رواية امرأة العقاب الخاتمة 1 بقلم ندى محمود توفيق



 رواية امرأة العقاب الخاتمة 1 بقلم ندى محمود توفيق

تتسابق الساعات والأيام في درب الزمن فتمر أيام والأيام تليها أسابيع والأسابيع شهور لتصبح في النهاية سنوات ، ورغم مرور الزمن لم تنطفأ نيران العشق المتأججة في صدور الأحبة ، بل كانت تزداد اشتعالًا يومًا بيوم ، كأن الأيام ما هي إلا أداة لإثبات أن الزهرة كانت ولن تكن سوى لعُقابها .
بعد مرور تقريبًا سنتين ونصف ……………
داخل مقر شركة الشافعي تحديدًا بغرفة الاجتماعات الكبيرة يلتف حول الطاولة الضخمة كل من عدنان وجلنار وآدم وأحد رجال الأعمال المعروف ومعه ابنه الأكبر ومساعدته الخاصة .
كانت عيني عدنان القاتلة عالقة على ذلك الشاب الذي لم يحيد بنظره عن زوجته منذ بداية الحديث ، وبكل جرأة يحاول مغازلتها بالنظرات والكلام المعسول أمامه ، وتلك الحمقاء لا تنتبه لأي شيء وتتصرف بكل سذاجة وتبادلهم الحديث بكل تلقائية ولطف ويشاركهم في الحديث أخيه الذي كان يصب كل اهتمامه على رجل الأعمال ويبادله اطراف الحديث عن العمل الذي هو سبب ذلك الاجتماع اللعين ( كما يصفه عدنان ) ، وكان هو على غير عادته يلتزم الصمت المريب ونظراته الملتهبة لذلك الوغد تتحدث بدلًا عن لسانه .. يحاول منذ البداية تمالك زمام انفعالاته حتى لا تدفعه للإغارة عليه وضربه حتي يمتع سمعه بصوت صراخه من الألم الذي سيجتاح جسده كله ، لكن يبدو أن ذلك الصمود لن يدوم طويلًا .
وصل الحديث لنهايته تقريبًا ليسمع صوت رجل الأعمال وهو يسأله بكل لطف ووجه بشوش :
_ هااا قولت إيه ياعدنان بيه نمضي العقود ونقول مبروك ؟
دام صمت عدنان لبرهة من الوقت وهو مازال يتطلع بذلك الشاب في نارية حتى خرج صوته أخيرًا بنبرة مرعبة :
_ الحقيقة إني بعد ما فكرت لقيت أن شركتي مش في حاجة لصفقة زي دي في الوقت الحالي .. يعني بعتذر ياسالم بيه مش هنقدر نمضي عقود
كانت الدهشة الأكبر من نصيب جلنار وآدم حيث طالت نظراتهم المتعجبة له بالأخص أنهم أكثر من يعلم أن الشركة بحاجة لهذا العمل! .

 

 

