رواية امرأة العقاب الفصل الرابع والسبعون 74 والاخير بقلم ندى محمود توفيق


 رواية امرأة العقاب الفصل الرابع والسبعون والاخير


السيارة تشق الطرقات بسرعة كبيرة وعيناها عالقة على زجاج السيارة تتابع الطريق بعقل شارد وعينان دامعة .. منذ أن أخبرها السائق أن والدها يخضع الآن لعملية جراحية خطيرة بالمخ وقلبها يسحق تحت الألم والرعب ، أفكار قاسية تضرب بذهنها ، ماذا لو فشلت العملية ؟ .. ماذا لو كان لقاء الصباح هو آخر لقاء لها مع أبيها ؟ .. ماذا يتبعه ألف سؤال في حلقة ذهنها المرتعدة ، ولا يسعها فعل شيء سوى البكاء بصمت ، لا تدري أتغصب لأنهم اخفوا حقيقة مرضه عنها حتى أنهم لم يخبروها بأمر جراحته الذي يخضع لها الآن .. أم ترتعد وتدخر ذلك الغضب حتى تطمئن عليه وبعدها تفرغ كل تكتظ به نفسها المضطربة ! .
لأول مرة تشعر بقهرها ورعبها الحقيقي من خسارة والدها .. رغم كل شيء فعله معها بالماضي لكنه دومًا سيظل والدها ، وحبها له لن يحظى به غيره ! .

توقفت السيارة أخيرًا بعد دقائق مرت كالسنين وهي تنتظر وصولهم للمستشفى .. التي فور وصول السيارة لها فتحت الباب واندفعت راكضة للداخل ، ومن فرط توترها نست أن تسأل بالاستقبال عن أي طابق وبأي غرفة عمليات موجود والدها ، بل راحت تجوب بالطوابق كتائه يبحث عن مستقره الوديع .
تصلبت بأرضها وعي تلهث بعدما لمحت عدنان يجلس فوق أحد المقاعد الحديدية على مسافة ليست ببعيدة من غرفة العمليات ، وعلامات الوجوم تحتل وجهه .. يحدق في الفراغ بصمت وذراعيه يعقدهم أمام صدره ، منظره المريب أثار رهبتها أكثر وشعرت للحظة بأن قلبها توقف عن ضخ الدماء معلنًا موته المؤقت ! .
استنشقت الأكسجين بصعوبة وربطت على قلبها ببأس ، ثم قادت خطواتها المرتجفة كأنفاسها تمامًا نحو زوجها القابع بذلك الركن بعيدًا عن الجميع ويستحوذه الصمت القاتل ، وقفت أمامه دون أن تتفوه بكلمة واحدة فقط صوت أنفاسها المتلاحقة هو المسموع ! .
رفع عدنان رأسه ناحيتها وغصن حاجبيه بصدمة لوجودها المفاجيء ، سرعان ما وثب واقفًا وسمعها تسبقه وتسأل بعينان تخشى السؤال :

_ بابا كويس ؟
كان سيسألها كيف عرفت ومن أخبرها لكنه سكت بعد تلك النظرة التي بعيناها ، لم تكن خائفة بقدر ماهي تائهة تبحث عن ملجأ تلوذ به ويطمأنها أن كل شيء سيكون على ما يرام ! .. دون أي تفكير اقترب منه وضمها لصدره مقبلًا شعرها وسط همسه بنبرته الحانية التي تحتاجها :
_ لسا في العمليات بس ان شاء الله هيكون كويس ياحبيبتي ويطلع بالسلامة
لم تشعر بشيء بعدها سوى بالقطرات الدافئة التي تسير فوق وجنتيها بانسيابية وصوتها الذي بدأ يرتجف وهي تتحدث :
_ عدنان عشان خاطري قولي الحقيقية هو لسا في العمليات بجد ؟
حاوط كتفيها بذراعيه وأبعدها عن صدره بلطف ثم تطلع في عيناها بنظراته الثاقبة وتمتم في خفوت تطمئن له النفوس المضطربة :
_ صدقيني لسا مطلعش والله .. وأنا واثق إن هيخرج منها سالم ومعافى ان شاء الله
أجفلت نظرها أرضًا وتركت العنان لشلال دموعها في الانهمار ، ترغب في البدء بالعتاب والتعنيف أنه اخفي عنها مرض والدها .. لكنها ليست بوضع يسمح لها بالحديث .. كل ما ترغب به الآن أن تطمئن على أبيها أولًا ، ثم تتفرغ لأي شيء آخر .
تحركت نحو المقاعد المتجاورة وجلست مقعد منهم بصمت ليتقدم هو ويجلس بجوارها ثم يحاوطها بذراعه ويدنو منها حتى يلثم جانب جبهتها بحب متمتمًا في محاولة منها لتهدئة اضطرابها ورغبتها الواضح :
_متقلقيش .. هيخرج ويرجع معانا البيت ويبقى زي الفل كمان
نظرت له بعين دامعة تحمل كل البؤس وهي تقول بالأمل الشيء الوحيد الذي يسعها التعلق به الآن بعده هو :
_ يارب ياعدنان .. أنا خايفة أوى اخسر بابا أنا بحبه أوي
لم يتحدث واكتفى بقبلته الثانية التي كانت تتحدث بدلًا عنه تبعث إشارات الاطمئنان والآمان لها ، بأنه معها وسيبقى للأبد ……
***
ساعات مرت ، وعقارب الساعة أثبتت لما سُميت بالعقارب بينما تمر بكل بطيء وأنت تنتظر على وشك الموت ! .
الوقت كان الد الأعداء لها في تلك الساعات .. والخوف هو صديقها .. أما ذراعيه وصدره كانوا الترياق الذي يبقيها على قيد الحياة بينما عقارب الساعة تقتلها وهي تمر .
أخيرًا ظهر المنقذ لها من ذلك العذاب ، ألا وهو الطبيب الذي خرج من غرفة العمليات وقاد خطواتهم نحوهم .. كان عدنان أول ما تقدم على الطبيب وهي تتبعه بخطوات متعثرة تخشى أن تسمع ما يصرخ به عقلها منذ ساعات .. لكن كل هذا تبدد في لحظة وحل محل العبوس والرعب الفرحة والراحة بعد سماعها لجملة الطبيب :
_ حمدالله على سلامته ، الحمدلله العملية نجحت وهو كويس وحالته مستقرة بس هيفضل تحت المراقبة 24 ساعة زيادة اطمئنان وتحسبًا لأي مضاعفات مفاجأة ، لكن حتى الآن اطمنوا هو بخير ومفيش أي خطر على حياته
ارتفعت البسمة لشفتي عدنان ورد على الطبيب بامتنان وسعادة :
_ الحمدلله .. شكرًا يادكتور
_ على إيه ده واجبي

