رواية قناص الغرام الفصل السابع عشر 17 بقلم رباب حسين


رواية قناص الغرام الفصل السابع عشر  بقلم رباب حسين 

 

كم هو مؤلم أن تُجبرك الحياة على الوقوف وجهًا لوجه أمام من غدر بك. ذاك الذي كان يومًا ملجأك وحامل أسرارك ورفيق دربك فصار مصدر ألمك وصاحب طعنة الغدر. تراه أمامك فتشتعل في صدرك نار الأسئلة التي لا إجابة لها، ويغرق قلبك بين رغبة الانتقام وحنينٍ خافتٍ لا يزال ينبض رغم كل الخيبات. تحاول أن تبدو قويًا وفي صدرك رعشة تكاد أن تظهر بين عينيك ومع ذلك تقاوم بأن ترفع رأسك وتواجهه بثبات لكن تخونك عينيك فتنساب دموعها لتفضح ما خبأته من كسرٍ عميقٍ في روحك. تتلعثم الكلمات لا لأنك ضعيف بل لأن الخذلان يسرق اللغة ويظل عقلك يردد كلمة واحدة " لماذا؟" فيرتسم الصمت بين شفاتيك ليكون أكثر فصاحة من أي عتاب.
حين تتأمل ملامحه وتدرك أن الغدر لا يغير الوجوه بل يكشف ما وراءها من زيفٍ كان يُخفيه الخداع. وفي تلك اللحظة لا يعود الألم في قلبك هو الخيانة ذاتها بل إدراكك أنك وثقت بمن لم يستحق وأنك صدقت من أتقن الخداع باسم الصدق.
صعوبة المواجهة ليست في النظر إلى من خان
بل في النظر إلى نفسك ومحاولة مسامحتها لأنها يومًا وثقت بقلب لم يكن لك سوى الكراهية.
كان يقود سيارته ويدور في رأسه ألف سؤال وبالرغم مما سمع إلا أنه لايزال يرفض تصديق ما قاله حاتم. بعد وقت، وصل فارس إلى مكتب الفريق الخاص به ووجدهم جميعًا في انتظاره.
نظر لهم فارس وكأنه يبحث عن كلمة تنفي ما سمع منذ قليل. وقف أمام حاتم وقال: فهمني كل حاجة.
جلس فارس علي رأس الطاولة وجلسو جميعًا أمامه وقال حاتم: الموضوع بدأ لما دورنا ورا صالح زين الدين، زي ما قال معتز هو رجل أعمال محترم جدًا استغربنا التهم اللي رائد باعتها على إنه متهم فيها، لقينا إنه ملوش أي علاقة بالتهم ديه بل بالعكس هو على النقيض تمامًا، الصراحة يا فارس بدأت أشك في رائد وده خلاني أدور ورا كل القواضي اللي جات المكتب عن طريقه، هما ٣ قواضي بالظبط، بس مختلفين عن قضية صالح يعني ال٣ اللي إنت قتلتهم هما اه فيه قضية نصب أو اختلاس أو اللي بدأ راس ماله بفلوس مشبوهة لكن التهم اللي راحت للنائب العام ملهمش علاقة بيهم.
فارس في صدمة: يعني أنا قتلت ناس ظلم؟!
حاتم: لا لا، مش ظلم للدرجة بس كان ممكن عقوبتهم متبقاش قتل.
زفر فارس في ضيق، صدمة جعلته يفقد تركيزه، لا يرى أمامه سوى صورة هؤلاء الرجال بعد موتهم. نظر له حاتم في حزن وقال: فارس، متحملش نفسك الغلط.
فارس في غضب: لا أحمل نفسي، كان لازم أتأكد، مكنش ينفع أمشي ورا كلامه من غير ما أسأل وأفهم.
حاتم: إهدى يا فارس، إحنا وثقنا في الشخص الغلط والحمد لله إننا لحقنا نفسنا من إننا نقتل واحد زي صالح ده، كان بجد هيبقى ضربة لينا كلنا، إحنا كل إما كنا نكتشف حاجة كانت بتبقى صدمة ومش قادرين نصدق إننا غلطنا غلط زي ده، الغلط مش غلطك لوحدك واللي عمل فينا كده لازم يدفع التمن.
فارس: هيدفعه، وغالي أوي، بس فهمني إيه علاقته بغسان.
