![]() |
رواية عودة الاحلام الوردية الفصل الرابع بقلم حنين محمود
الليل كان ساكن… لكن جوا القصر، كانت الأرواح بتتحرك زي نار تحت الرماد.
"فيا" واقفة في غرفتها، إيديها بتترعش وهي بتحاول تخفي الورق اللي فيه أوامر المهمة الجديدة، الورق اللي لو اتكشف، هيخلصها للأبد.
"اقتلوا وريث فليتشر…"
الكلمات كانت محفورة كالنار في عينيها.
لكن ازاي تقتل شخص بدأ قلبها يدق له؟
ازاي تخلص على أول حد شافها مش مجرد آلة قتل، بل إنسانة؟
جلست على السرير، رأسها بين كفيها، صوت المطر برا بيخبط على الزجاج كأنه بيحاول يوقظها من الكابوس.
تذكّرت جين فليتشر، معلمها، الرجل اللي أنقذها من الشوارع المظلمة ورباها على القسوة.
صوته القديم رجع في دماغها:
> "ماينفعش القلب يحكمك في عالم زي ده يا فيا، لأن أول نبضة حب هتكون أول رصاصة في صدرك."
بس هو ما علّمهاش إزاي توقف النبض.
ـــ✦✧✦ـــ
في الممر الطويل، كان "ريان" ماشي بخطوات بطيئة، بيحمل كوب القهوة وهو غارق في التفكير.
منذ ظهور "كارا" في حياته، كل حاجة اتبدلت…
الانتقام ما بقاش بنفس الطعم، والليل بقى أخفّ، والنار اللي جواه صارت تهدأ لما يشوف عيونها.
وقف قدام بابها، تردّد، لكنه طرق بخفة.
فتحت الباب، وكانت لابسة قميص رمادي بسيط، شعرها مبلول، ونظرتها حائرة.
قال بابتسامة خفيفة:
كنت عايز أشكرك… على اللي عملتيه امبارح. لو مش كنتِ موجودة، كان ممكن أضيع.
ردّت بصوتٍ هادئ، يخفي صراعًا داخليًا:
أنا كنت بعمل شغلي وبس.
ابتسم وهو يتقدم خطوة:
أحيانًا الشغل بيكون ستار لمشاعر تانية.
تراجعت خطوة للخلف، قلبها خفق بسرعة غريبة.
مش دايمًا… قالتها، لكن صوتها خانها، خرج كأنه همس مبحوح بين خوفٍ واشتياق.
اقترب أكثر، المسافة بينهما صارت أنفاسًا.
قال بصدقٍ لم تعهده من قبل:
أنا مش عارف إيه فيكِ بيخليني أهدى وأنا جمبك… ولا ليه بحس إنك عارفة الوجع اللي جوايا من غير ما أتكلم.
رفعت عينيها له ببطء، وقالت بكلمات خرجت من أعماقها:
يمكن علشان الوجع متشابه… واللي اتكسر مرة، بيحس باللي مكسور.
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة شبه همس:
طيب لو قلتلك نفسي أصدق إن الدنيا ممكن تدي فرصة تانية؟
ردّت وهي تنظر بعيدًا:
الفرص التانية بتكون أغلى لما نعرف إننا ممكن نخسرها في أي لحظة.
ـــ✦✧✦ـــ
مرّت الأيام التالية وهم بيتقربوا أكتر، مش بالكلام، لكن بالنظرات الصغيرة، بالحضور الصامت.
"ريان" كان بيعلّمها تقرأ الوجوه من غير كلمات، وهي كانت بتعلّمه يسمع قلبه من غير خوف.
لكن في كل لحظة دفء، كان ضميرها بيصرخ.
"انتي جاية تقتليه يا فيا… مش تحبيه."
لكن كل ما تشوفه، كانت الرصاصة تذوب قبل ما تغادر عقلها.
وفي يوم، دعاها "ريان" للعزف معاه في القاعة الكبيرة.