كان الطبيب على وشك الرحيل لولا صوت جلنار الخافت وهي تسأل بلمعة فرحة :
_ ينفع ادخل اشوفه ؟
رد الطبيب بمرونة باسمًا :
_ مفيش مشكلة بس بدون كلام كتير وخمس دقايق كحد أقصى
أماءت له بالموافقة وهي تتسع ابتسامتها أكثر ، ثم تابعته بعيناها وهو يبتعد عن ناظريهم لتلتفت برأسها لعدنان واندفع نحوه تعانقه بسعادة متنهدة الصعداء براحة :
_ الحمدلله .. بابا كويس الحمدلله
ضمها إليه أكثر وتمتم باسمًا :
_ قولتلك هيخرج ويبقى كويس .. الحمدلله
لم تبتعد عنه إلا بعد لحظات طويلة وهي تتلذذ بشعورها بين ذراعيها ، لكي ترتدي الملابس الخاصة وتستعد للدخول له وزيارته …..
***
داخل غرفة المراقبة ( العناية المركزة ) ……
تقدمت جلنار بخطواتها الهادئة تجاه فراش أبيها وهي ترمقه بنظرات واهنة وعينان دامعة ، ترى الأجهزة المتصلة بجسده وهو يغلق عيناه نائمًا في هدوء .
جلست على مقعد مجاور لفراشه وراحت تمد يدها تمسك بكفه الضعيف رغم ضخامته ، ابتسمت من أسفل قناع الوجه وبقت تتمعن النظر إليه بصمت حتى شعرت بأصابع يده تتحرك فلمعت عيناها بلهفة وسعادة لتهمس :
_ بابا أنت كويس ؟
فتح نشأت عيناه بوهن والتفت لها نصف التفاتة وراحت البسمة تجد طريقها فوق ثغره وهو يجيبها بصوت يكاد يُسمع :
_ أنا كويس ياجلنار الحمدلله
راحت تشكر ربها دون صوت وعيناها تعكس ابتسامتها داخلهم بوضوح بينما نشأت فتابع رغم تعبه وعدم قدرته على الكلام :
_ متزعليش مني ياحبيبتي إني مقولتلكيش و….
قاطعته بلين وهمست باسمة :
_ مش وقته الكلام ده يابابا دلوقتي ، أهم حاجة أنك كويس وبخير الحمدلله ، بلاش تتكلم كتير عشان متتعبش نفسك
شعرت بقبضته الواهنة تضغط على يدها برفق في حنو وابتسامته الأبوية الدافئة تزين ثغره فبادلته الابتسامة واستقامت واقفة تنحنى عليه لتطبع قبلة ناعمة فوق جبهته …….
***
رنين الهاتف لا يتوقف منذ دقائق وهي أوشكت أن تلتقط ذلك الهاتف اللعين وتلقيه بعرض الحائط لكي يتهشم ويتوقف عن الرنين للأبد .
تحاول النوم لكن كيف وبجانبها ذلك الإزعاج المستمر ، لم تعرف هوية المتصل لكن اكتفت بنعته بـ ” عديم الزوق ” ، أي كان يكون فلا يجب على أحد يتصل مبذلك الوقت المتأخر من الليل ! .
طفح كيلها واصدرت صرخة مغتاظة لتلتقط الهاتف وتجيب بعصبية دون أن تتأكد من هوية المتصل :
_ إيه قلة الزوق وعدم الاحترام ده .. في حد يتصل في الوقت ده ناس معندهاش دم ومش محترمة صحيح

سمعت نبرة رجولية تعرفها جيدًا تجيبها بلهجة مريبة :
_ والله !!!
تلعثمت وجحظت عيناها بدهشة لتبعد الهاتف عن أذنها وتتفقد هوية المتصل لتضرب بيدها على وجهها في لطف ناعتة نفسها بـ ” حمقاء ” .. كل ذلك حدث في ظرف ثلاث ثواني وبالرابعة كانت تعود بالهاتف فوق أذنها وتجيبه باضطراب بسيط وابتسامة لم يراها لكن ظهرت في دلال نبرتها :
_ آدم ! .. وحشتني أوي ياحبيبي والله
تجاهل تغذلها به حتى لا ينفجر بها وتابع بنفس نبرته السابقة :
_ أنا قليل الزوق ومش محترم يا مهرة !!!
عضت على شفاها بتوتر ثم ابعدت الهاتف قليلًا عن أذنها وهمست :
_ يارب سامحني على الكدب ده
وفورًا عادت به مجددًا تجيبه بجدية متصنعة ورقة جميلة :
_ لا طبعًا ياحبيبي أنا مقصدش ، ده أنت صفة الاحترام موجودة عشانك أساسًا
آدم بوعيد مغتاظ :
_ بعيدًا عن اللي بتقوليه ده وأنا فاهم إنك بتاخديني على قد عقلي .. بس هي كلها يومين وتكوني في بيتي وسعتها محدش هيحوشني عنك
تنحنحت بخوف وهي تضحك ببلاهة محاولة تلطيف الأجواء هامسة :
_ طيب أنت تعرف .. أنا لسا كنت بتكلم مع زوزا وبقولها آدم ده أنا بحبه بشكل لا يمكن حد يتخيله .. عارفة لو هشحت كدا محبش قده
التوى فمه ببسمة مغلوبة وأردف بدهاء يفوق محاولاتها السخيفة لكسب الوضع بصفها :
_ وإيه كمان ؟!
تدللت في الحديث بنبرة افقدته صوابه :
_ بحبك يادومي
هيمن الهيام عليه ولم تسمع سوى صوت أنفاسه القوية فيضقت عيناها بحيرة وهتفت :

_ آدم
أخذ نفسًا عميقًا يحاول التحكم بالثورة التي اندلعت بثناياه ورد عليه بصوت مُتيم :
_ مهرة افتحي الشباك أنا تحت البيت
فغرت شفتيها بصدمة وصاحت :
_ نعم .. أنت بتهزر !!!
_ لا طبعًا مش بهزر .. وحشتيني وعايز اشوفك اطلعي على الشباك يلا
وثبت من الفراش بارتباك وهدرت إليه في الهاتف بعدم تصديق :
_ آدم أنت مجنون بجد
لم يجيبها واكتفى بابتسامته بينما هي فقامت بفتح النافذة واطلت منها برأسها فقط لترى سيارته بالفعل أسفل المنزل وهو يقف مستندًا بظهره على السيارة ويرفع عيناه إليها يتأملها بعشق جارف فيخرج صوته في الهاتف أصاب يسارها بسهم العشاق الذي لا شفاء منه :
_ وأنا كمان بحبك
رأى ابتسامتها الخجلة تعتلي معالمها وهي تتمعنه بحب لكن فجأة انتفضت والتفتت خلفها بزعر على صوت جدتها التي تهتف :
_ بتعملي إيه يامهرة على الشباك السعادي ؟!
تلعثمت وردت بسرعة محاولة إنقاذ الموقف :
_ولا حاجة ياتيتا انا سمعت أصوات بس وافتكرت في حد بيتخانق ولا حاجة بس طلع عيال المنطقة مع بعضهم .. إنتي إيه اللي مصحيكي لغاية دلوقتي ؟
فوزية بدفء :
_ كنت رايحة أنام بس قولت اطمن عليكي الأول
مهرة بحب حقيقي ونظرات كلها امتنان :
_ ربنا يخليكي ليا يازوزا .. متقلقيش أنا هروح أنام دلوقتي وأنا روحي نامي وارتاحي
_ طيب ياحبيبتي تصبحي على خير
_ وإنتي من أهل الخير يارب
فور رحيل جدتها رفعت الهاتف على أذنها فورًا والتفتت للنافذة تتطلع لآدم وتهتف بحزم بسيط :
_ امشي بقى يا آدم لو تيتا عرفت انك موجود تحت هتبهدلني

ضحك واتاها صوته في الهاتف متزامنًا مع وجه وهي تراه يغمز لها بخبث :
_ طيب ما تبعتيلي بوسة في الهوا كدا قبل ما امشي
اتسعت عيناها بصدمة وهتفت بغضب ممزوج بخجلها الشديد :
_ آدم احترم نفسك وبلاش وقاحة
كتم ضحكته ورد ببرود ونبرة ازدادت جرأة :
_ ما أنا مش همشي غير لما اخدها !
مهرة بعناد شديد :
_متمشيش خليك قاعد كدا وأنا هدخل أنام
هدر بكلمة سمرتها بأرضها من الذهول :
_ هطلعلك
لهجته كانت تملأها الثقة المفرطة مما زعزعت شجاعتها هي لكن رغم ذلك احتفظت بثقتها وردت :
_ متقدرش
ابتسم بخبث ورفع حاجة مستنكرًا ثقتها بنفسها ثم استطرد بلهجة لا تحمل المزح :
_ تتحديني ؟!
استحوذ عليها السكون بعد سؤاله ولهجته التي تثبت جنون أفعاله ، فإن أكملت بتلك المجادلة ستخرج منها حتمًا خاسرة .. تنفست الصعداء بعدم حيلة ورفعت أناملها لفمها تطبق علي شفتيها وتضمهم للأمام ثم تبعد يدها متزامنة معها قبلة أرسلتها له بالهواء وهي تبتسم بخجل .. فضحك هو بمشاعر طاغية ثم رد عليها بلؤم :
_ هعتبرها تصبيرة لغاية الفرح يا مهرتي
لم يدهشها بوقاحته المعتادة بقدر ما أخجلها حيث أنهت الاتصال معه دون أي كلمة وتابعته بعيناها فقط وهو يستقل بسيارته ويلوح له بيده مودعًا إياها ففعلت المثل ، وراحت عيناها تتحرك مع السيارة حتى غادرت الشارع بأكمله وتوارت عن أنظارها .. فدخلت غرفتها وهي تضحك وتدفن وجهها بين راحت يديها بخجل .. لا تصدق أنها فعلتها حقًا !! …..
***
تسير بخطواتها الرقيقة تجاه غرفتهم وهي تحمل فوق يديها كوب القهوة خاصته .. عند اقترابها من الغرفة سمعت صوته يتحدث بالهاتف ويهنأ أحدهم ببشاشة وود شديد ، لم تتمكن من التعرف على هوية الطرف الآخر وحين وصولها للغرفة كان هو قد انهى الاتصال تطالعها مبتسمًا ليهمس :
_ تسلم إيدك ياحبيبتي
ابتسمت زينة له بحب وسألت برقة تليق بها :

