![]() |
رواية قناص الغرام الفصل السادس عشر بقلم رباب حسين
عندما تأتي طعنة الغدر من أقرب عزيزٍ لديك لا تكمن في الصدر كحزن أو خيبة أمل بل تكون طعنةً للروح فتتركها تنزف في صمت. ذلك لأنها لا تأتي من عدو متربص بل من صديق مقرب، لا تأتي وأنت حذر بل تأتي بغتةً. تأتي من قلب كنا نؤمن بأنه لن يخون فتصبح الطعنة غصةٌ في القلب. هم من ضحكنا معهم، شاركونا الأسرار ثم تبدلو فجأةً. أصبحو أول من أشعل فينا شعلة الخذلان. شعلة كفيلة أن تحرق كل شيء بداخلك، ذكريات، أمل، حب. ثم تجد ذاتك مجبر على بناء جدار حولك يحميك من هذه الطعنات، وتهدم بيدك جدار الطيبة الذي بنيته داخل قلبك وتربع عليه كل من تحب.
نعم، سيبدأ قلب فارس بمعرفة نوع أخر من الحزن، هو الغدر. لم يكن يعلم هذا الفارس النائم بجوار زوجته بعد أن مر أسبوعان على الحادثة أن هناك طعنة جديدة ستضاف إلى رصيد أحزانه.
فتح فارس عينيه ليجدها تنام بجواره، متوسدة ذراعه وتمسك بملابسه بقوة، في بعض الأحيان يشعر بأنها تعامله كأب وليس كحبيب، فقد تغيرت كليًا بعد أن أصبحت ملكه وزوجته حقًا منذ أسبوع. ولكن ما يؤرق فكره هو ذلك الخوف الذي يلمحه في عينيها من حينٍ لأخر. يتعجب من سؤالها المتكرر دائمًا :"هل من الممكن أن تغضب مني لأي سبب؟" هو لم يغير الأجابة مطلقًا ولكن زرع ذلك في قلبه الحيرة. مما تخافي حبيبتي؟ ولماذا؟ وما زاد عليه هي تلك الليلة التي استيقظت بها وهي تصرخ باسمه وظلت تبكي بين أحضانه وتتشبث به بكل ما بها من قوة ولا تقول سوى كلمة واحدة "سامحني". يحاول ألا يشك بها، أن يظل رابط الثقة بينهما لا ينحل لذا يُبعد كل ذرة شك بها عن قلبه.
قاطع تأمله في ملامح وجهها صوت رنين هاتفه فالتقطه سريعًا حتى لا تستيقظ ندا وقال بصوت خافت: ألو.
حاتم: معلش يا فارس صاحيتك.
خرج فارس من الغرفة وأغلق الباب بهدوء وقال: لا أنا صاحي، إيه الأخبار؟
تنهد حاتم بقوة وقال: فيه أخبار كتير بس أهمهم إن غانم ظهر أخيرًا وكمان خطتك نجحت، مطمن على الأخر خصوصًا بعد لما الدكتور اللي في المستشفى بلغ الراجل اللي جيه سأل عنك إن إنت فضلت بعد الشر يعني إنك تموت في بيتك. من ساعتها وغانم رايق وكل يوم في حتة، واحنا سيبناه يعيش يومين عشان يطمن على الأخر وعرفنا إنه بيسهر كل يوم عند واحدة كدة وجبت عنوانها، وقت ما تحب تنفذ قولي.
فارس: النهاردة، إبعتلي العنوان.
حاتم: حاضر.
أنهى فارس المكالمة ليلتفت ويرى ندا تقف خلفه وقالت: النهاردة إيه؟!
اقترب منها فارس وضمها إليه ثم قال: ده حوار غانم، حاتم عرف المكان اللي بيسهر فيه.
ابتعدت ندا عنه وقالت: هتروح تنفذ النهاردة؟!
فارس: اه.
ندا في حزن: مستعجل ليه طيب؟
فارس: عشان عايز أعيش معاكي في أمان، مش عايز أفضل متوتر وخايف طول الوقت.
نظر لها فارس ورفع وجهها الحزين إليه وقال: خلاص يا ندا، هانت.
ندا: أنا خايفة عليك، كفاية كده يا فارس أرجوك.