حاتم: الشباب كانو عايزين يعرفو ليه بيعمل كده، بدأو يدورو على الشخص المستفيد من قتل كل واحد فيهم، ولقينا إن الوحيد اللي استفاد من الموضوع هو غسان أبو العزم، سواء كان في تجارة السلاح أو الآثار أو العمل اللي ظاهر للناس كلها في سوق العقارات، وطبعًا فيه غسيل أموال كبير بيعمله غسان أبو العزم، ولقينا إن بعض القواضي اللي لفقها رائد للتلاتة اللي ماتو كان غسان هو المشتبه الأول فيها، أما صالح زين الدين فهو كام بينزل مع كل كومبوند عروض للشباب صغار السن بتسهيلات كبيرة وفوايد قليلة جدًا على الأقساط عشان يساعدهم إنهم يتجوزو ويستقرو وده طبعًا كان بيسحب عملا كتير أوي من غسان.
جلس فارس مرة أخرى، عينيه تمتلء بالحزن والضعف، وثق به وانساق خلفه دون تردد وها هو يدفع الثمن.
جلس حاتم بجواره ورتب علي عاتقه وقال: كان فاضل قضية واحدة يا فارس، ديه اللي كنت قلقان منها جدًا، قتل سيادة اللوا إبراهيم.
نظر له فارس في حزن وتجمعت الدموع في عينيه فقال حاتم: غانم وغندور هما أكتر اتنين بينافسو غسان في تجارة السلاح، للأسف هو قدر يستغل ندا ويضغط عليك عشان تخلصه من غندور وأقنعك إنه شريك غانم اللي قتل أبوك في كل حاجة عشان تقتله وتخلصه منه، لو كنت قتلت غانم كان غسان هيبقى أكبر تاجر سلاح في مصر.
صمت فارس طويلًا وهناك عاصفة من الغصب تجتاحه ثم وقف وقال: أنا عايز رائد عندي النهاردة، جيبوه قدامي بأسرع وقت، بعد كده تاخدوه على الفيلا بتاعتي وتنزله الجراج، لما تنفذو قولولي.
كاد يذهب فأمسك حاتم ذراعه وقال: إنت رايح فين؟
فارس: عندي مشوار هخلصه الأول.
ذهب فارس وقام الفريق بتتبع هاتف رائد حتى علمو مكانه بالتحديد ثم ذهبت سيارة بها ٤ رجال ومن بينهم حاتم وصفت السيارة أمام منزل رائد واتصل حاتم به وتحدث معه بهدوء قائلًا: إنت فين يا رائد؟
رائد: لسه مروح يا حاتم، فيه حاجة جديدة ولا إيه؟
حاتم: يا عم من ساعة ما فارس اتجوز مشفتكش، بقولك إيه إحنا سهرانين كده النهاردة أنا والشباب، ما تيجي تسهر معانا.
رائد: أنا مش قادر بصراحة وعندي شغل الصبح. 
حاتم: مش هطول متقلقش، أنزل غير جو معانا شوية.
رائد: طيب إنتو فين؟
حاتم: أنا قريب من بيتك على فكرة، هعدي عليك بالعربية.
رائد: طيب هغير هدومي على ما تيجو.
انتظرو بالأسفل قليلًا ثم عاود حاتم الاتصال به وأخبره أنه ينتظره بالأسفل فنزل رائد ودخل السيارة وقام أحد الرجال بتخديره ثم ذهبو إلى منزل فارس واتصل حاتم وأخبره بالأمر.
كان فارس يجلس بسيارته ثم أمسك هاتفه واتصل بندا فتلقت المكالمة سريعًا وقالت: كل ده يا فارس، أنا هموت من القلق عليك. 
ابتسم فارس والحزن يسكن عينيه وقال: حقك عليا حبيبتي، معرفتش أكلمك غير دلوقتي. 
ندا: إنت فين؟ خلصت ولا لسه؟ طمني بقى عايزة ارتاح واطمن عليك يا حبيبي ونخلص من الكابوس ده. 
لم يرغب فارس بأن يجعلها تشعر بهذا العبء الذي يسكن قلبه أو تظل تشعر بالخوف أكثر وأيضًا تذكر وعده لها بإن ينتهي هذا الكابوس ويبدآ حياتهما معًا دون خوف فلم يجد طريقة أخرى سوى أن يكذب عليها فقال: اه يا حبيبتي خلاص، مفيش غانم تاني، ارتاحي واطمني، محدش هيقدر يهددنا تاني أبدًا.
ندا في سعادة: يعني خلاص، خلصت إنتقامك؟ 
فارس: امممم، خلصت، بصي أنا هعدي على الشباب عشان عايزين يتكلمو معايا في موضوع وممكن أسهر معاهم، نامي حبيبتي، ارتاحي إنتي. 
ندا: حاضر يا حبيبي، بس متتأخرش عليا، مش بعرف أنام غير في حضنك.
