رواية انتقام الوريثة الفصل السابع والعشرون 27 بقلم اسماء حميدة



 رواية انتقام الوريثة الفصل السابع والعشرون  بقلم اسماء حميدة

هاهاها...

انفجرت بيلا ضاحكة ضحكة صافية بينما دميتها ضحكتها بدت مصطنعة ولدت لتسمع لا لتعاش كانت بيلا تضحك كي تضحك دميتها معها كأنها تحرك خيوط عرض خفي على مسرح من الزجاج فانعقد حاجبا جاستن وتغير وجهه كما لو أن الصمت داخله يوشك أن ينفجر وصبره يذوب ببطء تحت حرارة سخريتها.

قالت بيلا بنغمة ملساء تخفي تحتها نصلا باردا

شكرا على الإطراء يا سيد سلفادور ولكن لا داعي للتحفظ أستطيع أن أكتب لك عشرات النسخ من هذا الخط في الواقع أطبع مئات القطع الخطية كهذه يوميا... لذا إن أخذت واحدة فلن يكون في الأمر مأساة!

انكمش وجه جاستن كأن شيئا من كبريائه ضرب بسوط من الاستهزاء فشد قبضتيه حتى تجمعت عروق يديه البارزة فوق جلده المتوتر ثم أطلق زفيرا باردا يشبه صرير الأبواب القديمة.

قالت بيلا أخيرا وهي تميل في مقعدها تضع ساقا فوق الأخرى بثقة لامبالية

سيد سلفادور... أعلم أنك لم تقطع كل هذه المسافة لتثني على خطي.. فلنترك المجاملات جانبا ولننتقل إلى لب الموضوع.

نظر إليها جاستن بعينين تومضان بثقل من الكبرياء والغضب المكبوت وقال بصوت عميق كأنه صادر من جوف صخر

بصراحة جئت بشأن ما حدث مع


شركة جولد آمل أن نتمكن من التوصل إلى اتفاق ينهي هذا الضغط عليهم بإمكاننا التفاوض على الشروط يا آنسة تومسون.

مال بجسده قليلا للأمام وصوته يزداد ثقلا ووضوحا وهو يتابع

في النهاية... أظن أن مصلحتكم ستزداد حين تعمل شركتكم معنا بدلا من الوقوف في وجهنا.

حدقت بيلا في وجهه عبر الشاشة ببرود محسوب ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة من تلك التي تشعل النزاع ولا تطفئه ولقنت بديلتها التي نطقت

سيد سلفادور... هل تظن فعلا أنني أقمعهم

ضحكت ضحكة أقرب إلى صفير ساخر يجر وراءه الغيظ ثم قالت وهي ترفع قطعة شوكولاتة بين أصابعها

لقد تقدمت بشكوى بسيطة فقط... لا أكثر. أردت أن أفضح المستغلين حتى لا يقع العاملون في هذا المجال في الفخ نفسه الذي وقع فيه فندقي اشترينا منتجات رديئة لا تليق حتى بالمهملات ولم أستطع الحصول على أدنى قدر من العدالة فهل يلام من يدافع عن نفسه

كانت كلماتها تتطاير في الغرفة كطلقات ملساء مغلفة بالابتسامة لكنها تصيب في العمق أما جاستن فظل صامتا للحظة طويلة يشعر أن بينهما ساحة حرب تدار فيها المعركة دون سلاح.

أمال جاستن رأسه قليلا وصوته يتخذ نبرة هادئة تحمل بين طياتها صلابة

الحجر

لا أحد يستطيع أن يضمن الكمال يا آنسة تومسون فحتى أضخم شركات السيارات في العالم تستدعي آلاف الخبراء لعيوب في التصنيع. الخطأ جزء من صناعة الإنسان وليس عيبا أن نخطئ بل أن نعاقب الخطأ كأنه جريمة متعمدة.

كان يتحدث بلهجة الواثق الذي يعرف كيف يغلف الدفاع بالحكمة وكيف يقنع بالمنطق قبل أن يهدد بالسلطة.

تابع وهو يثبت نظراته في عينيها من خلال كاميرا المراقبة إذ راوده شك يرنو إلى اليقين أن الجالسة أمامه ليست العقل المدبر

سيدة تومسون يمكنك ببساطة التواصل مع الشركة المصنعة لاستبدال المنتجات المعيبة أو استرجاعها ولا داعي لتحويل الأمر إلى عرض درامي يتغذى عليه الرأي العام فتشويه سمعة شركة جولد لن يعيد لك حقا بل سيطفئ مصداقية مجموعة KS أمام العالم وإن استعملت سلطتك لإفلاسهم فثقي أن الخوف سيتسلل إلى قلوب الشركاء ولن يجرؤ أحد على التعاون معكم مجددا.