_ كنت بتقول لمين مبروك ؟
هشام بنبرة طبيعية وهو يقرب كوب القهوة من فمه يرتشف منه بلطف :
_ ده آدم بيعزمني على فرحه .. يوم الخميس
وكأن الماضي لم يعد لديه أثرًا حتى لديها ، وعلى عكس المتوقع ابتسمت بسعادة دون أي ضغينة أو مرارة والتزمت الصمت للحظة ثم هدرت باسمة :
_هروح معاك
توقفت يده بكوب القهوة في منتصف طريقها لفمه والتفت بنظره ناحيتها يرمقها بتعجب ونظرة مطولة فهزت كتفيها ببساطة وتمتمت :
_ مالك ؟ .. أنت مش حابب تاخدني معاك ولا إيه ؟!
هشام بهدوء تام وأعين دقيقة :
_ لا أنا كنت في الطبيعي هعرض عليكي لو حابة تيجي معايا .. بس استغربت حماسك ورغبتك أنك تروحي
ارتفعت البسمة لثغر زينة واقتربت منه بحميمية لتهمس مثبتة عيناها على خاصتها :
_ تستغرب ليه ، أنت عندك شك أن زينة القديمة لسا عايشة ؟!!
لم تجد إجابة منه وعيناه فقط كانت تستشفي الأسئلة منها التي تطلق إشارات مبهمة وغامضة ، فتنهدت بعمق والتصقت به لتهمس أمام وجهه مباشرة :
_ أنت عارف كويس إني مسحت الماضي من حياتي .. وآدم مكانته عندي حاليًا كأخ ليا مش اكتر من كدا
سكتت للوهلة ثم تابعت بعينان تلمع بوميض زاهي يظهر بداخله الامتنان والعشق لكل ذرة حب لا تنطفأ بداخلها :
_ أنا عرفت معنى الحب الحقيقي معاك أنت ياهشام .. أنت حُبي الأول والأخير

اشتعلت شرارة العشق بنظراته وشفتيه راحت ترسم بسمة تتحدث بدل عن لسانه بألف كلمة ، لم يشعر بنفسه سوى وهو يقربها منه ويستند بجبهته فوق خاصته لتمتزج أنفاسهم معًا واناملها قادت طريقها لخصلات شعرها تبعدها عن عينيها بلطف ليردف بعاطفة جيَّاشة وصادقة :
_هفضل أحمد ربنا واشكره لآخر عمري أنه استجاب لدعائي وبقيتي من نصيبي .. عمري ما كنت هستحمل بعدك عني أو إني اشوفك مع راجل غيري .. لكن دلوقتي أنا اسعد راجل في الدنيا يازينة
رفعت جبينها عنه دون أن تبتعد وتطلعت بعيناه بحب لتمر بأناملها في نعومة فوق بشرة وجنته الخشنة هامسة :
_ وأنا اكتر ست محظوظة
غلبته رغبته وعقله الذي يصرخ به أن يصنع من تلك اللحظات ذكرى لا تُمحى ، ولا إراديًا انحرفت نظراته لتستقر فوق شفتيها فدنى منها يسرق معها لحظات ستوثّق للأبد بذاكرتهم ……..
***
كانت الصغيرة تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا وسط همهماتها الطفولية الغير مسموعة وهي تدندن بفرحة .. فاليوم هو يوم عودة جدها من المستشفى بعد غياب ثلاث أيام عن المنزل ، لم تكن فرحتها فقط بعودة جدها بل أيضًا أبيها الذي لم تراه طوال الثلاث أيام سوى مرة واحدة .
بينما هي منشغلة بالتفكير في طريقة تستقبل بها جدها المريض اقتحمت أمها الغرفة وهي تقول لها باسمة :
_ يلا ياهنا البسي عشان جدو زمانه على وصول
انتصبت واقفة وقالت بلهفة :
_ بابي معاه ؟
أماءت لها جلنار بالإيجاب وتقدمت نحو خزانتها الصغيرة تخرج لها ثوب طفولي قصير من اللون الأحمر ثم التفتت لها وتمتمت :
_ يلا ياهنون عشان تلبسي .. إيه رأيك في الفستان ده ؟
هنا بحماس وعينان لامعة :
_ حلو أوي

اقتربت جلنار وجثت على قدميها أمامها ثم بدأت في مساعدة ابنتها بتبديل ملابسها والصغيرة لا تتوقف عن الغناء بمرح فراحت جلنار تشاركها الغناء وهي تضحك .. ووسط اللحظات الحافلة بالأجواء الإيجابية الجميلة سألت هنا بنظرة فضولية :
_ مامي هو أنتي هتلبسي احمر زي ؟
ضيقت عيناها بتعجب وردت :
_ أنتي عايزاني البس أحمر ليه ؟
زمت هنا شفتيها وردت بكل هدوء طفولي جميل :
_ عشان إنتي زهرة حمراء ولازم تبقى لابسة أحمر زي الزهرة
اندهشت من رد ابنتها فاستخوذ عليها السكون لبرهة من الوقت قبل أن تبتسم بحيرة وتسألها :
_ مين قالك إني زهرة حمراء ؟!
ابتسمت وسرعان ما تحولت البسمة لضحكة وهي ترفع كفها الصغير تكتم على فمها وتقول برقة ساحرة :
_ بابي دائمًا بيقولك كدا .. وكمان بيقولك يارمانة والرمان لونه أحمر .. هو بابي بيقولك رمانة ليه يامامي اشمعنى الرمان ؟!
انطلقت ضحكة جلنار العالية على سؤال صغيرتها العفوي واجابتها وهي تكمل مساعدتها في ارتداء ملابسها :
_ عشان اسمي جلنار .. هو اسم لزهرة حمراء وليها اسم تاني كمان اللي هو زهرة الرمان
هنا بإشراقة وجه وعينان حماسية :
_ طيب وأنا معنى اسمى إيه ؟
احتضنت جلنار يدين ابنتها ودنت منها تلثم وجنتيها بحنان أمومي وتهمس بنبرة تنبع بالحب والدفء :
_ إنتي الفرحة والسعادة والسرور زي ما كنتي فرحتنا أنا وبابي وسعادتنا لما نورتي حياتنا وكنتي فرحة بابي الأولى
ثم سكتت وتابعت بغمزة لعوب وهي تضحك بخفة :
_ عرفتي بقى هو بيقولك هنايا ليه !

أماءت الصغيرة بإيجاب وهي تبتسم باتساع وسرعان ما ارتمت على جسد أمها تعانقها هاتفة :
_ أنا بحبك أوي إنتي وبابي يامامي
_ واحنا كمان ياحبيبة قلبي بنحبك اكتر
انتفضت بعيدًا عن أمها فور سماعها لصوت باب المنزل وراحت تركض لخارج الغرفة وهي تصيح بفرحة غامرة :
_ بابي وجدو جم .. بابي وجدو جم
استقامت جلنار واقفة وعدلت من ملابسها وكذلك شعرها ثم غادرت الغرفة بخطوات هادئة لكن في ثناياها ممتلئة بالشوق واللهفة لرؤية أبيها .
بالأسفل نزلت هنا آخر درجة من درجات الدرج ورأت جدها أمامها فركضت إليه بلهفة تصرخ ” جدو ” لينحنى نشأت لمستواها ويحملها فوق ذراعين لاثمًا وجنتيها بشوق هامسًا :
_وحشتيني ياحبيبة جدو
هنا برقة :
_وإنت كمان ياجدو وحشتني
عاد يلثم وجهها من جديد فسألته هي باهتمام :
_ إنت بقيت كويس دلوقتي ياجدو ؟
ضحك بخفة ورد عليها وهو يلتقط كفها يرفعه لشفتيه ويلثمه برفق :