خرج صوت الرجل مذهولًا :
_ بس احنا اتفقنا ياعدنان بيه من وقت طويل والمفروض أن الاجتماع ده كان عشان نمضي العقود ، إيه اللي اتغير دلوقتي فجأة ؟!
عدنان بأعين مخيفة عالقة على الشاب ونبرة ذات معنى :
_ أصل أنا ليا حساباتي الخاصة وعلى أساسها بختار مين هشاركه ومين هيكون في بينا شغل وتعامل قائم على الثقة والاحترام
نقل الرجل نظره بين الجميع نهاية بابنه بعدما ابتلع الإهانة المضمورة بين ثنايا كلمات عدنان بخنق وهو يصفهم بعدم الثقة والاحترام .
هب واقفًا فورًا وتطلع بعدنان في ضيق شديد ملحوظ وقال بلهجة حازمة :
_ واضح أنه كان قرار غير صائب من البداية ، عمومًا تشرفت بيك ياعدنان بيه
اجابه عدنان بإبتسامة متكلفة وصوت غليظ :
_ أنا اكتر ياسالم بيه !
ثم بسط عدنان كفه ليصافحه فمد الرجل كفه بعد وقت من التفكير ليجد عدنان قبض على كفه بقوة غريبة ومال عليه يهمس في أذنه بصوت اشبه بفحيح افعى على وشك لدغ فريسته :
_ أنا كنت عامل احترام انكم في شركتي بس لكن صدقني غير كدا كنت خليت ابنك يعرف كويس أوي مين عدنان الشافعي وإيه عقاب أنه يبص لمراتي .. شجاعته حلوة بس مش مع الشخص الغلظ .. وعشان كدا هعتبرها طيش شباب واعديها
لم يمهله اللحظة ليجيب أو حتى يحاول استيعاب كلماته بل تابع بعدما انتصب في وقفته وضغط على كفه الذي لم يفلته حتى الآن وقال ببسمة متصنعة ونظرة مرعبة :
_ شرفتني ياسالم بيه .. واضح انه مكنش لينا نصيب في الصفقة دي مع بعض
سحب كفه من كف عدنان بقوة وسط نظراته المشتعلة ثم اندفع نحو باب الغرفة وتبعه كل من ابنه ومساعدته بينما عدنان فظل مكانه واقفًا يضع كفيه في جيبي بنطاله بثبات مثير للحيرة ليسمع صوت آدم وهو يقول بجدية وضيق من تصرف أخيه :
_ ممكن تفهمني إيه اللي عمتله ده ياعدنان ؟!
سار نحو مقعده مجددًا وجلس بكل برود ثم تمتم :
_ عملت إيه ؟!
هدر آدم بصوت رجولي منزعج :
_ عدنان احنا لينا فترة بنحاول نكسب الاتفاق ده لإنك عارف كويس أوي انه هيفيد الشركة جدًا لكن اللي عملته دلوقتي أنا مش قادر افهمه الصراحة
استقرت نظرات عدنان على أخيه بحدة واستطرد بصوت غليظ ونظرات كاللهيب :
_ معناه أن ده الصح يا آدم .. مش ده الشخص اللي اقدر اديله الأمان واحط ايدي في ايده واشاركه في شغلنا
ضيق آدم عيناه بعدم فهم واردف مستفهمًا :
_ حصل إيه لده كله ؟!!
دام الصمت للحظات طويلة بينهما قبل أن يخرج صوت عدنان الخشن وهو يتطلع بأخيه في قوة ويتمتم بنبرة محتقنة :
_ ابنه **** تخطي الحد الأحمر وحاول يدخل منطقتي المحظورة يعني يحمد ربه إن بركاني مطالهوش وإلا كان زمانه دلوقتي خارج بعربية الإسعاف
غضن آدم حاجبيه بحيرة ودهشة من كلمات أخيه العدوانية والشرسة .. واستحوذه الصمت لبرهة وهو يحاول فهم مقصده المضمور خلف كلماته الغامضة حتى وقع نظره على جلنار التي تتابعهم بعدم فهم ودهشة مثله ولكنها لا تتمكن من توجيه الحديث لزوجها بسبب علاقتهم المتوترة كما يعلم على الرغم من فضولها الملحوظ حول غضبه الغريب من ذلك الشاب ! .
سرعان ما رأت جلنار الابتسامة ترتسم فوق ثغر آدم ويتبادل النظرات الضاحكة مع عدنان الذى يبادله بأخري مشتعلة ثم سمعت آدم يتمتم بعبارات غامضة تحمل إشارات ومعاني بينهم هم فقط وسط ضحكته ونظراته الجانبية لها وهو يتحدث :
_ طب كنت قولتلي من الأول على الأقل كنا طردناه مع بعض .. أو كنت سبتلك الطلعة الكبيرة وأنا طلبت الأسعاف بعدين
كتم عدنان بسمته المغلوبة وهدر بحزم :
_ مش وقتك خالص يا آدم دلوقتي

 

 

