رواية انتقام الوريثة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم اسماء حميدة


رواية انتقام الوريثة الفصل السادس والعشرون  بقلم اسماء حميدة


ترددت صرخة إيان في بطن السلم الحجري كأنها استغاثة رجل يصارع غرقه في بحر لا يرى له نهاية

سيدي سلفادور... لا أستطيع فعل هذا بعد الآن!

كانت أنفاسه المتقطعة تصعد مع صدى صوته تلهث في الفراغ مثل طريد أنهكه الهروب كل درجة أمامه بدت كجبل يعلو وكل خطوة كأنها تنتزع من رئتيه انتزاعا فالفندق شاهق سقفه عال إلى حد يجعل سلم الطابق الواحد يبدو كسلسلة جبال 000000000 وعند الطابق الثامن كان العرق قد غمر وجه إيان وساقاه ترتجفان كوتر مشدود أوشك على الانقطاع يلتقط أنفاسه بصعوبة كأن الهواء صار نادرا في هذا الارتفاع يتشبث بدرابزين السلم كمن يتمسك بالحياة ذاتها لكن جاستن لم يتوقف 

لم يلتفت حتى بل كان يصعد بخطوات متزنة وجهه جامد كصفيحة من الحديد وصوته حين خرج كان هادئا حازما يخترق الصمت بثقة الجبال

لا يليق بالرجل أن ينهزم أمام درجات من الإسمنت... تبقى طابقان فقط أسرع إيان.

كان ذلك الأمر البسيط في ظاهره يحمل في طياته وزن حياة


كاملة من الانضباط فجاستن سلفادور الثلاثيني ذو الملامح الصلبة والعينين اللتين اعتادتا النظر إلى الخطر دون رمشة خوف لم يكن رجلا يكسر بسهولة فحين كان في العشرين خدم كجندي في قوات حفظ السلام وتمرس على الصبر كمن يروض وحشا في داخله.

الحرارة الألم الجوع كلها كانت أصدقاءه القديمة وبعد تقاعده لم ينس دروس الحرب فاستبدل ساحات القتال بصالات الرياضة وبقي جسده آلة من العزم لا تعرف الوهن.

كان يستطيع لو أراد أن يتسلق عشرين طابقا إضافيا دون أن يختل إيقاع أنفاسه فقد قضى لياليه في الجيش يعدو ثلاثين لفة كاملة تحت المطر فيما الوحل يغمر قدميه والريح تصفع وجهه لكنه لم يتوقف يوما.

وأخيرا حين لامس حذاؤهما الدرجة الأخيرة من الطابق الأربعين كان الفرق بينهما واضحا كالفصل بين الحديد والطين إذ انهار إيان على الأرض أنفاسه تتلاحق بعنف كأن صدره على وشك الانفجار وقطرات العرق تنهمر منه كحبات زجاج تسقطها السماء وفجأة كسر الصمت صوت يقول

السيد سلفادور

يشرفني لقاؤك.

استدار جاستن فوقع بصره على رجل يتقدم نحوه بخطوات محسوبة وعلى شفتيه ابتسامة رسمية خالية من الدفء كان الرجل أنيقا بصورة تثير الريبة أكثر من الإعجاب وسيم الملامح إلى حد يكاد يفقده الرجولة في نظر من يمعن النظر إليه وجهه صغير كوجه طفل متعب ملامحه مصقولة كأن الزمن لم يترك فيها أثرا يخبر عن عمره الحقيقي.

قال وهو يمد يده في لباقة مصطنعة

أنا ستيفن السكرتير الخاص بالسيدة تومسون السيدة تومسون تنتظرك منذ وقت طويل تفضل معي من فضلك.

ارتجف جفن جاستن للحظة ولمع في عينيه ضيق واضح يكرر بغيظ دون صوت

تنتظرني منذ وقت طويل أكانت تلمح لتأخري أم تسخر من عنائي في صعود الأربعين طابقا

كظم جاستن غضبه في صدره وقال ببرود لاذع يحمل نصل السخرية

قدماي بالتأكيد ليستا بسرعة المصعد... آمل ألا تجد السيدة تومسون مشكلة في ذلك.

