![]() |
رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل الثالث والتسعون بقلم بيسو وليد
ما كانت الليلةُ عادية،
في سكونها صرخةٌ مؤجَّلة،
وفي جدرانها سرٌّ يوشك أن يُقال،
كل شيءٍ بدا ساكنًا،
حتى زحفت الحقيقة،
كأنها ظلّ بلا جسد،
فكشفتْ ما خفي،
وأوجعتْ من لم يتوقّع الألم،
لم تسقط ورقة التين وحدها،
بل انكشفت الأرواح،
وتكلّمت العتمة أخيرًا.
_ارتجال.
_____________________________
لم يكن الليل عاديًا … شيءٌ ما في الهواء كان مشحونًا، كأن المدينة تتنفس بصمتٍ ثقيـ.ـلٍ وتُخفي سرًا على وشك الانفجا’ر، لا أحد يعلم مِن أين تبدأ الحكاية، ولا كيف ستنتهي؛ لكنهم جميعًا شعروا أن القادم مختلف، خطواتٍ خافتة على الأرض، باب يُفتح دون صوت، وظلّ مرَّ سريعًا فوق الجدار … وحدها كانت تنتظر، بقلبٍ لا يهدأ، أن يكشف القدر عن وجهه الآخر..
<“لحظات ترقبٍ وأنفاسٌ حُـ.ـبِسَت.”>
في باكورة الصباح،
أشرقت شمسُ يومًا جديدًا، تُعلن عن بداية جديدة، ولرُبما حياة جديدة؛ بدأت العصافير تغرّد وتُحلّق في السماء، وبدأ النسيم العليل يهفو في أولى ساعات النهار، وكأن هناك همسة صغيرة تُحاول أن تقول شيئًا غير معلومًا للبعض..
داخل إحدى غرف القصر الكبير،
كانت الأجواء هادئة كما المعتاد، كان “علي” يجاور صغيره فوق الأريكة الوثيرة الموجودة في إحدى أركان الغرفة يُتابع صغيره الذي كان يلعب لُعبة إلكترونية عبر جهازه يسعى للفوز ويتلقى بعض التشجيع مِن أبيه بين الحين والآخر، ولرُبما كذلك يتلقى الحلول الفردية ليُحقق فوزه الأول في بداية هذا اليوم..
بينما كانت “لارين” تأخذ الغرفة جيئة وذهابًا، يَدها اليُسرى خلف ظهرها والأخرى فوق بطنها المنتفـ.ـخة، وجهها يظهر عليه إرها’ق تلك الليلة بعد أن غادر النوم عيناها وحلّ مكانه الأ’لم الخفيف، كانت تُفكر في أمر هاتين الفتاتين وهي لا تعلم ماذا ستفعل وكيف ستقوم برعايتهما بجانب صغيرها الذي بالطبع يحتاج إليها ولديه إهتماماته التي أعتاد عليها…
_يا خسارة كُنت هكسبه خلاص ..!!.
صاح بها “ثائر” الذي وضع يَداه فوق وجهه بعد أن فشـ.ـل في هز’يمة خصـ.ـمه ليسمع أبيه يقول معاتبًا إياه:
_عشان تسمع كلامي لمَ أقولك خليك فمكانك لو الهجو’م بقى كُلّه عليك، أديك إتهوَّ’رت وخرجتلهم وضر’بوك وخسـ.ـرت الحر’ب.
أبعد الصغير يَداه عن وجهه ونظر إليه قليلًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_كان عندك حق، يا ريتني سمعت كلامك، وبعدين صح أنا أزاي مسمعتش كلامك وأنتَ ظابط وبتعرف أزاي تخد’ع العد’و وتكسبه، بابا هو أنتَ أزاي بقيت شاطر وبتقدر تهز’م خـ.ـصمك حتى لو كشـ.ـفك فجأة.
نظر لهُ “علي” بطرف عينه بعد أن باغته صغيره وسأله هذا السؤال الذي لم يكُن في خاطر “علي”، تردد قليلًا في إعطاءه للجواب ولكنهُ في الأخير أخرج تنهيدة عميقة ثمّ جاوبه بنبرةٍ هادئة بعد أن نظر إليه:
_عشان تهز’م عد’وك وتكسب حر’بك لازم تكون دارسُه كويس أوي وعارف إيه هي نقاط قوته مِن ضـ.ـعفه، وتبقى عارف عنُه كُلّ حاجة وبيفكّر أزاي ولو هو بير’اقبك تخد’عه أزاي عشان تشـ.ـتت تفكيره، كُلّ دا لازم أكون عارفُه الأول وبعدين أبدأ أخطط وأشوف هقدر أها’جم أزاي وهل هو معاه رجا’لة مُسلـ.ـحة ولا لأ وأزاي أتعامل فالموقف دا، ومش بتحرّك مِن نفسي دا بيكون سيستم محطوط وليّا قائد هو اللي بيدي الأوا’مر، يعني لو أنا مثلًا عندي مُـ.ـهمة دلوقتي ساعات يبقى أنا القائد فحال لو معايا عسا’كر أو ناس أقل مِني منصبًا يعني أنا ملازم أول قبلي ملازم دا أقل مِني شوية، ولو في حد أعلى مِني رُتبة هو بيكون القائد وبيدي توجيهاته، مش سهل تو’قّع عد’وك بس مش مستحيل طبعًا، لأن فأي حر’ب بتقوم لازم الخير هو اللي يكسب عالشـ.ـر، مستحيل يحصل العكس.
