رواية الراتل الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل الواحد والثلاثون 

كانت الأجواء مشحونة بالتوتر والارتباك، الخوفُ يسيطر على الجميع .
ارتجف صوتُ نحيبٍ خافتٍ خرج من نغم، وهي تستند على كتف شقيقها "داوود"، ولازالت تحت وطأة اللحظة، لحظة انقلاب السيارة أمام عينيها، وربما تحت وطأةِ صدمةٍ أعمق .. أنها تكلمت بعد سنواتٍ من الصمت الموجع .
بعد كل ما لاقته من تنمرٍ وأذى، خرج صوتها فجأة مدفوعًا بالفزع على شقيقها .
بينما في نهاية الرواق، ركضت مايان قدر استطاعتها باكية، مرتجفة، الخوفُ ينهش قلبها منذ سمعت بتعرضه لحادث سير، ويلحق بها شقيقها على عجلٍ يحاول تهدئتها بكافة الطرق .
توقفت أمام السيدة لقاء التي استقبلتها في منتصف الرواق، أمسكت بيدها المرتجفة تحاول بث الهدوء داخلها، لكن هذا لم يجدي نفعًا، فأخذت تبكي بهستيرية، وتهمس متلعثمة :
_ طمنيني يا طنط بالله عليكِ 

أحتضنتها السيدة لقاء بحنانٍ أمومي، حُرمت منه مايان مبكرًا، ربتت على ظهرها، وقالت بنبرةٍ هادئة كي تطمئنها :
_ متخافيش يا حبيبتي هو كويس، دراعه اتكسر بس 

_ بجد يا طنط، بجد كويس ؟

كانت نبرتها متلهفة تحمل بين طياتها الرجاء، فأحاطت كتفها لتتجه نحو المقعد، لتجلس وترتاح قليلًا، وأكدت عليها قائلة :
_ متقلقيش، هندخله دلوقتي 

جلست تستريح على المقعد المعدني البارد، تنتظر أن تره وتطمئن قلبها أنه بخير، فأقترب منها شقيقها يجلس جوارها، يمسد على خصلات شعرها المجعدة برفقٍ وهمساته اللطيفة تسبق شهقاتها الممزقة .

ابتعدت نغم عن كتف شقيقها قليلًا، ليحيط وجهها بين كفيه، وقد بدا عليه القلق حين سألها :
_ أنتِ كويسة ؟

أومأت برأسها، وبعد وهلة همست بصوتٍ محشرجٍ بالكاد يُسمع :
_ كويسة 

تُرجمت سعادته إلى ابتسامة واسعة على ثغره، يسمع صوتها بعد سنوات من الإشارات التي يفهم بعضها، ويعجز أمام الأخرى .
انحنى يقبل جبهتها فخورًا بصمودها أمام كل ما تعرضت له طوال تلك الفترة، مسح دموعها بطرف أنامله، وقال مازحًا :
_ دا أنا اوافق على جوازك بقى، اه الواد مدغدغ جوا بس نفرحه 

تجلت على محياها ابتسامة خجولة، والتفتت نحو الغرفة التي يرقد بها عزيز، في عينيها امتزج امتنان خافت بقلقٍ لا يزال يسكن أعماقها .

خرج حمزة جوار الطبيب الذي تركه يخبر عائلته بحالات المرضى وذهب، فأقترب منه داوود أولًا ومن خلفه الجميع، وقبل أن يسألوا عن شيء، قال حمزة :
_ إلياس خد كام غرزة في راسه، ودراعه اتكسر، بس هو كويس

تنهدت مايان مرتاحة، وتراجعت تجلس على المقعد من جديد، بينما سأل داوود مستفسرًا :
_ وعزيز ؟

ألقى نظرة خاطفة على نغم، ثم قال بأسفٍ يتجلى على وجهه، يخبرهم بما حدث لصديقه المقرب :
_ لا دا بقى الكوم الكبير، تقريبًا إزاز العربية كله دخل في كتفه، وفي شرخ في الفقرات العنقية، هيفضل حاطط دعامة الرقبة دي شهر او اكتر 

شهقت نغم شهقة حادة، ووضعت كفيها على فمها في فزعٍ عليه، فأحاط داوود كتفها يضمها نحوه بحنانٍ بالغ، ثم أزاحه عن طريقهم وقال :
_ طب أوعى ندخلهم 

