رواية جنة النسور الفصل السادس بقلم رحمة ايمن
♕ ابتسامة الخطر ♕
لما العيون تتكلم القلب بيرجف لكن رِجفتي أنا كانت من نوع خاص، نظره متقولش!
نظره تعمل كل حرف نَطق بيه
« قولي لأ بس وانا ورب الكعبة لأنهي كل حاجة واقف قدام أبويا وأهل البلد كلهم وأي حد يجبرِك عليا مهما كان مين واعتبري ده وعد من ابن النسايرة »
مكانش مجرد كلام يدخل القلب وميخضّش بنبرة صوت وبحه رجولية مميزة تخصه
عينيه احمرت ووضح معنى جملته بعد مدة جوايا
هو مش عايز يجبرّني عليه عشان شايف انه هيظلمني، كلام طالع عشان بلاء ظالم نفسه بيه قبل ما حد يظلمه ومش بإيده
لغة في عيونه ماعرفش قريتها إزاي لكن وصلني معناها وقريتها
مسحت دمعة من عيوني تحررت ونطقت بصوت متردد وتعبان
« مش ده السبب! والله ما ده السبب بس أنا مش عايزة ألبس الدهب ده ولا الخاتم ده مش عايزة »
قوّص حواجبه بغرابة وفضول من رفضي عشان سبب غريب زي الدهب لكن قفصه الصدري وهو بيطلع وبينزل قدامي براحة فهمني إنه ارتاح، ارتاح من ردي..
« طيب دقيقة ما تتحركيش »
سبني زي ما أنا على الحيطة واتحرك لقصر النسايرة ورجع بعد فترة بعلبة خاتم من القطيفة لكن حواليها شكل من الستان الفاخر والغريب إنه بلون الزيتون
أخضر! علبة خاتم من القطيفة باللون الأخضر!
لكن الانبهار الحقيقي كان من الدبلة والخاتم اللي جواهم! رقة خطفت أنفاسي
فصوص مرصوصة بطريقة قمر ودبلة جنبها منفوخة محفور عليها جملة متشابكة، جالي فضول أعرف معناها، لكن مالمّحتش غير جمالها بعيوني
كانت قطعة من الفن، استحى الفنان يبيعها فخباها في قلبه..
« تحفة! ما شاء الله شكلهم... شكلهم يُهبلوا! »
ابتسم من الإطراء ونطق بتحذير
« خدي بالك هنعمل معاهدة! لو مكملناش هستلمهم منك تاني في إيدي وأوعدك إني هجبلك غيرهم لكن دول يلزَموني اتفقنا؟ »
ماحرّكتش عيوني من عليهم ولا ركزت في كلامه أصلًا، كل اللي صدر مني إيماءة ورا التانية بتدل على موافقتي وابتسامة كانت بدل علي إعجابي بيهم
أخدهم من العلبة ومسك كف إيدي ووقتها قلبي نبض بخضه من لمسته الميمنه وغرقان ايدي جواها..
كفه دافى علي صوابعي ولونه المناقد للوني شوية ومحفور قدام عيوني بإختلاف جذبني وعلي درجة حرارتي
خدودي احمّرت بتوتر وكتمت تفكيري جوايا ويارب ما ياخد باله من الوردي البطيخي المصبوغ قدامه عشان هو بارد وهيتريق عليا
دخّل في البنصر عندي الدبلة فكانت واسعة حبتين وبعدها لبسني الخاتم المليان فصوص ويشبه التاج جنبه وكان أوسع منه وهيقع فضحك عليا
يموت لو متريقش او عدى حاجه
« هنبقى نضيّقهم على إيدك، إيه الصوابع دي!
