![]() |
رواية انتقام الوريثة الفصل الخامس والعشرون بقلم اسماء حميدة
ما إن أنهت بيلا مكالمتها مع شقيقها الأكبر حتى اندفع ستيفن إلى المكتب كعاصفة تقتحم صمت الغرفة وعلى وجهه ملامح نفاد صبر مكتوم خلف قناع الاحترام المهني يقول بصوت يغلي
آنسة بيلا جاستن سلفادور عاد مجددا! إنه يتصرف بوقاحة لا تطاق! ليته بدأ مسيرته المهنية في المبيعات أو في التأمين! لقد كان سيقنع حتى الحجر أن يوقع عقدا معه!
رفرفت ابتسامة باهتة على شفتي بيلا لكنها لم ترفع عينيها عن الأوراق التي أمامها يدها تتحرك بثبات بارد وهي توقع الوثائق كأنها توقع على مصائر وقالت بهدوء تلقي جملة في هواء ثقيل
إن إصراره على مساعدة خطيبته الحبيبة أمر يثير الإعجاب حقا...
غير أن صوتها رغم اتزانه كان يحمل ظل شيء آخر شيء أقرب إلى الغيرة أو إلى وجع قديم لم يدفن كما ظنت فتسلل هذا الظل إلى أذن ستيفن كهمس بين السطور لم يكن متأكدا إن كان قد سمعه... أم تخيله.
قال بسرعة يحاول بها أن يقطع خيط الصمت الذي تلا كلماتها
سيدتي اسمحي لي أن أذهب بنفسي إلى الطابق السفلي سأقود سيارتك
بعيدا عنه قبل أن يثير أي فوضى فإن علم أن سيارتك في المرأب وأنت ترفضين مقابلته سيستميت للقاء ولا نعرف إلام سيقوده إصراره.
رفعت بيلا رأسها أخيرا وأغلقت غطاء القلم بحركة بطيئة محملة بالسلطة ثم قالت بنبرة ناعمة تخفي وراءها الكثير من التحدي
لا دعه يصعد.
توسعت عينا ستيفن بدهشة لا تصدق ما سمعه
ماذا!
ابتسمت بيلا ابتسامة خفيفة كانت أشبه بابتسامة ملكة تعرف تماما متى يفتح الباب للخصم ومتى يغلق
إنه مصر للغاية... وقد شرفنا بثلاث زيارات في أيام قليلة ألا يستحق القليل من الاحترام
ثم مالت إلى الأمام واستندت على ذراع المقعد الجلدي ومدت قدميها الصغيرتين في حركة مفعمة بالأنوثة الهادئة فهرع ستيفن نحوها بخطوات محسوبة وانخفض على ركبة واحدة كوصيف أمام ملكته يساعدها على ارتداء حذائها الأسود ذي الكعب العالي.
كانت قدماها الباردتان تلتفان داخل الجلد الناعم ببطء بينما ارتسم على وجه بيلا ذلك الهدوء الغامض الذي لا يدرى أهو سكينة امرأة منتصرة أم استعداد لمعركة جديدة قادمة من
الماضي.
قالت بيلا وقد لمعت عيناها ببريق فكرة خاطفة كوميض نصل في الظلام
اذهب إلى المطعم في الطابق السفلي وابحث لي عن فتاة حسناء الوجه عذبة الصوت... أريدها أن تملك حضورا يلفت الانتباه من اللحظة الأولى لدي أمر صغير لكنه يتطلب وجها بريئا وصوتا واضحا.
كان صوتها يحمل نغمة أمر مغلف بالنعومة كسم في عسل.
وبعد عشر دقائق بالضبط عاد ستيفن يقود خلفه فتاة شابة ترتجف كعصفور خرج للتو من عاصفة
كانت نادلة الفندق ترتدي زيها الرسمي البسيط وعيناها الواسعتان تفضحان مزيجا من الخوف والانبهار تقول بصوت مرتجف وهي تنحني انحناءة عميقة
مرحبا سيدة تومسون!
لم ترفع بيلا رأسها فورا بل ظلت تتابع توقيعا أخيرا على ورقة أمامها ثم قالت بنبرة هادئة ولكنها مشحونة بالهيمنة
لا تقلقي لن يكون الأمر صعبا لدي مهمة صغيرة لك وسأكافئك بسخاء إن أتممتها كما أريد.
هزت النادلة رأسها بعنف كطفلة تائهة وجدت من يمنحها اهتماما
لا أحتاج إلى مكافأة سيدتي! مجرد أن أكون مفيدة لك... هذا فخر لي أنا أنا معجبة
بك للغاية أنت مثلي الأعلى!
لمعت نظرة سريعة في عيني بيلا مزيج من المتعة والغرور والدهشة المكبوتة ثم قالت بابتسامة خفيفة تخفي وراءها خططا كثيرة
جميل... لديك قوام يشبهني إلى حد بعيد.
التفتت نحو ستيفن وقالت ببرود أنيق
ستيف أحضر لها طقما من ملابسي... وحذاء يناسبها.
تجمد ستيفن للحظة وكأن عقله يحاول أن يدرك وجهة اللعبة ثم قال في ارتباك خافت
هاه! ح... حسنا سيدتي.
وغادر في عجل يطارد خيالات الأسئلة التي لم يجرؤ على نطقها بينما بقيت الفتاة واقفة أمام بيلا وقد تورد وجهها بخليط من الخوف والحماس وقالت بصوت متردد
سيدة تومسون... ماذا تريدين مني أن أفعل
مالت بيلا إلى الأمام ووضعت مرفقيها على الطاولة لتنسدل خصلات شعرها الداكنة على كتفيها في انسياب أنيق يشبه حركة دخان يلتف حول سر قديم ثم قالت بابتسامة مائلة على حافة الخبث
سيأتي بعد قليل جاستن سلفادور... الرئيس التنفيذي لشركة سلفادور هو يصر على لقائي بينما أنا لست في مزاج يسمح لي برؤيته لذا... ستقابلينه أنت بدلا عني.