فارس: ربنا يخليكي ليا، هقفل دلوقتي ماشي. 
أنهت ندا المكالمة واتصلت على الفور بغسان وأخبرته بأن فارس قد قتل غانم وانتهى الأمر. 
كان غسان في غاية السعادة وركض ليبلغ حسني ورامي الذي وقف في تعجب وقال: قتله إزاي وهو عيان؟! ديه ندا قالت إن دراعته الاتنين متجبسين!
عقد غسان حاجبيه وقال: مش عارف، يمكن خف، هو بقاله اد إيه؟
حسني: تقريبًا أسبوعين. 
غسان: ممكن يكون خف فعلًا، المهم إن خلاص، مفيش غانم تاني، جهزو نفسكم عشان هنلعب بالفلوس لعب كده. 
رامي: ندا لسه معرفتش مكان المكتب؟ 
غسان: مسألتهاش لسه، بكرة هسألها على الموضوع ده.
زفر رامي وقال: الواد خف يا جدي، إنت مش حاسس بالنار اللي في قلبي ليه؟!
غسان: ندا وعدتني إنه مش هيلمسها، إهدى بقي خلينا نخلص الموضوع على خير. 
بعد وقت، كان رائد مقيد بالكرسي في مرأب السيارات أسفل منزل فارس وبدأ يستعيد وعيه ببطء، نظر حوله في عدم استيعاب ثم بدأ عليه الذعر عندما وجد نفسه مقيد، دخل فارس المرأب وأخذ كرسي وجلس أمامه بهدوء وقال: إزيك يا رائد؟
نظر له رائد في تعجب وقال: أنا فين؟! فكني يا فارس إيه الهزار البايخ ده؟!
فارس: قولي يا رائد، أخبار غسان أبو العزم إيه؟
نظر له رائد في ارتباك وقال: غسان... غسان أبو العزم.... ماله يعني؟!
فارس: أصل سمعت كده حاجة إن بابا كان بيدور ورا وكده، هو صحيح غسان كان أخر قضية بابا اشتغل عليها؟!
رائد: لا، معرفش.
فارس: لا ولا متعرفش؟!
رائد: مش عارف يا فارس.
فارس: ليه؟ مش بابا برده الي قتل سالم أبو العزم في أخر عملية تهريب ومقدرش يثبت حاجة على غسان، وساعتها فضل يراقب غسان في كل حتة عشان كان عايز يثبت إنه بيتاجر في السلاح زي ابنه؟!
زاد ارتباك رائد وقال: إنت.... إنت جبت الكلام ده منين؟! الكلام ده مش حقيقي.
رفع فارس ملف بيده وقال: بس كده، ديه قضية قتل سالم أبو العزم.
أمسك فارس بشعر رائد بقوة ليضع عينيه داخل الملف وقال في غضب: بص، مكتوب إنه اتقتل في أثناء الاشتباك مع عناصر الشرطة على يد سيادة اللواء إبراهيم سلطان.
رائد في خوف: مكنتش أعرف.
صاح فارس غاضبًا: بس إنت قولتلي إن أخر قضية كانت على غانم فراج وهو اللي قتله، في حين إن بابا مشتغلش على ولا قضية تخص غانم، بعت نفسك بكام يا رائد، خدت كام من غسان عشان تتستر عليه؟ قول، بعت صاحبك بكام؟ بعتني بكام يا صاحب عمري؟
رائد: كنت محتاج فلوس يا فارس، إنت عارف إني فقير مش زيك.
فارس: لو كنت جيت طلبت مني مفلوسي كلها كنت اديتهالك، لو كنت طلبت روحي تفديك كنت عملت كده، ده إنت صاحب عمري وكاتم أسراري، تعمل فيا كده ليه؟ عشان الفلوس؟! تبيع ضميرك وتشيل قواضي من على غسان أبو العزم وتلبسها لناس تانية ليه؟ إدالك كام عشان تعمل كده؟!
رائد في غضب: كتير، إداني كتير، بقيت مليونير من وراه، شغل الحكومة يوم ما هيديني فلوس هقبض كام؟! ملاليم، أنا عايز أعيش زي ما الناس ديه كلها عايشة، إنت أبوك كان غني وكمان لوا في الشرطة، مولود وفي بقك معلقة دهب فعمرك ما هتحس بالفقر اللي أنا طلعت منه.
فارس في غضب: ملعون أبو الفلوس اللي تخلي الصاحب سكينة في ضهر صاحبه، آخر واحد كنت متخيل إنه هيضربني في ضهري هو إنت، بس خلاص مبقاش في حاجة اسمها صداقة نضيفة في الزمن ده.
