رواية الراتل الفصل الثالث والثلاثون
جلست في ذلك المكان البارد، المكسو باللون الرمادي الذي يوحي بالعتمة والاختناق، تنتظر قدوم زوجها . تلألأت عيناها ببريقٍ حزين، يوشي بقرب انهمار دموعها .
مدت كفها تمسد على بطنها المنتفخة بحنوٍ، تستمد من حركات صغيرتها النابضة بالحياة بعض القوة، كأنها تشاركها الإنتظار ذاته، وتترقب وجود والدها بشوقٍ غريب .
خمسة أشهر غائب عنها، تفتقد وجوده وروحه، مزاحه اللطيف، وكلماته التي تشعرها بالأمان، تفتقد أحضانه الدافئة التي كانت لها كحصنٍ منيع أمام أي أذى .
سقطت دمعة على وجنتها المتوهجة، تتذكر يوم وقع عليها حكم المحكمة كقنبلة، فجرت ثباتها وجعلتها ترقد في الفراش عدة أيام، تستوعب ما حدث لزوجها الذي قرر سجنه ثلاث سنوات .
فُتح الباب الحديدي بقوةٍ افزعتها، التفتت نحو الباب بلهفةٍ وضحت على محياها، وارتجافة أطرافها .
وقفت ببطءٍ، تستقبل زوجها الذي توجه نحوها يضم كتفها باشتياقٍ يقبل رأسها مرارًا، جلسا جوار بعضهما على أريكة خشبية رفيعة، وأمسك داوود بكفها المرتجف، وقال بشوقٍ جارف نابع من داخل قلبه :
_ وحشتيني اوي، طمنيني عليكِ، أنتم كويسين
أشار إلى بطنها في نهاية جملته بقصد الإطمئنان على الصغيرة، فمد يدها تمحو دمعة كادت تسقط من عينها، وقالت مبتسمة :
_ كويسين الحمد لله، هانت احتمال أولد الاسبوع الجاي إن شاء الله
حين انتهت جملتها لم تقدر على التماسك، وتركت لدموعها العنان، وأخذت تضغط على كفه تعلن إنهيارها بتلك اللحظة، وهمست بصوتٍ محشرج :
_ مش مصدقة أن دهب هتتولد وأنتَ مش معانا يا داوود
ظهر الأسى على محياه من نبرتها المتحسرة، وحاول تهدئتها بهمسات لطيفة، ورغم ذلك خرج منه جملة تعبر عن مدى حزنه :
_ كنت مستني ولادتها بفارغ الصبر، بس هتهون إن شاء الله، الأيام هتمشي بسرعة
ازداد بكائها حتى تعالت شهقاتها الممزقة، وقالت بنبرةٍ يملئها الشجن :
_ مفيش يوم واحد مشى بسرعة من يوم ما غيبت عني
تنهد داوود بقوةٍ ومد يده يمسح دموعها المنهمرة، وقال بآسفٍ يظهر بحديثه السريع :
_ كنا فكرينها كام شهر وطالعين، مكناش نعرف أن يوم ما يتخفف الحكم هيكونوا ٣ سنين
وضعت يدها على فمها تتحكم في صوت شهقاتها، ثم رفعت رأسها تنظر إليه بعتابٍ لامس قلبه، وسألت بتشتتٍ وتيه :
_ طب مش أنتَ قولتلي إنك كنت بتساعد الحكومة، لية تتسجن ؟
تغضنت ملامحه بضيقٍ واضح على محياه، وتجعيدة ما بين حاجبيه، وأجاب عليها قائلًا :
_ عشان أنا متعاونتش مع الحكومة على طول، كنا بنسلم الشحنات عادي، بس من سنة بقينا بنسلم السلاح للحكومة مع مكان التجار من غير ما نكشف نفسنا .
صمت فجأة، يضم شفتيه بغيظٍ من نفسه، وترك الحديث لنظراته التي كانت تعتذر منها آلاف المرات، وحين عجز عن إكمال حديثه، همس معتذرًا :
_ أنا آسف، حقك عليا
استندت برأسها على ذراعه، تكمل بكائها بحُرقةٍ على ما آلت إليه الأمور، وقالت :
_ مش عارفة هعدي الأيام من غيرك إزاي ؟
_ الزيارة انتهت
باغتهما صوت الجندي الذي قطع لحظة مؤثرة بينهما، يعلن نهاية لقائهما .