نقلت جلنار نظرها بينهم بتعجب ثم تحدثت اخيرًا بعد أن امتلأت من فضولها :
_ هو في إيه بظبط ؟!
تنفس الصعداء بغيظ واضح ثم هب واقفًا وتتم بنبرة مريبة :
_ تعالي ورايا على المكتب
القى أوامره التي لا تقبل النقاش حتى واستدار بلحظتها يسير نحو الباب ويغادر الغرفة تاركًا الباب مفتوحًا ، تطلعت جلنار بآدم في استفهام ليبتسم لها بلطف مشيرًا إليها بعيناه أن تلحق بزوجها ، فتنهدت مطولًا في عدم حيلة ثم توجهت إلى خارج الغرفة تلحق به في غرفته الخاصة كما طلب أو وجه اوامره بالمعنى الأدق .
***
خطت بقدميها داخل غرفة مكتبه ووقفت للحظات عند الباب تتطلع إليه بجمود متفحصة حالته المريبة وهو يقف أمام النافذة واضعًا قبضتيه داخل جيبي بنطاله ويوليها ظهره .. فتنهدت بخنق واستدرات بجسدها تجاه الباب تغلقه بلطف ثم تحركت نحو الأريكة العريضة بأحدى زوايا الغرفة وجلست فوقها دون أن تتفوه ببنت شفة والثبات الغريب يرتسم كلوحة عشوائية فوق معالم وجهها .
استدار بجسده كاملًا نحوها فوجدها جالسة تضع ساقًأ فوق الأخرى وتبتسم له ببرود أثار جنونه أكثر ، أما جلنار فحين رأت شرارت النار المتوهجة تنطلق من عيناه البندقية تجاهها ضحكت بخبث ، تلك النظرات اعتادت عليها وحين تراها تدرك أن عواصفه المدمرة ثارت ، وغالبًا هو الأن يود أن ينقض عليها ويأكلها بأسنانه ولكنه لا يستطيع بالطبع ! .
جز عدنان على أسنانه بغيظ ولهيب الغيرة والغضب يظهر بكل وضوح في نظراته لها ، تلك النظرة الخبيثة والمستمتعة التي في عيناها يعلمها جيدًا .. كان يظن أنها حمقاء ولكن اتضح أنه هو الأحمق !! .
اقترب منها بخطوات متريثة حتى أصبح أمامها مباشرة انحنى بجزعة عليها وهي جالسة ورمقها بنظرة نارية هامسًا :
_ كنتي قاصدة تعملي كدا صح ؟
تصنعت البراءة وعدم الفهم لتهز كتفيها بعفوية متصنعة تحاول تكملة تصنعها أنها لا تفهم شيء كما فعلت معهم بالداخل وهتفت :
_ قاصدة اعمل إيه ؟!
عدنان بعينان تطلق إشارات الإنذار :
_ جلنار !!
أكملت تصنعها وقالت ببسمة ناعمة مثل نبرة صوتها :
_ مش فاهمة قصدك بجد ياعدنان

رفع حاجبه مستنكرًا عفويتها المزيفة وبسمتها الرقيقة ليتابع بغيظ :
_ الضحك والطريقة اللي كنتي بتتكلمي بيها مع سالم وابنه .. كنتي قاصدة تعملي كدا عشان تجننيني
نظرت مطولًا في بندقيته وهي تبتسم برقة امتزجت بلؤمها حتى همست بشجاعة مألوفة عليها :
_ أيوة كنت قاصدة
الجرأة التي تفوهت بها ادهشته واغضبته أكثر فلم يشعر بنفسه في تلك اللحظة سوى وهو يصيح بصوته المخيف :
_ قاصدة تهزري وتضحكي مع راجل قدامي عشان احنا متخانقين وعايزة تعصبيني بس .. و**** ده بيبصلك وبيحاول يلاغيكي بالكلام قدامي عشان شايف المدام المحترمة مش هامهها أي حاجة ولا متحرمة وجود جوزها ولا غيره فساق فيها بس الحق عليا أني سبتك تعملي اللي على هواكي وخليته يطلع سليم من شركتي كان المفروض اطلعه متكسر ومن غيره عينيه اللي فرحان بيها دي
زعرت قليلًا من صوته ونظرته التي باتت تشبه حيوان مفترس وثائر .. ربما إن اخبرته الآن انها لم تنتبه لنظراته لها أو الذي كان يحاول فعله كما يقول وأنها فقط كانت تتصرف بلطف معهم على غير عادتها بالعمل فقط لكي تثير غيرته لن يصدقها ! .
غضنت حاجبيها بدهشة وهتفت في صدق :
_ أنا مخدتش بالي أبدًا والله ياعدنان أن كل ده حصل وأغلب كلامي كان مع سالم أساسًا وصح أنا كنت بتصرف معاهم بلطف عشان اخليك تغير لكن لو كنت لاحظت اللي بتقول عليه ده أكيد مكنتش هكمل
ضحك بسخرية وصاح بعصبية شديدة وهو ينتصب في وقفته :
_ طبعًا انتي تاخدي بالك إزاي !! .. كفاية انك تتصرفي وكأني مش موجود عشان تخليني اغير زي ما بتقولي .. ومبروك نجحتي في مرادك ، بس اعملي حسابك من هنا ورايح مفيش شغل في الشركة تاني كفاية أوي ، مكانك في بيتك مع الولاد تراعيهم كويس
اشتعلت نظراتها غيظًا منه وهبت واقفة تتطلع به في قوة وتهتف :
_ عدنان أنت عارف إني مبجيش بالطريقة دي
أجابها بقسمات وجه باردة لكنها صارمة لا تقبل النقاش :
_ هي دي الطريقة اللي عندي يامدام جلنار وسواء عاجبك أو لا كلامي هيتنفذ ولو عاندتي وفكرتي تكسري كلمتي العواقب هتكون وخيمة
عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت في عيناه بثبات وقالت بغضب وعناد :
_ هتعمل إيه يعني ياعدنان بيه ؟!
عدنان بنظرة ملتهبة :
_ اعتقد إني مش محتاج اقولك إيه اللي ممكن اعمله ، أنتي عارفة كويس أوي
هدرت بعناد مستفز :
_اعتبرني معرفش وعندي فضول اعرف
القت بقنبلتها واستدرات تهم بالرحيل لكن قبضته كانت اسرع منها حيث جذبها من ذراعها إليها وصاح :
_ جلنار بلاش عناد أفضل
اجابته بصوت محتقن وهي تتعمد عدم النظر لوجهه :
_ سيب ايدي ياعدنان عايزة امشي ده لو سمحت يعني
عدنان بنبرة باتت أقل في حدتها :
_ تمشي فين ؟
نظرت لوجهه وقال بخنق وقوة :
_ البيت !
طالت نظراته إليها حتى لانت قضبته على ذراعها تدريجيًا وتركها بالأخير فتندفع هي تجاه الباب تنوى الرحيل لكنها توقفت فجأة واختل توازنها حين داهمها دوار شديد ولولا ذراعيه لكانت الآن فاقدة وعيها على الأرض .
كان يحاوطها بذراعيه ويهمس لها بقلق :
_ جلنار أنتي كويسة ؟
رمقته شزرًا ودفعت يديه عنها هاتفة بعناد رغم الدوار الذي لا يُمكنها من الوقوف بتوازن على قدميها :
_ كويسة ، ابعد عني