صوابع فرخة! »
« لو سمحت ما تتريقش على إيدي! ثم إنت اللي غلطان عشان جايبهم واسعِين »
« طبعًا! إحنا دايمًا اللي بنغلط وإنتوا ملايكة »
قلّب عيونه وخفى العلبة في جيبه ونطق بجدية
« دلوقتي هتدخلي جنبي، إيدك في إيدي وأول ما الحج هيشوفهم في صباعك مش هنحتاج كلام نقوله هو هيتصرف تمام؟»
« ينفع ندخل من غير إيدك في إيدي دي؟! »
حسسني إني بخار ميّه بيتكلم وسحبني من كفي من غير ما يرد عليا ومشاني جنبه ولا اعتبار لكلامي ولا احترام لرغبتي وقلة أدب ملهاش آخر، آه والله!
لما رجعنا كانت العيون علينا والصمت محور المكان
اتوترت ولسعتني خدودي بإحراج، ام خدودي اللي فضحاني!
نهايِك عن عيوني المنفوخة لكن ثباته جنبي وعدم اهتمامه بنظراتهم بثّ جوايا الأمان ولو شوية
قعد جنبي على الكنبة اللي كنت قاعدة فيها لوحدي ودلوقتي مليانة بيه فلقيت عيون رصاصية حواليها تجاعيد بتبين خبرتها في الحياة بتقتحم كفي المحفور في إيديه
وأول ما لمح الخاتم ونقل عيونه لداود، اتحمحم بابتسامة ونطق بعد مدة
« يظهر كان في اتفاق بين العروسين ما نعرفهوش عشان كده شدها على غافلة قدامنا، أصل النسر الصغير عاطفي ورومانسي زي أبوه »
زغرله داود وقلب عيونه بضجر من أفعاله الصبيانية دي وبعدها قام ملك النسور بثقة وجدية
فكل اللي في المكان قاموا معاه وأولهم أنا وابنه اللي وقفني جنبه ولسه كفه حاضن كفي بهيمنة وغتاته. عايزة أعضّه!
« ختامًا لكلامي تم إعلان خطوبة ابنِي داود بفضل الله النهارده وبعد يومين من دلوقتي كتب كتابه إن شاء الله مع الالتزام بكل الوعود اللي قولناها ، شكرًا على حضوركم »
مشيوا كلهم في صفّ مستقيم لبره مع ودّوده وكلام جانبي متأكدة إنه هيدوم فترة طويلة ولسه سالم النسيري هيتحرك عشان يمشي، لقيت عيون عزام بيه وابنه عليه بجدية وضيق
« سالم! »
« أؤمرك يا أخويا »
« لسه قعدتك انت مخلصتش، الحريم والأحفاد يتفضلوا وكبار البلد يقعدوا عشان لينا حساب كبير سوا »
قوّصت حواجبي بغرابة من توتره وداود حرر كفي من إيدن الحمدلله!
وشاور لياسين بعينيه فجه عليا بلمعة عيونه الحلوة وطفوليته اللذيذة
« أهلا يا قمر أنا ياسين أتمنى تكوني عرفاني، تحبي نخرج سوا؟ »
ابتسمت ولسه هرد عليه لقيت داود قاطع كلامه
« خلاص يا ياسين روح انت أنا هخرجها »
وفعلًا ساب ياسين يبرَبِش بصدمة وخرجني معاه لبره المضيفة وسطهم كلهم ووسط نظراتهم
« جدو هو خاله كويس؟ هو اللي ندّاني والله أوصلها!! »
« ههه معلش يا حفيدي الغالي، العيون الخضرا دايمًا بتعمل الواجب مع خالك »
« ههه »
~~~~~~~~~~~~~~~
« يانهار أبيض! يانهار أبيضضضض!»
رميت التليفون وصرخت بخضة وفرحة
أنا قلت فرحة! قلت فرحة إزاي لكن أنا مبسوطة
جنة بخير! ومش بخير بس، لأ هتتجوز داود! آاااه! داود النسيري! يا روحي!!
