رواية امرأة العقاب الفصل الثامن والستون
جلنار بسيارتها أمام مقر شركة الشافعي تم فتح الباب ونزلات وقادت خطواتها القوية للداخل ... مرتدية نظارتها الشمسية الخاصة وعلى شفتيها ابتسامة تنضح بسعادة الانتصار ، فقد وصلت لها الأخبار في الصباح الباكر بأن خطتها الشيطانية نجحت وأنها تخلصت من تلك
الدخيلة التي تحاول أخذ زوجها منها!.
كانت تسير بالشركة وهي تعرف جيدا وجهتها اين ستكون ملامح وجهها البريئة والناعمة باتت كلها حيث وبأس يليق بأنثى مثلها .. وصلت أخيرا أمام الغرفة المقصودة، وتوجهت الباب دون أي مقدمات لتراها جالسة فوق مقعد مكتبها تدفن وجهها بين راحتي تتوقف وتبكي بصمت ومن
حولها اشيائها الخاصة متجمعة مما يدل على أنها تستعد لمغادرة الشركة والعمل كله.
ابتسمت جلد مستنكرة ثم أغلقت الباب خلفها وتقدمت نحوها لتقف أمام مكتبها وتنحنى قليلا هامسة بنبرة تحمل الشماتة والسخرية:
زعلت أوي أوي لما عرفت باللي حصل ... واتمنيت إني لو كان بإيدي حاجة اقدر ساعدك بيها
بس للاسف مفيش ... كان في وخلص ا
رفعت مروة رأسها عن راحتي تتوقف ورميت جلنار بنظرة نارية تكاد تحرقها بأرضها من شدة
الغضب وسرعان ما وثبت واقفة وقالت منفعلة:
انتي اللي عملتي كذا !!
اخف جلنار ابتسامتها بصعوبة وتصنعت البراءة وهي تجيبها بعدم فهم مزيف :
عملت ايه ؟
مروة بعصبية وحرقة :
انتي اللي خلتيهم ياخدوا ورق الصفقة الجديدة والفلوس ومفتاح الخزنة من مكتب عدنان بيه ويحطوهم عندي في المكتب عشان تطلعيني حرامية ويطردني من الشركة
في حجب ابتسامتها المتشفية والمتعالية بعد عباراتها .. مما أكد للأخرى حقيقة شكوكها أنها هي المتسببة في كل شيء فصاحت بها مستاءة ومتوعدة :
هقوله لعدنان .. هقوله إنك انتي اللي ورا اللي حصل ... وهروح دلوقتي كمان واقوله
أنها عباراتها واندفعت نحو باب الغرفة تنوي المسافرين وتنفيذ وعيدها بأن تكشف مخطط
زوجته ضدها لكن صوت جلد المخفف بالثقة والصلة أضعف من شجاعتها بلحظتها وجعلها التصلب بأرضها وبعد أن كانت حماستها تدفعها بكل قوة بات ترددها يتحكم بها :
وإنتي متخيلة إنه هيصدق الكلام الفارغ ده .. هنحطي نفسك في موقف الذي لا غنى عنه
وهتقللي من كرامتك أكثر لأن عدنان مش بيرحم في شغله ... وطبيعي جدا يصدقني أنا بقت الأخرى مكانها متسمرة بينما جلنار فتقدمت منها واستظارت لتصبح بمواجهتها
بنظرة كلها غضب وشر :
أنا حدرتك وقولتلك ابعدي عن عدنان بالذوق بس انتي مادركتيش التحذير وتحدثيني
ثم سكنت للحظة وتابعت بعدها بلهجة تحمل التباهي :
اظن دلوقتي انتي عرفتي مين جلنار الرازي .. أو خلينا نقول جلنار الشافعي
أنه عباراتها واستدارت تهم بالانصرافها
حظا سعيدا .. هتوحشينا أوي
ثم فتحت الباب وغادرت لنترك الأخرى تشتعل غيظًا ... ترغب بالانتقام ولكن ليس بوسعها فعل شيء سوى السير من التيار حتى تدعه يلقي بها اينما يريد ... فربما كان هذا هو عقاب محاولاتها
للتقرب من رجل متزوج.