لكن ستيفن لم يكلف نفسه عناء الرد بل استدار في هدوء مقيت وسار أمامه بخطوات صامتة ثابتة كأن الأرض تعرف موطئ قدميه

مسبقا.

همس إيان الذي لحق بسيده ما زال صدره يعلو ويهبط من التعب غاضبا

ما هذا الغرور! أي استقبال هذا!

رفع جاستن يده ليوقفه دون أن ينظر إليه وصوته جاء حادا كصفعة خفيفة

انتظرني هنا.

ثم مضى خلف ستيفن نحو الباب الكبير الذي يفضي إلى مكتب المدير العام وعند العتبة توقف لحظة يستنشق الهواء بعمق كمن يستعد للغوص في بحر لا يدري أين ينتهي.

الغريب أنه لم يعرف طعم التوتر من قبل 

لقد وقف في ميادين النار فاوض رجالا ذوي سطوة وتحدى عواصف الشركات الكبرى...

لكن وجهها الذي لم يره بعد كان كافي ليربك اتزانه متشوقا لرؤية تلك المرأة التي حيرت حتى خصومها بيلا تومسون.

طرق ستيفن الباب بخفة مدروسة وساد صمت قصير قبل أن يخترق بصوت أنثوي جاء من الداخل

ادخل.

فتح ستيفن الباب برفق كمن يفتح بوابة إلى مشهد حاسم في مسرحية مكتوبة بعناية وأشار بيده إلى الداخل قائلا بصوت رسمي خافت

تفضل سيد سلفادور.

شعر جاستن بجفاف في حلقه كأن الهواء عالق بين أنفاسه ومن

ثم شد ياقة قميصه ورفع رأسه في

 

وقار مدروس يتقدم إلى الداخل بخطوات هادئة تفيض بثقة جامدة تخفي خلفها ارتباكا خافتا.

في الغرفة المجاورة جلست بيلا تومسون أمام شاشة الكمبيوتر وقطعة شوكولاتة داكنة تذوب ببطء بين شفتيها بينما عيناها تحدقان في الشاشة بتركيز كصقر يراقب فريسته من بعيد.

على الشاشة ظهرت الشابة التي تؤدي دورها الجديد تجلس خلف المكتب ملامحها وديعة كصفحة ماء ساكنة ترتدي بذلة رسمية أنيقة وشعرها ينسدل كستار حريري على كتفيها تشع منها هالة من الرصانة المصطنعة.

تأملها جاستن بنظرة فاحصة مشوبة بالدهشة وعقله غير مصدق

أهذه هي بيلا تومسون التي جعلت الوصول إليها معركة تشبه مطاردة السراب!

فهو لم يجد في تلك الفتاة المتحفظة ما يبرر الهالة التي أحاطت باسمها إذ كانت تفتقر إلى تلك الجاذبية المتغطرسة التي رسمها في خياله لا بريق في العينين ولا كبرياء في الانحناءة ولا تلك السطوة التي اعتادها من وريثات النفوذ.

ابتسمت الفتاة ابتسامة متوترة وقالت بصوت ناعم تخلله الارتباك تكرر ما

استمعت إليه

سيد سلفادور لا بد أنك مرهق تفضل بالجلوس.

خلف الجدار أصدرت بيلا الأمر بصوت منخفض من خلال سماعة البلوتوث المثبتة في أذنها تتحكم في الحوار كما لو كانت تدير مسرحا سريا صوتها أهدأ من النسيم وأبرد من صمت الرخام لكن النغمة التي سرت في أذن دميتها الناطقة باسمها جعلت كل كلمة تخرج بارتباك خفيف كأنها صدى متردد من واد بعيد.