تراجعت الفتاة خطوة إلى الوراء وقد
اهتزت الأرض تحتها تقول بصوت مرتعش
أنا! أقابل... السيد سلفادور!
ضحكت بيلا بخفة ثم قالت وهي تعبث بخاتم ذهبي في إصبعها
لا تخافي سأكون هنا أراقب كل شيء من هذا المكتب سترتدين سماعة بلوتوث وسأهمس لك بكل كلمة عليك قولها فقط كرري ما تسمعينه واجعلي ملامحك هادئة واثقة... تذكري أن تكوني بيلا تومسون للحظات قصيرة.. سيتطلب منك أن تتنفسي الكبرياء كما أتنفسه أنا.
كانت الكلمات الأخيرة تسري في هواء الغرفة كسحر أسود لطيف بينما الفتاة تنظر إلى بيلا كأنها أمام كاهنة تعدها لطقس مقدس لا عودة منه.
أما في الأسفل وبعد ثلاث محاولات فاشلة وبعد أن أرهق صبره انتظارا على أعتاب الصمت حصل جاستن سلفادور أخيرا على فرصته الذهبية... فرصة للوقوف وجها لوجه أمام بيلا تومسون.
ورغم أن ملامحه الصارمة ظلت كما هيمشدودة كمنحوتة من الجليدإلا أن قلبه كان يضطرب في داخله كوتر مرتجف
تحت قوس كمان لم يضبط بعد.
قادتهما السكرتيرة الإدارية بخطوات محسوبة ورائحة عطرها الباهت تختلط برائحة الفولاذ البارد للمصعد القريب وفي الطريق كانت نظرات الموظفات تلاحق جاستن بخجل متكتم فذلك النوع من الرجال الذين يملكون حضورا يجبر العيون على الاعتراف حتى وإن لم يتكلموا كان أنيقا كأنه خرج لتوه من لوحة متقنة والهدوء في عينيه لا يفسر إلا بأنه ثقة أو طوفان مؤجل.
عندما وصلوا إلى المصاعد مد إيان يده ليضغط على الزر لكن السكرتيرة أوقفته بنبرة حازمة جافة
هذا المصعد خاص بالسيدة تومسون يرجى استخدام المصاعد العامة.
زم إيان شفتيه وقال بامتعاض مكبوت
لم لا يمكننا استخدامه! وما المشكلة في ذلك
بينما على النقيض لم ينبس جاستن بكلمة فقط اكتفى بابتسامة عابرة على حافة السخرية لم يكن في الأمر ما يثير غضبه فهو نفسه يملك مصعدا خاصا في شركته لا يستخدمه غيره لكنه
أدرك أنها بداية لعبة مقصودة اختبار لإرادته مغلف باللباقة.
ارتفع المصعد العام ببطء يعانق الجدران الزجاجية التي تعكس وجوههم كأشباح عالقة في هواء مضغوط حتى توقف فجأة عند الطابق الثلاثين.
قالت السكرتيرة بنبرة جامدة كآلة مبرمجة
الرجاء النزول هنا.
رفع إيان حاجبيه في دهشة ظاهرة
لكننا لم نصل بعد! أليس مكتب السيدة تومسون في الطابق الأربعين
بلى أجابت السكرتيرة بهدوء مبالغ فيه وأضافت مفسرة
لكن هذا المصعد لا يصعد أبعد من هنا.
أدار جاستن رأسه نحوها وفي عينيه لمعة استغراب مائل للتهكم يسألها
وما معنى ذلك بالضبط
تابعت وهي تضع يديها خلف ظهرها تحاول أن تبدي بعض الاحترام تقول خافضة رأسها
باستثناء المصعد الخاص بالسيدة تومسون فإن المصاعد الخمسة الأخرى تتوقف عند هذا الطابق فقط ولا أحد يسمح له باستخدام المصعد الخاص إلا بإذنها لذا إن أردتما الصعود إلى الطابق
الأربعين فهناك طريق واحد... الدرج.
شهق إيان غيظا وقال بحدة لا تخلو من الاستهانة
أتعامل ضيوفها بهذه الطريقة! هذا إسراف في التعالي!
ردت السكرتيرة ببرود يخلو من أدنى انفعال
أنا مجرد ناقلة للأوامر وإن لم تكن راغبا في صعود الدرج فيمكنني إعادتكما للأسفل.
نظر جاستن إليها مطولا ثم قال بنبرة وادعة تحمل بين طياتها برقا مكبوتا
انسي الأمر سنصعد الدرج.
قالها وهو يضغط شفتيه بإحكام يكبح زئيرا داخليا وخرج من المصعد بخطوات ثابتة لا تعرف التراجع وعيناه تشبهان جمرتين تحت رماد من الكبرياء بينما عقله يعصف بالتساؤلات
هل تظن بيلا تومسون أنها ستنال مني ببضع حواجز رمزية هل أرادت أن تجعل الصعود إلى مكتبها امتحانا لإرادتي
مسكينة!! لو كانت تعلم ما في قلبه من عناد بارد كالصخر لأدركت أن جاستن سلفادور لا يستسلم أبدا بل إنه حين يغلق عليه الطريق يبني لنفسه طريقا آخرا
حتى وإن كان مبللا بالدم والعزيمة.