فانتفضت معتدلة تنظر إلى الجندي، ثم نظرت إلى زوجها نظرة مودعة، فوقف هو وأخذ يدها يعاونها على القيام، شدد على يدها برفقٍ يود لو لم يتركها أبدًا، وهمس يوصيها :
_ لما تولدي خلي صهيب يبلغني
رفع كفها يلثمه بحُب، وحاول رسم ابتسامة هادئة على وجهه إلا أنها أظهرته أكثر حزنًا، وقال :
_ ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي
ابتسمت رغم الدموع التي لازالت تنساب على وجنتيها، وفتحت حقيبتها تخرج مصحف صغير ومسبحة طويلة، وضعتهما بيده وقالت بنبرةٍ ذات مغزى :
_ خلي دول معاك
ارتج قلبه حين وضعت المصحف بين يديه، وأومأ برأسه متفهمًا ما ترمي إليه وتشجيعها له للتقرب من الله في تلك المحنة، وقبل أن تتخطاه وتذهب أوقفها صوته الذي كان يعزف على أوتار قلبها لحنًا حزين :
_ ابقي خليه يجبلي صورة لدهب، عشان أشوفها
************************************
أغلق صهيب باب شقته، وقد قضى ليلة مرهقة في عمله، لا يحتاج سوا أن ينعم ببعض الراحة قبل أن يقابل المحامي الخاص بعمل شركة القاضي، للإتفاق على شخص مناسب ينوب عنه في العمل حتى يخرج شقيقه وأولاد عمه .
علق المفتاح على الحائط جوار الباب، والتفت متوجهًا نحو الردهة، تجمدت أقدامه بصدمةٍ حين وجد زوجته تجلس على الأريكة تبكي بحُرقةٍ، فتوجه نحوها بخطى سريعة، وقد وقع قلبه صريعًا لصورتها المنهارة .
جلس إلى جوارها، أمسك بكتفيها يجبر جسدها على الالتفات نحوه، وسأل قلقًا على حالها :
_ مالك يا حبيبتي؟، اية اللي حصل؟
رفعت جهاز صغير لإختبار الحمل أمام ناظريه، وقالت من بين شهقاتها :
_ مش حامل
تنهد بإرتياحٍ أن الأمر لم يكن بخطورة ما وقع بباله، ثم أحاط وجهها بين كفيه، يمسد بأنامله على بشرتها، وقال مبتسمًا حتى يهون عليها حزنها :
_ احنا مكملناش سنة جواز يا يثرب، لما ربنا يأمر هيحصل
همست بنبرةٍ مختنقة بالعبرات :
_ ونعم بالله
بررت له سبب بكائها وهي تمسح الدموع عن وجنتيها :
_ أنا بس كنت متحمسة اوي المرة دي، عشان كدا زعلت
قبل رأسها، وضمها إليه يمسد برفقٍ على خصلات شعرها المنسابة فوق ظهرها، وقال بتعقل دائمًا ما يستعمله لإقناعها بأي موضوع :
_ كل حاجة ربنا كاتبلها وقتها يا حبيبتي، متستعجليش رزقك
قاطع باقي جملته صوت رنين هاتفها الموضوع على الطاولة، مسح دموعها بأنامله ومد يده الأخرى ليأخذ الهاتف، فنظر لها بعتابٍ لاقى صداه على محياه، وسأل :
_ أنتِ قولتي لمامتك إنك هتعملي اختبار ؟
نفت برأسها، فقرص وجنتيها بمشاكسة، وقال مازحًا كي تتبدل حالتها النفسية :
_ اية الشطارة دي
أحاط كتفها حين أقتربت منه تدفن رأسه في حنايا صدره، فمسد على كتفها بلمسته الحنونة المعتادة، واردف :
_ روقي كدا وسبيها لله، ولأجل عيونك هطلب أكل من برا يا ستي
لمعت عيناها بسعادةٍ غامرة، واعتدلت بجلستها تقبل وجنته بإمتنان، وقالت مصطنعة الحرج :
_ والله يا حبيبي يعني لو مكنتش تحلف كنت هعملك أكل تحفة