فور خروجها من غرفة مروة وكانت بطريقها لمغادرة الشركة لكن الصوت الغليظ والمميز على
أذنها جعلتها تتجمد مكانها ... بالتأكيد كان صوته .. صوت "عقابها".
التفتت له يجسدها كاملا وطالعته بثبات دون أي توتر على عكس نظراته الثاثة الممتلئة بالشك. والتي تقذف الخوف في القلوب ... لينهي الصمت بينهم وهو يمر من جوارها هامتا بخشونة :
تعالى ورايا !
لم تتفوه بحرف واحد ... فقط سارت خلفه منصاعة خلف أوامره في طاعة تظهر نادرا عليها !! .
وصلا لغرفة مكتبه الخاصة ودخل هو أولا لتتبعه هي وتغلق الباب خلفها
المتوقع وهو يقول :
كنتي يتعملي إيه في مكتب مروة 15
ابتسمت وردت بكل بساطة وهي تقترب منه :
ولا حاجة لما جيت عرفت بآخر الأخبار واللي حصل فحبيت اروح أودعها
رأته حاجيه اليسار الصعود في حركة تلقائية منه عندما يكون غير مقتنع أو الشك يتملكه ... لكنها لم تترك الفرصة له ليتأكد من شكوكه حيث بقيت تقف أمامه بكل ثبات وشجاعة كأنها تؤكد له العكس ..
عدنان بصوت رجولي :
جلد انتي في حاجة محبيها على ؟
هزت رأسها بالنفي
بصوت طبيعي :
حاجة ايه ! .. هخبي عنك ايه يعني !
عدنان بنظرة دقيقة .
معرفش ، أنا بسألك !
لا مفيش متقلقش
القى عليها نظرة دون اقتناع وقال بهدوء :
كويس !!!
تابعته بعيناها وهي تراه يستدير ويسير مبتعدا عنها ليجلس فوق مقعده ويبدأ في متابعة أعماله متجاهلا وجودها عمدا ... رغم خنقها إلا أنها لم تعلق وسارت بخطوات ناعمة نحو الارتفاع
المجلس فوقها وتتأمله بنظراتها وهو يعمل ... على أمل أن يرفع نظره لمرة واحدة ويتطلع لها لكنه
كان ماهرًا في التصرف بقسوة مما مزق قلبها القا.
قررت أن تنهي الظروف القاتلة بالصمت وسألته برقة :
مش هتسألني جيت ليه !!
ابتسم ورد بدهاء رجولي ومكر :
مش هسألك لأن واضح إن حد قالك على اللي حصل الصبح وجبتي عشان تفرحي فيها استشاطت غيظا ووثيت واقفة ثم اندفعت نحوه لتقف أمام مكتبه وتنحنى عليه صالحة يغضب
امتزج بنظراتها المتأججة بنيران الغيرة :
و مفرحش ليه .. واحدة كانت كل هدفها إنها تقرب من جوزي وتحاول تخطفه مني وعيني
عينك كانت بتتحداني ... يبقى افرح واشمت كمان فيها
لم يعلق ويقى ساكنا يحاول الظهور بثيات حتى لا تخونه ابتسامته ، ليقول ببرود ماهر : اقعدي ومش على أي حاجة تعصبي نفسك بالشكل ده ... مش أنا اللي مفكرك بكلام الدكتورة |
كادت أن تجيبه صالحة لكن فور أن تخللت رائحة عطره لأنفها ... أثارت معدتها بشكل سيء
وضعها فورًا تهرول نحو الحمام ...