فارس: حاضر، أخلص على اللي قتل بابا وساعتها بالي هيرتاح، وبعدين إنتي ناسية اللي عمله فيا؟
ندا: لا مش ناسية.
فارس: طيب خلاص متزعليش بقى، صباح الفل يا قمر عيوني، ممكن قمري يحضرلي الفطار؟
ابتسمت ندا وقالت: ممكن طبعًا.
كان غسان وحسني يجلسان معًا على طاولة الطعام ونزل رامي لينضم إليهما فقال: صباح الخير.
غسان: صباح النور، رايح الشركة؟
رامي: اه، فيه معاد كده هخلصه، مفيش أخبار من ندا؟
غسان: كلمتني إمبارح بليل، لسه فارس عيان، يقوم بس وهي تعرف مكان المكتب بتاع التيم وتبلغني بيه.
رامي: وبعد ما تعرف العنوان هتعمل إيه يعني؟!
غسان: مش فاهم إنت اللي في دماغي، فارس ملوش رابط، يعني الواد ده أنا عايزه يشتغل معايا، جربت ورفض، فا مفيش غير إن أسراره كلها تبقى تحت إيدي وساعتها هعرف أخليه يشتغل عندي غصب عنه وألا هبلغ عنه وساعتها هيروح في داهية، أعرف بقى أسراره منين؟! لازم أوصل للمكتب بتاعه، ندا معاها فلاشة أول ما هتروح المكتب هتحط الفلاشة ديه في أي جهاز والواد الهاكر اللي عندنا هيخترق الأجهزة ويبقى فارس تحت إيدي.
رامي: وتخليه يطلق ندا غصب عنه.
تنهد غسان وقال: حاضر يا رامي، قولتلك متقلقش.
رامي: أنا اللي مطمني إن هو عيان وحالته زفت فا متأكد إنه ملمسهاش، عشان كده أنا ساكت، بس خلي ندا تخلص الحوار ده قبل ما يخف.
غسان: قولتلها إمبارح، وبعدين هو فاضل بس يقتل غانم، والدنيا هتفتح دراعتها لينا بقى.
حسني: مستني والله، بس أهم حاجة ندا متعرفش الحقيقة.
رامي: اه، ده أكيد، لو عرفت هتبقى مصيبة، أنا عارف ندا كويس، لو حست إنها ظلمت حد وبسببنا مش هتبص في وشنا تاني.
غسان: محدش يعرف الحقيقة غيرنا إحنا التلاته وأكيد مش هنطلع السر برا.
كان حاتم يجلس مع بكر ويبدو عليه الضيق فقال بكر: مفيش حل غير إننا نقوله.
حاتم: عارف يا بكر، بس إنت عارف ده معناه إيه؟ معناه إن فارس قتل ٣ ظلم، ده لوحده ممكن يوديه في داهية، فارس مش هيستحمل.
بكر: هو اه ال ٣ اللي ماتو مش هما اللي عملو التهم اللي راحت للنائب العام بعد ما ماتو لكن كمان هما مش أبرياء.
حاتم: فاهم، بس كده فارس دخل في حتة تصفية عصابات، يعني بدل ما كان فاكر إنه بينصر العدالة طلع شغال لحساب حد ومش عارفين هو مين، والمصيبة الأكبر هو رائد، إنت متخيل إني أروح أقوله معلش يا فارس، صاحب عمرك طلع بيستغلك لمصالحه الشخصية ولا بيعمل من وراك مصالح، ديه مصيبة.
بكر: طيب ما هو مينفعش برده متقولش.
حاتم: مستني بس الشباب يعرفو هو بيشتغل لصالح مين وساعتها هقوله.
كان عمرو يقف بجوارهما ويسمع ما يقولان ويبدو عليه التوتر الشديد ولكن ترك المكتب وغادر.
أما هذا العاشق، من يهابه كل مجرم ويرتعش عندما يسمع عن قنصه لأمثاله، تبدل حاله، أصبح هو في مرمى سلاح الهوى، ينظر إلى عينيها رافعًا راية الاستسلام، منتظر سهام العشق لتخترق قلبه دون هوادة، يفتح صدره لها برحابة، هائم في بحر الغرام واضعًا فؤاده بين يديها بكل أمان، ينظر إليها ويتأمل ملامحها وكأنها كنز مُنح إليه بعد طول صبر وعذاب.