 

 

وجدها تتحرك بخطا غير متوازنه تجاه الباب وكادت أن تسقط مجددًا فأسرع لها ولم يمهلها الوقت لتعترض أو تغضب حتى حيث حملها فوق ذراعيه وسار بها نحو الأريكة وسط نظراتها المشتعلة له وهي تتذمر عليه هاتفة :
_ نزلني ياعدنان قولتلك أنا كويسة
رمقها بعدم حيلة وهو يتأفف ثم وضعها بكل رفق فوق الأريكة وجذب مقعد ليجلس أمامها ويصيح بصوته المرتفع على المساعدة التي أتت مهرولة لتمتثل لأوامره وهو يقول :
_ هاتي عصر وأي حاجة مسكرة لجلنار هانم تاكلها
صدح صوت جلنار المنزعج وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتتحاشي النظر إليه بكل طفولية :
_ متجبيش حاجة يا ليلى مش عايزة !
نقلت ليلى نظرها بينهم باستغراب لتجد عدنان ينظر لزوجته بغيظ ونفاذ صبر ثم نظر لها وأشار بعيناه أن تذهب وتنفذ أوامره .. لتبتسم بلطف وتهز رأسها بالإيجاب ثم تنصرف فورًا .
عدنان بانزعاج ملحوظ :
_ إيه شغل الأطفال اللي بتعمليه ده ياجلنار !
اجابته بعبوس وتذمر طفولي :
_ أنا طفلة لو مش عاجبك متحبنيش ومتهتمش لأمري !
نجحت في رسم البسمة المغلوبة على شفتيه .. وراح يتطلع إليها مطولًا حتى همس بنظرة عاشقة :
_ ده على أساس يعني أن حبك كان اختيار بنسبالي وأنا اللي اخترته !!
اتسعت عيناها بصدمة وهتفت :
_ يعني أنت مجبر عليا !
مسح على وجهه وهو يتأفف ثم هدر بعدم حيلة :
_ هو ده اللي فهمتيه ؟!!
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وتجمعت العبارات في عينيها وبتلك اللحظة صوت طرق الباب ودخول ليلى قطع حديثهم .. أعطت العصير والطعام لعدنان ثم غادرت ليهتف هو محدثًا جلنار :
_ جلنار يلا خدي اشربي العصير وكلي
ردت بصوت تخنقه العبارات وهي تشيح بوجهها عنه للجهة الأخرى:
_ مش عايزة قولتلك
عدنان بصوت رجولي قوى :
_ طيب بصيلي
رفعت كتفيها لأعلى بحزن طفولي وخرجت من بين شفتيها همهمة ( تؤ ) .
مد يده ووضع انامله اسفل ذقنها يدير وجهها إليه رغمًا عنها ليرى الدموع تجمعت في سماءها المظلمة وفورًا انهمرت فوق وجنتيها غزيرة .. فلانت نظراته الحادة وكذلك نبرته أصبحت أكثر حنان وهو يسألها :
_ بتعيطي ليه دلوقتي ؟!
رفعت اناملها وجففت دموعها وهي تجيب برقة تذيب القلب :
_ مش بعيط