الحق بها ووقف خلفها يمسك بشعرها ويحاوطها بذراعه ها مشا باهتمام وقلق :
جلد هو الاستفراغ الكثير ده طبيعي ... تروح للدكتورة طيب
توقف عن التقيق بعدما أفرغت معدتها تتركت مياه الصنبور لكي تغسل وجهها لكنه أبعد يدها
بلطف وراح هو يغسل لها وجهها برقة تم اغلق المياه والنقط المنشفة الصغيرة ليناولها لها حتى تجفف مياه وجهها ... رغم ما فعله وتصرفه العاطفي والجميل إلا أنه لم يشفع له حيث صاحت به بعدما انتهيت من تجفيف وجهها :
قولتلك مية مرة متحطش عطر ده
وأنا إيه عرفني إنك جايا الشركة النهارده !!
صمتت حين لم تجد الكلمات التجيب عليه .. مرت نصف دقيقة تقريبا حتى وجدها تقترب منه وتهمس ينظر مشتعلة تحمل وعيد شيطاني :
متتوقعش مني اشوف واحدة بتحاول تقريلك وتاخدك مني واسكت ... لا يمكن اسمح يا عدنان .. واياك تدافع عن واحدة قدامي عشان هتندم
كان مدهوشاً من تحولها الغريب ... كأن زهرته الحمراء الرقيقة أصبحت زهرة صبار قاسية وشرسة ، لا يستطيع اخفاء أن ذلك التحول في "رمانته" أعجبه كثيرًا ... وغيرها المختلفة التي
تركته واندفعت خارج الحمام ... ليظل هو مكانه ويطلق عنان ابتسامته أخيرًا وهو يهمس : انتي يقي يتخاف منك يا رمانتي !
داخل معرض آدم الشافعي ........
كان يجلس فوق مقعد الرسم خاصته وأمامه لوحته يمر بفرشاته عليها في حركة دقيقة ومدروسة وكانت مهرة بجواره تتابعه مبتسمة بإعجاب وحب .. وهو بين كل لحظة والأخرى
بعد وقت طويل من الصمت بينهم قطعته هي بهمستها الجميلة :
ادم
رد عليها في حنو دون أن يرفع فرشته عن اللوحة :
عيونه |
ابتسمت بالبداية كردة فعل تلقائية على كلمته ... لكن سرعان ما تلاشت الابتسامة وتنهدت بعمق
ثم اردفت في توتر من ردة الفعل التي ستقابلها منه :
انت مش ناوي ترجع لمامتك وتسامحها !
توقفت يده وانزل الفرشاة ببطء لا إردانا تم التفت لها براسه وقال في غلظة وتحولت تبرته من الحنو والغرام الأخرى يملأها الغضب والخنق :
مهرة أنا قولتلك كذا مرة بلاش تتكلم في الموضوع ده
اجابته بقوة وضيق :
وبلاش ليه إنت هتفضل طول عمرك مش عايز تكلمها ولا تشوفها يعني
رمقها بنظرة منذرة وعينان بدأت تلوح بهم بشائر السخط الحقيقي :
مهرة
لم تكثرت لتحذيراته وأكملت هي مستاءة منه :
إنت لو شفتها لما جات عندي كان وضعها وحالتها ازاي ... هتندم أوي وهتكره نفسك ... هي
روحها فيك إنت وعدنان ومش قادرة تستحمل بعدكم عنها ، حتى لو هي غلطت متبقوش
غضن حاجبيه بدهشة وسألها :
قاسيين عليها بالشكل ده، خصوصا أنها عرفت غلطها وندمت
جات عندك امتي وفين ؟
أخذت نفسا عميقا وردت بهدوء :
جات قبل الخطوبة في المكتبة ... كانت جاية تعتذر مني على معاملتها ليا وكل حاجة ... وبجد. أنا وقتها حسيت بحبها وتعليقها بيكم وإنها مهتمتر لكرامتها ولا كبريائها اللي معروفة بيهم طبعا
وجات واعتذرت مني بنفسها .. بس عشان ترضيك
شعر بتلك اللمعة الصغيرة في أعمق نقطة بقلبه تلين لها ... لكن فور تذكره لأفعالها الشريعة يعود
غضبه ونفوره منها مرة أخرى .. بينما مهرة ففسرت صمته بأن استسلم أخيرا وثلوج قلبه ذابت وسيسامحها لكنها لم تكن تدرى أن هناك طوفان سينفجر بها الآن، حيث اقتربت منه أكثر وقالت
باسمة برفق :
قوم بينا يلا نروح لها وقولها إنك سامحتها ... مهما كان غلطها صدقني ميستحقش إنك تخسر
مامتك بسببه يا آدم ... كفاية أنها ندمانة
وها هو الطوفان قد وصل حيث صاح بها بصوري جهوري نفضها مكانها :
مهما كان غلطها ... طبعا هي مقالتكيش على غلطها ولا عملت ايه ومتقدرش تقول أصلا ... تصرفي أنا وعدنان معاها ده اقل عقاب ليها بعد كل المصايب والبلاوي اللي عملتها ... متفتحيش
الموضوع ده تاني قدامي يا مهرة والافضل متدخليش في الأمور العائلية
اتسعت عيناها في صدمة بعد آخر عباراتها ... وكأن تلك الجملة الأخيرة انطلقت كسهم مسموم واستقرت بيسار صدرها ... جعلت قسمات وجهها تنقوس وتتبدل كليا من القوة والحنو إلى
لخجل وحزن ..