_ بكاشة اوي، وبعدين كنتِ هتعملي اية اندومي لحمة و لا خضار
سخر في نهاية جملته على مهارتها العظيمة في إعداد الطعام، فنفت برأسها تقول بتلقائيةٍ وجدية :
_ لا، فراخ
تعالى صوت ضحكته على تلك النبرة الجادة التي تتحدث بها، وقال مازحًا :
_ يا سلام على ست البيت الماهرة
ضحكت بخفةٍ واضعة يدها على رأسها تستوعب ما قالته، انتهت ضحكتها حين رفعت رأسها وواجهت، نظراته الذابلة، وملامحه المرهقة، فأحاطت وجهه بين كفيها، وقالت بهدوء :
_ شكلك مرهق أوي، اطلب الأكل على ما احضرلك الحمام، خليك تنام شوية وترتاح
أومأ برأسه مرحبًا بتلك الفكرة، فوقفت متوجهة نحو المرحاض بينما أخذ هو الهاتف لطلب الطعام .
ثم أراح ظهره إلى الوراء، يتنهد بإرهاق وهو يبحث عن رقم عمته ليطمئن عليها .
وحين خرجت يثرب من المرحاض، كان صهيب أنهى مكالمته المختصرة مع عمته، ووعدها أنه سيمر عليها في المساء مع زوجته .
_ صهيب
قالتها يثرب وهي تتحرك اتجاهه، فأنتبه إليه واعتدل بإهتمام، جلست إلى جواره على الأريكة، وهمست بترددٍ تشير نحو الغرفة التي قُتلت بها والدته :
_ أنا فتحت الأوضة النهاردة، وشغلت فيها قرآن
ازدادت ملامحه بهوتًا، فأمسكت بيده تمسد عليها برفقٍ وحنو، وقالت معتذرة أن كانت ازعجته :
_ أنا آسفة لو ضايقتك، بس الموضوع مش هيتحل طول ما أنت مش بتحاول تعالجه
بعد صمت ثقيل، كان بمثابة طوفان يلتهم صدرها، همس بصوتٍ ضعيف :
_ كويس إنك عملتي كدا
ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها، ولمعت السعادة بعينيها، وأمسكت بكفه متسائلة :
_ يعني مش زعلان ؟
رغم التردد الذي يتراقص في مقلتيه، إلا أنه كان يؤيد فكرة كسر حاجز الخوف الذي يقيده بوثاق فولاذي، وخصيصًا أن الكوابيس التي كانت تسلبه الراحة، تختفي رويدًا بوجودها جواره .
نفى برأسه، وقال صادقًا :
_ لا، حتى الكوابيس بدأت تسبني في حالي
مدت يدها تضعها على وجنته، تحرك إبهامها بلطفٍ على لحيته، وقالت بنظرةٍ واثقة :
_ عارفة، وهتروح إن شاء الله، بس تواظب على اللي اتقفنا عليه، تاج الذكر كل يوم على قد ما تقدر
أخذ كفها التي وضعته على وجنته وقبل باطنه بحنانٍ بالغ، وأكد على حديثها حين قال :
_ فعلًا من يوم ما بدأت، وأنا ارتحت، وبدأت الكوابيس تخف
ابتهجت ملامحها كونها استطاعت توجيهه لِمَ يريح قلبه، وقالت مطمئنة :
_ الحمد لله
قطع باقي جملتها، صوت رنين جرس الباب، وبالتالي توقعت وصول عامل التوصيل بالطعام، فوقفت عن الأريكة وأخذت يده ليقف قائلة :
_ قوم أفتح على ما أجيب اطباق
أومأ برأسه مبتسمّا، ثم دنى منها يقبل وجنتها، وهمس بأذنها بما خرج من قلبه :
_ بحبك
************************************
دلفت رحيل صالون التجميل الخاص بكنزي، والذي أصبحت شريكة به الآن، فقد أصرت كنزي أن تُسجل نصف المحل بأسمها، كون داوود هو من أعاد المحل كما كان، بعدما كان رمادًا .
