتاعتك ولا بتاعته، أنا ندا أبو العزم زي ما أنت رامي أبو العزم، لو وقفت قدامي وخربت الخطة اللي في دماغي متلومش غير نفسك.
أنهت ندا المكالمة وخرجت من المرحاض وعادت إلى غرفة فارس.
بعد وقت استيقظ فارس ليظهر الألم عليه بشدة ثم فتح عينيه ليجد ندا تنظر إليه والدموع تنساب على وجهها، فاقتربت منه على الفور وأمسكت بوجنتيه وقالت : حبيبي، حمد الله على سلامتك، إنت كويس؟
فارس : كويس متخافيش عليا.
بكت ندا وقالت : مخافش عليك إزاي؟! ده أنا قلبي كان هيقف لما عرفت إنك في العمليات.
فارس : بعد الشر على قلبك يا قمر عيوني.
قامت ندا وضمته بهدوء فوضع فارس وجهه على رأسها وأغمض عينيه وقال : مش عارف أحرك إيدي بس إنتي عارفة إن قلبي بيضمك.
أومأت له ندا بنعم وهي تبكي. بعد وقت خرجت ندا وبلغت حاتم والرجال أن فارس قد استعاد وعيه فدخل حاتم أولًا ووقف أمام فارس في خوف وقال : إنت كويس؟
فارس : بخير متقلقش، خلي بالك من ندا يا حاتم.
حاتم : متخفش، جبتها جنبك عشان تطمن عليها أصلًا.
فارس : كويس إنك عملت كده.
حاتم : مين عمل فيك كده؟
فارس : اللي كانو بيضربوني واحد منهم اتكلم في التليفون وسمعته بيكلم ماهر.
حاتم : غانم.
فارس : بالظبط، أصلًا غسان مش هيعمل حاجة بعد ما عرف إني خلصت على غندور فا أنا مش قلقان منه.
حاتم : ارتاح بس إنت ولما تخف نشوف هنعمل إيه معاه.
فارس : هو الدكتور موجود؟
حاتم : مشي بعد العملية وقال هيجي الصبح، كلها كام ساعة ويرجع.
فارس: لما يجي بلغه إني عايز أمشي.
ندا: تمشي إيه؟! إنت مش شايف حالتك؟
فارس : مش هعرف أحميكي هنا، مش هبقى مطمن عليكي.
ندا: متخافش عليا، كمل علاجك إنت بس.
فارس: مش مهم علاجي، إنتي أهم عندي.
ندا: لا يا فارس، أنا مش هيجرالي حاجة متخافش عليا.
فارس: أخاف على مين لو مخفتش عليكي؟! أنا استحمل أي حاجة غير إن يجرالك أي حاجة، أنا كلي فداكي.
نظرت له ندا ولا يوجد شعور داخلها سوى إحتقار ذاتها، أهذا من أخدعه؟! أخاف من الجميع ومن صورتي أمام عائلتي ولا أخاف من فقدانه!
أردف فارس: أول ما يجي الدكتور بلغه يا حاتم.
تنهد حاتم وقال : حاضر.
حل الصباح وحضر الطبيب ورضخ لطلب فارس بصعوبة وبالفعل خرج فارس من المشفى وقام حاتم بقيادة السيارة ومعه فارس وندا حتى وصلو إلى المنزل. قام حاتم بمساعدة فارس حتى صعد إلى غرفته فهو لا يقوى على الحراك وطلب حاتم من ندا أن تعد له بعض الطعام، نزلت ندا ودخلت المطبخ ونزل حاتم ليحضر شيئًا من السيارة ثم عاد إلى غرفة فارس. بعد وقت سمعت ندا صوت مرتفع فصعدت فورًا ودخلت الغرفة لتجد حاتم يزيل الجبيرة عن ذراعيّ فارس وجسده ووجدته ويرتدي ملابسه دون جبيرة، نظرت ندا إليهما في صدمة واقتربت من حاتم لتصيح به غاضبة: بتعمل إيه يا حاتم؟ إنت اتجننت؟!
رفع فارس يده وأمسك بيد ندا وقال: إهدي حبيبتي، أنا كويس.
نظرت ندا إلى يده في صدمة فقال حاتم: كان لازم أقولك أنا عارف بس خفت حد يعرف، فارس إيده مفيهاش حاجة، هو بس الضلع فيه شرخ.
نظرت لهما ندا في عدم استيعاب فقال فارس: هفهمك قبل ما تتعصبي، أنا عملت كده بالإتفاق مع الدكتور عشان غانم يطمن ويخرج من الجحر اللي هو فيه، أنا مش عارف أوصله وملقتش غير الطريقة ديه.
ندا في غضب: طيب كنت فهمني يا حاتم، ولا عجبك القلق اللي كنت فيه؟!
حاتم: إتفضل يا عم، قولتلك أقولها.