امامت برأسها في تفهم وقالت باسمة بمرارة :
عندك حق .. أنا آسفة
ثم هيت واقفة تهم بالمغادرة لكنه قبض على ذراعها كأنه أدرك فداحة خطأه الآن وقال بنظرة نادمة :
مهرة أنا مكنتش اقصد والله ...........
قاطعته وهي تسحب يده ببطء من قبضته وترد باسمة في طبيعية مزيفة :
أنا مش زعلانة يا آدم ... وأنت عندك حق أنا مكنش يصح الدخل .. عموما أنا همشي عشان اتأخرت
استقام واقعا ورد بأسف حقيقي يظهر في عيناه :
طيب استنى هوصلك
رفضت رفض قاطع واجابته بحزم :
لا ملوش لزمة ... انا همشي وحدي خليك انت كمل لوحتك
أنهت جملتها واندفعت مسرعة لخارج المعرض بينما هو فلحق بها شبه ركضا وصاح عليها :
مهرة استنى
اجابتها بقوة وضيق بدأ يظهر في نبرة صوتها :
ادم قولتلك همشي وحدي ... والأفضل تتكلم بعدين لما تهدي
جملتها جعلته يتسمر مكانه وهو يتأفف ويلعن حماقته على ما تفوه به !! ........
نزلت هنا أولا من السيارة قبل أمها واسرعت ركضا نحو المنزل حيث توجد جدتها ... وكانت جلنار خلفها تسير بهدوء نحو الداخل .
فور دخولهم رحبت بهم الخادمة بكل حب وسعادة بينما الصغيرة فركضت مسرعة للأعلى حيث غرفة جدتها .. ويقت جلدار بالأسفل بعد أن جلست فوق الأريكة ... لتسمع صوت الخادم بعد
تواني وهي تقول :
اجيب لحضرتك إيه حاجة تسريبها يا جلنار هانم
نظرت لها جلنار وابتسمت يلطف ثم ردت :
شكرا يا سماح ... بعدين انا مش غريبة لو عايزة حاجة هقوم اجيبها بنفسي .. إنتي معاكي شغل
روحي كمليه
سماح مبتسمة بود.
طيب استأذنك أنا يقى
ظلت جلدار مكانها تتجول بنظرها بين أرجاء المنزل بعد رحيل الخادمة وكأنها ترى المنزل للوهلة الأولى ... تشعر بطاقة غريبة تملأ المنزل ... ربما الحزن، أو التفكك ، كانه بيت مهجور لا يسكنه بشر !! .
استقامت واقفة من مقعدها لتتحرك ببطء نحو مكتب عدنان الخاص .. فتحت الباب برفق شدید و دخلت ، رائحته كانت تملأ الغرفة بأكملها ... أولا تبقتها من عدم وجوده لكانت شکت
باختفائه بين أرجاء الغرفة !! .