ما أن أغلقت الباب حتى أسرعت كنزي نحوها، وعلى يدها الصغير "مالك"، وضعته بين ذراعيها وهي تقول على عجلٍ من أمرها :
_ رحيل كويس إنك جيتِ، خلي مالك معاكِ عشان مش هيسكت مع حد غيرك، هكبس البروتين لواحدة بس .
أومأت برأسها، وحملت الصغير بكل ما تملك من حنانٍ تضمه إلى صدرها، وتوجهت نحو المكتب، تجلس على الأريكة تمسد بأناملها على وجه الصغير وشعره، دنت تقبل وجنته، وتستنشق رائحته التي تفوح كالمسك .
_ عمك هيوحشني اوي يا مالك
نطقت رحيل بصوتٍ تخنقه العبرات، عادت لتقبل الصغير وتهمس بكلماتٍ صادقة تعبر بها عما يعتمل بداخلها من حزنٍ على فراق زوجها، وعلى طفلتها التي ستولد دون وجوده، وختمت حديثها بنبرةٍ حزينة مليئة بالقهر :
_ صوته لسة بيرن في ودني، نبرة صوته فيها حزن مشوفتوش فيه قبل كدا
كادت أن تكمل جملتها لولا صوت طرق على الباب المفتوح، فنظرت نحو الطارق لترى فتاة من العاملات بالصالون، تبتسم في وجهها وتقول :
_ رحيل، المورد جيه برا وعايز حد يطلعلوا
ظهر الضيق جليًا على ملامح وجهها، وقالت متأففة :
_ كنزي لسة ماخلصتش
نفت الفتاة وأخبرتها أنها لازالت تستأنف عملها، تنهدت بغضبٍ ووقفت عن الأريكة، قائلة :
_ طب خلي مالك معاكِ، وأنا جاية اهو
وضعت مالك بين ذراعي الفتاة، واخذت بعض الأموال من درج المكتب، وخرجت بهدوءٍ من الغرفة متوجهة نحو الخارج .
تحاول نفض الضيق الذي يعتريها، حتى لا يظهر في تعاملها مع هذا البغيض الذي يشعرها بالغضب كلما تعاملت معه .
توقفت أمام المورد الذي كان شاب في الثلاثينات من عمره، يحمل حقيبة قماشية صغيرة بيده، ويقف أمام العربة المُحملة بالبضائع، مد يده كي يصافحها وقد ابتهج وجهه بابتسامة واسعة :
_ ازيك يا مدام رحيل، عاملة اية
تجاهلت يده عن قصدٍ والتفتت نحو العربة، كأنها لم ترآها بالأصل، فعندما صافحته في السابق سجن كفها بين قبضته ولم يفرج عنه إلا عندما نبهته بحدةٍ أن يترك كفها .
تجاهلت أيضًا صوت حمحمته التي خرجت من فرط الحرج، وقالت بهدوءٍ مشيرة نحو السيارة :
_ بخير، ممكن تنزل الحاجات هنا واحنا هندخلها
أومأ إليها وأشار إلى شاب يقف بالجهة المقابل للعربة، في إشارة لإخراج ما يخص هذا الصالون .
وحاولت رحيل الإنشغال عن نظراته التي تخترقها بوقاحةٍ في متابعة الشاب الذي يضع الأغراض على الأرض، لكن قاطع انتباهها صوته حين قال مباغتًا :
_ اسمحيلي بالسؤال يا مدام رحيل
التفتت إليه تضم شفتيها، كأنها تبتلع سبة وقحة كادت تخرج منها، فسأل هو بتوجسٍ :
_ هو أنتِ منفصل ؟
رفعت حاجبها بحدةٍ فكانت تشبه زوجها في هذا الوقت، وقالت غاضبة :
_ ودا يهمك في حاجة؟، خلص شغلك لو سمحت عندنا شغل
مدت يدها له بالأموال ثمن الأغراض، وحين أنتهى الأمر أشارت هي نحو الشارع في إشارة صامتة لرحيله، بينما هي توجهت إلى الداخل تخبر الفتيات أن يساعدوها .