_ وهو حد يشوف الهنا ويفضل تعبان
لاحت بسمتها الخجلة على وجهها ولم تدم طويلة حيث صدح صوت جلنار الناعم وهي تتقدم نحو أبيها هامسة :
_ حمدالله على السلامة يابابا
انحنى وانزل حفيدته من فوق يديه ليبسط ذراعيه أمامه يستقبل بهم ابنته التي انضمت لحضنه مردفة بشوق :
_ وحشتني يابابا .. ونورت بيتك كله
نشأت وهو يلثم شعر ابنته ويضمها لصدره بحنو :
_ البيت نور من وقت ما رجعتي ليا ياجلنار إنتي وهنا
جلنار بحب نقي :
_ربنا يخليك لينا يارب
تعلقت الصغيرة بقدم جدها وأخذت تشد بنطاله بشكل متكرر حتى ينتبه لها وتهتف في عبوس وعينان منطفئة :
_ بابي فين ياجدو ؟
نشأت ببسمة هادئة :
_ بابا راح يخلص شغل و جاي ياحبيبتي وهو قالي مش هيتأخر
مطت شفتيها للأمام بحزن وقالت بعينان تلألأت بالدموع وتذمر :
_ هو قالي هيجي مع جدو .. أنا زعلانة منه
أنهت عبارتها الطفولية الحزينة واندفعت للأعلى حيث غرفتها تنوي المكوث بها والانفراد بحزنها من أبيها بعيدًا عن الجميع ، بينما بالأسفل التفت نشأت تجاه ابنته وحدثها بلطف :

_ روحي ياجلنار شوفيها
جلنار بهدوء وهي تمسك بذراع أبيها تساعده على الحركة :
_ حاضر يابابا هروح أشوفها بس الاول تعالى اوصلك اوضتك عشان ترتاح شوية
سار معها ببطء تجاه الدرج يصعد درجاته بكل حذر وهي تساعده حتى انتهى ووصلوا لغرفته ، ساعدته على الاستلقاء فوق فراشه ودثرته بالغطاء جيدًا ثم استدارت ورحلت حتى تقوم بتحضير وجبة الغذاء له وكذلك تطمئن على ابنتها …..
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا ………..
فتحت ” بدرية ” باب المنزل واستقبلت عدنان الذي دخل وأرسل لها بسمة بشوشة قبل أن يقود خطواته للطابق العلوى قاصدًا غرفة ابنته وبيده يحمل علبة كبيرة داخلها دمية إحدى أفلام الكرتون المفضلة لديها .
تحرك بخطوات هادئة حتى لا يوقظ أحد بالمنزل وبالأخص نشأت ، وقف أمام باب غرفتها ومد يده يمسك بالمقبض ويديره لليسار برفق ثم دفع الباب للداخل بلطف وادخل رأسه أولًا يتجول بنظره بين أرجاء الغرفة بحثًا عن صغيرته لكن لا أثر لها .. فعقد حاجبيها باستغراب وقد تلاشت ابتسامته ليدخل ويغلق الباب هاتفًا بصوت قلق :
_ هنا ؟!
كانت الصغيرة تقف أمام النافذة تتابع بوابة المنزل منذ وقت طويل تنتظر وصوله وفور رؤيتها لسيارته تدخل لحديقة المنزل أسرعت تبحث بغرفتها عن مخبأ حتى تختبأ منه .. كتعبير طفولي لطيف عن غضبها وانزعاجها منه .
ظلت تستمع لصوته وخطوات قدمه وهو يبحث عنها بالغرفة بينما هي تختبأ في خزانة الملابس ورغم غضبها منه إلا أن عدم استطاعته في العثور عليها اشعرتها بالنشوة وجعلتها تضحك بصمت وحماس .. وبعفويتها الطفولية راحت تعتدل في جلستها داخل الخزانة ودون أن تنتبه أصدرت ضجة جعلته يتسمى بأرضه ويلتفت برأسه تجاه مصدر الصوت تحديدًا إلى الخزانة ، ورفع حاجبه بباديء الأمر مستغربًا لكن سرعان ما تحرك متريثًا نحو الخزانة ووقف أمامها ينحنى برأسه ويضع أذنه فوق الباب فاقتحمت أذنه صوت أنفاسها المتسارعة ، وتلقائيًا شقت بسمته العريضة ثغره ولمعت عيناه بخبث يفوق ذكائها الطفولي ليهتف بصوت قوى يتصنع الحزن :
_ ده أنا كنت جايب لهنون العروسة اللي بتحبها .. ياترى راحت فين دلوقتي ؟!!!
سكت لبرهة يستشعر وجود أي حركة منها لكنها حافظت على ثباتها المزيف فكتم ضحكته وتابع بمكر يعني جيدًا ما يقوله :
_ أنا هسيب العروسة هنا بقى وأروح ادور عليها برا
انهى عبارته وتحرك بخطواته تجاه الباب مصدرًا صوت بقدمه متعمدًا حتى يؤكد لها أنه يغادر وعند الباب فتحه ثم أغلقه مجددًا واسرع بعدها يتحرك بخطا حذرة نحو أحد أركان الغرفة يتخفي خلفها .. وبالفعل كما توقع لم تكن سوى ثواني معدودة حتى رأى باب الخزانة ينفتح وتخرج منه ببطء .. تتلفت حولها برأسها لتتأكد من رحيله وعندما لم تجد أحد غيرها بالغرفة خرجت بكل اطمئنان واسرعت ركضًا نحو الفراش حيث توجد فوقه علبة دميتها المفضلة وراحت تخرجها من علبتها وتمسكها بين يديها وهي تضحك بسعادة غامرة وتقفز فرحًا .

خرج هو وتسلسل ببطء من خلفها وعلى حين غرة انحنى وحملها فوق ذراعه وهو يقول ضاحكًا :
_ مسكتك يا مكارة .. بتستخبي مني !
أصدرت هي صرخة عالية مفزوعة وسرعان ما تحولت لضحكة عالية لكن لم تدم ضحكتها كثيرًا حيث زمت شفتيها بحزن وقالت :
_ لا أنا زعلانة منك يابابي عشان قولتلي هتيجي مع جدو الصبح ومجيتش
دنى منها ولثم شعرها ووجنتها بلطف هامسًا في اعتذار حقيقي :
_ أنا آسف ياروحي .. كان في شغل ومينفعش ارجع من غير ما اخلصه وأول ما خلصته جيتلك أهو
عقدت ذراعيها أمام صدرها ومطت شفتيها للأمام ثم اشاحت بوجهها بعيدًا عنها كإشارة على رفضها لأعتذاره فضحك هو ورد غامزًا بعيناه البندقية :
_ طيب اوعدك مش هتتكرر تاني
التفتت له وقالت بنظرة قوية تمامًا كنظرة أمها :
_وعد !
أماء لها بالإيجاب وهو يبتسم فسكنت قليلًا ثم ابتسمت هي الأخرى بدورها وراحت ترتمي عليه تعانقه وهي تهمس بنبرة تسلب العقول :
_ أنا بحبك يابابي ومقدرش ازعل منك خلاص
أثرت قلبه بكلماتها ونبرتها التي تسلب عقله جعلته يحلق في السموات وسط أفضل شعور يمكن أن يداهم أي أب .. فلم يشعر بعاطفته سوى وهي تدفعه لتقبيل شعرها وجبهتها ووجنتيها ثم يضمها لصدره بقوة دافنًا وجهه بين ثنايا شعرها هامسًا بنبرة انبعثت من صميم قلبه :
_ وأنا بعشقك ياهنايا وفرحة وسعادة بابي .. ربنا يخليكي ليا ويقدرني واسعدك دايمًا إنتي وماما
دامت عناقها لأبيها للحظات طويلة حتى ابتعدت عنه ونزلت من فوق ذراعيه لتبدأ في إخراج دميتها من الكيس الشفاف الذي يحاوطها وهي تضحك بحماس لكن سرعان ما عبس وجهها عندما راحت تبحث عن بطل الكرتون وحبيب الدمية ( رابونزل ) لتقول بحزن :
_ فين يوجين يا بابي ؟!
غضن حاجبيه باستغراب ورد بجهل :
_ مين يوجين ده ؟!!
ردت بكل براءة وحزن :
_ ده الولد اللي بتحبه رابونزل
استحوذ عليه السكون الممزوج بدهشته من ردها لكن ما ابتسم بزيف ورد محاولًا تخطي الأمر :
_ بتحبه !!! .. لا هي حلوة وحدها كدا
لم تنتبه لعبارة والدها وكانت منشغلة بشعر الدمية الطويل وقالت بتلقائية وهي تبتسم :
_ عارف يابابى دي شعرها سحري أول ما تغنيله بينور .. اوريك ؟
هز لها بالإيجاب فراحت هي تمسك بالفرشاة الصغيرة الخاصة بالدمية وأخذت تسرح لها شعرها كما كانت تشاهدها في الكرتون وبدأ صوتها الجميل يظهر وهي تغني برقة :
_ ياوردة المعي .. خلي القوة .. يرجع اللي كان ، اللي ضاع زمان .. خففي الجروح .. رجعي اللي فات يرجع اللي كان .. يرجع اللي ضاع .. ضاع من زمان
توقفت بعد انتهاء الأغنية ولم تجد شعرها يضيء فراحت تصيح وتبكي بحزن :
_ شعرها مش بينور ليه !!!
قهقه عاليًا واجابها من بين ضحكه محاولًا تهدأتها :
_ياحبيبتي دي عروسة مش حقيقية .. شعرها هينور ازاي لما تغنيلها بس
هنا ببكاء حقيقي :
_ لا هو كان بينور في الكرتون