أغلقت عيناها وتركت العنان لائفها وروحها في استنشاق رائحته .. الغريب أن تلك الرائحة لم تثير معدتها كالعادة بل أيقظت مشاعر الشوق بثناياها .. ولأول مرة منذ فراقهم يتملكها شعور الرغبة في معالقته والنوم بين ذراعيه ... اشتاقت له كثيرا ... يبدو أنه لن يكون وحده من يعاني
من الام الشوق !! .
ارجعيله !
عبارة خرجت من صوت أنثوي من خلفها .. كانت " أسمهان " 11
استدارت جلنار بجسدها للخلف وابتسمت بمرارة ترد عليها في ألم :
المرة دي هو اللي مش عايزني
اردفت اسمهان دون تردد :
عاء
ضيقت عيناها بدهشة من أهانتها الصريحة كما ظنتها لكن سرعان ما تابعت وهي تقترب منها : تبقى غبية بجد باجلنار لو فكرتي كدا ... عدنان مستحيل يكون مش عايزك هو بس عايز يحس بتمسكك بيه وحبك ليه زي ما هو بيحبك ... هو حس كثير إنك بيعاه ومش عايزاه وده اللي مضايقه أكثر من موضوع فريدة
سكنت للحظة ثم أكملت بعينان لامعة بالدموع :
أنا كنت غبية وبسبب غروري وشري وحقدي خسرت ولادي .. بلاش إنني كمان تبقى زي
وتخسريه حافظي عليه ومتسبهوش هو محتاجك جدا
تقدمت منها جلنار وقالت باسمة بلطف :
انتي مخسر تهمش ... ده عقاب وحتى لو كان قاسي عليكي بس لازم تستحمليه .. اللي انتي
عملتيه من قليل واخطائك صعب إنه يتقبلها حد وخصوصا عدنان وادم
هتفت أسمهان باكية :
أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان يسامحوني
جلنار بصوت رخيم :
هما لما يحسوا بندمك بجد هيرجعولك ومسيرهم في يوم شوقهم وحبهم هيغليهم
نظرت لها وطالعتها بحيرة ثم ردت :
طب وإنتي ... ازاي واقفة جمبي وبتواسيني يا جلنار رغم كل اللي عملته فيكي
ارتفعت التغره بسمة واسعة ثم تمتمت بلطف ورقة تليق بتلك الزهرة الجميلة :
انتي كنتي بتكرهيني بسبب حبك لبابا وغيرتك من ماما الله يرحمها .. واحيانا كنت بعذرك
وبديكي الحق إنك تكرهيني لأن دي حاجة مش بإيدك .. لكن ده مش معناه اني سامحت في الأذية وخصوصا في محاولتك القتلي أنا وبنتي .. صعب أوي أسامح لكن اقدر أقولك إن ندمك
الحقيقي اللي شيفاه قدامي ده خلاني أصفالك شوية
انخرطت أسمهان في نوبة بكاء عنيفة لم يوقفها سوى دخول هذا التي كانت تركض باتجاه أمها
.. واسرعت اسمهان في تجفيف دموعها حتى لا تراها الصغيرة ......
بتمام الساعة الحادي عشر قبل منتصف الليل داخل مقر شركة الشافعي تحديدا بغرفة
الاجتماعات.
كان يجلس عدنان بمفرده حول الطاولة الضخمة ... يجلس بمقصورتها في مكانه المخصص له .... وعيناه عالقة على اللاشيء أمامه بفراغ ، وعقله شارد في التفكير بزهرته وابنته .. لا يمكنه
إيقاف صوته الداخلي الذي يصرخ بكلمة واحدة فقط " شوق ... جزء منه غاضب وجزء يتألم من الفراق ... نصف يريدها أن تكون بين ذراعيه الليلة قبل غذا ونصف ينتظر رؤية ضوء العشق
والرغبة بعيناها .
ربما من شهر فقط أو أكثر منذ فراقهم لكن الأيام مرت كالسنوات عليه وهو يقضى الليالي وحيدا بالمنزل .. معتقدا لصوت خطوات صغيرة قلبه بالمنزل وصوت ضحكاتها .. مشتاقا لرائحة "
رمانته " ومشاهدته له بينما تنتقل أمامه كالفراشة الجميلة .
