![]() |
رواية الشبح العاشق الجزء الثالث الفصل السادس بقلم رباب حسين
وكأن الخيانة خنجر مسموم لا يُغرس في الجسد بل في الروح.... وقف وئام أمامها وهو لا يزال يصدق الوهم الذي رسمته بملامحها الناعمة وكلماتها المطمئنة لكنه حين لمح الحقيقة تتسرب من عينيها شعر وكأن قلبه قد تمزق بين ضربة وأخرى.... لم تكن الخيانة صرخة ولا اعترافًا صريحًا بل كانت سكينًا صامتًا انغرس في خاصرته من حيث لا يدري.... كل ذكرى.... كل وعد.... كل ليلة قضياها معًا تحولت إلى سهام تضرب داخل قلبه العاشق الجريح.... شعر أن العالم انهار.... أن البيت الذي بناه صار أطلالًا من رماد.... وأن الحضن الذي احتمى به يومًا صار خنجرًا يقتله ببطء بعد أن كان هو السيف الذي يحميه..... فالخيانة ليست فعلًا عابرًا بل موت طويل.... طعنة لا تترك جرحًا ظاهرًا لكنها تفتح في الروح صدعًا لا يلتئم أبدًا.... لقد طعنته بسكينة الخيانة لا في صدره بل في إيمانه بها فمات الحب قبل أن يموت قلبه وانتهى كل شئ بكلمة واحدة....
خرج من المنزل مهزومًا.... ندوب قلبه تنزف دمًا آثر طعنتها بالخيانة.... عيناه تائهة وضلت قدماه الطريق..... كانت بين يدي تتمايل كالوردةِ على غصنها..... أرعاها وأسقيها من ترياق عشقي لحظةٍ بلحظة..... إبنتي وحبيبتي ونبض قلبي الساكن بين ضلوعي.... كيف وقفت أمامي ترميني بسهام التكبر والغرور؟.... كيف قتلت كل ما كان ومحته من ذاكرتها؟.... كيف نست؟.... هل أخطئت أو أهملت؟.... ما أحمقك أيها العاشق الأحمق!..... أتلوم نفسك وأنت المخدوع على يديها؟!.... هي من زرعت طعنة الغدر في خاصرتك وتبحث عن خطئك!.... معذورًا أنت.... فليس الذنب ذنبك.... بل حماقة قلب صدق ووفى واحتضن وراعى وصبر وعشق من لا يستحق.... ظل يسير في الطرقات بسيارته حتى وقف على جانب الطريق.... لحظة إدراك هزمت ما بقى من تحمله... وضع جبهته على المقود وفرت الدموع من عينيه.... صدمة قوية هزت كيانه لم يجد سبيل غير البكاء.... أما ليان.... هذه الأداة بين يد مالوس الآن وقد نفذ ما خطط له ونجح به فأمسكت بيد جنة وذهبا معًا بواسطة السيف إلى الكهف وظهرا فجأة أمام بنوفيل.... تعجبت بنوفيل من الأمر.... فنظرت إلى ليان وقالت : جايبة جنة هنا ليه يا ليان؟
ليان : أنا قلت لجنة كل حاجة
بنوفيل : ليه؟
ليان : عشان من حقها تعرف كل حاجة.... هي مش بنت من بنات القمر؟
بنوفيل : بس لسه صغيرة.... لسه متستوعبش كل ده وأخاف تقلع السلسلة ومالوس يستغلها.... مش ده إتفاقنا وده كلامك من ساعة ما اتولدت؟.... إيه اللي غير رأيك فجأة؟
ليان : عشان بدأت تسأل عن سبب السلسلة اللي في رقبتها وأنا فهمتها.... المهم هي عايزة تشوف الكتاب وعندها فضول تعرف كل حاجة
بنوفيل : الكتاب موجود هناك أهوه
أشارت لها ليان على مكان الكتاب فتركت جنة يدها وذهبت لترى الكتاب وحملته بين يديها وقالت : ده كبير أوي
ليان : اه يا حبيبتي.... روحي أتفرجي عليه
جلست جنة بعيدًا تراقب ما يحدث واقتربت بنوفيل من ليان وقالت : مكنش لازم تجيبيها هنا دلوقتي
ليان : ليه؟
بنوفيل : الصراحة يا ليان أنا شاكة في حاجة.... تعويذة التحكم اللي قولتي عليها ديه لو اتعملت قريب فهي أكيد اتعملت عن طريق جنة.... لأن مفيش قوة تقدر تعملها غير القوة اللي جواها وأنا خايفة يكون مالوس مسيطر عليها وإنتي مش واخدة بالك
ليان : مش معقول يكون مسيطر على بنتي وأنا معرفش.... البنت طبيعية جدًا ومش ملاحظة عليها أي حاجة
