رواية الراتل الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل الثاني والثلاثون 


داخل شركة عائلة القاضي، جلس داوود على مقعده واضعًا ساقيه فوق المكتب. كانت بعض الأوراق بين يديه، إلا أنه لم يكن يقرأ حقًا؛ عيناه تتحركان على السطور، بينما فكره مشغول بأمر آخر أكثر أهمية .

اليوم هو يوم المواجهة، ستكون مواجهة ضارية يعلم في قرارة نفسه أن لن يبقى أي شيء من بعدها على حاله. لا ينكر ما يشعر به من توترٍٍ تتشنج به عضلات جسده كلما فكر في العواقب . ضاق صدره حتى شعر بالاختناق الذي يكاد يهلكه، وزفر زفرةً طويلة يطرد ما يعصف بداخله من ضيقٍ، وترك الأوراق على المكتب، واستند إلى ظهر المقعد في إنهاكٍ واضح .

أعاد رأسه إلى الخلف، وأغمض عيناه لعله ينعم ببعض الاسترخاء والهدوء الذي فقدهما تمامًا اليوم، وبينما هو يستحضر الهدوء بصعوبةٍ اقتحم حمزة الغرفة بهمجية، انتشله بعنفٍ من أفكاره حين صاح به متأففًا : 
_ كلم جوز أختك قوله يهدى عشان مروحش اكسر وشه

غربت عينا داوود وصك على أسنانه، ثم اعتدل بجلسته يستند بمرفقيه على سطح المكتب، وسأل :
_ ما أنا ناقصكم النهاردة، خير يا حمزة حصل اية ؟

تحرك حمزة بعدما أغلق الباب وتوجه نحو المقعد المقابل للمكتب، جلس وضرب بكفه على سطح المكتب وقال مغتاظًا :
_ المتخلف مصمم يجي معانا، دا بيشوف قدامه بالعافية وعايز مساعدة الكل عشان يتحرك خطوة زيادة

قابله الصمت، لم يبدو على داوود أي تعبير واضح، ولكن انقلب هذا الهدوء بعد لحظات فقط، حين وقف داوود عن المقعد يلقيه على طول ذراعه، فأرتطم بالحائط بقوةٍ وصرخ به بصوتٍ يدوي كالرعد :
_ ربنا ياخدكم، قرفتوني في حياتي

أشار نحو الباب بسبابته، وقال غاضبًا :
_ برا يالا، سبوني في حالي النهاردة، وقول للتاني يتكتم بدل ما أطلع عينه 

أسرع حمزة يبتعد عن مرماه قبل أن يلاقي بطشه، وفتح الباب يحتمي به من أي ردة فعل عنيفة إتجاهه، وصرخ من خلف الباب بدهشة :
_ وأنا مالي يا عيلة مجانين، أنا غلطان أصلًا إني جيت أقولك 

أغلق حمزة الباب تاركًا داوود يهدأ من حالته العصبية الغريبة، فأنحنى داوود يعدل المقعد، ثم جلس عليه يلهث من شدة الإنفعال، وقال :
_ ربنا ينتقم منكم، دا أنا عايش في العباسية

أخذ نفسًا عميقًا، ومرر أنامله بخصلات شعره لعله يهدأ توتره، فهو يحتاج لكل ذرة عقل اليوم، ولن يهدر طاقته في غباء عائلته، وبتلقائية مد يده نحو الهاتف يبحث عن رقم زوجته، وحين جاء صوتها المبتهج، زال غضبه، وانزاح التوتر الذي غمر جسده وروحه، فظهرت ابتسامة هادئة على ثغره وأطلق تنهيدة عميقة من قلبه قبل أن يقول :
_ أنا عايزك اخدك معايا الشغل بعد كدا، دا أنا معايا شوية بهايم والله 

كانت نبرته حانقة، كأنه يشكو حاله لها، فسألت بقلق :
_ مالك، في حاجة مضايقاك 

تنهد بعمقٍ وأخذ الأوراق يدقق النظر بهم من جديد، وقال :
_ متشغليش بالك أنتِ، قوليلي إلياس وصلك عند عمتي ؟