قلبي بينبض بسرعة وفكرة إنها معاه طمنتني
ويفضل ياسو دايمًا اللي بطمني ويريّح قلبي
هو وخاله هيوقفوا قلبي في يوم من جمالهم
فتحت عيني بعد ما غمضتها والابتسامة اللي كانت على وِشي اختفت لما استوعبت حاجه
معتز! معتز هيعمل إيه لو عرف! وأكيد الموضوع ده هيطلع تريند!
فتحت الباب وقلبي بيرجف برعب لما سمعت صوت ياسين من تليفون معتز وهو بياكل أمي وبتبُخ سمها في ودنه من جديد
« شُفت بنت ليلى الحرباية! شُفت النصاحة! حَبِت لما تقع تقع واقفة وتتجوز وريث عيلة النسايرة عشان تكوش على كله، الفلوس والحماية، بتعجبني البِت دي أوي، بيعجبني ذكائها، حَيّة من تحت تبن! »
« ياما متقوليش كده عليها»
« اخرسي يا بت! يا دلدولة جنة انتي»
رديت عليها بضيق
« لا مش هخرس! ارحمينا أبوس إيدك! ما تقوليش كلام إنتي عارفة إنه محصلش، جنة هتعرف عائلة النسايرة منين، دي ما كانتش بتحب تسمع فيديوهاتهم ولا كان عندها وقت لده »
« ما هو ده الذكاء يا حيلة أمك، أصل هتوقعه إزاي إلا لو ما كانتش لفته بصوتها الناعم وحلاوتها، تلاقيها جرجرته لحد ما وقع تحت جناحها وبراءتها الكدابة »
هزيو راسي بقلة حيله عليها فاتكلم معتز بترفذه يرد عليها
« خلااص يا ماما! ما تقوليش كده عن خطيبتي
جنة أشرف من الشرف و أنا عارفها على إيه لأنه أنا اللي مربيها وكبرت على إيدي
كل ده بسبب جوزك وأبوها الناقص!
وبعدين تليفونها كان بيكون في إيدي أكتر منها ولو كانت مخبية حاجة كان بان، أنا بثق فيها »
حرّكت عيوني أنا وأمي عليه
هي بقرف وغيرة منها وظاهر في جزّ أسنانها
وأنا بندم إني فرحت إنها هتتجوز غيره
بس أنا عارفة جنة، عارفة أنها بتحبه كشريك وصديق وشافت فيه مستقبل وزوج صالح وكويس لكن أنا متأكدة إنها ماحبتهوش.
ترن ترن ترن
فتح التليفون وبعده الاسبيكر فرِن صوت عمو إيهاب قدامنا
« معتز تِقب وتغطس وتجيلي بُكرة في أسرع وقت! شُفت كلام عزام النسيري! أي حد محتاج تكبير في التجارة أو تمويل هيساعده، فرصة العمر اتفتحت لينا بسبب فرحته بإنه وأخيرًا »
حرّكنا عيونا لبعض وسكتنا فكمّل كلامه بلهفة ولا كأنه فاز باليانصيب
« هنستنى كام يوم لما يحصل كتب الكتاب ونطلع على نسيبه سلطان ونجرب حظنا، ولو قبلوا هندخل بلد النسايرة، بلد الاقتصاد العالي والظهر هيلعب معانا! تعال بُكرة هستناك ما تتأخرش »
بلعت ريقي بخضة وأنا بتأمله قدامي أنا وماما منتظرين قراره، لو قِبل فيها مواجهة
ولو رفض فيها استسلام وده الأمان حاليًا
« هكون عندك بُكرة الصبح »
اتنهدت بحسرة وتأكيد على كلامي جوايا إنه هيوافق
ملامحه الجدية وعيونه اللي بتطق شرر يعني موافقته وراها حاجة
يعني دخول بلد النسايرة
يعني مشاكل مالهاش آخر
يا تُرى بتفكر في إيه وناوي على إيه يا معتز!