اندفع الجميع إلى الغرفة التي يرقد بها إلياس، تتسابق خطواتهم المذعورة إلى الإطمئنان عليه .
كان يجلس على الفراش حول رأسه ضمادة بيضاء، ويستقر ذراعه الأيسر في جبيرة، أسرعت إليه مايان بعينين دامعتين، يفيض منهما الندم على سوء ظنها به، فطمأنها بابتسامةٍ هادئةٍ، كنسمةٍ باردةٍ أطفأت لهيب قلبها الملتاع .
بينما تقدمت نغم من شقيقها، تضع يدها على كتفه، وهمست بصوتٍ ثقيلٍ، تعاني لإخراج الكلمات من بين شفتيها :
_ حمد الله على سلامتك 

تجمدت عينا إلياس على وجه شقيقته، لم يستوعب أنها تحدثت الآن، ظل صامتًا تتجلى الدهشة على ملامحه حتى استطاع الهمس :
_ أنتِ اتكلمتي ولا أنا بتهيألي

أومأت برأسها، ودموعها تتسابق على وجنتيها، فأمسك بيدها يجذبها بلطفٍ نحوه، وأحتضنها برفقٍ وقد تجسدت السعادة في ألق عينيه، وأخذ يمسد على خصلات شعرها، فجاء صوت حمزة مازحًا :
_ خضتها عليك جت بفايدة

ابتعدت نغم عن أحضان شقيقها قليلًا، وقبلت وجنته تهنئه بسلامته مرارًا، حينها أقتربت السيدة لقاء منهما تمسد على كتفه، وقالت :
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبي 

_ الله يسلمك يا لوكا

أمسكت يد نغم وجذبتها معها خارج الغرفة، وأشارت إلى الجميع بالخروج، حتى تترك مساحة لإلياس مع خطيبته قليلًا بعد تلك الخلافات :
_ يلا يا ولاد نطمن على عزيز 

خرج الجميع واحدًا تلو الآخر، بينما أقترب داوود من شقيقه أمسك ذقنه يرفع رأسه إليه، ينظر إلى تلك الضمادة، وقال :
_ حمد الله على سلامتك يا وحش

ابتسم إلياس ممتنًا، فانسحب داوود تاركًا إياه مع خطيبته مشيرًا إلى عمر أن يخرج معه، فقال عمر مبتسمًا :
_ حمد الله على سلامتك يا إلياس، هروح ابص على عزيز وجاي 

ألقى نظرة أخيرة على شقيقته التي تخفف دموعها، وخرج بهدوءٍ من الغرفة، فمدت مايان يدها تمسك بكفه يده السليمة، وسألت بنبرةٍ مختنقة :
_ أنتَ كويس، صح ؟

رفع كفها يلثم باطنه بحُب، وحثها على الاطمئنان والهدوء حين قال :
_ بقيت كويس لما شوفتك يا بسبوسة 

خرجت من بين شفتيها شهقة خافتة، وهمست تصف خوفها وضعفها بتلك اللحظة :
_ أنا كنت مرعوبة لما عرفت، خوفت تكون ..

ابتلعت باقي جملتها تتوقف عن التفكير السلبي، فابتسم يشدد على كفها الصغير، وقال راضيًا بما قدر الله :
_ أنا كويس يا حبيبتي، عدت على خير الحمد لله

أشار نحو سترته الكلاسيكية المعلقة على المقعد التي تجلس عليه، واردف :
_ هاتي الجاكت دا 

أخذت السترة وقدمتها له، وساعدته حتى وجد ما يبحث عنه، وما كان إلا العُلبة المخملية التي تخص شبكتها، لوح بالعُلبة أمامها، وسأل متوجسًا من إجابتها :
_ هتلبسي دبلتك ؟

ابتسمت بخفةٍ تمد يمناها نحوه، وقالت مؤكدة :
_ طبعًا 

وضع الحلقة الذهبية في بنصرها، ثم الخاتم المميز الذي أختاره بعنايةٍ؛ لأنه لا يستحق سوا أن يزين كفها، نظر إليها نظرة تحذيرية قبل أن يقول بتهديدٍ صريحٍ :
_ إياكِ تقلعيها تاني، بموتك المرة الجاية 

تراجعت بظهرها إلى الوراء، فعادت الابتسامة على ثغره، وقال بهدوءٍ بعكس ما كان عليه منذ لحظات :
_ يا بسبوسة 

سحبت يدها منه، تضرب كف بالآخر في حيرةٍ من تغيراته المفاجئ، واتكأت بظهرها على المقعد، تقعد ذراعيها أمام صدرها تتابع نظراته لها .