اقترب منها ونزع الدمية من يدها ثم حملها فوق ذراعيه وسطحها فوق الفراش ثم تمدد بجوارها وهمس باسمًا وهو يلثم شعرها :
_ طيب إيه رأيك اغنيلك أنا لغاية ما تنامي
هنا باعتراض وحزن :
_ لا أنا شعري مش سحري زيها ومش هينور
رفع أنامله وراح يغلغلها بين خصلات شعرها الكستنائية الحريرية وهو يبتسم ويقول بحب :
_ إنتي شعرك أحلى منها ياحبيبتي .. وأجمل شعر شفته في حياتي
اختفى حزنها وتطلعت إلى أبيها تهمس باسمة :
_ بجد يابابي !
_ طبعًا ياروح بابي
عانقته بحب ودفنت وجهها بين ثنايا صدره بينما هو فأخذ يمرر أنامله بين خصلات شعرها ويدندن لها بأغنتيها المفضلة ، ولم تدم طويلًا حتى وجدها غطت في سبات عميق بين ذراعيه ! ………
***
دخل غرفة جلنار وأغلق الباب خلفه ببطء ثم تلفت برأسه حوله بحثًا عنها ولم يلبث ثواني حتى سمع صوت رذاذ المياه داخل الحمام فابتسم بلؤم وتقدم إلى الحمام بتريث حتى وقف أمامه وسكن تمامًا للحظات ثم رفع يده وطرق بخفة فوق الباب فسمع صوتها الناعم من الداخل وهو تقول بنبرة قوية :
_ نعم يا هنا .. إنتي لسا صاحية ياحبيبتي مش قولتلك روحي نامي وبابي ممكن يتأخر
سكت للحظة ثم هدر بصوته الرجولي المميز :
_ طيب وياترى ماما مطولة في الحمام ولا لا .. عشان بابي بيزهق
ارتفعت البسمة الساحرة فوق شفتيها وردت عليه من الداخل بدلال :
_لو هتزهق امشي
رفع حاجبه مستنكرًا ردها وأجابها بخبث ولهجة تقصد كل حرف جيدًا :
_ طيب وامشي ليه وأنا ممكن ادخل عادي جدًا
اتسعت عيناها مذهولة ولم تلبث ثواني لتفق من دهشتها جراء جملته الجريئة حتى وجدت مقبض الباب يلتف وهو يقول من الخارج بلهجة لعوب كلها استمتاع ومكر :
_ هااا ادخل ؟!
صرخت من الداخل بفزع وهي تهنيه بتحذير وخجل شديد :

_ لااااا .. خلاص طالعة أهو
ضحك بخبث ورد بمتعة :
_ هعد لخمسة لو مطلعتيش أنا مش مسئول بقى
جلنار سائحة به بغيظ :
_عدنان بلاش وقاحة !
تجاهل عباراتها وقال ببرود وهو يضحك :
_ الخمسة قربت تخلص وده مش في صالحك يا رمانتي
أسرعت نحو المنشفة تلتقطها وتلفها حولها جسدها بينما هو بالخارج هتف بالرقم خمسة وبالفعل لم يكن يمزح بل فورًا فتح الباب ولكن لحسن حظها أنها كانت لفت جسدها بالمنشفة .. أما هو فابتسم ورد بعبث وهو يعض على شفاه السفلية متحسرًا :
_ ياخسارة .. كنت خليتها لغاية تلاتة
طالعته مبتسمة بغيظ واندفعت نحوه تلكزه في كتفه بخفة هاتفة :
_ أنت وقح جدًا
تجولت نظراته عليها برغبة وهو يبتسم بخبث .. تلك القماشة السميكة التي تستر جسدها وشعرها المبتل الذي تتساقط منه قطرات المياه فوق ذراعيها وصدرها تجعلها أكثر أغراء وإثارة ، وبقوة ملاحظتها قرأت ما يدور بعقله من خلال نظراته المشتعلة فتراجعت للخلف ببطء تنوي الاختباء داخل الحمام مجددًا .. لكن كان يقظ أكثر منها ووجدت ذراعه يحاوطها بقوة ويجذبها إليه محكمًا قبضته عليها ويقول ببسمة مائلة كلها لؤم :
_ أنا محترم أوي لغاية دلوقتي يارمانة .. إلا بقى لو إنتي عايزة تشهدي الوقاحة على حق
شعرت بالبرودة تسري فوق جلدها تزامنًا مع حركة أنامله المتمرسة وارتجفت بخجل عند وقوف يده فوق عقدة المنشفة فهتفت مسرعة حتى تنقذ خجلها تقول بفرحة :
_ عدنان النهارده حسيت بأبننا بيتحرك أول مرة
انخفضت يده تلقائيًا واجفل نظره إلى بطنها يقول بلهفة وسعادة :
_ بجد !

هزت برأسها في إيجاب أما هو فراح يضع يده فوق بطنها المرتفعة يتحسسها برفق وهو يبتسم بعينان لامعة كلها حب ثم انحنى بجسده للأسفل يجلس القرفصاء وبيديه يحتضن بطنها من الجانبين ويقترب بشفتيه منها يقبلها بكل رقة هامسًا :
_ حاسس نفسي بمتلك الدنيا وما فيها
راح يوزع قبلاته على بطنها بعد عبارته ثم استقام واقفًا وتحتضن وجهها متمتمًا بعين تفيض عشقًا :
_ إنتي خلتيني اسعد راجل في الدنيا ياجلنار .. ادتيني أجمل بنوتة ودلوقتي شايلة ابني وولي العهد
ابتسمت له بغرام وهمست وهي تقترب بوجهها منه أكثر حتى تلفح أنفاسها الساخنة صفحة وجهه :
_ وإنت أجمل راجل وزوج وأب .. أنا بحبك أوي ياعدنان
ابتسمت عيناه بالشوق والغرام قبل وجهه ولم تكن إجابته بالكلمات بل شفتيه تولت المهمة .
قُطعت لحظاتهم وانتفضت جلنار مبتعدة على أثر صوت طرق الباب أما هو فاتسعت عيناه يقول بنفاذ صبر :
_ لا مش معقول هنا ده أنا لسا سايبها نايمة قبل ما آجيلك !
ضحكت رغمًا عنها ثم صدح صوت الخادمة بدرية من خلف الباب وهي تقول بأدب :
_ جلنار هانم أنا آسفة لو ضايقتك .. بس نشأت بيه كان بيسأل عليكي وبيقول عايزك
ضيقت عيناها وردت في قلق :
_ هو كويس يا بدرية ؟
_ كويس الحمدلله متقلقيش هو تقريبًا عايز يتكلم معاكي في حاجة
جلنار :
_ طيب يابدرية روحي إنتي وأنا جاية وراكي
انتشلت جسدها من بين براثن عدنان واتجهت نحو الخزانة تخرج ملابسها وتعود للحمام لكي ترتدي ملابسها ، أما هو فجلس على حرف الفراش متأففًا بحنق ويتمتم :
_ يعني أنا هلاقيها من هنا ولا من نشأت
***
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا خرجَ عدنان من غرفة نشأت ينوى الرحيل .. تحرك بخطواته السريعة تجاه الدرج وقبل أن يخطو أولى خطواته فوق الدرج سمع صوتها من الخلف تقول :
_ عدنان استنى
توقف والتفت بجسده لها فوجدها تتحرك نحوه بكل غنج حتى توقفت أمامه مباشرة ورفعت يديها الناعمتين تمررهم فوق سترته بحركة تثير الرغبة وتهمس متطلعة بعيناه :
_ خليك معايا النهارده متمشيش