سأل في نهاية جملته، فهمهمت مجيبة قبل أن تخبره متعجبة :
_ أيوة، بس لية النهاردة احنا كنا عندها امبارح ؟

أجابها مبررًا لِمَ أراد تواجدها في منزل عمته :
_ هتأخر في الشغل النهاردة، وهبقى مطمن عليكِ أكتر مع عمتي

بينما يستمع إلى حديثها الهادئ، اقتحم إلياس الغرفة كما فعل حمزة، ودون إنتظار ردة فعله كان يشير إليه بضرورة إنتهاء مكالمته قائلًا :
_ داوود، ركز معايا 

تأفف داوود، وأشار نحو المقعد في إشارة له بالجلوس، ثم وجه حديثه إلى زوجته قائلًا :
_ طب يا حبيبتي، أنا هقفل عشان ورايا شغل، وهكلمك تاني 

أغلق الهاتف، وألقاه بإهمال على سطح المكتب، وسأل متهكمًا :
_ خير أنتَ كمان 

نظر إليه إلياس متعجبًا، ورفع حاجبه الأيسر لأعلى قائلًا :
_ دا أنتَ أعصابك بايظة خالص 

ضغط داوود على شفتيه، ومرر أنامله على جبهته الدافئة، ثم رفع نظره نحو شقيقه قائلًا :
_ أنتَ شايف المفروض ابقى ازاي، من النهاردة مفيش حاجة هترجع زي الأول 

أكد إلياس على جملة شقيقه حين أومأ إليه برأسه، وضرب بيده على سطح المكتب حتى يصب كامل إنتباهه إليه وقال :
_ عارف، عشان كدا بقولك ركز معايا .

***********************************
_ أقفل يالا في وشه، مش ناقص المعتوه دا على المسا 

صدرت تلك الجملة عن داوود الذي أوقف السيارة للتو، يقبض على عجلة القيادة بعنفٍ من شدة إنزعاج بثرثرة حمزة مع عزيز عبر الهاتف، فأخرج صوته جاد غاضب لا يقبل للنقاش، فأغلق حمزة الهاتف على الفور، وهمس مذهولًا من عدم صبره اليوم على كلمة من أحد :
_ لا دا جاب اخره بجد 

ربت إلياس على كتف أخيه ليتجاوز أي توتر قد يؤثر عليه، فأومأ داوود برأسه وأشعل محركات السيارة مجددًا، بينما مد يده الهاتف نحو إلياس ليتابع سير العمل، أخذ إلياس يبعث ببعض الرسائل ويجري بعض المكالمات قبل أن يقول :
_ اللي ورانا عربية ممدوح، والعربية التانية مستنية عند المخزن 

أسرع داوود بقيادة السيارة، ونبه عليه بأوامر صارمة :
_ قولهم يحاوطه المكان كله، واللي يلاقوه يكتفوه وفي العربية على طول 

وحين أومأ إلياس برأسه يخبره بصمتٍ أنه سينفذ الأمر، وكأن أمر داوود التالي تحذيري بشكل خاص لشقيقه حين قال :
_ متحركش دراعك كتير، أنتَ لسة فاكك الجبس 

نظر إلياس إلى ذراعه الذي فك جبيرته البارحة، ثم أومأ إليه بهدوءٍ يتجاوز النقاش في هذا الأمر، بالطبع لا يمكنه المجازفة بذراعه حتى وأن كان الموقف يستدعي التضحية بكل شيء .

انتهى الطريق الذي بدا أطول من الطبيعي .
وكأن الوقت لا يمر، وسرعة السيارة لا تكفي للوصول . 
أخيرًا توقفت السيارة بالقرب من أرضٍ زراعية، وأمامها مبنى يبدو كمصنع قديم، مهلك، يظهر على جدرانه أثر الزمن .
أخذ داوود نفسًا عميقًا منتظرًا إشارة محددة، حين تصدر ينطلق نحو المبنى .. وتبدأ النهاية .
عيناه تتحركان على المبنى يدقق النظر بكل تفصيله، بينما الأفكار تحاصره فعقله لا يتوقف عن العمل للحظة، فجأة .. ازداد التوتر بينهم، وانتبهت عقولهم حين ضرب أعينهم ضوء سيارة على بُعد عدة كيلومترات .
التفت داوود إلى شقيقه، ففهم سريعًا ما يريد، ونزل من السيارة، يخرج سلاحه من بين طيات ملابسه . بدأ بالتقدم إتجاه المبنى بخطى سريعة حذرة، وحين وصل وجد الرجال قد أنهوا مهمتهم الأصعب، أخذوا حراس المكان بكل سلاسة واحتجازهم داخل السيارة دون انتباه أحد ممن بالداخل .