نظرت له ندا وابتسمت على فور عندما وجدته يتأمل ملامحها كالعادة فقالت: لسه محفظتش ملامح وشي؟
فارس: محفورة في قلبي بماية الدهب.
ندا في خجل: أروح فين بس من كلامك ده؟!
فارس: في حضني، هتلاقي أمان غير جواه؟
ندا: بصراحة، لا. عمري ما خفت وأنا معاك.
فارس: مش ندمانة؟!
ندا: اه بصراحة.
فارس في صدمة: ليه؟
ندا: عشان معرفتكش من بدري.
فارس: لا ما هو بدري عن كده كنت هلبس قضية خطف قاصر.
تذكرت ندا كذبها عليه وأنه لا يعلم عمرها الحقيقي حتى الآن فقالت: أنا بنتك وحبيبتك ومراتك صح؟
فارس: وعمري كله، وكل عيلتي، أنا مليش حد غيرك.
ندا: إوعى تزعل مني في يوم من الأيام.
فارس: هزعل منك ليه؟! خايفة من إيه يا ندا؟
ندا: خايفة أخسرك، مرعوبة بجد.
فارس: مش هبعد، قولتلك قبل كده مهما تعملي مش هسيبك.
ندا: إوعدني إن حتى لو زعلت مني في يوم من الأيام تفضل جنبي.
فارس: حبيبتي مهما تعملي فيا أنا برده هسامحك، عمري ما هزعل منك لإني ببساطة مش هعرف أعيش من غير روح وإنتي روحي والسبب في إني عايز أعيش.
ندا: خليك متأكد إني بحبك.
فارس: وأنا بموت فيكي.
حل الليل وقام فارس بالاستعداد للخروج تحت نظرات ندا التي تنظر إليه في خوف وقلق فقال فارس: متخافيش يا حبيبتي.
ندا: مخافش إزاي وإنت بتقولي إنك عايز تقتله وإنت باصص في عينيه؟ يعني مش هتقتله من بعيد وتعرف تهرب.
فارس: أولًا هو واخد الأمان على الأخر ومش هياخد حرس كتير معاه، ثانيًا ده مش واحد من الخارجين عن القانون وعايز أخلص الناس من شره وبس، لا، ده اللي قتل بابا وقتله غدر، مش ههدى غير لما أشوفه بيتذلل قدامي عشان أرحمه ومش هرحمه، أنا استنيت اللحظة ديه كتير ومش هعديها بسهولة.
ندا: طيب إوعدني إنك هترجع بالسلامة، وتخلي بالك من نفسك، ولو لقيت الوضع هيبقى فيه خطورة عليك اقتله من بعيد.
فارس: حاضر، متخافيش عليا بقى.
ارتمت بين أحضانه وظل يرتب على ظهرها حتى هدأت قليلًا ثم تركها وذهب.
بعد وقت، وصل فارس عند عنوان تلك الفتاة وانتظر حتى رأى غانم يصعد إلى المنزل ثم التف حول المنزل ليصعد عبر المواسير حتى وصل إلى شرفة المنزل ودخل بها، اقترب فارس لينظر عبر الزجاج ليجد غانم وهذه الفتاة في غرفة النوم فرفع سلاحه وابتعد عن الباب قليلًا ثم ركله بقدمه بقوة فانكسر الباب ووقف غانم لينظر إلى فارس في صدمة وقال: فارس! إزاي؟! إنت واقف كده إزاي؟!
فارس: كان لازم أعمل حيلة عليك عشان تخرج من المخبأ بتاعك، وسبتك تطمن على الأخر لحد ما بقيت صيد سهل بالنسبالي، بس عشان غلاوتك عندي وفرحتي إني هشوفك ميت قدامي قررت أجي وأقف قدامك عشان أشوف الرعب ده اللي جوا عينيك.
غانم في خوف: طيب إنت بتعمل معايا كده ليه؟ فهمني بس إيه سبب عداوتك معايا؟!