أمسك فارس به بقوة وقال: أنا ممكن اقتلك، ممكن أخلص عليك بإيدي ديه دلوقتي بس أنا مش زيك، مش هعرف أعمل فيك كده، مش هعرف أخون كل اللي كان بينا، بس هعمل حاجة تانية.
ابتعد عنه فارس وقال بصوت مرتفع: أدخل يا حازم.
دخل حازم ومعه عناصر من الشرطة فقال فارس: كل اللي قولته اتسجل بإذن النيابة واعترافك إنك خدت رشاوي من غسان أبو العزم عشان تبعد عنه القضايا اللي كان مشتبه فيها كله اتسجل، وريني بقى الفلوس اللي بعتني بيها هتنفعك ولا لا.
حازم: اقبضو عليه.
تحرك عناصر الشرطة وقامو بالقبض عليه وهو يصيح في غضب ثم نظر حازم إلى فارس وقال: شكرًا يا فارس، بس مكنتش أعرف إنك عامل مكتب تحريات خاصة.
فارس: أنا عملت المكتب ده عشان أكشف حقيقة قتل بابا الله يرحمه، بس من ساعة ما جمعت الشباب وعرفنا أدلة كتير أوى ورائد ساعدني شوية.
حازم: بس مش غريب إن قناص العدالة بيقتل والأدلة اللي عندك بتروح للنائب العام فورًا؟
فارس: لا مش غريب، الأدلة اللي عندي لو خرجت وصاحبها موجود هيلاقي ألف طريقة يهرب بيها منها زي غسان كده لكن لما بيموت أو قناص العدالة بيقتله الأدلة ساعتها بتبقى واضحة ومفيش حد يدافع عنه، يعني هو بيقتل وأنا بظهر الحق بالأدلة اللي عندي والعمل كله تطوعي من الشباب، إحنا كل اللي يهمنا أن الحقيقة تبان وأعرف مين قتل بابا.
حازم: طيب إحنا هنحقق في القواضي تاني ولو لقينا فعلًا أدلة على غسان أبو العزم هنقبض عليه.
فارس: ياريت.
ذهب حازم وبعقله كثير من الشكوك حول فارس ولكن دون دليل قاطع، خرج فارس خلفه ونظر إلى حاتم وقال: عايز مراقبة ٢٤ ساعة على غسان أبو العزم، عايز اقتله قبل ما حازم يثبت التهم ويقبض عليه، بكرة بالكتير عايز أخذ حق بابا منه وحقي أنا كمان وحق التلاتة اللي ماتو بسببه. 
حاتم: بس كده هتبقى في موضع شك أكبر.
فارس: مش مهم، كده كده ديه هتبقى أخر عملية لقناص العدالة، فاضل غانم بس لو مبطلش الشغل ده سلم الأدلة اللي عندك كلها لحازم.
حاتم: برده أنا لسه بقول إن اللي عملته ده فتح عين الشرطة عليك.
فارس: كان لازم رائد يدفع تمن غلطه ويتحرم من كل ده، حتى الملاليم اللي مكنتش عجباه من شغل البوليس مش هيلاقيها، ده غير إني مكنتش هقدر أئذيه يا حاتم، أنا مش زيه، أنا خدت حقي منه وبس.
حاتم: طول عمرك نضيف يا فارس، بس للأسف نضيف في زمن صعب تعيش فيه بنضافة.
فارس: بس ربنا رزقني باللي شبهي في وسط ده كله، إنت وندا، إنت أخويا اللي ربنا رزقني بيه، لسه فاكر اليوم اللي بابا جابك فيه البيت وقالي " جبتلك أخ يا فارس" يااااه ساعتها حسيت إن الدنيا كلها في إيدي، برغم رخامتك وهزارك البايخ بس إنت أغلى حد في حياتي.
حاتم: بعد ندا طبعًا؟
فارس مشاغبًا: أكيد، هروح لندا بقى.
حاتم: ماشي يا صاحبي، بعتني في أول محطة كده؟
فارس: أبيع عمري كله عشانها.
حاتم: ربنا يخليهالك يارب.
ذهب فارس مسرعًا إلى المنزل واقترب عمرو من حاتم بعد أن سمع حديث فارس معه وقال في ارتباك: أنا عايز أقولك على حاجة يا حاتم.
نظر له حاتم وقال: متقلقنيش يا عمرو، وشك بيبشر بمصيبة، خير.
عمرو: هي حاجة بخصوص مدام ندا.
نظر له حاتم وهو يعقد حاجبيه. 

غير معرف
غير معرف
تعليقات