تعهد باثبات عشقه الدفين، لكن الظروف سبقته وحققت تعهده ... تلك الظروف التي قامت هي بصنعها حين اختارت النهاية بدلا من البداية ..
رفع كفيه ومسح على وجهه منافقا بخنق تم جذب مفاتيح سيارته وهاتفه واستقام واقفا ليغادر الغرفة ومنها الشركة بأكملها ! .
استقل بسيارته وانطلق بها يشق الطرقات بسرعة شديدة ... وبينما كان ينوي الذهاب للمنزل توقف بمنتصف الطريق بعد تفكير لم يدم طويلا وغير وجهة سيارته لتصبح وجهته الجديدة نحو منزل نشأت الرازي .
دقائق طويلة نسبنا وتوقف بالسيارة أمام منزل نشأت ليفتح الباب وينزل ثم يقود خطواته للداخل ... وكالعادة بات الأمر طبيعيا بالنسبة لبدرية " الخادمة " حيث اعتادت على زيارته المسانية هذا كل عدة أيام لكي يطمئن على ابنته وزوجته ... وبكل مرة تستقبل بنفس الحرارة والود وهو يبادلها الابتسامة العذبة ... لكن اليوم كان عابس الوجه ، مهموم ووجه شاحب كانه لم يذق النوم أو الطعام منذ أيام ... حتى أنها طالعته باستغراب ولم تعقب فقط تابعته وهو يصعد
الدرج للطابق الثاني حيث غرفة ابنته وزوجته .
تقدم عدنان من غرفة ابنته وفتح الباب بحذر شديد حتى لا يوقظها ثم دخل و اقترب من فراشها وجلس بجوارها على حافته ... لينحني قليلا عليها ويلتم شعرها وجبهتها بحنو .. تم يمد أنامله يكررها بين خصلات شعرها برفق هامشا :
البيت وحش أوي من غيرك يا قلب بابي ... أنا مبقتش قادر ارجع البيت كل ليلة وأنا عارف إن انتي وماما مش موجودين فيه
صمت للحظة ثم تابع بمرارة :
رغم إلي بشوفكم كل يوم بس مشتقالكم لدرجة لا يمكن حد يتخيلها ... وحشتيني ياهنايا . با روح بابي
ثم مال عليها مجددا وراح يلتم شعرها ووجنتها بعدة قبلات متتالية .. ابتعد بعد ثواني واستقرت في عيناه نظرة دافئة كلها حب أبوي نقي قبل أن يستقيم واقفا ويغادر غرفتها بنفس الهدوء والحذر.
كانت وجهته الثانية معروفة وهي غرفة جلدار ... وصل أمام الباب وفتحه برفق ثم دخل واغلقه خلفه ليتقدم من فراشها في خطوات هادئة .. وقف الدقيقة كاملة يتأملها بصمت وعينان تنضج بالشوق والحزن ثم جلس على حافة الفراش وبعد تفكير عميق من الامله مترددا خشية من أن تشعر به وراح يتحسس برقة بشرة وجهها الناعمة وكذلك خصلات شعرها السوداء كسواء ذلك الليل ... حين يراها وهي نائمة هكذا بكل هدوء تبدو تماما كملاك جميل نائم عكس تلك المرأة الشرسة والعنيدة التي يراها بالصباح ... وأن كان يجب عليه الاعتراف فهو يعشقها بكلنا .....!! الحالتين
مال عليها ولتم جانب تغرها بقبلة مطولة يصب بها بعضا من شوقه لها ... قبلته كانت تتحدث بدلا عنه وتغير عن كل تخطيات نفسه التائهة في فراقها عنه ! ..
