![]() |
رواية قناص الغرام الفصل الثامن بقلم رباب حسين
كأن العمر كان ينتظر تلك الليلة ليبدأ من جديد فبعد عذاب القلب ولهفة اللقاء والحنين إلى رعشة الشفاه وهي تنطق بكلمة الحب، أخيراً نطق القلب بكلمة : "أحبكِ" فتخلل الدفء في المسافة بيننا وتلاقت الأيدي بعد فصول الفراق فكانت ليلة تشبه الوعد الذي تحقق وتحدثت العيون بكل ما عجز عن الكلام ونبض قلبينا نبض بالحب نبضة واحدة صمت العالم من حولها لتعلن أن الحنين الطويل والانتظار أصبح عناقًا يبعث الراحة في صدري وإن كان عقلي مازال يحذرني ولكن هذا السلام الساكن في عيني هو الحب حين يكتمل ككتمال البدر في سماه.
يا له من اعتراف بسيط في لفظه عظيم في أثره، جعل القلوب تبتسم بعد العذاب والروح تعود من غيابها الطويل لتسكن أخيرًا حيث تنتمي.
لم يشعر بالوقت وهو يمضي بل شعر بأنه عاد للحياة توًا وكأنه بُعث من جديد على راحتيها كطفل يرى العالم من حوله لأول مرة، أسند رأسه على رأسها وهي تغمض عينيها لتشعر بلذة اللقاء وتسمع نبض فؤاده الذي يلفظ باسمها مع كل نبضة وكأن هي شريان الحياة لجسده، وبعد وقت طويل من الصمت بعد أن تيقن كلًا منهما أن هذا ليس بحلم قالت ندا : أسفة على اللي حصل النهاردة بسببي
فارس : هشششش..... متعتذريش.... إذا كان حد لازم يعتذر فعلًا فهو أنا
ندا : إنت اتصبت بسببي.... الحمد لله إنك كويس
فارس : مش كويس أوي بصراحة.... عندي صداع هيموتني
ابتعدت عنه ندا ونظرت له في قلق وقالت : طيب أجيبلك دوا؟.... لا قوم ارتاح ولا استنى هنزل أقول لحاتم
وضع فارس يده على وجهها ونظر لها وهو يبتسم بعد رؤية لهفتها وخوفها عليه ثم قال : إنتي الدوا لكل وجع فيا.... روحي اللي كانت غايبة وردت في قلبي تاني.... خليكي جنبي ومش عايز حاجة من الدنيا حتى لو مت بين إيديكِ دلوقتي أنا هموت وأنا مرتاح.
ندا في حزن : ليه دايمًا بتتكلم عن الموت؟، ليه عايز تمشي وتسيبني؟
فارس : أنا عمري ما همشي واسيبك.... أنا خايف تمشي إنتي وتسيبيني، مش هستحمل بعدك عني، كفاية اللي خسرتهم مش أد خسارة تانية.
ندا : مش همشي، طول ما أنا شايفة حبك ليا في عينيك مش همشي، أنا عايزة أفضل جنبك وأكون كل حاجة ليك، نبقى شخص واحد، أعرف كل حاجة عنك وتعرف كل حاجة عني.
فارس : عايزة تعرفي إيه؟
ندا : مش حاجة معينة، بس كل أما أحاول أقرب منك بتبعدني.
فارس : مش هبعدك تاني، أنا ملك إيديكِ من دلوقتي وبس تشاوري هتلاقيني جنبك.
ندا : ربنا يخليك ليا.
جذبها فارس مرة أخرى إلى أحضانه ليطمئن هذا القلب المرتعش من الخوف من فقدانها أنها لازالت هنا.... فلتحظى يا قلبي بالسلام المؤقت فهي لازالت بين يديّ.
أما غسان فكان يجلس مع حمدي وقال : أنا زهقت من رائد ده، طماع بشكل مش طبيعي.
حمدي : يا باشا لو الخطة نجحت مش هنحتاج لرائد أصلًا.