مالت شفتيه لليسار ببسمة ماكرة ثم استطرد :
_ ليه ؟!
زادت من حميمية لمساتها ونبرتها أصبحت أكثر إثارة وهي تهمس بكل دلال يليق بزهرته الحمراء ونبرة منخفضة حتى لا يسمعهم أحد :
_ وحشتني وعايزة أنام في حضنك الليلة دي
ابتسم باتساع ومال عليها يتمتم بنظرة فاقت وقاحته منذ قليل :
_ إنتي متأكدة من طلبك ده يارمانتي !
ضحكت برقة وهزت بالإيجاب تقول بجرأة ودلال أكثر لا تليق بتلك المرأة التي كانت ترتجف من خجلها منذ قليل :
_متأكدة جدًا كمان
رفع حاجبه بمكر ضاحكًا ثم أجابها باسمًا :
_ طيب روحي وأنا هكلم آدم أقوله على كام حاجة بخصوص الشغل وجاي وراكي
تحركت من أمامه وسارت تجاه الغرفة ثم التفتت برأسها له عند الباب وقالت باسمة بنعومة جعلت لعابه يسيل على أثرها :
_ متتأخرش !
ثم فتحت الباب واختفت داخل الغرفة عن أنظاره .. بقى هو مكانه متسمرًا لم يفيق من تأثير نبرتها ولا نظرتها السحرية .. اخفض نظره بهاتفه الذي بيده وسرعان ما وضعه بجيبه وقال بلهفة :
_ يتحرق الشغل كله .. بلا شغل بلا قرف !
ثم اندفع مسرعًا نحو غرفة زوجته وفتح الباب ودخل ثم اغلفه خلفه ومد يده يغلقه بالمفتاح فضيقت عيناه وسألته بحيرة :
_بتقفل بالمفتاح ليه ؟!
رد غامزًا بلؤم :
_ تحسبًا لأي هجوم من أطراف العدو .. والبيت هنا مليان أعداء

قهقهت عاليًا وماهي إلا لحظات حتى انغمسوا معًا يقضون ليلتهم الخاصة وسط أجواء العشق والسعادة التي تغمرهم ! …….
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل حاتم …………
كانت تقف أمام المرآة تقوم بتسريح شعرها فرآته من خلفها بعدما دخل الغرفة يقترب منها ببطء ثم احتضنها من الخلف وقبّل شعرها بكل حب هامسًا :
_ معقول الجمال ده كله ليا لوحدي
ابتسمت بخجل ولم تجيبه فقط بسمتها الساحرة كانت تجيب بدلًا عنها .. لكن خرج صوتها بعد لحظات معدودة وهي تسأله بحيرة :
_ أنت مش رايح الشغل ؟!
حاتم باسمًا :
_ تؤتؤ حابب النهارده اقضى اليوم معاكي
استدارت ودنت منه تلثم وجنته برقة دون حرف واحد بينما هو فمد يده بجيبه وأخرج كارتين عبارة عن تذاكر طائرة لمدينة كاليفورنيا وقال بحنان :
_ ده تذاكر الطيارة عشان نرجع كاليفورنيا زي ما كنتي عايزة وبما إن المشروع خلاص انتهى فمفيش مانع نرجع تاني لشغلنا هنا

هدأت بسمتها قليلًا وجذبت الكروت من يده ثم تطلعت بعينها وقال في رزانة وحب :
_ بس إنت كنت بتقول إنك راح تنقل كل شيء لهون وإنك حابب تضل بمصر وما ترجع لكاليفورنيا .. شو اللي غير رأيك هلأ ؟!
حاتم بنبرة جادة :
_ سعادتك أهم عندي يانادين وطالما إنتي حابة ترجعي هناك مفيش مشكلة
ابتسمت وأظهرت عن أسنانها البيضاء ثم ألقت بتذاكر الطائرة فوق الفراش بأهمال واحتضنت كفيه بدفء متمتمة :
_ وأنا كمان بتهمني سعادتك .. وبدي ياك تعرف إن سعادتي مرتبطة بوجودي جمبك مش بالمكان اللي راح ضل فيه .. وأنا هلأ خلاص اتعودت على مصر وحابة كتير إني ضل هون وما بدي ارجع على كاليفورنيا
حاتم بصوت رجولي قوي :
_ نادين لو بتقولي كدا عشان ااااا…….
كتمت على فمه بكفها تمنعه من استرسال الحديث وتقول باسمة بنظرة ثاقبة :
_ مشان أنا بحبك .. وقولتلك ما عاد يفرق معي المكان أهم شيء تكون إنت جمبي وهاي هي أكبر سعادة لإلي .. وإذا ما بدك ياني اتضايق عنجد لا تفتح هاي الموضوع مرة تاني لإني حتى أنا ما راح اقدر سافر واترك الخالة فاطمة بعد ما اتعلقت فيها بهاي الدرجة
ابتسم لها بغرام جارف وضمها لصدره يلثم شعرها وجبهتها بكل حنو هامسًا :
_ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي .. مهما أقولك بحبك دي كلمة قليلة بالنسبة لحبي ليكي
أغمضت عيناها وهدأت برأسها فوق صدره وهي بين ذراعيه تنعم بكل أشكال الحب والآمان التي ظنت يومًا أنها لن تحصل عليهم أبدًا !!! ………….
***
فتحت عيناها بصباح اليوم التالي وهي تشعر بملمس جسده القوى يحتويها ورأسها فوق صدره وذراعيه تحاوطها بتملك كمن يخشى من هروب فريسته منه !! .
رفعت نظرها له فوجدته نائم في سبات تام وأنفاسه منتظمة .. شعره الأسود الكثيف مشعث مما جعله أكثر جاذبية ، ابتسمت وهي تتذكر ليلة الأمس كيف كانت تعبث بشعره باستمتاع وسط مزاحهم وضحكهم ولحظاتهم الرومانسية .. لا تصدق تلك الجرأة التي كانت تستحوذها بالأمس والآن هي تتلون بالأحمر خجلًا ! .
لم تشعر بنفسها سوى وهي تجد يديها تمتد إلى شعره من جديد وتعبث به برقة وسط ابتسامتها العاشقة ، تململ هو بنومه على أثر لمساتها وراحت يديه تمتد بتلقائية حتى تضمها إليه أكثر فضحكت هي بصوت مكتوم وهمست بخفوت :
_ عدنان اصحى يلا كفاية .. آدم بيرن عليك من بدري
أجابها بصوت ناعس :
_ اعملي التلفون سايلنت وسيبك منه
قهقهت بخفة ثم مالت عليه وطبعت قبلة ناعمة فوق وجنته ولحيته هامسة :
_يلا بقى قوم بلاش كسل احسن اجبلك هنا وهي بتعرف تصحيك كويس أوي
ابتسم وهو مغمض عيناه على أثر قبلتها ثم تمتم بلؤم واستمتاع :
_طيب كام بوسة تاني كمان عشان اقوم
ضحكت وبسذاجتها لبت طلبه وأخذت توزع قبلاتها الناعمة على وجهه وهو مغمض عيناه ويبتسم بسعادة وحين توقفت فتح عيناه الماكرة وقال بعينان تلمع برغبة :
_ دوري بقى
اعتدل بظرف لحظة وغار عليها يكبلها بيديه حتى لا تفر هاربة منه .. ولم تجد هي أمامها مفر سوى أن تصيح منادية على ابنتها فهي الوحيدة التي ستنقذها منه لكنه كان أسرع منها وكتم على فمها بيده ضاحكًا ويقول :
_ هشششش يعني لما ربنا هاديها عليا ومبوظتش علينا الليلة عايزة تندهيها
ابعدت يده عن فمها وقالت بضحكة مغلوبة :
_ طيب ابعد عني بقى
هدر بعناد مبتسمًا :
_مش قبل ما اخد دوري
مال عليها وكان على وشك أن ينل منها وسط ضحكها ومحاولاتها للتملص من بين يديه لكن صوت طرق الباب والعبرة الطفولية وهي تقول بكل براءة :
_ مامي .. بابي يلا اصحوا
التفت برأسه تجاه الباب وهو يتنهد بعدم حيلة بينما جلنار فانفجرت ضاحكة وقالت بخبث لكي تثير غيظه أكثر :
_حبيبة مامتها جات
عدنان جازًا على أسنانه بغيظ :
_ ماشي ياجلنار .. هسيبك بس عشان هاخدك مشوار
_مشوار إيه ؟!
عدنان بغمزة جذابة :
_ مفاجأة