------------------------------
« دلوقتي يا سالم انت أخدت 500 ألف من إيرادات شركة الحديد ومن الورشات ومن الوكالة اللي داود قالك ترقبها لحد ما يخلص مصلحة ويجي
وتروح واخد كل ده، دافع من عندك وكأنها فلوس أبوك 250 ألف ودافع لراجل متعرفوش ولا بينك وبينه أي علاقة غير الشرب والسهر والقرف
الـ250 ألف الباقين
ودخلتُه بيهم في شركة أسهم وسندات، شغل بورصة وربا من الآخر
ممكن تقولي إيه موقفك؟»
حرّكت عيوني على عمي وكان في نص هدومه والعيون كلها عليه
قلبت عيوني بضجر لأنها مكانتش أول مرة منه يحطّنا في موقف زي ده ويقلب عيل ويحرجنا
فعدا شريط الزكريات في دماغي وسرحت في أول ذِكرى بيني وبينها
« كله تمام يا داود، مراته وابنه عند أخته وقفلنا عليهم الطريق، ياسمين بنت مراته في درس الرياضة ومش هتخرج غير بعد ما نمشي بإشارة منّا
لكن في مشكلة واحدة»
دُست برجلي على البنزين وحرّكت عيوني للمراية أشوف حركات الطريق مع نفخة وتنهيدة مني لأني بكره أي تغيير في خطتي
كل حركة وكل جنيه بيخرج لحد غير مملكة النسور أنا بعرف بيه وعامل فريق كامل للمشاكل اللي زي دي
وعمي داين واحد معاه فلوس ولسه سادد 200 ألف لواحد ولاعب قمار يومها بـ200 ألف كمان
يبقى نروح نجيب حقنا ونقفل أم الباب ده نهائي عشان مش ناقصين حوارات وقرف، لكن وجود تصدّع في خطتي بيضيّقني
« لغيني هاه!»
« بنته، بنته خرجت النهارده بدري والمدير ملحقش يشوفها علشان يعمل دوره »
جنة بنت عبد المهدي منصور! بسيطة!
« تمام يا آسر، هرن عليك بعد ما أخلص»
قفلت معاه وحرّكت عيوني لبابا
« خليكم هنا، أنا هطلع أشوفه واتناقش معاه بهدوء وأنزل، سلسبيل معاك صح؟»
« آه، هخليها تنزل معانا»
« معايا!»
« معانااا، عايزة أشوفك يا محور الكون وبنت تانية تاكلك بعيونها وتقولك انت داود النسيري وتسبّل بعينيها، هتتسلى أوي ههه زهقان بقالي فترة »
« هنبدأ نعَيِّل يا حج ولا إيه!»
« انزل يا غالي الحج، انزل»
كأني لوح خشب بتتكلم ونزل بعصايته وهيبته ووشه الجدي وأنا عارف إنه قناع بيخفي بيه حقيقته وإنه صبياني وموجود في الحياة دي عشان يشلّني!