************************************
كان عزيز مستلقيًا على الفراش، يحيط عنقه دعامةً صلبةً بعض الشيء نظرًا لمدى أصابته، وضمادة كبير حول كتفه الأيمن حتى تلتئم الجروح التي سببها زجاج السيارة الذي اخترق كتفه بقسوةٍ وعنف .
تأوه متألمًا، يظهر على محياه كم يعاني من الآلام، أغمض عيناه يحاول التحمل حتى تسري مفعول المُسكنات، وحين فتحها كان الجميع أمام عينيه ينظرون إليه، أقترب منه حمزة ينظر إلى حالته بشفقةٍ وسأل :
_ عامل اية دلوقتي يا عزيز 

نظر إليه عزيز باستياءٍ، ورد بخفوتٍ يُخفي تألمه :
_ أنتَ شايف اية يا حمزة ؟

حمحم حمزة بإحراجٍ وتراجع خطوة إلى الخلف، وانهالت الجميع على عزيز يهنئونه بسلامته، لكن لم يكن يعنيه أحد منهم .. سواها، كان منتظر إشارة واحدة منها، فتفاجأ بها حين تحدثت بصوتٍ خافت :
_ حمد الله على سلامتك 

بهت وجهه مذهولًا، وأخذ يحدق بها غير مُصدقً، وما لبثت أن انسحبت الصدمة شيئًا فشيئًا وحلت محلها ابتسامة سعيدة، زادته بشاشة رغم بعض الكدمات الحمراء التي تزين وجهه، وتضاعفت سعادته الذي كاد يصرح بها حين قال حمزة :
_ شد حيلك كدا، اهي نغم ربنا فك عقدة لسانها، وداوود وافق على جوازك 

نظر إليه مذهولًا، وهمس :
_ احلف 

أومأ برأسه مؤكدًا، فنظر نحو داوود وقال مغتاظًا :
_ فن اختيار الوقت المناسب !

_ روح هات المأذون يا حمزة 

نطقها على الفور دون أن يتوقعها أحد، فشهقت نغم والتفتت إلى شقيقها الذي صاح غير مرحب بالفكرة :
_ نعم !، دلوقتي وهنا؟

_ والله أنا مش ضامن لحظة زي دي 

قالها بهدوءٍ لا يمت لصخب دقات قلبه بصلة، وكرر جملته على مسامع حمزة قائلًا :
_ روح يا حمزة هات المأذون 

حاولت السيدة لقاء تدارك الأمر، فاقتربت منه تقول :
_ يا حبيبي استنى لما تطلع من المستشفى 

شرح لها ما يعانيه مع أولاد شقيقها، و جعلها شاهدة على ما يفعلونه :
_ يا لوكا عيالك مفتريين عليا، يرضيكي يبهدلوني تاني 

اقتنعت السيدة لقاء بحديثه، فقد شهدت على تعامل داوود مع أمر خطبته، فأومأت برأسها وأشارت إلى حمزة أن ينفذ طلب عزيز، وقالت بنبرةٍ حازمة :
_ روح هات المأذون يا حمزة 

اعترض داوود :
_ يا لوكا 

التفتت إليه، تربت على صدره حتى يهدأ، تحاول إقناعه لتمر الأمور على خير :
_ خلاص بقى يا داوود، دا كتب كتاب، وهنعملها أحلى فرح 

ثم وجهت حديثها إلى نغم التي تقف جواره، فسألت :
_ مش أنتِ موافقة يا نغم ؟ 

ارتبكت نغم، وتخضبت وجنتيها بحُمرةٍ قانية، فنظرت إلى الأسفل تتخشى نظراتهم، وانقذها من خجلها صوت عزيز الذي قال ساخرًا :
_ أنتوا مستنينها تتكلم !، ياريتها فضلت خرسة 

تأفف داوود، وقال بنفاد صبرٍ :
_ خلاص خليها لما نروح البيت 

قال عزيز مهددًا، ونظرات متحدية لإعتراض داوود :
_ لا، دلوقتي، مش طالع من المستشفى غير لما نكتب الكتاب 

لوح داوود بيده، وصرخ غاضبًا :
_ ما عنك ما طلعت يالا أنت بتهددني 

كان المنقذ في هذا اللحظة المشحونة، حمزة الذي اقترب من داوود يربت على كتفه مهدئًا، وقال :
_ خلاص بقى يا داوود، عديها وأنا هروح اجيب المأذون 

وقبل أن يعترض داوود كان يخرج حمزة أسرع من اللازم، تاركًا الأجواء تهدأ ببطء حتى يأتي بالمأذون الشرعي، ليتمم إجراءات زواج عزيز، وينتهي هذا الأمر على خير .