فارس: كانو هيشكو في هدوئها، وساعتها الخطة هتبوظ، وبعدين أنا بس كذبت في حكاية دراعي بس لكن الضلع فعلًا من عارف اتحرك منه.
حاتم: وفيه كدمات جامدة، بس عمومًا العلاج بدل ما الدكتور كاتب في التقرير شهرين هو أسبوعين بس، ده طبعًا لو ارتاح كويس.
ندا: ماشي ماشي.
قذفت ندا الجبيرة بوجهه فأمسك بها فارس مسرعًا وقالت ندا في غضب: ارتاح كويس بقى وشوف مين هيخدمك.
أمسك فارس بيدها وقال: استني بس، غصب عني يا حبيبي، أنا عايز أخلص من غانم عشان منفضلش عايشين في القلق والتوتر ده، حقك عليا، لو فضلتي زعلانة هخلي حاتم يكسر دراعتي فعلًا.
ندا: وليه حاتم؟ ما أنا موجودة.
فارس: مش ههون عليكي، أنا عارف.
حاتم: طيب أنا همشي عشان شكلي وحش وأنا واقف كده بين عرسان يعني فا همشي أحسنلي.
كاد أن يذهب فقال فارس: استنى بس، عملت إيه في حوار صالح زين الدين؟
حاتم: ملحقناش نعمل حاجة، ريح إنت بس وأنا هخلي الشباب يشوفو الموضوع ده وكمان يراقبو غانم نشوف هيظهر ولا لا.
ذهب حاتم ونظر فارس إلى ندا التي تبدو عليها الضيق وقال: خلاص بقى، غصب عني أعمل إيه؟ ده الدكتور كمان كان عايز يقعدني يومين عشان الحوار يبقي منطقي أكتر بس أنا مستحملتش أشوفك قلقانة عليا كده.
دفعته ندا في كتفه فتألم فارس بشدة فتحولت نظرتها إلى القلق وقالت: أسفة، وجعتك؟!
وضع فارس يده على صدره متألمًا وقال: ولا يهمك حبيبتي.
رفعت ندا ملابسه عنه لترى جسده فإذا بكدمات منتشرة على جسده وهناك رباط ضاغط قوي على قفصه الصدري. نظرت ندا إلى جسده في صدمة وقالت: كل ديه كدمات؟!
أنزل فارس ملابسه وقال: مكنتش عايزك تشوفي جسمي كده.
ندا: كده كده كنت هشوفه.
فارس مشاغبًا: وتشوفي جسمي ليه؟
ندا: أنا مراتك على فكرة، ولا نسيت؟
فارس: لا منستش طبعًا، ديه أحلى حاجة اتكتبت على اسمي هو إنك بقيتي حرم فارس إبراهيم سلطان، بس على حد علمي إنك مش عايزاني.
ندا: مين قال إني مش عايزاك؟!
فارس في صدمة: إنتي؟! إنتي رفضتيني يا ندا.
ندا: مرفضتكش، أنا بس، خلاص بقى يا فارس مش عايزة أفتكر حاجة تاني.
رفع فارس يده ليداعب خصلات شعرها بأنامله وقال: خدي وقتك يا قمر عيوني.
ندا: حنينة أول الكلمة ديه فارس.
فارس: أقل وصف ليكي، إنتي قمر ونورتي حياتي كلها بعد ما كنت شايف كل حاجة سودة في وشي، إديتيني سبب أعيش عشانه، أنا كنت فاقد الأمل ومش عايز أعيش أصلًا، جيتي إنتي وبدلتي كل حاجة، كل وجع جوايا بقى بيروح مجرد ما أشوف عيونك، بقو دوايا خلاص، يعني دلوقتي مش حاسس بأي وجع.
اقترب منها ثم ابتعد عنها بعد فترة وقال: لسه مش عايزاني.
صمتت ندا وهي تغلق عيناها وقد ذابت بين يديه فقالت: مش هينفع يا فارس، إنت تعبان.
زفر فارس وقال: يعني مش عارف غانم ساب كل الأيام اللي فاتت ديه وجي لما أتجوز يعمل فيا كده، أنا بكره الراجل ده بجد.
ضحكت ندا وقالت: لسه العمر كله قدامنا.
فارس: أنا عمري مش هيبدأ غير لما تبقي ليا، ملكي.
استسلمت ندا، قررت أن تصبح زوجةً له وتترك هذا الانتقام ولتكتفي فقط بقتل من استأجره ليقتل والدها، أما هو فكان مجرد أداة ليس إلا وسوف يصبح أداة بيدها أيضًا كي تأخذ بثأرها.
بدأ فريق العمل لدى فارس بالتحقيق بشأن صالح زين الدين وتأكدو من أن المعلومات التي أعطاها رائد إليهم كلها خطأ وهو ما تسبب في صدمة لحاتم ولكن احتفظ بهذا الأمر بعيدًا عن فارس وأمر الفريق بالتحقيق بشأن كل القضايا التي استلمها فارس من رائد.