« سلسبيل، في بنت فوق، انزلي عشان هتطلعي معانا»
خرجت سلسبيل من العربية التانية اللي معانا وكانت مع الحج من أول اليوم عشان بيتعب وبيحتاج ياخد دوا معين كل فترة وجينا من الشغل على هنا على طول
طلعت السلالم الأولى، بيت عادي، بسلالم مكسورة وقديمة، عائلة متوسطة الحال
رنّيت الجرس فسمعت صوت نَاعم من وراه من غير ما يفتح
« مين على الباب؟»
« داود»
حاضر دقيقة واحدة لو سمحت، لحمت حواجبي ببعض بغرابة إنها مفتحتش على طول وبصيت للحج اللي ضامم دراعه وحاطط كف على كف فوق عصايته ومبتسم بكل طفولية وسعادة
هزّيت راسي باستسلام وقلة حيلة عليه وانتظرت تفتح وبعد دقيقتين طلت علينا بإسدالٍ ساتر وعيوني اول ما وقعت علي عيونها فضلت هناك مرجعتش
عيونها خدرت حواسي
اللون المحبب لقلبي كان مرسوم في عينيها لكن بطريقة تانية مختلفه ، لون عيونها أخضر صريح صافي مشفتوش في حياتي علي حد
وده خلاني للأسف أتردد واتهز قدامها ومنطقتش بحرف
« نعم حضراتكم مين؟»
أتحمحت لما خرج صوتها تاني ورجعت تاني لأرض الواقع بعد ما غرقت فيهم أميال من غير ما أتعب ومكنتش هايز ارجع
« أبوكي موجود؟»
أتوترت والقلق بان عليها وهي بتقفل الباب نص قفلة وراها
« لأ! هو نايم حاليًا، لما يصحى هقوله إنكم زرته ولو عايزين حاجه قولوا وأنا هوصلهاله»
ابتسمت إنها مكدبتش لكن خُلقي ضيق أنا وكان يومي متعب وعايز أخلص
فزقيت الباب بكف إيدي ولأني أقوى منها جسديًا رجعت ورا بيه وهي بتبرق بصدمة
« احنا هنقوله، متشكرين لخدماتك»
« انت مجنون! إيه قلة الذوق دي! إزاي تتجرأ تفتح الباب بالشكل ده وفي بنت جوه لوحدها!»
قوّست حواجبي بغرابة وضيق من كلامها، هي بتكلمني أنا بالطريقة والحِدة دي! لأ وبتزعق!
« وسعي يا أنسة عايز ادخل انجزينا »
« مش هيحصل وبدال قلت نايم وتعالوا في وقت تاني يبقي ده اللي يحصل يا محترم!»
انتهدت بضيق ودعت بين عيني بضيق ونطقت لسلسبيل بهدوء وكاني بقولها عاملة ايه
« سلسبيل تعالي ارْبُطيلي البِت دي عشان مضايقاني!»
الخبر وقع على سلسبيل زي الصاعقة لأني من زمان أوي مطلبتش منها الطلب ده وأخدت وقت تستوعبه
عكس اللي قدامي وصرخت بصوت عالي مزهول
« بِت في عينك! وإيه اربطيها دي! أقسم بالله أصرخ وألمّ عليكوا الجيران كلها وأفضحك في قلب العمارة!»
برقت بعيوني بصدمه وسامع صوت الحج وضحكته العالية ورايا أكدتلي إني سمعت صح
وإنه في قمة سعادته دلوقتي أكيد بعد ما شاف في حياته واحدة بتهزّق داود ابنه، ودي عمرها ما حصلت
الدم ضرب في عروقي واتعصبت، وثانية كمان كنت هربطها أنا، فنقلت عيوني لسلسبيل بحدة ونطقت بأمر
« سلسبيل! سمعتيّني!»
أتحمحمت وتحركت عليها ولأن سلسبيل متخصصة في الحاجات دي، دورت على أقرب كرسي وطلعت الجنزير الموجود حوالين وَسْطها ومحدش بيشوفه
لكن أنا أعرف بوجوده هناك
« انتوا فاكرين إن اللي بتعملوه ده هيعدي؟ ده أنا هروح بيكم في داهية، أبعدي عني! الحقوني!»
سبتها تصوّت تحت رحمة سلسبيل وتحركت على الأوضة اقتحمتها بهمجية وجبته من قفاه
« في إيه! في إيه!»