***********************************
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير .

أتم المأذون كلماته، وردد خلفه الجميع بصوتٍ رج الغرفة .
الابتهاج والسعادة كانت لها السيادة في تلك اللحظة، وكانت نغم تستقر بين أحضان شقيقها داوود الذي ادمعت عيناه تأثرًا بتلك اللحظة، كانت ترتجف من هذا الموقف المُهيب، والمشاعر التي تجتاحها لأول مرة في حياتها، ابعدها عنه قليلًا، يقبل رأسها بحُب، وقال :
_ مبارك يا حبيبتي 

مسحت دموعها التي تزين وجنتيها، وابتسمت له بإمتنانٍ صريحٍ يظهر في عينيها، وأسرعت نحو إلياس الذي رحب بها يضمها إليه بحنانٍ بالغ .
أغلق حمزة الباب بعد خروج المأذون، ونظر إليهم قبل أن يقول مازحًا :
_ دا أغرب كتب كتاب شوفته في حياتي، بس مبارك يا عزيز، صبرت ونولت

شكره عزيز بهدوءٍ وعيناه لا تفارقان زوجته، فأقترب منه حمزة واستطرد حديثه ضاحكًا :
_ ياض دا أنا قعدت اتخيلك يوم فرح نغم وأنتَ بتغني اعذريني يوم زفافك 

ساد الصمت فجأة، وتسلطت جميع الأنظار عليه، وزجره عزيز بنظراتٍ غاضبة، فتلاشت ضحكاته، وتراجع بظهره إلى الوراء حتى أصبح أمام باب الغرفة، ليلوح بيده إشارة الوداع بينما يده الأخرى تفتح الباب وقال :
_ طب أنا هروح أنا عشان سايب مراتي لوحدها، مع السلامة 

خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، لتعود الأجواء لطبيعتها تدريجيًا، ومد عزيز يده الغير مصابة بالزجاج نحو زوجته، فوضعت كفها بارتباكٍ وخجل بكفه، ليجذبها نحوه تكون قريب منه، وهمس لها بكل صدقٍ وما يحمله لها من حب :
_ نورتِ حياتي يا نغومة 

حينها سحبت مايان ذراع إلياس السليم وهمست :
_ يلا نطلع، نسيبهم يتكلموا شوية 

التفت إليها بحدةٍ ونفى برأسه قائلًا :
_ نعم !، لا طبعًا مش هنسيبهم لوحدهم 

جاءت السيدة لقاء من خلفهم، وربتت على كتف داوود وإلياس معًا، وقالت بهدوء :
_ يلا يا إلياس، وأنتَ يا داوود روح اطمن على مراتك 

مالت مايان نحو إلياس، وهمست جوار أذنه بصوتٍ هامس، تحاول استعطافه بدلالٍ واضح :
_ أنا بصراحة جعانة، ينفع ننزل ناكل اي حاجة ؟

كان يعلم أنها تحاول إبعاده عن الغرفة، وترك مساحة لشقيقته وزوجها، لكن اعجبه دلالها، واستغلالها لموافقته على أي طلب منها، فنظر إليها مبتسمًا وقال :
_ فكراني عبيط يعني، ماشي يا ستي هعديها، تعالي ننزل ناكل حاجة 

أمسك بكفها، وخرج من الغرفة بكل بساطة، وعندما أغلق الباب التفتت السيدة لقاء إلى داوود الذي يراقب بدقةٍ ما يحدث أمامه، ودفعته نحو الباب تقول من بين أسنانها مغتاظة :
_ يلا يا حبيبي الله يهديك روح اطمن على مراتك، دلوقتي مش قلقان عليها !!

تأفف داوود، وأخرج الهاتف من جيبه، يتخلى عن مكانه في الغرفة يخرج ليهاتف زوجته يطمئن على حالها، ويخبرها أنه تم عقد قران شقيقته .