دخل حسني من الباب وقال : مش لما تنجح يا حمدي الأول
جلس أمام غسان وقال في ملل : أنا زهقت، كل ده عشان بس نخلي الواد ده تحت إيدينا؟
غسان : قولتلك قبل كده الواد ده لو بقى من رجالتي ونفذ اللي أنا عايزه هنبقى فوق أوي ومحدش هيقدر يقف قصادنا في السوق.
حسني : فهمت يا بابا، بس بجد خدنا وقت طويل أوي ده غير الفلوس اللي عمالين ندفعها لرائد والفلوس اللي فارس بياخدها ولحد دلوقتي مفيش عملية لينا راضية تظبط، عايزين نتحرك شوية.
غسان : أنا مستني بس إشارة عشان اطمن وساعتها هنفذ وهخليه خاتم في صباعي.
صعد حاتم إلى غرفة فارس وطرق الباب فنهضت ندا لتفتح فنظر لها حاتم في تعجب وقال : يعني فتحت لندا وأنا لا؟! ماشي يا عم فارس
ابتسم فارس وقال : عايز إيه يا حاتم؟
حاتم : أنا هنزل أشتري شوية طلبات للبيت وهطلب تاكسي عشان وأنا راجع هجيب عربيتك اللي سبتها عند الجامعة.
فارس : اه، بمناسبة الجامعة أنا شايف إن ندا تأجل السنة ديه، وجودها في الجامعة بقى خطر.
ندا : لا، حرام بقى ده السنة قربت تخلص وأنا تعبت أوي فيها بجد.
فارس : معلش ممكن تأجلي الترم ده بس لحد أما نشوف أخرتها مع غانم إيه.
نظرت ندا إلى الفراغ في حزن فوضع فارس يده داخل خصلات شعرها وقال : متزعليش يا حبيبتي، مش هبقى مطمن عليكي غير وإنتي قدام عيني.
ندا : مش مهم، هأجل بس عشان إنت تبقى مرتاح.
ابتسم حاتم وأغلق عينيه في شك ثم قال : هو فيه حاجة حصلت من ورايا ولا إيه؟
ضحك فارس في خجل وقال : روح يا حاتم شوف عايز تعمل إيه.
حاتم : طيب براحة يا عم أنا هتوزع لوحدي والله، تحب أبات برا النهاردة؟
فارس : لا طبعًا، إرجع على هنا متقلقنيش عليك.
حاتم مازحًا : يعني لسه بتحبني يا فارس؟
نظر له فارس في اشمئزاز وقال : لا بص إنت تقعد كام يوم في فندق وإن شاء الله غانم يلاقيك ويخلصني من رخامتك.
ضحك حاتم وقال : ياااااااه بقالي كتير مرخمتش عليك والله، بس مكنتش أعرف إنك هتنسى اللي بينا بسرعة كده، يا غدار، إبعدي عنه يا بنتي ده ملوش أمان.
كاد فارس أن يقبض على ذراعه في غضب ولكنه ركض مسرعًا وهو يضحك وهرب من أمامه فضحكت ندا وقالت : بيحبك أوي بجد.
فارس : دا أخويا اللي الدنيا بعتتهولي، مش عارف من غيره حالتي كانت هتبقى عاملة إزاي.
ذهب حاتم إلى الجامعة وأخذ سيارة فارس تحت نظرات رجال غانم اللذين تتبعوه حتى قام بشراء الأغراض للمنزل وعاد إلى المزرعة وأبلغو غانم بأنهم توصلو إليه فطلب منهم أن ينتظرو بالخارج حتى يخرج ويقومو بإحضاره إليه، أما فارس فقامت ندا بإحضار مسكن له فقال فارس : أنا جعان بصراحة.
ندا : خد بس مسكن وارتاح شوية وأنا هنزل أحضرلك الأكل.