***
بعد مرور ساعات طويلة نسبيًا ……….
تلفتت جلنار حولها باستغراب بعدما توقفت السيارة وقالت بعدم فهم :
_ احنا جينا بيتنا ياعدنان !!!
أجابها وهو يفتح الباب وينزل من السيارة :
_ ماهي المفاجأة هنا ياحبيبتي ، يلا انزلي
قادت خطواتها خلفه بعدما خرجت من السيارة وفور دخولها للمنزل توقفت متسمرة بدهشة وهي ترى كم التغيرات التي أحدثها بالمنزل لتقول له بانبهار :
_ الله ياعدنان البيت شكل بقى جميل أوي
ضمها إليه وقبَّل شعرها متمتمًا :
_ الحمدلله إنه عجبك .. بس مش دي المفاجأة تعالي معايا فوق وبعدين نبقى نكمل وافرجك على بقية التغيرات اللي عملتها في البيت
سارت معه مبتسمة يصعدون الدرج حتى وجدته يتحرك بها لإحدى الغرف المغلقة والتي من المفترض أنها ستكون لطفلهم الثاني .. فتسمرت مكانها بذهول فور تخيلها لشكل المفاجأة لكنه ابتسم وحثها على استمرار السير معه وعند الباب تركها وابتعد عنها ليفتح الباب ثم يتقهقهر للخلف لكي يترك لها أسبقية الدخول .
تملكها الذهول وهي تتنقل بنظرها بين أرجاء الغرفة الصغيرة .. أصبحت مكتملة من كل شيء ، ذلك الفراش الصغير لابنهم وأيضًا يوجد مهد صغير وخزانة عصرية من اللونين الأبيض والأسود معًا والوان الحوائط ملائمة تمامًا لصبي .. حتى أن الغرفة امتلأت بالالعاب من قبل قدومه .. كل شيء كان كما تمنت بالضبط وأثاث الغرفة على ذوقها تمامًا .
اغروقت عيناها بالعبارات واستدارت له لا إراديًا ترتمي بين ذراعيه هاتفة من بين دموعها بصوت مبحوح :
_ربنا يخليك لينا ياعدنان .. صدقني هنا وابنك محظوظين أوي إن عندهم أب زيك
_ وأنا محظوظ بيكم ياحبيبتي
رفعت قدميها لمستواه ولثمت جانب ثغرها بقبلة عميقة فابتسم هو واردف :
_ الأوضة لو فيها أي حاجة مش عجباكي وعايزة تغييرها براحتك
هزت رأسها بالنفي واردفت بسعادة غامرة :
_ تؤتؤ كل حاجة حلوة أوي وأجمل مفاجأة بجد ياعدونتي
ضحك ورد بشوق وحماس :
_ طيب جهزي نفسك إنتي وهنا بقى بليل عشان نرجع البيت
عبست قليلًا وقالت برقة ونظرة كلها حنو :

_ طيب خليها بعد يومين يعني مثلًا بعد فرح آدم يكون بابا بقى كويس وبعدين نرجع لأني مش هقدر اسيبه دلوقتي
تنفس الصعداء بحنق وأجابها في عدم صبر :
_ زهقت ياجلنار ووحشتيني أوي إنتي وهنا ده أنا ما صدقت خلصت البيت عشان اخدك وترجعي
علانقته وأخذت تقبله بحب وهي تهمس برجاء :
_ معلش ياحبيبي اصبر كمان شوية عشان خاطري
ارتحت عضلاته وذابت أمام قبلاتها ليقول بهيام :
_ عشان خاطرك بس يارمانتي هستحمل شوية
ابتسمت له بعشق وبهذه اللحظة بادرت هي بلحظتهم الغرامية بين ثنايا غرفة صغيرهم الذي لم يولد بعد !! ……….
***
بتمام الساعة السابعة مساءًا ……….
انفتح الباب ودخل عدنان ليقابل صوت أخيه وهو يقول لأمه مازحًا :
_ أهو الباشا شرف أخيرًا يا أسمهان هانم
ابتسمت أسمهان وهتفت بحنو :
_ ليه اتأخرت كدا ياحبيبي
تقدم منها وانحنى عليها يقبل رأسها بدفء متمتمًا :
_ معلش ياماما كان معايا شوية حجات خلصتهم وجيت علطول والله
أردف آدم بمرح :
_ احنا لينا ساعتين مستنينك عشان العشا .. المفروض تراعي إني عريس ولازم اتغذى كويس
رمقه بحاجب مرتفع ثم هدر باسمًا بنبرة ذات معنى :
_ اه طبعًا اهم حاجة تتغذى ما أنت داخل على ملحمة بقى مش كدا ولا إيه يا عريس !
قهقه عاليًا وأجاب بلؤم وهو يوجه الحديث لأمه :
_ عندما تتحدث الخبرة !
تنفست أسمهان الصعداء بعدم حيلة وهي تضحك ثم صاحت منادية :

_ هاتي ياسماح العشا يلا
ثم نظرت لأبنائها الذي بدأوا بتبادل أطراف الحديث مع بعضهظ البعض وابتسمت بسعادة ثم قالت بنظرة تفيض حبًا وحنانًا :
_ والله واتجمعنا من تاني على سفرة واحدة ياولاد الشافعي .. ربنا يخليكم ليا ياحبايبي ويحفظكم وما يفرق بينا أبدًا
كل منهم التقط كف من كفيه وقبَّل ظاهره بلطف هامسين بالتناوب :
_ ويخليكي لينا ياست الكل
***
بعد مرور يومين وتحديدًا بالليلة المنتظرة والموعودة ليلة الزفاف ……….
كان يجوب الطرقة إيابًا وذهابًا أمام الغرفة لا يطيق الانتظار حتى يدخل ويراها وبين كل لحظة والأخرى يطرق طرقة قوية على الباب في محاولة منهم للاستعجال .. عند الطرقة الأخيرة فتحت جلنار الباب له ووقفت كالسد المنيع تقول بحزم :
_ نعم !
آدم متوسلًا :
_خليني ادخل أشوفها لحظة واحدة ياجلنار
جلنار برفض قاطع وعدم تأثر بتوسله :
_ مينفعش هي خلاص خمس دقايق وتخلص اصبر بقى
تأفف بصوت عالي ويأس وهمت هي بأن تغلق الباب وتدخل لكن سألته باهتمام وحماس :
_ عدنان فين يا آدم ؟
أجابها بحنق ولا مبالاة :
_ مع هنا تحت