انغلق الباب، وفرغ المكان إلا منهما، كانت القلوب تتحدث بنبضها الصاخب، كلًا يشارك في الحديث بطريقته الخاصة، رغم الخجل الذي يكسو ملامحها إلا أن السعادة كانت تلتهم ذلك الخجل، لا تُظهر منه سوا لمعة عيناها وأحمرار وجنتيها، جذبها بلطفٍ لتجلس على طرف الفراش ويستطيع هو رؤيتها بسهولة .
شدد على كفها، وهمس صادقًا بكل حرفٍ ينطق به :
_ مش مصدق انك بقيتي مراتي، رغم أن البغل حمزة قفلني، بس عنده حق دا اللي كان هيحصل لو فضلت على غبائي وضيعتك من ايدي 

حمحمت تخرج الحديث بصعوبةٍ من حنجرتها، وهمست بابتسامةٍ هادئة :
_ بس أنا معاك دلوقتي

جذبها نحوه مجددًا يقربها إليه أكثر، وغرق في عينيها الضيقتين ذات الأهداب الكثيفة، وقال :
_ ودا المهم 

رفع كفها الأيمن إلى شفتيه يلثمه بحُب، ثم رفع ذراعه السليم يحيط كتفها ببطءٍ ارجف بدنها، وبتلقائية مالت برأسها على كتفه بحذرٍ أن تؤذيه دون قصدٍ منها، فكانت أخر كلماته لها قبل أن تبدأ هدنة لطيفة بينهما الظاهر بها صمت، والباطن صخب الكلمات التي لا تُعد :
_ مبارك يا نور حياتي .

***********************************
وصل سعدون إلى العشيرة ملثمًا، يتخفي عن أنظار أهل العشيرة، يخشى أن يكون مصيره الدعس تحت أقدامهم وينتهي أمره، ابتلع ريقه بارتباكٍ والخوف سيطر على عينيه المرتجفتين .
مر على خيمة والده، توقف أمامها بلا حركة، تبدلت نظراته المرتجفة إلى أخرى حاقدة، داخلها غضب من والده الذي تخلى عنه بكل بساطة، وقدمه على طبق من ذهب إلى غريمه، قبض على كفه بقوةٍ يكبح جماح غضبه حتى لا يتهور بأي تصرف يثير شك العشيرة .
أسرعت خطواته نحو أخر بقعة في العشيرة، حيث خيمة ساحر العشيرة، الذي ساعده في كثير من الأمور، ولازال يريد منه المساعدة في المزيد من الأشياء .

خطى نحو الداخل في حذرٍ قبل أن يره أحد، وكشف عن وجهه أمام ذلك العجوز الذي تخط التجاعيد على وجهه بشكلٍ مخيف، تقدم منه بهدوءٍ تزامنًا مع كلماته الساخرة :
_ ازيك يا ابن الريس 

جلس سعدون أمامه مباشرةً، وطلب منه متلهفًا :
_ عايزك تساعدني 

_ مكتفتش ؟

سأل بابتسامةٍ ماكرة، فرد سعدون بكل ما يعتمل داخل صدره من غضبٍ وبغض :
_ لا، عايزك تساعدني اجيب راسه الأرض 

استفسر العجوز متسائلًا :
_ هو مين ؟

صرح سعدون بما تعرض له على يد داوود، وما شعر به من إهانة ومذلة لم يكن يتعرض لها بين أهله :
_ جوز رحيل، ذلني ذل مشوفتوش قبل كدا 

أومأ العجوز متفهمًا، وعندما هم بالحديث مجددًا استمعا إلى أصوات عديدة متداخلة أمام الخيمة، فهب سعدون واقفًا واقترب من مخرج الخيمة، لكنه تفاجأ بصرخاتٍ عديدة تدعم فكرة أحراق الخيمة بمن داخلها، نفى برأسه وركض نحو الخارج مذعورًا، والمفاجأة الكبري أن هناك حاجز قوي يمنع الخروج نهائيًا .

اختنقت أنفاسه خوفًا مما هو قادم، وصرخ بالعجوز أن يفعل شيئًا يمنع هؤلاء الحمقى من القضاء عليهما، ازدادت الضجة بالخارج وكان صوت أعلى من الجميع يتردد في أذن سعدون :
_ خلينا نخلص من أس البلاوي دا، اللي دمر حياة ولادنا 

فقط من بعدها اشتعلت النيران في قماش الخيمة الثقيل، تأكله رويدًا رويدًا وبدأت صرخات سعدون الهستيرية بشكلٍ متتالية، لم يعيرها أحد اهتمام فقد كانت تندثر كلما أحاطته النيران أكثر وأقرب .

في النهاية كان الرماد يغطي الأرض يندمج رماد القماش مع رماد الجثتين المتفخمتين، كانت النهاية تليق بما زرعاه، فالجزاء من جنس العمل؛ عاشا حياتهما سعيًا في الفساد، فأحاط بهما هذا الفساد وقضى عليهما بأيد من قاموا بأيذاهم .