دلفت مندفعة إلى غرفة المكتب، تشعر بالضيق من ذلك الشاب، وكأنها تستشعر ضيق زوجها من الموقف أن كان موجودًا، جلست على الأريكة تضع يدها في بطنها تمسد عليها حتى تهدأ ركلات صغيرتها .
نظرت إليها كنزي التي كانت تجلس على المكتب وعلى ذراعها الصغير، وسألت بقلقٍ من مظهرها الغاضب :
_ في اية مالك ؟
هتفت رحيل على الفور، تفرغ طاقة الغضب داخلها :
_ المورد دا إنسان غتت بطريقة، كل ما أشوفه بضايق من غير حتى ما ينطق
_ عينه منك ولا اية يا جميل، داوود لو هنا كان عمل منه قطع غيار
قالتها كنزي مازحة، فرمقتها رحيل بنظراتٍ غاضبة جعلتها تصمت وتغيير مجرى الحديث، فقالت :
_ مش أخت نهال جاتلي تاني، وقعدت تتحايل عليا عشان أطلع أختها من قضية تحريضها على حرق المحل
ضيقت رحيل عيناها عليها، وقالت بشكٍ :
_ شكلك كدا عايزة تتنازلي
أومأت كنزي برأسها، وشرحت لها الأمر من وجهة نظرها :
_ بصراحة عايزة اتنازل ويحلوا عني بقى، بس حمزة مش موافق الزيارة اللي فاتت حلف عليا، ومش عايزة ازعله
رفعت كنزي كتفيها، وقالت بهدوءٍ :
_ أنا من رأيي دا عقاب مرضي ليكِ، غلهم خلاهم يولعه في المحل وأنتِ جواه وحامل
ضمت كنزي الصغير إليها أكثر حين بدأ في البكاء، وقالت بنبرةٍ حزينة :
_ أنا زعلانة على عشرة العمر اللي راحت على الفاضي والله
قالت رحيل تحاول جعلها متفائله أنها ستقابل أشخاص يشبهون نقاء قلبها :
_ ربنا يعوضك بناس تستاهل طيبة قلبك يا حبيبتي
ابتسمت كنزي بخفةٍ، وبعثت لها قبلة بالهواء، وقالت بصدقٍ :
_ وربنا عوضني بيكم يا حبيبتي
***********************************
منذ عادت من الجامعة وهي تجلس جوار النافذة، تطلع إلى الخارج بشرودٍ، وجهها الذابل تزينه الدموع، الهالات السوداء تحيط عينيها، تُظهر عدم راحتها وحالتها النفسية السيئة .
أخر ما كانت تتوقعه أن يكون خطيبها التي وثقت به، قُبض عليه بتهمة تجارة السلاح، حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات .
انهمرت الدموع من عينيها مجددًا، وذكرى زيارتها له تتردد في ذهنها الآن بقوةٍ، كانت المواجهة صعبة عليها بشكلٍ كبير، وسماعها لقصته كاملة لأول مرة .
كانت يومها تقف أمامه بأعين باكية، خاوية من أي مشاعر للحب، تنظر إليه نظرة مختلفة تمامًا عن سابقتها، كأنها المرة الأولى التي ترها فيه .
أما هو كان يقف صامتًا بعدما انهى حديثه، وشرح لها ما أوقعه في فخ تلك التجارة اللعينة .