ضاقت عينا بيلا الساحرتان حتى صارتا شعلتين خافتتين من الغضب وسحقت قطعة الشوكولاتة بين أصابعها في المكتب المجاور حتى تفتتت كما لو كانت تدعس كبرياءه ذاته.

لقد فهمت الإشارة جيدا كان يلوح بالتهديد دون أن يصرح به وكأنه يقول

إن

لم تسامحي جولد فسأغلق عليك أبواب المدينة.

مر في عقلها هذا المعنى كالبرق وأحست بحرارة تتصاعد في صدرها تنهال عليه باللعنات دون صوت

يا له من أحمق متغطرس... يظن أنه يستطيع إخافتي!

وعبر سماعة البلوتوث لقنت دميتها الكلمات التي أرادت أن تصله

أنا متأثرة حقا بطريقة دفاعك عن خطيبتك يا سيد سلفادور... لكنني لا أحبذ مطلقا خلط العمل بالمشاعر أعلم أنك جئت اليوم متواضعا لأجلها لكن مهما كانت قصتكما رومانسية لا يمكنني أن أسمح لشركة جولد كوربوريشن بأن تفرض سيطرتها علي لذا أنصحك أن تبتعد عن هذا الملف بغض النظر عن تهديداتك... أو عن حبك البائس.

تجمد وجه جاستن وارتسمت على قسماته قسوة جامدة كأن كرامته ضربت بمطرقة من حديد وغضب صامت اشتعل في أعماقه يلتهمه ببطء ومع ذلك لم يجد في جعبته ما يرد به فهو لم يكن من النوع الذي يجادل النساء في معارك العناد ولا من أولئك الذين يركعون أمام قسوة الكلمة فوجوده هناك لم يكن بدافع المصلحة بل بدافع امرأة... روزاليند... هي السبب الوحيد الذي جعله يتلطف ويغمد سلاحه مؤقتا.

على الجانب الآخر من الشاشة كانت بيلا تراقب كل تغير في ملامحه وهي تكافح للتماسك وعندما

رأت الغضب في عينيه والتحدي

 

في انحناءة شفتيه ابتسمت بارتياح صغير كمن كسب جولة أولى.

قال جاستن أخيرا بصوت ثابت يخلو من الانكسار

حسنا يبدو أنه لم يبق بيننا ما نتحدث عنه آنسة تومسون والآن بعد أن عرفت موقفك أتمنى أن تعذريني إذا كنا في المرة القادمة حين نلتقي كمنافسين في ساحة الأعمال لن نجد متسعا للمجاملة.

وقف جاستن شامخا كأن في عموده الفقري قانونا يمنع الانحناء لم يبد منه تعب ولا انكسار رغم أن الخسارة كانت تهمس في أذنه وهم ليخرج بخطوات ثابتة يجر خلفه صمته كمعطف ثقيل من الكبرياء بينما انعكست صورته على زجاج الباب صورة رجل لم ينتصر لكنه لم يهزم بعد.

استدار جاستن ليغادر لكن قبل أن يبلغ الباب اخترق أذنيه صوت مرتجف من خلفه يحمل نغمة توبة مشوبة بالهلع

آنسة تومسون! أنا آسف... لقد غفلت عن الفوائد واتخذت القرار الخاطئ! أرجوك ارحميني! إذا انتشر هذا الخبر لن أجد عملا في المدينة مجددا! شركة علياء للأثاث تواصلت معي ووعدوني بالثراء وقال السيد جولد إن الفكرة مضمونة! ظننت أن المراتب كلها متشابهة... لم أفكر كثيرا ووقعت على الخدعة التي تمثلت في عقد بشروطهم!

تجمد

جاستن في مكانه واتسعت عيناه بدهشة غامضة كأن أحدهم ألقى على رأسه حجرا من الصدمة نبضه اختل وأذناه تدقان كجرس إنذار داخلي فالتفت ببطء نحو دمية بيلا التي كانت قد ضغطت زر التسجيل لتملأ الغرفة بصوت الخائن الذي فضح نفسه دون أن يدري.