***********************************
مر أسبوع بعد خروج مالك ابن حمزة من المشفى، واليوم قاموا باحتفال صغير فيما بينهما .
حملت كنزي الصغير تضمه إلى صدرها، تغمره بحنانٍ داخل أحضانها، تقبله كل دقيقة وأخرى .
كانت الأجواء عائلة هادئة، دافئة، تحمل من الحب الكثير، وتتأملهم أعين السيدة لقاء بسعادةٍ لا توصف، كانوا أولاد أشقائها، والآن أصبحوا أولادها ينتمون إليها في كل وقت .
قاطعها شرودها المبتسم بوجهه الجميع، صوت حمزة الذي تأفف بضجرٍ وصاح :
_ احنا مش هنقول اسمع كلام ابوك متسمعش كلام أمك 

اعترضت كنزي قائلة :
_ لا يا حبيبي اسمها اسمع كلام امك متسمعش كلام ابوك

تأففت السيدة لقاء وصاحت بضيقٍ مبتعدة عنهما :
_ بقولكم اية مش ناقص وجع دماغ، لا كلامك ولا كلامها، كلامي أنا 

ضحك داوود، ورفع يده يحيي عمته قائلًا :
_ الله عليكِ يا لوكا

بدأت الصيحات الساخرة على حمزة، وتربيته لطفله كيف سيكون مستقبلًا، بينما همست رحيل بنبرةٍ مدللة تليق بالمليحة :
_ يا المحبوب 

أنتبه إليها، والتفت إليها مبتسمًا، ثم أحاط كتفها يحتويها تحت ذراعه وسأل :
_ يا عيونه 

أمسكت كفه الذي يستقر على كتفها، واكملت حديثها بحماسٍ لمعت عيناها على أثره :
_ عندي خبر حلو ليك

تعجب من بهجتها التي تزيد عن الحد، وسأل :
_ اية هو ؟

لم تجيبه إنما أخذت كفه، تجذبه نحو الشرفة في هدوءٍ دون لفت الإنتباه إليهما، تركته حين دلفا إلى الشرفة وركضت نحو الأريكة تأخذ حقيبتها، وبعد لحظات تخرج ورقتين، مدت يدها نحوه، فأخذهما دون مجادلة، فتحهما فوجد واحدة تصوير إشاعي لجنين، والأخرى مدون عليها بخطٍ عريض "دهب"، فهمس متعجبًا يعقد ما بين حاجبيه :
_ دهب !

أومأت برأسها مبتسمة، ووضعت كفها على بطنها المنتفخة، وقالت :
_ طلعت بنوتة، دهب بنت داوود القاضي 

جمدته الصدمة عدة لحظات، ينظر إليها كالتائه في بلاد العجائب، اضطربت ملامحه وأدمعت عيناه تأثرًا، أختارت أكثر الأسماء المحببة إليه واطلقتوا على ابنتهما، سيزين اسم شقيقته المنزل من جديد، سيكون متداول فيما بينهما مرة أخرى، ابتلع ريقه بصعوبةٍ تزامنًا مع سقوط دمعة فرت من بين جفنه .
 
مسدت على ذراعه برفقٍ تحاول احتواء تأثره، وقالت تنتفض من شدة السعادة :
_ كنت خايفة تكون عايز ولد 

جذبها من ذراعها لتستقر بين أحضانه، يضمها بكل حنان نحو صدره أكثر وهمس جوار أذنها :
_ أنا مفيش حد أسعد مني اللحظة دي، يا أم دهب 

ضحكت بصوتٍ مكتوم داخل صدره، وأحاطت خصره تضمه نحوها، وقطع تلك اللحظات الهادئة بينهما وغرق كلًا منهما في حنان ودفء أحضان الآخر، صوت الهاتف الذي صدح فجأة بجيبه بنطاله، ابتعد عنها قليلًا يقبل عنقها، وأخرج الهاتف يجيب على الإتصال دون النظر إلى جهة الإتصال :
_ الو 

امتعض وجهه بغتة، وخط الغضب على وجهه بوضوح حين أتاه صوت يبغضه من الطرف الآخر، يقول بنبرةٍ جادة كتقريرٍ رسمي، لكنه كأن كفيل بقلب كيانه تمامًا :
_ الأسبوع الجاي أخر أسبوع، المهمة الأخيرة .

تعليقات