جلس جاستن على الأريكة ببطء يلقى نظرة متفحصة حول المكان بعين رجل يزن التفاصيل كما يزن المواقف.

كانت الغرفة فخمة التصميم لكن ثمة ما يعبق فيها بشيء خفي فقد راوده إحساس بأن أحدهم يراقب المشهد من وراء ستار غير مرئي ومع ذلك ظل صامتا يرسم على ثغره ابتسامة دقيقة لا يمكن قراءتها وكأنه هو الآخر قرر أن يشاركها لعبتها حتى النهاية.

كان المكتب أشبه بقطعة من معرض فني حي حيث يتناغم الصمت مع الأناقة في سيمفونية من الرقي والذوق الرفيع جدران بلون العاج تنيرها إضاءة خافتة دافئة وفي الزاوية يقف بيانو أسود لامع كأنه حارس أسرار نبيل

يلوح بظله على الأرض المصقولة ببرود البورسلين أما طاولة القهوة فكانت من رخام طبيعي تلتف حولها أرائك جلدية فاخرة عتيقة الملمس تضفي على المكان عبقا من سلطة الماضي وهيبة الحاضر.

لكن عيني جاستن لم تتوقفا عند تفاصيل الأثاث بل انجذبتا كالمغناطيس إلى ما خلف المكتب حيث علقت لوحة أنيقة داخل إطار ذهبي تحمل اقتباسا مكتوبا بخط عربي مذهل

أخف قوتك وانتظر وقتك.

وقف لثوان يتأملها ثم مرر أنظاره عليها ببطء كمن يقرأ المعنى خلف الحروف وقال بنبرة خافتة عميقة تسكنها الدهشة

خط جميل.

في تلك اللحظة توقفت بيلا عن مضغ قطعة الشوكولاتة التي كانت تذوب في فمها كأن الوقت نفسه توقف معها إذ ارتجف قلبها دون أن تدري السبب كانت تلك الكلمات البسيطة بمثابة ارتطام ناعم بماض دفنته منذ زمن.. ماض لم يمدحها فيه هذا الرجل ولو مرة واحدة طوال ثلاث سنوات من زواجهما عاشت وهي تحاول التسلل إلى عالمه المغلق رتبت فوضاه وحفظت مواعيده وأطفأت حرائق غضبه الصغيرة لكنها لم ترزق منه بكلمة

امتنان واحدة واليوم فقط بعد أن صارت المسافة بينهما أبعد من البحر أثنى عليها أخيرا ولو لشيء صغير لكنها اقنعت حالها بأنها لم تعد تبالي لم تعد تلك الكلمة تحمل الدفء الذي كانت تتوق إليه ذات يوم.

قالت بيلا عبر دميتها بابتسامة هادئة زائفة تخفي عاصفة تحت السطح

هل أعجبك سيد سلفادور

أجاب بصوت منخفض خال من المبالغة كما لو كان يصف مشهدا عابرا فهو منذ أن عرفته قليل الكلام لكنها تجهل أن ندرة حديثه لم تكن سوى كونه لا يجيد التعبير

نعم.

تبدلت نبرة بيلا إلى لهجة ناعمة محسوبة

إن راق لك يمكنك أن تأخذه معك عند مغادرتك اعتبره هدية للقاءنا الأول.

رفع جاستن نظره إلى الفتاة التي تنطق بلا روح ثم قال ببرود يحمل بين طياته لياقة جافة

لا داعي لذلك الخط أنيق وفني للغاية ولا يليق أن آخذ منك قطعة فنية كهذه سيكون من قلة الذوق أن أفعل.

وفي الغرفة المجاورة انكمشت ابتسامة بيلا قليلا لم يكن رفضه هو ما آلمها بل الطريقة الهادئة التي نطق بها نفس

لهدوء الذي كان يخفي دائما

وراءه نصلا باردا من الجفاء.

 الفصل السابع والعشرون من هنا

غير معرف
غير معرف
تعليقات