رفع يده نحو سائق السيارة، فأشعل ضوء السيارة ثلاثة مرات متتالية.
وعندما وصلت الإشارة إلى داوود، ترجل من السيارة ومعه حمزة، متوجهين بخطوات بطيئة نحو المبنى، يخرج كلاهما سلاحه استعدادًا للهجوم . 
بدأ الرجال يشكلون حاجز بشري أمام أفراد الراتل، وعلى حين غرة دفعوا الباب الحديدي بأقدامهم في ذات اللحظة، فانخلع من محله وسقط على الأرض .
اندفع الرجال إلى الداخل منتشرين كالجراد في حماية الراتل، ومن بعدها خطى داوود أول خطواته نحو المواجهة .
وجد رجال "الكبير" يشهرون أسلحتهم بوجه رجاله، يحاولون حماية كبيرهم المزعوم، لكن هذا لم يوقف خطواته بل تقدم وسط الأسلحة بثقةٍ لم يهزها ارتباك اللحظة .
كانت رأسه مرفوع بكبرياءٍ كالعادة، وأزاح من توقف في طريقه بكل بساطة دون الحاجة إلى العنف، حتى وصل أمام الشخص المنشود .
لم يغفل عن صدمة الآخر، وتجمد جسده النحيف بعض الشيء، ونظراته التي أفشت بمدى رعبه من اللحظة التالية، وقطع احتدام الأجواء صوت حمزة المذهول :
_ عم عزت !!

عقله لم يستوعب حقيقة وجود زوج عمته أمام سليم معافى بل وأكثر، هو الآن يقف أمامهم كأكبر رجل لتجارة السلاح والأعمال المشبوهة، ظلت نظراته مسلطة عليه بإندهاش لم يفق منه سوا على صوت داوود الساخر :
_ تعالى يا حمزة، سلم على عمك عزت 

خبا بريق عيناه المتحمس، بينما تنقلت نظرات حمزة بين داوود وعزت، وهمس بتيه وقد زحفت البرودة نحو أطرافه :
_ ازاي ؟، أنا مش فاهم حاجة 

مد داوود يده يجذب عزت من تلابيب ملابسه، يدفعه نحو حمزة الذي مازال ينظر إليه بذهولٍ وصدمة، وارتسم على ثغره ابتسامة لا تبشر بالخير أبدًا وقال بإنفعالٍ مكبوت :
_ قوله، فهم حمزة يا عم عزت، قوله ازاي ضحكت علينا ولبستنا العمه 

تلقاه حمزة يمسك بذراعيه يمنعه من تجاوزه، وتبدلت نظراته المذهولة إلى أخرى حاقدة، تشتعل نيران الغضب داخل عينيه ببطء .
تحولت حالته تمامًا كالعادة عندما يغضب، أختفى ذلك المرح وحل محله آخر لا يعرف عن المرح شيء، وبحركة سريعة كان يلف ذراعه حول عنقه يضغط عليه، بينما يده الأخرى تكبل ذراعيه خلف ظهره . 

نظر عزت نحو رجاله يأمرهم بنظراته بسرعة التحرك ومهاجمة أعداءه، إلا أنه تفاجأ بالرجال يشهرون أسلحتهم بوجهه هو وخرج من بينهم رؤوف على ثغره ابتسامة منتصرة، تفصح عن مدى سعادته بهزيمة غريمه .
صُعق عزت بما يحدث، وهمس بنبرةٍ مرتجفة لم يقدر على كبحها :
_ رؤوف !!