 

ضحك رغمًا عنه وتمتم باسمًا :
_ امال ايه اللي على خدودك دي .. قطرة ؟!!
كانت على وشك أن تضحك على مزحته لكنها احتفظت بقسماتها الجافة والحزينة وقالت :
_ أنا عايزة اروح البيت ياعدنان
عدنان بنفاذ صبر :
_ طيب قومي ياجلنار يلا عشان اوديكي البيت وتبقي تشربي العصير وتاكلي في الطريق
اعتدلت في جلستها وهبت واقفة بينما هو فتوجه نحو مكتبه يجذب هاتفه ومفاتيحه الخاصة ثم عاد لها وحاوطها بذراعه من ظهرها حتى تستند عليه اثناء السير ، وكادت هي أن تعترض لكن نظرته الصارمة اسكتتها فورًا ! .
***
تفقد المنزل كله منذ مجيئه وهو يبحث عنهم ولا أثر لهم ! ، بحث بكل قطعة بالمنزل حتى الغرف المغلقة الذي لا يدخلها احد منهم إلا نادرًا ، وبدأت ترتفع نبرة صوته الرجولية والمتوترة وهو ينده :
_ مهرة .. سليم !!
ارتفع هرمون الادرينالين لديه وبدأت علامات الخوف تتملكه ليندفع مهرولًا لخارج غرفة يقصد المكان الأخير بالمنزل الذي لم يبحث به على أمل أن يجدهم .
وبينما كان بطريقه لغرفة الرياضة الخاصة به ، اقتحمت أذنيه أصوات موسيقى مرتفعة منبعثة من الداخل وامتزجت تلك الأصوات بضحكات مهرة !! .. تسمر بأرضه للبرهة من الوقت عاقدًا حاجبيه بدهشة يحاول بعقله تخمين ماتفعله بالداخل وسط كل الالآت الرياضية ومع من تضحك ؟! .
لم يمهل الوقت لنفسه ولا عقله لكي يفكر واندفع بخطوات سريعة نحو الغرفة وفتح الباب على مصراعيه ، لتصبه الدهشة للمرة الثانية حين رأى صغيره يقف على كرسى أمام وسادة الملاكمة بسبب قصر قامته ويوجه اللكمات الضعيفة بيده الصغيرة للوسادة وتقف بجوراه أمه التي تارة تمزح وتضحك معه وتارة تهتف له بكل حزم :
_ أيوة كدا عاش ياسليم .. هو ده ابني حبيبي
وكلما يوجه لكمة صغيرة تهتف له بكل حماس :
_ عاش يابطل .. اديها كمان
فاق آدم من دهشته ورفع يده يمسح على وجهه وسط تأففه المغلوب وهو يهمس :
_ استغفر الله العظيم يارب

 

 