بنوفيل : متأكدة؟
ليان : أيوة متأكدة.... المهم تعالي نقعد شوية عشان مش قادرة أقف
ابتعدت ليان وبنوفيل قليلاََ وجلسا يتحدثا معًا بخصوص تعويذة التحكم ونهضت جنة تبحث عن مكان البلورة.... ظلت تجوب داخل الكهف تبحث بكل زاوية وكل مكان حتى وجدت أحد الصناديق الكبيرة فتحته وبحثت بداخله لتجد صندوق زجاجي محاط بهالة بيضاء قوية رفعته بين يديها لترى البلورة بداخله وبجواره سلسال بنات القمر الذي يحمل قوتهم جميعًا.... حاولت جنة فتح الصندوق ولكن فشلت فيجب فتحه بسيف ليان أو قوة بنات القمر التي لم تحصل عليها جنة بعد بسبب سلسال الحماية الذي وُضع على رقبتها فوضعته جنة من يدها لتنزع هذا السلسال وفجأة دخلت بنوفيل المكان بعد أن لاحظت تحركات جنة في الكهف وكأنها تبجث عن شئٍ ما ووقفت ليان خلفها ورأتها وهي تنزع السلسال فقالت بنوفيل : لا متقلعيش السلسلة دلوقتي يا جنة
نظرت جنة إلى ليان التي تقف خلف بنوفيل لترفع سيفها وتضرب به بنوفيل فقام ثوبها بحمايتها فنظرت خلفها إلى ليان في صدمة وقالت : ليان!.... بتعملي إيه؟
لم تجيب فكانت تنظر إلى جنة فعادت بنوفيل النظر إليها لتجدها تمسك بالصندوق الذي يحتوي على البلورة ففهمت ما يحدث.... مالوس يتحكم بهما ليحصل على البلورة فطافت بنوفيل بالهواء ودفعتهما بثوبها وأخذت الصندوق من يد جنة قبل أن تفتحه واختفت.... وقف مالوس في غضب ثم نهضت ليان وأمسكت بيد جنة واختفا من الكهف ليظهرا أمامه.... نظر مالوس إلى ليان في غضب ورفعها في الهواء بيده وهي لا تستطيع التحرك أو الدفاع عن نفسها ثم أمسكت السيف بيدها وألقته بالأرض وفتح مالوس أحد الزنزان بالسرداب ودفعها بها وأغلق الباب المكتوب عليه تلاسم السحر الأسود لتخفي آثرها وتمنعها عن التواصل مع بنوفيل وعزلها تمامًا وبعد أن تأكد من أن ليان قد أصبحت بين يديه ولن تمثل تهديدًا له بعد الآن ترك التحكم بها فنظرت ليان حولها تصرخ وتبكي في ذعر..... كانت ترى ما يحدث..... تسمع كل شئ وتصرخ بداخلها وتقاوم لتحاول منع نفسها عما تفعل لكن دون جدوى.... انهارت في البكاء على الفور.... صارت تصرخ عاليًا : وئااااااام.... وئااااام..... أنا مخنتكش..... وئاااااام
ذهبت تجاه الباب تطرقه وهي تصرخ قائلة : جنة.... افتحي الباب يا جنة.... هو اتحكم فيكي.... يا جنة..... افتحي الباب يا جنة
لم تجيب فوقفت تنظر حولها وتلتفت في بكاء وصرخت عاليًا : بنوفيل..... بنوفيل
لم تظهر بنوفيل أمامها.... علمت أنها وقعت في فخ مالوس وقد رسم خطته ونفذها بنجاح.... استغل إبنتها الصغيرة ولكن كيف.... كيف استحوذ عليها وأين؟.... تذكرت ليان تغيرها وما حدث من حولها ليثير الشك.... كيف أهملت الأمر؟.... لكنها لم ترغب بأن تفكر بها بهذه الطريقة دون دليل ولم تتخيل أبدًا أن جنة ستفعل كل هذا.... فتحت عينيها في صدمة : هل قتلت صديقتها؟!.... لا لا هذا حتمًا كابوس.... ليس بحقيقة.... لن تفعل ذلك ولم تفعله؟.... كيف لفتاة ذات الست سنوات أن تقتل دون خوف؟.... لا مستحيل... من المؤكد أنه أرغمها على ذلك باستخدام تلك التعويذة.... جلست ليان تفكر وبعقلها ألف سؤال وما يطعن بقلبها أكثر هو ما فعله مالوس وجعل وئام يصدق أنها خائنة والآن طلقها.... ظلت تبكي دون توقف وهي تتذكر نظرة وئام لها وحزنه الشديد وصدمته مما فعلت.... أما بنوفيل فعلمت أن مالوس قد نصب فخًا لها والآن عليها أن