تقدم منه رؤوف بخطى ثابتة، عيناه لا تنزاح عن عينا عزت المرتجفة، ازدادت ابتسامته الشامتة حين وقف أمامه مباشرةً، وقال :
_ قولتلك هدفعك تمن دم ابني غالي اوي، مصدقتش

ظهرت الشراسة على ملامح عزت، وحاول التملص من بين براثن حمزة القابض عليه بإحكام، وهدده بنبرةٍ تحمل الحقد بين طياتها :
_ هقتلك يا رؤوف 

أقترب رؤوف منه أكثر، ووضع يده على كتفه في محاولةٍ لإثارة حفيظته أكثر، وقال ساخرًا :
_ عارف، عشان كدا أنتَ في ايد الراتل دلوقتي 

تراجع خطوة يخرج من جيب بنطاله ذاكرة وميضية، وقال محركًا إياها بين أصابعه :
_ اية نبدأ واحدة واحدة، تحب يعرفوا الأول مين قتل محمد القاضي وصاحبه، ولا نبدأ بمين السبب في حادثة مراتك ؟

اندفع إلياس من بين الرجال، وتقدم نحوهم وسأل مصدومًا :
_ هو اللي ورا موت ابويا؟

أومأ رؤوف مؤكدًا، وأشار نحو عزت وافصح عما يعرفه عن ماضي رئيسه بالعمل :
_ هو اللي ولع في فيلا نصر "والد عزيز" عشان عارف ان أبوك معاه، وفي نفس الوقت كان مدبر حادثة عمتك، كان هينزل من العربية ويسيبها تموت فيها بس فرقت في دقيقة والحادثة حصلت وهو معاها 

تبادلا إلياس وداوود النظرات المذهولة من تلك الحقيقة الموجعة، وتلك الطريقة المأساوية الذي تخلص بها من والدهما، وذلك الحادث التي تعرضت له عمتهما فكانت نتيجته أنها لم تستطع الإنجاب، وحينها استطرد رؤوف حديثه :
_ هو كان كويس بس لقى مصلحته انه يعمل مشلول، بعدها دفع للدكتور عشان ينزل الجنين اللي كانت حامل فيه عمتكم، واللي هو ابنه مع أن الجنين كان سليم، وخلاه يستأصل رحم مراته عشان متخلفش تاني 

عندما أنهى الحديث دفعتهما نيران الإنتقام نحو عزت، نقضوا عهدًا كان بينهما بعدم السماح لأي شيء أن يخرجهما عن السيطرة .
فقد كانت وقع حادثة والدهما كصاعقة حلت على حياتهما استنزفتهما دون رحمة، لكن ما منعهما من فعلها حمزة الذي أخذ عزت والتفت عنهما يحاول تفادي أي خطأ قد يحدث اليوم، عندها أكمل رؤوف حديثه والذي جمد جسد داوود :
_ هو اللي خلاني اتجوز دهب، أنا غلط بس هو السبب ضغط عليا بكل حاجة لحد ما وافقت، وهو اللي خلى أبوك يوافق عليا 

وقبل أن يصدر عن داوود أي ردة فعل بما سمعه، كان عزت استطاع التغلب على حمزة ودفعه بعنفٍ عنه حتى سقط على الأرض، وانحنى يأخذ سلاح حمزة الذي سقط عن خصره .
اشهر السلاح أمامهم، وتراجع يحمي نفسه من بطش أولاد القاضي، لكن لم يكن لأحدهم نية في تركه يفلت من بين يدي العدالة، وكان أول من تحرك هو رؤوف يدفعه انتقامه لشباب ابنه البريئ الذي دفع ثمن أفعاله .

_ ايوة أنا اللي قتلت ابوكم، وأنا اللي حرمت عمتكم من الخلفة، وأنا اللي حرمتكم من اختكم، واللي هيقرب مني هصفيه

صرخ بها عزت مهددًا رؤوف الذي تظهر نيته واضحة في عينيه، وجملته لم تمنعه من التقدم نحوه أكثر، بل كانت خطواته أكثر إصرارًا على القضاء عليه، فعاد عزت يقول بنبرةٍ غاضبة تحمل الكثير من الوعيد :
_ خليك مكانك، خطوة واحدة هتكون الطلقة في قلبك .

