رواية قناص الغرام الفصل التاسع 9 بقلم رباب حسين



 رواية قناص الغرام الفصل التاسع بقلم رباب حسين 


كان خطؤه موجعًا وجُرحها أعمق من قاع المحيط، ابتعدت في عينيها ألف عتاب، حين سألت بصوت مكسور مرتعش وكأنها تأمل أن تسمع إجابة أخرى لهذا السؤال، أما هو فبقى هناك في نفس المكان يحدق في الفراغ ونبض قلبه يضرب بصدره كالأعصار، كل لحظة تمر تذكره بأن المسافات التي كانت بينهما ليست فقط طرقًا تقطع بل جدارًا من الزمن لا يُهدم بالعشق، فإن كان يظن أن عشقه سيكون بمثابة الدواء فويلٍ لقلب تعلق به وذاق مرارة الخداع، معذورًا أنت أيها العاشق الحزين فكم حاولت أن تمضي لكن ظلها كان يسير بجانبك وصوتها يهمس في قلبك: " أحتاج إلى هذا الحب فلا تكن بخيل المشاعر" وبعد أن رأى العشق في عينيها، تبدل بالكره واللوم وبات عقابًا له والندم أصبح سجنًا أطول من العمر نفسه. 

تخلل صوتها إلى أذنه يحمل سؤال خشى أن يسمعه منها يومًا ما ومعه توقف الزمن معلنًا عن ضربة الناقوص التي أنهت كل شيء بلحظة، تجمدت الدماء في عروقه ونظرت العين لها بنظرة مليئة بالخوف والحيرة والصدمة فتجمدت الكلمات بين شفتيه التي ارتعشت من خوف الفقد بعد اللقاء ولكنها لم تتوقف عن النظر داخل عينيه تبحث عن الإجابة بنفسها واقتربت منه بخطى مضطربة تخشى الأجابة وترجو أن تسمع عكس ما سمعت وكأنها ترجو منه في قلبها : " أرجوك، إكذب عليّ" حتى رأت رعشة عينيه وهروبها منها فسألت مرة أخرى بصوت مجروح يخفي خلفه دموع الألم وقالت : مين اللي حبيتها يا فارس وإنت قاتل أبوها؟

لم أكن أعرف أن الحروف تموت على باب الحقيقة فتعثرت ووقفت بلا حراك فقط نظر إليها وتجمعت الدموع داخل مقلتيه معلنًا: "عذرًا حبيبتي، قد حان وقت الوداع باكرًا"

نظرت له داخل عينيه بقوة وبدأ الغضب يظهر بين مقلتيها التي اشتعلت باللون الأحمر وقالت غاضبة : رد عليا يا فارس.

حاول حاتم تدارك الموقف فاقترب منها وقال : ديه واحدة حبها زمان.

نظرت له ندا ثم عادت النظر إليه وقالت : بس إنت قولتلي إنك محبتش حد قبلي، قولي الحقيقة، هو يقصدني أنا صح؟

فارس : كان... كان غصب عني.

نظرت إليه في صدمة ونزلت الدموع من عينيها وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا في رفض مما تسمع وبدأت تخطو إلى الخلف وهي تضع يديها على رأسها وتقول : لا لا، ده أكيد حلم، مش حقيقي صح؟! إنت مقتلتش بابا؟

انسابت دموعه فاقترب منه في غضب وقبضت على ملابسه وقالت : انطق قولي إنك مقتلتوش، قولي إنك معملتش كده.

لم يجيب فقط نظر أرضًا في خجل ووقف رائد وحاتم في حالة صدمة وعجزا عن التدخل أو التصرف فابتعدت ندا عنه وقالت : يعني.... يعني بابا هو البرئ اللي موته، اللي كنت بتتكلم عليه، وهو... هو مش موصيك عليا ولا حاجة زي ما قلت، إنت بس بتشفق عليا، جبتني هنا عشان تريح ضميرك صح؟

لم يجيب فأردفت في غضب : جبتني هنا عشان تحاول تعوضني عن اللي راح مني؟ وقلت يلا عمالة تترجاني أحبها واديها حضن حنين تترمي فيه بدل حضن أبوها فا بالمرة بقى.

فارس : لا والله، والله حبيتك بجد.

ندا في غضب : أخرس خالص، متجبش سيرة ربنا على لسانك، بابا عملك إيه عشان تقتله؟ عملتلك إيه عشان تحرمني منه؟ وجي تكمل عليا وتمثل الحب وإنك خايف عليا ووصية بابا والكلام الفارغ اللي قاله صاحبك، إنتو الاتنين كدابين، إنتو الاتنين خدعتوني، بس إنت

أمسكت بملابسه وهي تبكي بحرقة وقالت : إنت كدبت عليا، عامل فيها بتحميني وإنت أكتر واحد أذتني في حياتي، عامل فيها سيف الحق وإنت دابحني بغدرك وكذبك وكمان مثلت عليا الحب وخدعتني.