أخذ فارس الدواء ونزلت ندا لتعد الطعام بعد وقت شعر فارس بتحسن فنزل ليلحق بها إلى أسفل ووجدها تعد الطعام باهتمام وتركيز فوقف عند الباب وأستند بجسده عليه وهو يعقد كلا ذراعيه أمام صدره ويتابعها بابتسامة عينيه ثم قال : أنا بحب القمر ديه؟
نظرت له ندا وابتسمت وقالت : أنا قمر في عينيك إنت بس.
فارس : لا طبعًا، ده كفاية عينيكي اللي دوخوني دول من أول مرة شفتهم.
ندا : من أول مرة لما كنت عايز تطردني من البيت؟
فارس : ما كنت بهرب بقى.
ندا : اه اه، طيب ما تكمل هروب.
فارس : مش قادر بصراحة، قلبي عامل إضراب كإنه بيقولي مش هنبض غير وهي جنبك.
ابتسمت ندا وقالت : بعد الشر عنك.
فارس : أنا ممكن أساعد على فكرة.
ندا : إنت عيان على فكرة، واه صحيح، شكرًا على الحاجات الحلوة اللي جبتها والألوان كمان.
فارس : ولا أي حاجة، إنتي الدنيا كلها لو اتحطت تحت رجليكي قليلة عليكي.
ندا : مش أد الحب ده كله على فكرة، إنت كنت كاتم ده كله إزاي بجد؟
فارس : بتحمل أنا متقلقيش، بس خلاص رفعت راية الاستسلام، أصلًا إتحرق دمي من الواد وائل ده.
ندا : ليه ده غلبان؟
نظر لها فارس في غضب واقترب منها وقال : ده إيه؟!
رجعت ندا إلى الخلف في خوف وقالت : بهزر، عيلة وغلطت معلش.
أمسك فارس يدها وجذبها إليه بهدوء وقال : إوعي أشوف نظرة خوف في عينكي مني.
ندا : بصراحة بتقلب مرة واحدة بترعب منك.
فارس : أنا أئذي أي حد إلا إنتي،
رفع يدها وقبلها ثم نظر لها في عشق وقال : ممكن أساعدك بقى؟
أومأت له ندا بنعم وهي تبتسم ثم أعدا الطعام سويًا وجلسا معًا لأول مرة دون قيود أو حزن، مرت أيام وفارس يتعافى من إصابة رأسهِ وأما هذا القلب الذي ارتوى من الحزن كاسات عرف معنى العشق والراحة بوجود ندا بجواره، كأن يرى فيها العالم كله ويرى العالم من خلالها من جديد، دخلت حياته بخطوات هادئة كنسمة في ليل مكتوم وأيقظت فيه شيئًا ظنه مات منذ زمن، أصبحت صوته حين يصمت ودفء يومه البارد وموطنه الذي لم يعرفه يومًا، لم تعد هي فقط فتاة أحبها بل أصبحت كل الذين غادروا كل الأمان الذي افتقده وكل الحكايات التي لم تكتمل، كانت له الحبيب والصديق والراحة بعد الشقاء والضوء الذي غفر للعتمة قسوتها فحين جاءت لم تعد حياته ناقصة بل اكتملت بها وكأن الله أرسلها خصيصًا لتقول : "ما خذلك الزمن بل كان فقط ينتظرني لأتي إليك ورغم ما مررت به من جراح استنزفت مشاعرك فدعني أكون أنا الدواء" أما هو فكان خوفه يزداد فقد تعلق بها حد الجنون، شغلت عقله وقلبه واحتلت حياته دون عناء.... دون حرب مع الخصوم ومازال هذا الخوف يتربص به من كل اتجاه فزادت أحلامه حلمًا أخر فبعد أن كان يحلم كل ليلة بفراق والديه أصبح يراها تواليه ظهرها وترحل فينادي عليها كل ليلة لتسمع صوته بالغرفة المجاورة وتركض إليه لتتشبث بيده كي يطمئن أنها بجواره فيحتضن كفها واضعًا إياه على صدره فوق هذا القلب الخائف كي يهدأ وتظل بجواره حتى الصباح، تكرر هذا الأمر عدة مرات حتى صباح يوم فتح عينيه ليراها نائمة على الكرسي بجواره وهو يتشبث بيدها فأيقظها بقبلة على عينها ففتحت عينيها ببطئ ونظرت إليه بهذه العيون الخضراء وقالت بابتسامة : صباح الخير.