تحمي هذه البلورة بكل الطرق فخبئتها بمكان بعيد وعادت إلى الكهف لترى ليان وجنة فلم تجدهما فذهبت إلى منزل ليان فلم تجد أحدًا هناك فذهبت إلى المشفى فلم تجدهم أيضًا.... فقط روما وآسر ويبدو أنهما لا يعرفان شيئًا مما يحدث..... هدأ وئام قليلًا وذهب إلى أحد الفنادق وحجز غرفة وصعد إليها وجلس وحيدًا.... هو وذكرياته وألم قلبه وطعنة الغدر التي سكنت به..... لأول مرة تشعر بنوفيل بالعجز.... لا تعرف كيف تصل إلى ليان ولا تعلم أين اختفت.... ظلت تبحث عن وئام فلم تجده فقررت أن تنتظر بمنزل ليان عل وئام يظهر.... أما جنة بعد أن نزعت السلسال رأت مالوس أمامها وأيضًا صادق.... كانت تشعر بالرعب من داخلها ولكن مالوس هو من يتحكم بها فكانت تجلس بجواره في هدوء وبداخلها تبكي بكاء طفلة.... تسمع صوت أمها تطلب منها المساعدة ولا تملك ذرة تحكم أو فعل صغير.... لا تستطيع حتى أن تجيبها.... تسمع ندائها على والدها وإن كانت هي نفسها تنادي باسمه كي ينقذها من هذا الفخ.... ترى نظرات صادق إليها التي تجعل القشعريرة تسير داخل جسدها فنظر لها مالوس ثم نظر إلى صادق وقال : ملكش دعوى بيها
صادق : أنا ممكن أستغلها واقتل ليان
مالوس : هيحصل بس مش دلوقتي.... المشكلة في السيف ده.... عايز جنة تستخدمه
نهضت جنة وتحركت نحو السيف وحاولت أن تمسك به ولكن ما أن ابتعد عن ليان وهو فقد قوته وكاد أن يتلاشى وكأنه خيال السيف وليس بالسيف الحقيقي فكلما مدت جنة يدها لتمسك به مرت من خلاله فظل السيف بمكانه وعادت جنة لتجلس بجوار مالوس أما ليان فعادت بالصراخ حتى سئم صادق من صوتها فدخل الزنزانة ووقف أمامها في غضب فقالت ليان : صادق!
صادق : أيوة صادق.... صادق اللي ضيعتيه وخسر كل حاجة بسببك.... خسرت المستشفى ومراتي وبنتي وفلوسي.... وفي الأخر اتعدمت.... وإنتي السبب
ليان : أنا السبب ولا عمايلك وطمعك وقتلك للناس اللي خليتهم قطع غيار للي يدفع أكتر.... إنت اللي بيعت ضميرك كدكتور وحنثت بالقسم بتاعك وتستاهل كل اللي حصلك وتستاهل أكتر كمان
اقترب منها صادق في غضب وهو ينظر داخل عينيها وقال : كلمك زيادة وهستغل جسم بنتك واقتلك.... بنتك هتعيش طول عمرها شايفة دمك على إيديها وعمرها ما هتنسى إن هي اللي قتلت أمها..... وبعد ما تقتلك هستغل قوة الشر اللي جواها وهبقى ميناس.... وساعتها مش هسيب حد على وش الأرض وبدل ما نعمل لعنة هنعمل مليون..... كل حاجة هتبقى تحت أمرنا وتصرفنا فبطلي تستفذيني عشان نهايتك قربت
أختفى من أمامها ونظرت ليان حولها في ذعر.... خسرت السيف وبنوفيل وجنة.... صارت حبيسة تلك الزنزانة مقيدة لا قوة لها.... ظلت تبكي وتنادي بهدوء قائلة : وئام.... إلحقني يا وئام.... إلحق جنة.... إعمل أي حاجة
تعلم أنه لن يستطيع مساعدتها ولكن لا تملك سواه... تمددت بالأرض وهي تضم ساقيها إلى صدرها وتبكي الأطفال..... كان وئام يشعر بوخز داخل قلبه..... لا يعلم ما سر هذا الألم ولكن توقع أنه من آثر الصدمة.... أخذ وئام أجازة لمدة يومان من المشفى وظل بهذه الغرفة لم يخرج.... يحاول أن يلملم شتات نفسه ليجد طريقة لمواجهة الأمر بالخارج أمام من يعرفهما.... كل هذه المدة وبنوفيل تبحث عنهم دون توقف أما مالوس فكان يبحث عن بنوفيل في كل مكان وعن مكان البلورة ولكن دون جدوى.... تُرى هل ستستطيع بنوفيل حل هذه المشكلة دون ليان؟.... وماذا سيفعل وئام كي يعيد لم شمل أسرته مرة أخرى؟