أمسك فارس وجهها بين كفيه وقال في بكاء : والله ما كدبت عليكي، أنا حبيتك بجد وكنت ببعد عنك عشان كده، كنت بمنع نفسي أني أحبك أو أقرب منك عشان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة في يوم من الأيام هتكرهيني.

ندا في غضب ممزوج بالبكاء : أنا مش بس بكرهك، أنا مش طايقة اسمع صوتك ولا أشم ريحتك، إبعد عني، أنا مش عايزة أشوفك تاني.

كادت أن تذهب حتى نظر فارس لها في ذعر وأمسك ذراعها وقال : رايحة فين؟

دفعته في غضب قائلة : وإنت مالك، إبعد عني بقى.

خرجت إلى الحديقة فتبعها فارس ونظر حاتم إلى رائد في غضب وقال : كان لازم تقول الكلمتين دول يعني؟

نظر له رائد في حزن ولم يجيب أما ندا فكانت تدفع فارس بعيدًا عنها وهي تبكي وتحاول أن تخطو بعيدًا فتتعثر قدماها فامتلئت عيناها بالدموع ولا تستطيع الرؤية بوضوع عدا الصدمة التي حلت بها فشعرت أن الضوء من حولها قد اختفى فأمسك بها فارس حتى لا تقع ونظر لها في رجاء وقال : مش هينفع تخرجي، هتروحي فين بس؟

ندا : ملكش دعوى بيا، هروح في ستين داهية إنت مالك.

فارس : يعني إيه إنت مالك؟! رجالة غانم ممكن يوصلولك بمنتهى السهولة وأنا مش هغامر واسيبك تخرجي من هنا.

ندا : عارف لو غانم لقاني فعلًا هساعده عشان يقتلك، هقوله مكانك فين وكل حاجة عنك عشان يخلصني منك وياخد بطاري عشان أنا أضعف بكتير من إني أخده بإيدي وبعدين مش كنت بتقولي لو مت بين إيديكي هموت وأنا مرتاح دلوقتي فهمت ومش هخليك تموت بين إيديا يا فارس لا هخليك تموت لوحدك وتتعذب زي ما عذبتني، هخليك تدور عليا في كل حتة ومش هتلاقيني، إنت كنت عارف إني لو عرفت الحقيقة هقتلك عشان كده قولتلي يمكن في يوم تاخدي طار والدك بإيدك بس لا أنا مش زيك، مش هعرف أرفع سلاح واقتل بس هخرج من هنا ولو طولت إني أدور على غانم بنفسي هعملها، هسلمك بإيدي ولو معرفتش هروح للبوليس وأقولهم إن إنت قناص العدالة المزعومة اللي مدوخهم وهعرف الناس كلها حقيقتك وإنك زيك زي اللي بتقتلهم متستحقش تعيش زيهم وتستحق تموت ألف مرة في الدقيقة.

كلمات كالسيف بكى على آثرها فارس وقال : إعملي اللي إنتي عايزاه بس متبعديش عن نظري، أنا خايف عليكي يا ندا أرجوكي متمشيش.

ندا : خايف عليا من إيه؟ حد يقتلني؟ أنا لو فضلت هنا هموت في كل ثانية وأنا شايفة الراجل اللي قتل أبويا قدام عيني ومش قادرة أخد حقه، إبعد عني، مش عايزة أشوف وشك تاني ولو خروجي من هنا فيه موتي أموت ولا إني أعيش معاك.

ثم دفعته بقوة وابتعدت تحت نظرات فارس المليئة بالخوف والحزن فلم يتمالك نفسه فظل يحاول أن يمنعها ويرجو منها البقاء ولكن رفضت أن تسمعه وتركته وذهبت....

"رميتِ الوداد.... قهرتِ الفؤاد.... شريتِ العناد.... وبعتِ الوفا.... طلبتُ السماح.... رجوت.... ركعت.... وأنتِ تزيدين نار الجفا"

كل خطوة كانت تبتعد فيه عنه كانت بمثابة طعنةً لقلبه، رؤيتها وهي راحلة باكية ناعية عشقها جعلته يتمنى الموت ألف مرة، عاد إلى المنزل وهو تائه وأمسك بحاتم وقال وهو يبكي : إلحقها يا حاتم، أرجوك حاول تخليها في مكان أمان، لو حتى أسيب أنا البيت وهي تفضل هنا، إلحقها يا حاتم عشان خاطري.

حاتم في حزن من هيئته : حاضر يا فارس هلحقها، إهدى بس.