أتى أمر داوود الصارم لرجاله حين نطق من بين أسنانه حاقدًا :
_ أمسكوه 

وقبل أن يتحرك الرجال لتقييد عزت، كان يطلق النار على رؤوف غير أبه بالعواقب .
سقط رؤوف على الأرض، يصرخ من شدة الألم الذي اخترق صدره، وأحاطت الدماء بجسده الممدد أرضًا بلا حول ولا قوة .
أسرع الرجال يحيطون بعزت، وأخذ أحدهم السلاح من يده عنوة، بينما تقدم داوود من رؤوف الذي ناداه بصوتٍ هامس متألم، جلس جواره على الأرض، فأمسك بيده يخبره بنبرةٍ باكية :
_ أختك انتحرت، أنا مقربتش منها، هو اقنعني أهرب ودا اثبت التهمة عليا 

غربت عيناه، ولهثت أنفاسه داخل صدره، يكمل همسه برجاءٍ واضح أن يصدقه :
_ مكنتش أعرف أنها هتنتحر، لأني وعدتها مش هقرب منها ولا هلمسها، بس هي مصدقتنيش 

صمت، عاجزًا على اخراج صوته، ثم شهق شهقة مذبوحة بعدها فارق الحياة، وعرجت روحه إلى باريها .
اغرورقت عينا داوود حين علم بحقيقة انتحار شقيقته التي فقدت الأمل أسرع مما ينبغي .
ظل شاردًا لم يفق إلا عندما دوى صوت صفارات الشرطة التي حاصرت المكان من الداخل، واقتحمت عناصرها الموقع، يلقون القبض على جميع المتواجدين .
صك داوود على أسنانه بحقدٍ وغل، وقبض على كتف عزت بكل قوته حتى علا صوت أنينه المتألم، وهمس غاضبّا :
_ مش هتطلع منها سليم يا عزت، ولو على موتي 

***********************************
كانت نغم تجلس بالشرفة، تحاول استجواب زوجها عما يزعجه، فقد لاحظت إنزعاجه وتوتره منذ الصباح، وهذا المرة أصرت على معرفة ما به .
بعد الكثير من المماطلة في الحديث، وتبرير ذلك أنه فقط يشعر بالألم ليس إلا، ووسط حديثهما المجادل بالهاتف سمعت صوت صفارات الشرطة، وبعدها ارتبكت الأجواء حتى جاء صوت الضابط الذي يبلغ عزيز بسرعة التوجه معه إلى القسم دون مقاومة . علا وجيب قلبها، وتفصد العرق على جبينها وصرخ خائفة :
_ بوليس لية؟، أنا مش فاهمة حاجة يا عزيز، في اية ؟

لم تجد ردًا من زوجها، فقط كان صمته مقابل حديث الضابط الغير مفهوم بالنسبة لها، فنادت بأسمه حتى ينتبه إلى الهاتف :
_ عزيز !، عزيز 

أنغلق الهاتف فجأة، فزاد هذا من خوفها، وأسرعت نحو الأسفل حيث شقة عمتها، ومنها إلى غرفة نومها تستنجد بها .
اقتحمت الغرفة دون استأذان، فوجدت عمتها غارقة في النوم لا تدري بما حولها، اقتربت منها على الفور تحاول السيطرة على ارتجافتها، لكزتها برفقٍ عدة مرات، تناديها بصوتٍ محشرج :
_ عمتو، عمتو اصحي 

في العادة لا تغرق عمتها بالنوم، كانت تستيقظ من أقل حركة جوارها، حاولت معها مرارًا لتستيقظ، لكنها لم تستجيب لأي من محاولاتها، فصرخت مفزوعة على عمتها، وخرجت تستنجد بزوجة شقيقها "رحيل" .

ومع صوتها المرتفع صعد الحارس المكلف بحمايتهن بأمر من داوود، وحاول مساعدتها وتهدئتها حين أخبرها أنه سيستدعي " صهيب خلال عشرة دقائق فقط .