تقدم نحوها خطوة فتراجعت إلى الخلف مثلها، سقطت دمعة أخرى عن عينها تحرق قلبه لحزنها، وسألت بتحشرجٍ :
_ مقولتليش لية من الأول ؟
برر لها لِمَ أخفى عنها ذلك الأمر منذ دخل بغتة إلى حياتها :
_ كنت فاكر الموضوع هيعدي، لأننا بنساعد الحكومة
ضحكت ساخرة، ورفعت كفها الأيمن تريه خاتم الخطبة قائلة :
_ مش مبرر، احنا اتخطبنا
وللمرة الثانية برر بجملة ليس لها قيمة بالنسبة لها :
_ معرفتش أقولك، مقدرتش
انهارت باكية حين أنهى جملته، وسألت باكية مرتجفة :
_ دا الرد المناسب يا إلياس ؟
اقترب منها، يقف أمامها مباشرةً، يرى في عينيها الخذلان واضح، فهمس معتذرًا :
_ مايان، أنا آسف، أنا مش عايز اخسرك
ابتعدت عنه من جديد، وقالت بإستسلام :
_ مبقاش نافع فيها اعتذار، خالص
خلعت تلك الحلقة الذهبية التي تزين أصبعها، وبعدها الخاتم الأخضر، وسحبت يده عنوة تضعهما في كفه، تقول بنبرةٍ متحسرة :
_ كل واحد فينا من طريق يا إلياس
حاول رفض أخذ شبكتها، لكنها تركتها بيده وتراجعت عنه، تمسح دموعها المنهمرة بلا توقف، فنظر بكف يده إلى خاتم خطبتهما، وردد برجاءٍ :
_ بلاش يا مايان
مسحت دموعها بكفيها، وحاولت رسم الهدوء على محياها، وقالت مبتسمة بإقتضابٍ :
_ تخرج بالسلامة يا إلياس
شهقت بفزعٍ وتخلت عن تلك الذكرى حين اندفع شقيقها إلى الغرفة، وضعت يدها على صدرها ونهرت شقيقها بغضبٍ :
_ مش تخبط يا عمر
زفر عمر بضيقٍ، ورفع كفه الأحمر من شدة طرقاته على الباب، وقال :
_ أنا ايدي وجعتني من الخبط، قلقت عليكِ
ضمت شفتيها بآسف، وقالت :
_ معلش مأخدتش بالي، في حاجة
تقدم يجلس جوارها، ومد يده يمررها على خصلات شعرها المموجة، وسأل :
_ أنتِ كويسة ؟
نفت برأسها، وتنهدت بثقلٍ يعتمل صدرها، التفتت تنظر إلى الطريق المزدحم بالسيارات التي تقف في إشارة المرور، وهمست بأسى :
_ عمل معايا حاجات كتير حلوة، أنا بسببه دلوقتي في الجامعة
أمسك عمر ذقنها يجعلها تلتفت إليه، ينظر إلى عينيها الدامعة بشكٍ، وقال متسائلًا :
_ يعني أنتِ زعلانة بس عشان كدا ؟
نظرت إلى الأسفل تخفي نظراتها عنه، وهمست :
_ عشان وحشني
لا تستطيع كبح بكائها من بعدها، ارتمت بين أحضان شقيقها تتنفس بالبكاء عن ذلك الحزن الدفين بقلبها .
فمسد على ظهرها، يهمس ببعض كلمات تطمئن قلبها، وتهون عليها ثقل الأحداث عليها .
***********************************
فُتح باب غرفة الزيارة، فصدى صوته ارجف له قلب تلك المسكينة لقاء التي تقف بشحوبٍ في منتصف الغرفة، راقبت دخوله الغرفة يسير على قدميه بقهرٍ، تتذكر الآن كيف كانت تعتني به كالأطفال، وأنهت حياتها كشابة في خدمته .
_ جاية لية ؟
فاقت من شرودها على صوته الحاد، فابتسمت ساخرة من سؤاله وأجابت :
_ مشوفتكش من زمان واقف على رجلك، قولت لازم اباركلك
يمكن القول أنها مذهول مما فعله بها، تتسأل في نفسها ماذا اقترفت في حقه ليعمل على أيذاءها، وكان يجب الإجابة على الأسئلة التي تدور بخلدها .