حاول حاتم اللحاق بها ولكن كان هناك من هو أسرع منه فبمجرد أن خرجت ندا من المنزل ورآها الرجال المتربصين بالمنزل فتحركو بالسيارة واقتربو منها وهي تسير بضعف من كثرة البكاء ووضع أحد الرجال غطاء أسود على رأسها وجذبها إلى السيارة ثم قام برش مخدر فوق الغطاء وفقدت وعيها، خرج حاتم مسرعًا فلم يرى سوى سيارة تبتعد عن المكان فظل ينظر يمينًا ويسارًا فلم يجدها فعاد مسرعًا إلى الداخل ووقف أمام فارس الذي ينظر حوله كالضائع وقال : ملقتهاش.

فارس في تعجب : إزاي يعني؟ ملحقتش تبعد يا حاتم ومش سهل تلاقي تاكسي برا بسرعة كده.

حاتم : معرفش خرجت ملقتهاش خالص ولا في أي حتة.

وضع فارس يده على رأسه في غضب وقال : مصيبة لا يكون حد خطفها، تبقى مصيبة بجد.

رائد : ليه سبتها تمشي؟

فارس في غضب : عنيدة ومش بتسمع كلامي أبدًا، أعمل إيه دلوقتي؟! 

رائد : إهدى بس، لو حد خطفها زي ما بتقول فهي أكيد بالنسباله طعم ليك فا اصبر ونشوف لو حد اتصل فعلًا يبقى اتخطفت.

فارس في غضب : وأفرض عملو فيها حاجة؟

حاتم : رائد معاه حق، لو خطفها بسببك يبقى أذيته ليها مش هتفيده بحاجة بالعكس هيبقى بيلعب غلط وغانم مبيلعبش غلط.

تركهم فارس والنار تشتعل داخل صدره، سيطر عليه الخوف لأول مرة منذ ولادته، هو لا يهاب شيئًا بل يقف مثل الجبل الشامخ لا أحد يقدر عليه، ظل يجوب بالغرفة بكل مكان وكأنه فقد وجهته في الحياة حتى تذكر هاتفها فاتصل به فوجده مغلق ثم اتصل بالمخترق الذي يعمل لديه وطلب منه البحث عن هاتفها وظل ينتظر مكالمة منه، بعد وقت اتصل به وأخبره أن أخر مكان كان به الهاتف هو منزله فأنهى المكالمة وهو ينظر حوله في خوف فوقع نظره على الأريكة التي كان يجلس عليها معها فتجمعت الدموع داخل مقلتيه، خسرتها، حقًا خسرتها، حدث ما كنت أخشاه، شعر بألم يعتصر قلبه فكلما مرت بصدره والحنين يشتعل به انسابت الدموع من عينيه وأعلن قلبه طلب اللقاء، كلي اشتياق لكِ حبيبتي، ألا تعلمين عذاب الاشتياق؟! ليت طيفك يأتي ليطمئن فؤادي، ليت أعلم أين أنتي فأنا مستعد أن أحرق العالم كله كي تعودي لي.

حل المساء وحاتم ورائد لازالا بالأسفل وينظر إلى حاتم في ضيق ويقول : خلاص يا حاتم بقى، مكنش قصدي.

حاتم : يا رائد ده أنا ما صدقت شفت فارس بيضحك، ما صدقت رجع للحياة تاني بدل ما كان دافن نفسه في أوضته مش بيطلع منها غير عشان يقتل ويرجع تاني، كان عامل زي الآلة وروحه ردت ليه بوجودها هي بس، اللي قاهرني إنه ملحقش، زي ما يكون قلبه كان حاسس، قالي هتعرف يا حاتم، الحقيقة هتبان وهتعرف، ياريتني بعدتها عنه.

رائد : بالحالة بتاعت فارس ديه لو كنت حتى حاولت تبعدها كان هو هيقرب.

حاتم : معاك حق، فارس كان محتاجلها ودلوقتي راحت، يارب ما يكون غانم خطفها.

رائد : يارب.

قطع حديثهما اتصال على هاتف رائد فقال : هخرج أشوف سيادة اللوا عايز إيه.

خرج رائد وأغلق الباب خلفه ثم ابتعد قليلًا وتلقى المكالمة وقال بصوت خافت : تمام يا باشا، الوضع زي ما أنت عايز بالظبط.

غسان وهو ينزل الدرج : برافو عليك يا رائد، متقلقش الفلوس هتتحول حالًا وخليك جنبه وبلغني بكل حاجة بتحصل.

رائد : تمام يا باشا تسلم.

أنهى غسان المكالمة وهو ينظر إلى الهاتف باشمئزاز ثم أعطاه لحمدي وقال : هخلص من جشعك قريب.

فتح الباب ليجد الرجال يقفون حول فتاة مقيدة بالكرسي، نعم إنها ندا، فاقترب منها وقال : شيلو البتاع ده من على وشها.

اقترب حمدي ورفع عنها غطاء الرأس فنظر لها ثم ابتسم وقال : حبيبة جدو.

الفصل العاشر من هنا

غير معرف
غير معرف
تعليقات