« قوم يا عسلية انت كمان عشان أنا مش فاضيلك انت وبنتك»
سحبته ورايا ورميته جنب بنته المربوطة على كرسي بجنزير حديد، ولقيت ملامحه قلبت خوف على نفسه من غير ما ينطق ولا حرف بعد ما شافها قدامه بالشكل ده
هو دي حاجة غريبة! ولا كان مفروض يعمل ردّة فعل على الأقل
أنا مالي! إن شالله الدنيا كلها تولع، أهم حاجه فلوسي ترجع، سحبت السلاح من ورا ضهري ونطقت بعصبية معرفش سببها إيه
« اسمع يا مهود عشان أنا مش فايقلك، وصلني معلومات إنك انت اللي وصلت الـ500 ألف جنيه للشركة وانت اللي تعاملت معاهم وسلمتهم الفلوس، فقدامك حلّ من حالين
الأول إني أخد فلوسي الـ500 ألف جنيه ويدّار ما دخلت شر
لأما التاني، وهو إنك تقولي اسم الشركة دلوقتي عشان أروح أتعامل معاها وأجيب الفلوس
واخد 250 ألف جنية منك حصتك انت، وكده خالصين وانا هتصرف في الباقي قلت إيه؟»
فضل ساكت ومنطقش، فضربت راسه بمسورة سلاحي بحدة خفيفة متقتلوش عشان يرد عليا ونطقت بعصبية
« انجز يا روح امك!!!!»
« متلمسوش يا قذر انت! أقسم بالله لو قربت منه تاني لأكلك بسناني! »
حرّكت عيوني لمصدر الصوت ووميض الشراسة المتربّع فيهم صايبني بجنون
الأخضر المحاوط رموشها مش لايق مع شرستها، وكبنت دي أول مرة واحدة تعصبني بالشكل ده
« محدش علّمك إنه لما الرجالة تتكلم الستات تخرس! »
« ابقى قول لأمك الكلام ده!»
ضحكت بنرفزة وسامع صوت الحج ورايا بيسقف باستمتاع وكأنه بيسمع مسلسل تركي، لكن أنا للأسف مش هعدّيها
« اسكتي طيب عشان أنا جبت آخري وهتندمي، أنا بحذّرك! »
« تهديدك ده ارْميه في الزبالة، أنا مبتهددش! ولو قربت منه تاني محدش هيرحمك مني!»
« انتي يا بت!!! »
« بت في عينك! »
« أقسم بالله لو مسكتي لأقتلهولك! »
« ولا تقدر تعمل حاجة! »
حسّيت بالعصبية بتعمّيني من أسلوبها المستفز، ومسكت السلاح وضربت على رجليه بطلقه سطحية
متقتلوش، لكن ردًّا على كلامها واستفزازها ليا..
معرفش اليوم خلص إزاي
إزاي تحوّل إحساسي ناحيتها من ضيق لـزعل عليها، لأنها حمت حد ميستحقش وردّت عليا عشان إنسان ميستهلش
الحج جابها معانا يومها ليه
بقت خطيبتي إمتى
وكتب كتابها هيكون إزاي بعد أيام
أحيانًا بستعجب القدر وحكمته، وإنه إزاي في يوم وليلة حياتك تتشقلِب بالطريقة دي
وتكون فعلًا من جنة عبد المهدي منصور
لجنة من عائلة النسور على رأي بابا
« وانت يا داود لقيت الشركة واتفقت معاها ولغيت العقود؟!»
خرجني بابا من دماغي فتحمحمت ورديت عليه بعملية
« لسه ماعرفش شركة إيه لأني مقابلتوش من يومها، هقابله تاني وأكيد خايف حاليًا لأني رَهَبُه ومخوّفه
يومين كمان وهعرف، متقلقش »
« تمام، ولحد وقتها، محصول شريف هنستقبله عندنا في الوكالة لمدة شهرين عشان هو مفروض دافع ده
وحق إيراد الشركة،هنخلّيه فِداء لفرحة ابني داود
إنما الورش فولا أي طقم أو تغيير هيدخل جديد، ولا هدفع مليم واحد فيه، واعتبر دي قرصة ودن على عمايلك يا سالم »
حرّكت راسي بتأييد، وإنه عين العقل، وعمر ما قال الحج قرار وراجعته فيه أبدًا لانه ديما بيكون حكيم ، وبعدها نطق شريف براحة لأنه كان خايف إن اتفاقه مع عمي سالم يخسّره أبويا
« ربنا يخليك لينا يا كبيرنا الغالي، متعرفش ريّحتني إزاي، روح يا شيخ ربنا يفرّحك بابنك وبذريته الصالحة يا رب »
دعْوته وجعتني، والابتسامة خفّت تدريجيًا من على شفايفي وأنا بحرك عيوني ل بابا اللي كانت عيونه قصادي بالظبط، وبينا ألف اعتذار أنا وهو
عيونه بتعتذرلي على جملته
وعيوني بتعتذرله على إني عمري ما هحقّق له ده
~~~~~~~~~~~~~~~~~
« بعد فترة
مكتب عزام النسيري»
قعدت قدامه سند ضهري براحه على الكرسي وفارد رجلي على الأرض براحه ومضيق عيني عليه وشايفه بيلف عينيه وراسه في كل الأركان وفي كل الزوايا في الأوضه إلا عيني
هو مش المفروض العكس ولا إيه يا ربي! هنجلط!