انتبهت لوجوده بمحض الصدفة بينما كانت عيناها تتجول في أرجاء الغرفة التقطته وهو يقف عند الباب هكذا .. ابتسمت له بحب وهتفت لابنها :
_ بابا جه ياسليم الحق
توقف الصغير عن اللعب كما يصفه هو بعقله الطفولي ! ، والتفت بلهفة للخلف حيث يقف أبيه وفور رؤيته له نزل من فوق الكرسي وهرول له ركضًا ليتلقاه آدم بين يديه ويحمله لاثمًا وجنتيه وهو يتتمتم له بحنو :
_ أنت كويس يابابا ؟
اماء له الصغير بالإيجاب مبتسمًا ليعود ويسأله وهو ينقل نظره بين وسادة الملاكمة وزوجته بعدم حيلة :
_ كنت بتعمل إيه ياحبيبي ؟
التفت الصغير نحو أمه وهمس برقة في كلمات غير مرتبة هجائيًا وغير مفهومة بعض الشئ :
_ كنت بيعب ( بلعب ) أنا وماما
آدم بنظرة معاتبة لمهرة :
_ أمممم مهو واضح فعلًا
انحنى للأسفل ليضع صغيره على الأرض ويتمتم له غامزًا بمرح :
_ طيب روح كدا البيت وادخل اوضتك وشوف جبتلك إيه معايا
اتسعت عيني الصغير بذهول ولمعت بالسعادة والحماس ثم سرعان ما اسرع للخارج ركضًا يقصد المنزل وغرفته تحديدًا كما اخبره أبيه أن هناك شيء ينتظره هناك ! .
بقت الساحة فارغة لهم أو بالأصح لآدم الذي كان يرمق مهرة بنظرات مغتاظة وهي كانت تتلقاها بابتسامة متصنعة السذاجة وعيناها تتجول على السقف في محاولة فاشلة منها حتى لا تلتقي عينيها بخاصته الملتهبة .. سمعت صوت خطواته ولمحته وهو يقترب منها بتريث فارتبكت واشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تفكر بخوف في حجة تمكنها من الفرار منه .. ولم تجد أمامها سوى أن تتفوه بما وجدته بتلك اللحظة على لسانها بغض النظر عن مدى سخافته أو حتى عدم منطقيته ! :
_ أنا هروح الحق المايه سبتها على النار تلاقيها غلت من بدري
كدات أن تهرول مسرعة من أمامه لكنه قبض على ذراعها واوقفها بأرضها هاتفًأ :
_ مايه إيه دي .. أنا كنت في المطبخ ومكنش في حاجة على النار !
تلعثمت قليلًا لكنها استجمعت شجاعتها وهتفت بخنق :
_ ازاي يعني مفيش ! ، سلامة نظرك ياحبيبي أنا لسا حاطها من ربع ساعة .. أنا هروح اشقر عليها
تملصت من بين يديه وحاولت الفرار ثانيًا لكنه منعها وهتف بتعجب :
_ إنتي بتتهربي مني ليه ؟!
سكنت لوهلة مستنكرة سؤاله ثم قالت بعفوية حقيقية :
_ عشان أنت هتزعقلي
آدم بحيرة وعدم فهم :
_ ازعقلك ليه ؟!!

زمت مهرة شفتيها باستغراب ثم اكملت بنفس عفويتها :
_ عشان أنت متعصب وبتبصلي بغيظ وأنا عارفة النظرة دي كويس بعدها لازم بتبقى في خناقة
ابتسم رغمًا عنه ورد بإيجاب :
_ هو أنا بالفعل متغاظ منك لأني نفسي في يوم ارجع الاقيكي هادية وراسية كدا في مكان معين مش تلخيني الف البيت كله عليكم عشان الاقيكم ، لكن مكنتش هزعقلك يعني
أجابته بكل غرور :
_ الحق عليها بعملك جو susbence في البيت وبعدين المفروض تحمد ربنا أنك متجوز ست فرفوشة وحيوية ومتجددة كل يوم بتشوفها في حالة ووضع مختلف ، قولي كنت هتلاقي فين ست زي كدا ؟!
التزم الصمت للحظة وهو يتمعنها مبتسمًا حتى قرر إضافة القليل من البهارات على الوصفة فقال بلؤم :
_ هو من ناحية إني هلاقي فكنت هلاقي كتير عادي .. أنا حتى أحيانًا بحس إني استعجلت
تحولت عيناها اللطيفة لأخرى شرسة بظرف ثانية واحدة وهدرت بنبرة مريبة :
_ است إيه ؟!!!
تراجع فورًا عن مزحته ورد مستسلمًا :
_ اتسحرت ياحبيبتي جمالك سحرني ومش قادر أبص ولا أفكر في حد غيرك
رفعت سبابتها في وجهها وهتفت محذرة :
_ وأياك تفكر تبص يا آدم
رفع حاجبه وقد تبدلت نظرته للصرامة والغيظ فوجدته يجذبها من ياقة قميصها إليه هامسًا ببسمة لطيفة كما تبدو لكن النبرة لا تقول هكذا أبدًا ! :
_ بعيدًا عن أني بهزر وأنتي عارفة ده ، إيه نبرة التهديد دي بقى اللي بتكلميني بيها
فزعت بخوف وضحكت ببلاهة لتراه يهبط نظره لأصعبها ويهمس باسمًا :
_ نزلي صباعك ده بس الأول !