بينما في الغرفة المجاورة رفعت بيلا الحقيقية ساقيها المتناسقتين بأناقة متعمدة تتكأ للخلف في مقعدها الجلدي الفخم وعيناها تتأملان وجهه المتلون من البياض إلى الاحمرار كمن يتابع لوحة تتبدل ألوانها كل لحظة عبر الشاشة.

كان المشهد بالنسبة لها متعة بصرية خالصة عرضا خاصا أعدته لنفسها وحدها فابتسمت في خفوت وهي تلقي كلماتها كطعنة مغلفة بالحرير فنطقت الفتاة

مجموعة KS ترحب بالشركات الصغيرة والمتوسطة المتميزة وتسعى لتطويرها دائما... ولكن إذا تجرأ أحدهم على الإضرار بمصالحها فسأقصيه.

ثم عضت على ابتسامتها المتعالية ومالت قليلا للأمام لتضيف بنبرة تحمل من البرود أكثر مما تحتمل الكلمات

سيد سلفادور... لقد استمعت جيدا لما قلته لذا لا داعي لمواصلة هذا الحوار أراك مجددا في ساحة المعركة.

كلماتها الأخيرة سقطت عليه كأمر

عسكري حاسم لا يحتمل جدالا فخرج جاستن من المكتب ببطء كمن فقد الإحساس بقدميه خطواته تتثاقل وكل عصب في جسده يرتجف كوتر مشدود بين الغضب والخذلان بل وتجمد الدم في عروقه فشعر بالصقيع يسكن داخله.

لم تكن بيلا قد انتصرت فحسب...

بل جعلته يدرك أن الحرب بينهما لم تبدأ بعد وأنها حين تبدأ لن يكون فيها مكان للرحمة.

ركض إيان نحوه يلهث بنبرة مشوبة بالقلق

سيد سلفادور! كيف سارت الأمور هل صعبت تلك المرأة عليك الأمور هل وافقت على طلبك سيدي!

توقف صوت إيان تدريجيا حين لمح وجه جاستن المتيبس كلوح من الجليد تغشاه ملامح غريبة بين الدهشة والخيبة.

تمتم جاستن بصوت أجش منخفض كمن يحاول أن يطفئ نيرانا في صدره

أنا بخير... لنتحدث لاحقا.

ثم مضى بخطوات بطيئة ثقيلة كأن الأرض تحاول ابتلاعه في كل خطوة كل خلية في جسده تضج بالحرارة فيما رأسه يئن كطبول في معركة وكلمات بيلا تدور في ذهنه بلا توقف كأنها أفعى تلتف حول عقله لتخنقه... ثقتها تلك الابتسامة التي لم يرها لكنه شعر ببرودها كحد السكين في البدء ظن قصة الإخلال بجودة منتجات الشركة التابعة لعائلة جولد مجرد

تمثيلية خدعة لإرباكه ثم حاول إقناع نفسه بأن عائلة جولد بريئة وأن بيلا تومسون لا تسعى إلا لإيذاء السلفادوريين بهجوم غير مباشر كما حكى أبيه عن ثأر العائلتين القديم لكن الحقيقة ضربته كصفعة غير متوقعة

لقد كان هو الأحمق في هذه اللعبة شريكا أعمى في جريمة لم يدركها إلا بعد فوات الأوان.

مد يده نحو عنقه يفك ربطته بعنف كمن يحاول أن يتحرر من قيد لا يرى لكن أنفاسه بقيت مضطربة تصطدم في صدره كأمواج عاصفة تبحث عن مهرب.

ثم فجأة... اخترق الصمت صوت كعب عال مألوف يتردد صداه في الممر الطويل كأنغام من ذكرى قديمة كانت الخطوات ثابتة حادة تنبض بثقة أنثوية يعرفها جيدا...

توقف جسده عن الحركة وقلبه انكمش كمن يتلقى طعنة خفية.

هل يمكن أن تكون... آنا براون

التفت بسرعة والارتباك يشتعل في ملامحه لكنه لم يجد أحدا كان الممر خاليا تماما يلفه ضوء باهت وسكون ثقيل كأنه صمم خصيصا ليضاعف جنونه.

ظل واقفا هناك لحظات يحدق في الفراغ يحاول أن يلتقط أنفاسه التي تبعثرت بين الذكريات. 

لم يعد متأكدا إن كان يسمع وقع خطوات حقيقية... أم صدى امرأة غادرت منذ

زمن وما زالت تلاحق كظله.

 الفصل الثامن والعشرون من هنا

غير معرف
غير معرف
تعليقات