رفع وجهه واستقرت عيناه على بطنها المرتفعة قليلا فانتقل بشفتيه إليها ليطبع عدة قبلات متتالية فوقها وهو بيده يتحسسها برقة شديد ... ابتعد بعد دقائق حين شعر بتلك الدموع المتمردة سنخونه وتسقط ليهب واقفا يهم بالرحيل لكن ملمس يدها الناعمة وهي تتعلق بيدها جعله يتصلب بارضه .. يبدو أن أحدهم كان يتصنع النوم !! .. التقت براسه لها ليجدها تعتدل في نومتها وتطالعه بعينان لامعة بالندم والأسف وتهمس :
خليك يا عدنان
طالت نظرائه الصامتة والدقيقة لها قبل أن يستدير مجددا ينوى الرحيل لكنها أسرعت هذه المرة ووثبت واقفة تلحق به وتقف حاجزا بينه وبين الباب تمعنه من المغادر هاتفة باسف ورجاء : انا اسفة !
بقى صامتا دون أن يجيب يتصارع مع ذلك الصوت الذي يصرح عليه بأن يقبل اعتذارها .. لكنه عناده وأبعدها برفق من أمام الباب هامشا في خفوت : تصبحي على خير
جملة مغايرة تماما عن اعتذارها وقدمها وتلك اللمعة التي بعيناها وتصرح يشوقها له .. ألم يرى الرغبة الجامحة بعينيها ١١٢ .
تركته يرحل وهي مصدومة ودموعها تنهمر بصمت فوق وجنتيها ... لوهلة انتابها شعور باليأس وأنه لم يعد يريدها حقا أو يحبها كالسابق لكن جملة اسمهان قذفت بدهنها وإعادتها لوعيها " تبقى غبية بجد يا جلنار لو فكرتي كدا ... عدنان مستحيل يكون مش عايزك هو بس عايز يحس بتمسكك بيه وحبك ليه زي ما هو بيحبك ... هو حس كثير إنك بيغاه ومش عايزاه وده اللي مضایقه اكثر من موضوع فريدة .... ربما قد حان دورها هي التثبت له حبها !!! .
بصباح اليوم التالي .
بعد تفكير طويل وعميق طوال الليل حسمت قرارها بأن اليوم سيكون هو بداية النهاية .. لكن لن تكون نهايتها هي بل النهاية التي أرادها هو منذ البداية ..
وما هي تقف الآن باب منزلها ... اخرجت المفتاح ووضعته بالقفل تم فتحت الباب ودخلت ... أخذت نفسا عميقا فور دخولها ، تعد نفسها لمعركة ليست هيئة في محاولة ليل مسامحته
واصلاح خطأها .
قادت خطواتها المترينة للطابق العلوى من المنزل وهي تبتسم يحب وحماس امتزج ببعض الخوف .. وبيننا كانت منشغلة بالتفكير إذا بها فجأة تجد نفسها أمام باب غرفتهم .. تنفست الصعداء مطولاً ثم مدت يدها للمقبض وفتحت الباب برفق شديد لتدخل وكما توقعت كان مازال نائها في فراسهم ولم يستيقظ بعد ... على شفتيها ابتسامة عريضة ومتشوقة لتتقدم منه وتجلس بجوار رأسه في الفراش وتتمعن النظر به وهو نائم تتأمله مبتسمة يحب ... رغم أن الحياته وشاربه نموا وأصبحوا أكبر إلا أنهم لم يزيدوه سوى وسامة ورجولة ... لا تعرف ما المشاعر الشوق والحب الجامحة التي تسيطر عليها هذه ربما قد تكون بسبب هرومانات الحمل أو لا تدري ا.. لكنها وجدت نفسها دون أي تردد أو تفكير تدنو منه وتلتم وجنتيه بقبلات عميقة وحارة ... ولم تتدارك نفسها إلا حين رأته يفتح عيناه ويتطلعها بنظرة مذهولة .. بعدها فوزا وجدته يلتفت برأسه حوله وكأنه يتأكد أنه استيقظ ويعود وينظر لها مجددا التخرج من بين شفتيه الطف واغرب حملة على الأطلاق تخيلت أن تسمعها منه :
هو أنا لسا يحلم ولا إيه !!!