« أمم حلوة أوضة المكتب يا حج، إيه رأيك في السجاد؟! أنا اللي شاريهولك ده على فكرة»
« آه والله يا ابني تسلم إيدك من يومها وأنا بدعيلك والله تعرف بقى لو جبت نجفة علق....»
« يا حج! يا حج مش تنقطني! أنا من الصبح وأنا دايخ ودماغي وجعاني!
احنا مش داخلين أوضة الاجتماعات واحنا متفقين على كل حاجة»
« حصل»
« وقلتلك يا حبيبي هنعمل كتب كتاب ضيق وده كان شرطي الأساسي على أم الجوازة دي ووافقت»
« حصل برضه»
« يبقى ليه هاه! ليه مُصر تموتني بسكتة قلبية وضيق في التنفس! ليه تجود من عندك وتقول كتب كتاب كبير وهيسافروا واللي عايز حاجة يطلبها بره أو جوه عائلة النسور ويعرض خدماته واحنا سددين!
انت بتهزر! بتهزر هاه!»
« انت بتزعقلي!»
« يا صبر أيوب!»
« يا ابني فرحان الله! مبسوط بيك»
« هو أنا بتفطم يا حج! إيه مبسوط بيك دي
يا سيدي على راسي وانت ربنا يديك الصحة ويبارك في عمرك محملني كل الشغل، وأنا أصلًا شايل حِمل عائلة النسايرة فوق كتافي بصعوبة، ليه تحملني فوق طاقتي، بذمتك مبصعبش عليك
قولي مين هيرد ويساعد الناس دي كلها
قال وحفيدك عامله بث مباشر قال هه يا فرحتي
انت وحفيدك هتشلوني! هتشلوووني!»
« أنا معرفش انت مضايق ليه والله»
« يا رب! يااارب استودعك أمري بما ابتليتني به
آه والله، بقيت بكلم بالفصحى بسببك!»
« ههه روق بس واستهدى بالله، دي أول مرة تصّلح ورا أبوك يعني عادي مفروض تعودت
هاه قولي عايز تسافر فين معاها؟
السخنة ولا شرم؟ تروحوا الغردقة؟»
رسالة على التلفون أنقذته مني ولسه بشوف محتواها، وشي قلب جد وعرفت إن اللي فات مكانش حاجة قدام اللي جاي وهنشوفه
« في إيه؟ شفت إيه ضايقك؟»
اتنهدت بتعب واتكلمت بصوت مخنوق خارج بصعوبة
« ليه يا بابا؟! ليه مُصر على الجوازة دي؟! ليه عايز تظلمها معايا؟»
« لأنه كفاية! كفاية يا ابن عزام كفاية! كفاية تظلم نفسك وتعذبها! من وقت ما عرفت وانت لوحدك يا ضنايا 8 سنين وانت شايل الهم ده وظالم نفسك
يا ابني ألطف بنفسك بقى وفكر فيها شوية»
« برضه مش من حقك ولا حقي نظلمها!