تجمعت الفتيات بغرفة السيدة لقاء في إنتظار الطبيب، بعدما طمأنتهما رحيل أن نبضها منتظم ولا خطر عليها كما تظن، لكن لفت إنتباه كنزي عدم وجود زوج السيدة لقاء، فعقدت ما بين حاجبيها متعجبة وقالت :
_ هو عم عزت فين ؟

تعجبا الفتيات، ووقفت نغم لتبحث عنه في الغرف المجاورة، لكنها عادت أكثر تعجبًا عندما لم تجده، ولم تجد فرصة لتعبير عن دهشتها حين وجدت صهيب يدلف إلى الشقة ومعه حقيبته الجلدية متوجهًا نحو غرفة عمته .

قام صهيب بفحص السيدة لقاء، ثم قبل يدها وقال :
_ واخدة منوم قوي حبتين، هي مبتعرفش تنام ولا اية ؟

نفت نغم برأسها، وأجابته بصوتٍ خافت يظهر به من الحزن ما يكفي لكشف ما تكنه داخلها :
_ بالعكس عمري ما شوفتها بتاخد منوم خالص

وقف صهيب عن الفراش، وكاد يخرج من الغرفة إلا أن أوقفه صوت ابنة عمه الباكية حين قالت :
_ عزيز اتقبض عليه 

التفت إليها، ينظر إليها باستفهام غير مستوعب ما قالت، فأقتربت منه تستطرد حديثها بتحشرج :
_ مش عارفة لية، وخايفة اوي، وكمان داوود وإلياس محدش فيهم بيرد عليا

بهتت ملامح صهيب، والتفت عنها يخرج من الغرفة بخطى واسعة أقرب للركض، يغادر الشقة دون كلمةٍ واحدة .
شعر بالخوف عليهم، يخشى أن تكون هذه نهاية أفعالهم، ويكون السجن المصير الأبدي لهم . 
وقف يلهث أمام الحارس، وسأل مباشرةً :
_ تعرف هما فين ؟

أومأ الحارس في إجابة صامتة أنه يعرف أين يكونوا الآن، فأشار إليه صهيب وقال بصرامةٍ وجدية :
_ اتصل بيهم فورًا 

ظهر الأسف على وجه الحارس، ونظر إلى الأسفل يقول بأسى :
_ كلهم اتقبض عليهم من شوية، ودلوقتي هما في القسم 

***********************************
داخل قسم الشرطة، كان داوود يجلس أمام الضابط صادق، وبيده الهاتف الذي يصدح به صوت رؤوف وهو يعترف على ما فعله عزت كله، وصوت عزت الذي يؤكد على الحديث، والجرائم التي ارتكبها واحدة تلو الأخرى .
تنهد داوود بعمقٍ حين انتهى التسجيل، ونظر نحو صادق الذي كان يستمع إليه بتمعنٍ، وقال بهدوء :
_ أظن اننا وفينا بوعدنا يا باشا، وجبنالك اللي بتدور عليه

أومأ إليه صادق، وألقى نظرته نحو عزت الذي يقف مرتجفًا كعصفور طاله المطر، ثم عاد بنظراته نحو داوود يسأل :
_ ولما أنتوا اللي كنتوا بتبلغوا عن الشحنات دي، مجتش قولتلي على الموضوع من أوله لية 

برر له داوود موقفهم أمام العالم الاكثر الخطورة الذين توغله فيه فجأة :
_ مكناش عارفين نتصرف في الأول وخصوصًا أن الناس دي أخطر مما نتصور، ولما قدرنا نعمل حاجة كنا بنسلم الشحنات للحكومة بكل اللي تبعها

صمت، يراقب تعابير صادق الذي ينظر إليه، وحينها تنهد صادق وقال بصدقٍ :
_ أنا عند وعدي يا داوود، هقف معاكم وهتاخدوا أقل عقوبة 

جاء صوت حمزة من خلف داوود حين سأل :
_ يعني هنتسجن ؟

ضم صادق شفتيه بأسف، وأجاب بنبرةٍ هادئة :
_ بأمر القانون يا حمزة .

تعليقات