 

 

اخفضته ببطء وهي تبتسم لتجده يكمل بعد أن عادت ملامحه طبيعية تمامًا :
_ كدا بقى نقدر نتكلم بكل لطف وود
ضمت شفتيها وارسلت له قبلة في الهواء بنظرة لطيفة كي تذيبه ولم تفشل حيث ضحك رغمًا عنه وتركها هاتفًا :
_ مش هتبطلي حركاتك دي
هزت رأسها لها بالنفي ليهتف بجدية :
_ إيه اللي كنتي بتخلي الولد يعمله ده !!
ردت ببساطة ومرح :
_ كنا زهقانين أنا وهو وهو اقترح يجي يلعب هنا .. بعدين خليه يبقى رياضي من هو وصغير عشان يطلع طول بعرض زي أبوه كدا ماشاء الله
_ ده طفل عنده سنتين يامهرة بتخليه يلعب ملاكمة !! .. أنا مش عارف أقولك إيه
مهرة برقة :
_ متقولش حاجة بعدين هتشكرني .. ده ابني وأنا عارفة اربيه ازاي
رمقها بطرف عينه في استنكار لتبتسم هي وتقول بهيام متغزلة بعينيه :
_ متبصليش كدا بعيونك الحضرا عشان أنا بضعف
لمعت عيناه بوميض ماكر وقال بنظرة تحمل الرغبة :
_ طيب قربي كدا هوريكي حاجة في عيني
مهرة بعدم فهم :
_ حاجة إيه ؟
غمز بعينه في لؤم وهو يجيبها في همس :
_ قربي بس !
مالت عليه بترقب وفورًا ادركت حركته القادمة وهو محاولته لتقبيلها فعادت للخلف بسرعة هاتفة من بين ضحكها :
_ أه يامكار عايز تضحك عليا
حاوطها بذراعه من خصرها وجذها إليه وهو يتمتم في غرام وشوق :
_ مهو إنتي وحشتيني وأنا خلاص حطيتها في دماغي وهاخدها يعني هاخدها
ابتسمت بخجل وحاولت التملص من بين ذراعيه هامسة بضحكة :
_ آدم عيب مينفعش كدا ممكن سليم يجي في أي لحظة
هتف بالامبالاة وهو يبتسم :
_ سليم إيه أنا جايبله عربية وتلاقيه مشغول باللعب بيها دلوقتي يعني مش فاضيلنا
ضحكت وهتفت بغنج وسط خجلها :
_ آدم بس بقى
لم يستمع لها وحصل على مبتغاه بالنهاية وسط لحظات غرامية يسرقونها من الزمن وبالأخص من صغيرهم !! .
***

 

 

في تمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل ……
دخل عدنان من باب المنزل واغلقه بكل هدوء ثم قاد خطواته بكل تريث نحو درج المنزل يقصد الطابق الثاني حيث غرفة أطفاله وغرفته .. تحرك نحو غرفته أولًا لكي ينزع عنه سترته ويبدل ملابسه وعند وصوله امسك بمقبض الباب وادراه بلطف لينفتح الباب ويدخل ، تسمر بأرضه في تعجب حين وقع نظره على الفراش حيث كانت جلنار تنام بالمنتصف وعلى يسارها تنام هنا بين أحضانها ومن اليمين صغيره يزيد .
بقى واقفًا يتأملهم ببسمة دافئة .. بالوضع الطبيعي أطفالهم لا ينامون سوى بغرفتهم لكن من الواضح أن الوضع اختلف اليوم وكان هدف جلنار واضح وهو أن تعبر عن غضبها منه بطريقتها الخاصة .. تحتج وتعترض وتجعل طفليهم ينامون بجوارها حتى لا ينام هو ، كأنها تطرده لكن بطريقة غير مباشرة !! .
هز رأسه مغلوبًا وهو يتنهد بحرارة ، ثم تقدم من الفراش نحوهم ودنى أولًا نحو ابنه يلثم شعره بدفء لينتقل بعده لفراشة قلبه المحببة ويلثم وجنة ابنته بحنو ، وأخيرًا انتقلت شفتيه لجبهة جلنار يقبلها بحب ويهمس بعدم حيلة :
_ ربنا يهديكي يارمانتي !
انتصب في وقفته وابتعد عن الفراش يتجه نحو الخزانة ليخرج ملابسه ثم سار باتجاه الحمام ليأخذ حمامًا دافئ .
دقائق معدودة وخرج ثم غادر الغرفة بأكملها واتجه نحو غرفة أطفاله .. فتح الباب ودخل ليتنقل بنظره بين ارجاء الغرفة في ضيق ، ثم رفع يده لكبس الكهرباء واطفأ الضوء وكذلك الباب وتوجه نحو اقرب فراش من افرشة أولاده والقى بجسده فوقه لتمر دقائق معدودة ويغلق عيناه مستسلمًا للنوم .
بصباح اليوم التالي …..
تململ بفراشه في انزعاج من لمسات لا يعرف مصدرها وفتح عيناه ببطء ليسقط نظره على طفليه وهم يجلسون بجواره ينتظرون استيقاظه ، ارتفعت البسمة العريضة لثغره وقبل أن يتحدث سبقته هنا وهي تقول برقتها المعهودة :
_ صباح الخير يابابي
اعتدل في نومته ودنى على ابنته يلثم وجنتها هامسًا بعاطفة :
_ احلى صباح الخير اسمعها في حياتي .. صباح الفل ياهنايا
انتقل بنظره إلي ابنه الذي يتابعهم بصمت وهو يبتسم ليقول له مازحًا :
_ مفيش صباح الخير ولا إيه يايزيد باشا ؟
رد عليه بطفولية تليق بنبرة صوته الناعمة :
_ ثباح ( صباح ) خير يابابا
اقترب منه ولثم شعره يجيبه بكل دفء :
_ صباح النور ياحبيبي
ابتعد عنه وغمز له بعيناه وعلق نظره على اللاشئ امامه ليهتف في مكر :
_ ايه اللي هناك ده ؟
التفت الصغير فورًا بتلقائية وفضول ليجد ابيه يجذبه ويلقيه فوق الفراش ثم فعل كمل يفعل دومًا يدغدغه بقوة .. ارتفعت صرخات الصغير الممتزجة بضحكته السعيدة ولم تمر سوى دقيقه و هنا وجدت نفسها تصبح بين براثن أبيها أيضًا مثل أخيها لتتعالي صوت ضحكاتهم ومزاحهم وصوت هنا وهي تتوسله أن يتوقف ! .
ارتفع صوت جلنار من الأسفل وهي تصيح منادية على أطفالها ، فتوقف عدنان وتركهم هامسًا بلطف :
_ ماما بتنده عليكم روحوا شوفوها عايزة إيه يلا

 

 

هبط الصغير اولًا من الفراش وهرول مسرعًا نحو أمه وتبعته هنا.
مد عدنان يده لهاتفه والتقطته ثم اجرى اتصال بأحدهم وهب واقفًا من الفراش ثم سار نحو النافذة يقف أمامها وهو يتحدث ويولى ظهره لباب الغرفة .. لم تمر دقائق طويلة وهو يتحدث بالهاتف وإذا به شعر بأنفاس دافئة خلفه مباشرة فالتفت برأسه ليجدها تقف عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وتتطلعه باسمة برقة ، طالت نظرته الجامدة لها وسرعان ما عاد برأسه للأمام مجددًا يكمل حديثه على الهاتف في جدية وبقت هي تنتظره بكل هدوء دون أن تتفوه بكلمة واحدة فقط صوت أنفاسها وحرارتها أكبر دليل على أنها مازالت تنتظره .
ثلاث دقائق بضبط مرت وهي تنتظره حتى وجدته أخيرًا ينزل الهاتف من فوق أذينه وينهى اتصاله ، سمعت زفيرًا حارًا منه تبعه صوته وهو يسألها بجفاء بسيط :
_ خير ياجلنار ؟!
تلك النبرة الغريبة التي حدثها بها وكذلك تجاهله لها وعدم الالتفات إليها جعل وجهها المبتسم يعبس وتزم شفتيها بندم ، فتحركت هي والتفت حوله لتصبح أمامه مباشرة ، رأته يتمعنها بنظرات قاسية كلها غضب فأجفلت عينها واطرقت رأسها أرضًا ثم خرجت من شفتيها همسة حزينة :
_ أنا آسفة !


غير معرف
غير معرف
تعليقات