أنا راضي بقضاء ربنا ليا ولو بنتي مقدرش أعمل فيها زي ما انت عملت، مقدرش أجوزها واحد زيي يحرّمها تكون أم!
من إمتى واحنا أنانيين يا حج!»
« دي مش أنانية، إني أفرح ابني وأجوزه واحدة عجباه دي مش أنانية يا داوود
يا ابني الراجل منا بيحب يلقى ونس حواليه، حضن يترمي فيه لما يتعب وسند من واحدة تملى عليه الدنيا وتعينه ويعينها، أنا مش ندمان على قراري وعمري ما هندم عليه»
كلامه وجعني، لأنه صح وغلط في نفس الوقت ورديت عليه بحدة وبدون تفكير
« ربنا حللي أربعة يا حج، لو لا قدر الله مراتي الأولى مخلفتش أقدر أتجوز التانية وأعدل بينهم لكن هي لأ
هي لازم تعيش معايا بضعفي وقلة حيلتي ولو في يوم عيرتني عمري ما هعرف أرد عليها وده لوحده هيكرسني يا بابا والله»
« انت هتعوضها يا حبيب أبوك، بحنيتك وحبك وقربك وفلوسك ، هتعوضها وهتكون كل حاجة ليها»
« كلام! مهما خدت مني، عمري ما هقدر أعوضها، مهما حبيتها عمري ما هملئ عندها إحساس الأمومة
ولا انت نسيت رحاب!»
عيوني اتمليت دموع وأنا بنطق بألم
« تعرف إيه أكتر حاجة وجعاني إني مش هعرف أفرّحك يا حج مش هعرف أفرحك وتشوف أحفادك
اللي شايلين اسمك واسمي
حقك عليا، غصب عني والله!»
سكت وحرك راسه برفض على كلامي ونزل عيونه في الأرض عشان مش أشوف دمعة نازلة من جفونه
وتنزل أختها على خدي والكلام بينا ينتهي هنا
خسارته معركة الكلمات قصادي وعدم سعادتي بخسارته..
قفلت الباب وحميت نفسي عشان مسمعهاش من مخلوق لكن كان مُصر القدر يلعب لعبته معايا
فلطفاً بيا يا رب، لطفاً بيا هونها..
~~~~~~~~~~~~~~~~~
« بيت النسايرة»
فتحت باب الأوضة بعد ما لبست لبس مريح من الجناح التاني وسلسبيل بتجهزلي أوضة عشان أنقل فيها حاجتي تحت، لكن دلوقتي مضطرة أسيب هدومي عنده في اوضه
وأول ما قفلت الباب وبلف عشان أنزل لقيت بنت طول بعرض بزينة وطلة تصرخ ترف وغنى، المكياج الغامق بلون الأحمر القاتم وسحبة الأيلاينر التقيلة مع الكحل الأسود التقيل، طبعًا شخصية غنية عن التعريف
عيون الثقة والدهاء لعائلة النسايرة
ماهيتاب عزام النسيري
شفت كام صورة ليها على تليفون ياسمين وقلبي انقبض لما شفتهم، لكن حاليًا على الطبيعة وابتسامتها المختلة دي قدامي قلبي انقبض أكتر
« أهلا أهلا بمرات أخويا! مبروك يا حلوة!»
« الله يبارك فيكي»
« لأ مينفعش من بعيد، لازم أرحب بيكي بالأصول»
حطت كفوفها على كتافي جامد وبدلت الأماكن بينا ولقيتني مرة واحدة بطير من على السلم وخدت الدور التاني لقصر النسايرة على ظهري وأنا بصوت بصدمة ومرة واحدة الدنيا غيمت وحسيت بدوخة بتلف بيا والسواد حصرني من كل اتجاه وآخر حاجة سمعتها كانت ضحكاتها العالية من فوق قبل ما افقد الوعي من الالم..
« أهلا بيكي في عائلة النسور يا عسلية!»