اقتربت منه رغم ارتجافة بدنها الواضح من شدة خوفها منه، وسألت بأول سؤال كان لابد من إجابة واضحة له :
_ أنا عملت فيك اية عشان تعمل فيا كدا ؟
سقطت دمعة منها تليها أخرى وأخرى، وأشارت نحو قدميه صارخة بقهرٍ ينهشها منذ علمت الحقيقة :
_ أنا فضلت تحت رجلك بعد ما مثلت عليا إنك عاجز، مشلول
شهقت بحدةٍ، واقتربت منه يدفعه بصدره بكل ما أوتيت من قوةٍ، وأخذت تصرخ بغضبٍ :
_ عمر ما جيه في بالي إني اعمل حاجة تأذيك، حبيتك من كل قلبي، مشوفتش غيرك ليوم، عشت شبابي كله جنبك متحسرة على شبابك اللي راح هدر
أنهت حديثها، وأنهت طاقتها أيضًا، فتراجعت إلى الخلف تشير إلى نفسها قائلة :
_ دا يبقى جزائي
كانت نظراته كالجليد، تحيط قلبها بالبرودة، وترجفها أكثر، رفعت رأسه لأعلى بشموخٍ، كأنه يستعرض انتصاره عليها بكل جراءة، وقال بحقدٍ بائن :
_ وأنا عمري ما حبيتك، أنا اتجوزتك بس عشان اقرب من اخوكِ اكتر، ولما قدرت اخلص عليه واخدت كل اللي كان في ايده، كان لازم اتخلص منك
أغمضت عيناها من حرقة الحقيقة، وسألت بعدم استيعاب لقتله ولده دون أن يرى النور، وحرمانها من الأمومة طيلة حياتها :
_ مع إني كنت حامل في ابنك، طب لية موت ابني، لية حرمتني إني أكون أم
_ لاني شوفتك في حضن نصر "والد عزيز" يوم كتب كتابنا، وشغلتوا الدموع من الفراق، ودا عقاب الخيانة عندي
بهتت مصدومة، وتراجعت مبتعدة عنه بذهولٍ وعدم تصديق، فضحك ساخرًا على ردة فعلها حين اخبرها أنه يعلم حقيقتها، ازداد بكاؤها ووضعت يدها على صدرها قبل أن ينقلب السحر على الساحر وتصدمه بالحقيقة التي لا يعلمها :
_ نصر يبقى اخويا في الرضاعة يا غبي، لية مسألتنيش ؟
صرخت في نهاية جملتها كالمجانين، فنفى برأسه وصاح بغلٍ ظهر في لمعة عينيه المشتعلة :
_ كدابة، كنتِ في حضنه زي العشاق
نظرت إليه بإحتقار، وقالت بغضبٍ :
_ لا، أنتَ اللي حبيت تشوفها كدا، هو كان حضن أخ لأخته اللي بتتجوز وهتسيب المحافظة كلها وتمشي
دفعته بكل حقد في صدره عدة مرات، وقالت من بين أسنانها المطبقة :
_ عمري ما هسامحك على اللي عملته فيا، هستنى اليوم اللي هتلبس فيه البدلة الحمرا بفارغ الصبر
***********************************
ركضت السيدة لقاء في رواق المشفى، بعدما جاءت خبر أن رحيل تضع طفلتها .
الجميع يقف أمام غرفة العمليات في توترٍ، ويدوي صوت صرخاتها متعالية، تصف الألم الذي تعانيه، فوقفت السيدة لقاء جوار كنزي المرتجفة من رعب ما واجهته في ذلك الموقف، حين اخبرتها رحيل أنها تلد، ربتت على كتفها بحنوٍ، وأخذت تدعو الله أن تخرج منها على خير وطفلتها، والفتيات تأمن من خلفها على الدعاء .
بينما بالداخل، مر الوقت في معاناتها الأليمة حتى حلت الراحة محل الألم حين سمعت صوت بكاء طفلتها، فأعادت رأسها إلى الخلف في إرهاقٍ .
اختلطت الأصوات عليها، لكن صوته صدى في أذنيها كأنه موجود إلى جوارها، فظهرت ابتسامة هادئة على ثغرها، وأغمضت عينيها مطمئنة هادئة البال .
اليوم قررت استرداد روح تلك الغجرية التي تركتها وراء ظهرها منذ خطت بقدمها القاهرة، ستكون القوية التي تساند نفسها لأجل تلك الصغيرة التي ولدت دون والدها، حتي يعود زوجها إليها، يعمر بيتهما ويكون ذلك الدرع لهما .