ابتسم فارس في تهكم وقال: يا سلام على البراءة! مش مصدق إنك ممثل شاطر كده.
غانم في ارتباك: اسمعني بس، إنت مش بتقتل الناس اللي خارجة عن القانون بس؟! إيه اللي يخليك تشتغل مع غسان وهو زيي زيه؟ يعني اشمعنة ده اللي عايز تخلصه مني وأنا هو غلطنا واحد؟
فارس: مين قالك إني عايز اقتلك بأمر من غسان؟
عقد غانم حاجبيه وقال: ما أنا معنديش أعداء غيره، ليه هو فيه حد تاني قدم طلب ليك عشان تقتلني؟!
فارس: أنا اللي عايز اقتلك.
غانم: طيب ليه؟! عملتلك إيه أنا؟!
فارس في غضب: قتلت بابا، سيادة اللوا إبراهيم سلطان.
غانم في صدمة: أنا؟! مين قال إني قتلته؟
فارس في غضب: كفاية تمثيل بقى، أنا متأكد إنك إنت اللي قتلته.
غانم: متأكد منين طيب؟! اللي أعرفه إن سيادة اللوا كان حاطط غسان تحت عينيه ومراقبه في كل حتة ولما مات عرفت إن غسان هو اللي خلص منه.
عقد فارس حاجبيه وقال: غسان أبو العزم؟!
غانم: أيوه هو، هو فهمك إني أنا اللي قتلته عشان يخلص مني؟
فارس: مش غسان اللي قالي إنك قتلته، عندي مصادر تانية جابتلي الخبر.
غانم: معرفش مين قالك كده، بس... بس أنا مقتلتوش، ولا عمري شفته، أسأل أي حد من اللي كان شغال معاه هيقولك إن أخر قضية كان شغال عليها هي غسان أبو العزم، هقتله أنا ليه؟! ده كان هيخلصني من غسان وقرفه، وبعدين والدك قتل إبنه سالم في عملية تهريب سلاح بس معرفش يثبت تهمة التهريب على غسان.
شعر فارس بالارتباك ولا يعلم ما هي الحقيقة. غانم: إهدى بس ونزل سلاحك وخلينا نتكلم بالعقل.
سمع فارس صوت رسالة على هاتفه فرفع الهاتف ليري رسالة من حاتم: "متنفذش يا فارس
غانم مقتلش سيادة اللوا
غسان هو اللي قتله
أنا عرفت كل حاجة
متنفذش يا فارس"
أخفض فارس سلاحه وهو ينظر إلى الهاتف في صدمة ثم قال غانم: أيوة، برافو عليك، كده نتكلم بالعقل، أنا مقتلتش أبوك.
فارس: خلاص عرفت.
غانم: مين اللي قالك إني قتلته؟
فارس: مش مهم، بس كده خلاص مبقاش فيه خوف مني، كان سوء تفاهم وأنا عرفت الحقيقة.
غانم: يعني خلاص، مش هتيجي تقتلني تاني، براءة.
فارس: البراءة اللي بجد هتاخدها لما تبطل الشغل المشبوه اللي بتعمله، كل بلاويك معايا لو مبطلتش هسلم كل حاجة للنائب العام بس الفرق إني مش هقتلك، عشان كفاية اللي عملته فيك لحد دلوقتي.
غانم: لا لا، متسلمش حاجة، خلاص هبطل، مش هتاجر في حاجة ممنوعة تاني، بس اعتقني لوجه الله.
تركه فارس وغادر المنزل واتصل بحاتم على الفور.
حاتم في ذعر: قتلته؟!
فارس: لحقتني على أخر نفس، فهمني ده حصل إزاي؟
حاتم: رائد، رائد طلع بيكدب علينا وكمان عرفت إن كل القضايا اللي كان بيخليك تحلها كلها كانت في مصلحة غسان، وقتل غانم كان هيبقى في مصلحة غسان بعد ما غندور مات، يعني كان هيبلع سوق السلاح كله ليه من غير ولا منافس.
اسودت عين فارس من الغضب وقال: إنت في المكتب؟
حاتم: اه.
فارس: أنا جيلك.
أنهى فارس المكالمة وهو في قمة الغضب ثم توجه على الفور إلى المكتب.