جلس على البيانو، وبدأ يعزف لحن حزين، بطيء، كأنه بيحكي عن عمرٍ ضايع في الانتقام.
قال وهو بيبص لها:
اللحن ده علّمهولي أبويا قبل ما يموت… كان بيقول الموسيقى علاج لكل حاجة.
اقتربت وجلست جنبه، لمست أصابعه على المفاتيح، وقالت بهدوء:
بس أحيانًا الموسيقى مش بتعالج… هي بتفتح الجرح اللي كنا بنحاول ننساه.
ابتسم بخفة:
يمكن علشان لازم نحس بالألم علشان نعرف إننا لسه عايشين.
كانت اللحظة ساكنة، والعيون بتتكلم بصوتٍ أعلى من أي نغمة.
مد يده بلطف ولمس خدها بإصبعه، وقال بصوتٍ واهن:
كل مرة ببص في عينيك بحس إني عايز أصدق في الأمان… حتى لو كان وهم.
أغمضت عينيها، ودمعة نزلت من غير ما تقدر تمنعها.
ريان… في أوهام بتكون أصدق من الحقيقة.
اقترب أكثر، لحد ما أنفاسه لامست خدها، قال:
لو ده وهم، خليني أعيشه.
ثم طبع قبلة خفيفة على جبينها، قبلة مليانة خوف، شوق، وصدق.
ـــ✦✧✦ـــ
لكن اللحظات الجميلة في عالمهم عمرها قصير.
بعد ساعات، وصلها اتصال مشفّر من "العنكبوت":
> "الوقت انتهى. التنفيذ الليلة. لو فشلتِ، انتي الهدف القادم."
تجمدت مكانها، التناقض بيقتلها.
مسحت دموعها، وفتحت الدرج، طلعت المسدس.
لكن صوت الباب اللي اتفتح فجأة خلاها تجمد.
كان "ريان" داخل الغرفة، والضوء بينعكس على وشه، والهدوء الغريب في صوته كان زي السكين:
المسدس ده لمين يا كارا؟
الوقت وقف.
الهواء اختنق.
نظراتهم اصطدمت ببعض، مليانة صدمة، خيانة، وحب مكسور.
قال بخفوتٍ مبحوح:
كنتِ جاية تقتليني… صح؟
ما قدرتش ترد، لكن دموعها كانت الإجابة الوحيدة.
اقترب منها ببطء، رفع المسدس اللي كان بإيدها، وحطّه على صدره وقال:
يلا، خلّصي شغلك يا فيا.
اتسعت عيناها،
انت عارف؟!
ابتسم بألم:
من أول يوم… كنت بشوفك بتخافي من نفسك أكتر من أي حد. بس كنت مستني أشوف، هل فيا اللي جين ربّاها أقوى، ولا الإنسانة اللي أنا لمحتها في عيونك.
دموعها سالت بغزارة، صوتها كان متكسر:
أنا… أنا ما كنتش عايزة… أنا وقعت.
قال بصوتٍ هادئ كأنه بيعترف:
وأنا كمان وقعت… في أكتر غلطة ممكن تحصل في العالم ده… الحب.
ـــ✦✧✦ـــ
الهواء كان ثقيل، العيون مبلولة، والمسدس بين أيديهم بيهزّ مصيرهم الاتنين.
قالت فيا بخفوتٍ يرتعش:
أنا اتعلمت إن الحب ضعف… بس انت علّمتني إن الضعف ممكن يكون إنسانية.
اقترب منها أكتر، وضمّها بصمت، كأنه بيخفيها من العالم كله.
في اللحظة دي، سقط المسدس على الأرض، وارتفع نبض قلبين بيتحدّوا الماضي والموت.
لكن بعيد… في غرفة المراقبة، كان أحد رجال "العنكبوت" بيتابع المشهد بابتسامة باردة وهو يهمس في اللاسلكي:
> "الخطة نجحت… المرحلة الأخيرة تبدأ الآن."