فارس : مش عارف أقولك إيه على النومة المتعبة ديه كل ليلة؟
ندا : قولتلك هفضل جنبك، ليه بتنده عليا كل ليلة وأنت مرعوب كأني بمشي وسيباك؟
فارس : عشان مهما أوصفلك أنا خايف أد إيه إني أخسرك مش هتصدقي، نفسي تفهميني ومتبعديش.
ندا : عايزني أفهم إيه؟
فارس : إن لو خيروني تأذي نفسك ولا تأذيها هموت نفسي بإيدي ولا أشوف نظرة حزن في عينيكي، إعرفي إني لو جرحتك في يوم من الأيام فأكيد كان غصب عني ولو في يوم عرفتي عني حاجة تزعلك مني خليكي فاكرة إني لو مت على إيدك هبقى أسعد إنسان في الدنيا.
ندا : تاني سيرة الموت؟! وبعدين مين ديه اللي تقتلك؟! أنا؟! ده أنا روحي فداك.
طرق حاتم الباب وسمح له فارس بالدخول فقال : صباح الخير يا عصافير الحب.
فارس : يا ابني كفاية رخامة.
حاتم : حاضر، بس بجد كل أما بشوفكم بفرح، عقبالي يارب.
فارس : يارب يا أخي عشان أخلص منك.
حاتم : مش ههون عليك أنا عارف، المهم قوم عشان تفطر لأن رائد اتصل بيا وقالي إنه جي وعايزك في مهمة ضروري.
نظرت ندا إلى فارس في قلق وقالت : لا بقى، أنا مش عايزاك تطلع تعمل العمليات ديه تاني.
فارس : يا حبيبتي مينفعش، مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده وقولتلك أنا بعمل كل ده ليه؟
ندا : فهمت يا فارس وعرفت إنك عايز تاخد حق والدك بس مش لازم بقى نعمل شغل القناص ده.
فارس : ومين يجيب حق الناس ديه؟ أنا خلاص الناس بقت بتستنى تشوف العدل بيتحقق عن طريقي.
ندا : طيب أنا ذنبي إيه؟ طيب بص خد حق باباك وبعدين بطل.
فارس : طيب هنتكلم بعدين خليني بس أجهز قبل ما رائد يجي.
ذهبت ندا إلى غرفتها ونزل فارس وأعد الطعام لهم وطلب من حاتم أن يستعجل ندا كي تنزل، قام فارس بوضع الصحون على الطاولة في الخارج ثم سمع صوت الباب ففتحه ووجد رائد يقف أمامه فقال : عاش من شافك يا عم فارس، إيه اللي خلاك تيجي المزرعة؟
دخل رائد وأغلق فارس الباب وقال : رجالة غانم عرفو مكاني فجيت هنا.
رائد : وندا ديه معاكو؟
فارس : اه، ما هو كمان بيهددني بيها.
رائد : ما تسيبها يا عم تمشي بدل ما تقعدها معاك وتبقى متهددة على طول كده، إنت حياتك مش سهلة يا فارس متدخلهاش في الحتة ديه.
فارس : للأسف مش هقدر.
نظر له رائد في شك وقال : إنت حبيتها؟
أومأ له فارس بنعم فقال رائد في تعجب : حبيتها وإنت قاتل أبوها؟! إنت اتجننت يا فارس؟! ديه لو عرفت مش بعيد تقتلك.
سمع فارس صوت من خلفه يقول : مين اللى حبيتها وقتلت أبوها؟
نظر فارس خلفه في صدمة ووجد ندا تنظر إليه وعلامات الصدمة والدموع تملء مقلتيها وصوتها المرتعش قد أصابه بألم لا يتحمله بشر.