اتسعت بسمتها الغامضة بالنسبة له ودخلت الغرفة ثم أغلقت الباب لتتركه بالخارج يتحرق شوقًا لرؤية زوجته وهي بفستان الزفاف ! .
وبالفعل لم تكن سوى دقائق معدودة حتى خرجوا جميعهم من الغرفة وأخرهم كانت جلنار التي أشارت له بالسماح بالدخول إليها .. فأشرق وجهه وأضاءت عيناه من السعادة والحماس وفورًا اندفع للداخل يغلق الباب خلفه ليتقدم منها بخطوات هادئة .. يراها تقف توليه ظهرها وهي بفستان الزفاف الذي يأخذ مساحة كبيرة من حولها .. الشوق يأكله أكل لكي يرى وجهها ، فالتف حولها حتى وقف أمامها ورأى أجمل وجه يمكن أن يراه على الأطلاق .. كانت هي تتطلعه ببسمة خجلة لا تقوى على النظر بعيناه من فرط حيائها أما هو فكانت عيناه لا تحيد بالنظر عنها يتأملها وهو يبتسم باتساع ولوهلة شعر بأن الدموع ستصعد لعيناه من فرط السعادة فراح يقترب منها ويضمها في عناق حميمي دافنًا وجهه بين ثنايا رقبتها وهو يهمس :
_ مش مصدق إنك خلاص بقيتي مراتي يامهرة أخيرًا ياحبيبتي
ردت هي بصوت خافت يملأه الحياء برغم عبارتها التي تحوي على بعض من الجرأة :
_ وأنا فرحانة أوي يا آدم
ابتعد عنها ودنى منها يلثم جبهتها ووجنتيها وهو يتمتم :
_ إيه الجمال ده بس أنا مش قادر اشيل عيني من عليكي
تطرقت رأسها أيضًا وهي تضحك بخجل بينما هو فتابع بمرح يملأه مكره :
_ ما تيجي نروح على بيتنا ونسيبنا من الفرح والكلام الفارغ ده .. احنا مش خلاص كتبنا الكتاب واتجوزنا كفاية بقى
انتشلهم من بين لحظاتهم الأولى والغرامية طرق الباب مصحوبًا بصوت سهيلة ( صديقتها ) وهي تقول بضحكة مكتومة وكأنها متعمدة قطع لحظاتهم معًا :
_ يلا ياعرسان المعازيم مستنين تحت
تأفف بعدم حيلة ثم قال مازحًا :
_ إيه رأيك نلغي الفرح خالص يامهرتي
انطلقت ضحكتها عاليًا ليدنو هو منها ويلثم جانب ثغرها بلطف ………
***

انطلقت من هنا صيحة وهي تهز قدم أبيها هاتفة :
_ بابي .. مامي جات أهي
رفع نظره إلى حيث تشير ابنته بأصبعها فاستقر نظره على زوجته وهي تسير نحوهم بدلال غائصة في ثوبها الأسود الذي جعلها أثنى صارخة الجمال .. نزل فكه للأسفل بانبهار فلم يكن يتوقع أنها ستظهر لهم بكتلة الجمال المرهقة للأعصاب تلك .. وكأن بطنها المرتفعة لم تزيدها إلا جمالًا بذلك الثوب الأسود وشعرها الذي يتلائم مع لون الثوب .
مال على أذن ابنته وهمس بعين لا تحيد عن زهرته الحمراء :
_ مامي احلى من العروسة نفسها ياهنون بس اوعي تقولي لعمو آدم كدا
ضحكت الصغيرة وهزت رأسها بالموافقة ثم سألت بعفوية وسط ضحكها :
_ طيب ينفع أقول لمامي ؟
أجابها بعدم تركيز مرددًا دون انتباه :
_ ينفع
وقفت جلنار أمامهم وهي تبتسم برقة وعيناها تلتقط نظرات عدنان الهائمة بها وبلحظة وجدت ابنتها تتعلق بثوبها وتقول بضحكة ساحرة :
_ مامي بابي بيقول إنك احلى من العروسة نفسها
نقلت نظرها بين ابنتها وعدنان وردت باسمة بخجل بسيط :
_ بجد !
هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم باتساع ثم تابعت أمها وهي تجلس على المقعد المجاور لأبيها وكانت على وشك أن نجلس بجوارهم لكن جذبتها إحدى صديقاتها للعب معهم وبقوا والديها بمفردهم ! ………
كانت جلنار تتحاشى النظر إليه وهي تبتسم بذكاء أنثوي حتى شعرت بيده تقبض على خصرها ويجذبها إليه بقوة ثم مال على أذنها وهمس بفحيح مريب يحمل الغيرة والإعجاب :
_ لغاية ما يخلص الفرح ممنوع تتحركي من جمبي نهائي ياجلنار مفهوووم
لم تنزعج بل بالعكس ابتسمت بتلذذ وردت عليه بغنج مثير :

_ مفهوم يابيبي
اغمض عيناه يحاول تمالك رغباته عنها ثم هتف بتحذير حقيقي :
_ بلاش شغل الدلع ده أنا متمالك نفسي بالعافية أساسًا
قهقهت عاليًا لكن بسبب صوت الموسيقى الصاخبة لم يسمع صوت ضحكتها سواه وتمتمت بنفس دلالها :
_ وأنا لو مدلعتش عليك هدلع علي مين يعني ؟!
غمز لها ببسمة خبيثة وهدر :
_ ادلعي براحتك يارمانة قلبي بس في البيت مش هنا !
أكملت ضحكها العالي وهو يتابعها بنظراته العاشقة والهائمة بها ………
***
بعد مرور أربعة أشهر …………
كانت عيني هنا ثابتة على أخيها الرضيع وهو بين ذراعين أبيها تراقب كيف هو مستكين بين يديه ونائم بكل هدوء فرفعت نظرها لأبيها وقالت باسمة :
_بابي يزيد بيحبك أوي
ابتسم لها وسأل بتعجب :
_ عرفتي إزاي ياهنايا ؟!
هنا بكل براءة ودفء :
_ عشان بيفضل ساكت معاك وبينام علطول لكن مع مامي بيفضل يعيط كتير لغاية ما ينام
ضحك بخفة على شدة ملاحظة ابنته وذكائها الطفولي ولم يلبث للحظة حتى وجدها تقترب منه وتقبل أخيها من رأسه ثم تعانق أبيها هاتفة بدلال مماثل لدلال أمها :
_ بس أنا بحبك اكتر يابابي وبحب يزيد كمان
ضمها إليه أكثر وراح يمطرها بوابل من قبلاته هامسًا بكل حنان وحب :
_ وأنا بعشقك ياروح بابي

ابتعدت ولثمت وجنة أبيها هي أيضًا لتسمعه يقول بعد ذلك بجدية بسيطة :
_ يلا بقى ياحبيبتي روحي نامي عشان بكرا أول يوم مدرسة ومينفعش نتأخر
قفزت فرحًا بحماس وقالت بموافقة دون أي اعتراض :
_ أيوة بكرا أول يوم مدرسة
ثم عانقت أبيها مجددًا وقالت باسمة :
_تصبح على خير يابابي
_وانتي من أهله ياحبيبتي
تابعها بنظراته وهن يراها تندفع لخارج الغرفة ركضًا تقصد غرفتها .. انخفض بنظره إلى صغيره ودنى إليه يلثم جبهته بحب مبتسمًا ثم استقام واقفًا به وتقدم نحو مهده الصغير يضعه به بكل حرص وبتلك اللحظة تحديدًا خرجت جلنار من الحمام بعدما انتهت من حمامها الدافيء واتسعت عيناها بدهشة وهي تسأله :
_نام ؟!!

هز رأسه بالإيجاب فضحكت هي واقتربت منه تقول بخفوت :
_ نفسي أفهم بينام بالسرعة دي معاك إزاي .. ده أنا بيغلبني لغاية ما ينام .. واضح إنه هيطلع متعلق بيك أوي
رأته يبتسم دون أن يتحدث وبنظرة مميزة لأول مرة تراها بعيناه فغضنت حاجبيها وتقدمت منه أكثر تسأله بحيرة :
_ في إيه ؟!
وجدته يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه بكل رفق وانامل يده الأخرى امتدت إلى بشرة وجهها يتحسسها برقة هامسًا :
_ إنتي اثرتيني ياجلنار .. عملتي فيا كدا إزاي ؟! .. رغم كل السنين دي ورغم كل اللي مرينا بيه حبك في قلبي كان بيزيد مش بيقل ونار شوقي ليكي عمرها ما انطفت .. إنتي وهنا ويزيد أجمل هدية من ربنا ليا .. وهفضل أحمد ربنا واشكره طول حياتي إني مخسرتكيش

ابتسمت بغرام وطالعته بعينان تهيمان عشقًا ثم همست بنبرة انسدلت كالحرير ناعمًا وصوبت سهمها بيساره :
_ وكيف تتخلى الزهرة الحمراء عن عُقاب ؟!
دنى إليها واستند بجبهته فوق خاصتها هامسًا بصوت يفيض بالعواطف الجيَّاشة والعشق الذي لا ينتهي أبدًا :
_ والعُقاب عاشق لرمانته .. وهتفضل امرأة العُقاب ملكة متوجة فوق عرش قلبه للأبد
انتهت كلماته وسكتت معها الألسن تترك الحرية للقلوب والشفاه أن تتحدث بدلًا عنها .. لكي تنهي آخر أحرف وكلمات ملحمتنا وتكون بداية أخرى لأبطالنا مضمورة بين ثنايا أذهاننا .
_ تـــــمـــــت الحمدلله

تعليقات