نظر إليه الصغير بعد أن أستمع إلى حديثه وبالطبع لم يفهم ما قاله بالكامل ولكنهُ قال بنبرةٍ هادئة مبتسم الوجه:
_أكيد بتتعـ.ـب، بس أنا فخور بيك أوي وأول ما أدخل الحضانة هحكي لصحابي عنك وهقولهم إن بابايا بطل وبيهز’م الأشـ.ـرار على طول، أنتَ شبه باتمان، أنا بحب باتمان وعشان كدا شايفك زيُه عشان هو شُجاع زيك وبيهز’م الأشـ.ـرار وكمان مش بيخا’ف وبيحمـ.ـي اللي بيحبهم.
أبتسم لهُ “علي” بسمةٌ خفيفة ودا’عبت أنامله خصلا’ت صغيره التي تشبه خصلا’ته ولأول مرَّة يخـ.ـفق قلبه بتلك الطريقة، فحين أن سمع حديث صغيره ورأى لمعة عيناه وسعادته بهِ لم يستطع أن يظل صامدًا أمامه كثيرُا، ضمه إلى صدره ولثم رأسه بحنوٍ دون أن يتحدث، يكفي فعله..
ترك صغيره يخوض جولة أخرى ونهض واقفًا ثمّ شـ.ـد خطواته نحو “لارين” التي يبدو أنها تخوض حر’بًا أخرى خاصة بها لا أحد يعلم عنها شيئًا سواها، أمسك بمرفقها برفقٍ يُخمـ.ـد حركتها الزائدة هذا اليوم، نظر في عيناها التي تفصح عن معا’ناةٍ لا يعلم عنها شيئًا إلّا هي، تنغض جبينه بعد أن رأى هيئتها تلك وقال بنبرةٍ هادئة:
_مالك يا “لارين” مش على طبيعتك النهاردة.
نظرت إليه وعيناها أفصحت عن آلا’مها المخبوءة، أمسكت بكفه وضـ.ـغطت عليه قائلة:
_مش قا’درة يا “علي”، مِن الصبح وأنا مش مرتاحة.
قام “علي” بمساندتها وتوجّه بها تجاه الفراش قائلًا:
_إيه اللي جَد النهاردة طيب.
أجلسها على طرف الفراش برفقٍ ومِن ثمّ جلس على رُكبتيه أمامها أرضًا ونظر لها حينما قالت:
_مش عارفة ومش قادرة أستحمـ.ـل بجد أكتر مِن كدا.
أخرج زفيرة عميقة ثمّ نظر بطرف عينه إلى صغيره الذي كان مندمجًا في اللعب على جهازه ثمّ عاد ينظر لها مجددًا وقال:
_أنا لحد دلوقتي بحاول أستوعب الموقف اللي هنكون فيه كمان كام يوم، يعني “ثائر” لوحده واخد كُلّ الاهتمام والرعاية، مِن أول الاهتمام والرعاية ولازم يحسّ إنُه محور الكون بالنسبة لينا ومينفعش يحسّ فأي لحظة إننا مش قادرين نقدمله أبسط حق ليه، بس برضوا في ٢ محتاجين نفس الرعاية والاهتمام والحُبّ، فكرة إنُه غير’ان مِنهم مِن دلوقتي دي مـ.ـصيبة.
نظرت “لارين” إلى صغيرها الذي كان يلعب بحما’سٍ شـ.ـديد وهو يُحاول الفوز على خـ.ـصمه، بسمةٌ هادئة رُسمت فوق شفتيها ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة:
_دا الطبيعي يا “علي”، طبيعي إن طفل فسِنُه يحسّ بالغير’ة وإن في حُبّ لغيره واهتمام، وعشان كدا قولتلك لازم منحسسهوش بالمشاعر دي مهمًا كان، بس عندك حق هيكون صـ.ـعب أوي إننا ناخد بالنا مِن ٣ مرَّة واحدة، كُلّ ما بفكّر فالنقطة دي بجد بتعـ.ـب أوي.
نظر لها بطرف عينه، وبسمةٌ طفيفة شـ.ـقّت هذا الو’جوم كنور الشمس الذي يُنثر ضوءه بخجـ.ـلٍ على أرجاء المكان، أخرج تنهيدة هادئة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_متأكدة إنك كويسة بجد، أنا النهاردة يومي مليان ومعرفش هل هرجع النهاردة ولا هبات برّه، جدي شا’يط أساسًا وعمّال يز’عّق وأنا مِن ساعتها حاسس بخنـ.ـقة ومش مرتاح.
لا’مس كفها الدافئ كتفه وكأنها تدعمه بطريقةٍ غير مباشرة ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة تطمئنه:
_متخا’فش عليّا أنا كويسة وزي الفُل، وبعدين لو تـ.ـعبت أو حصل أي حاجة هما حواليّا هنا وبابا موجود، روح وخلّي بالك مِن نفسك وإن شاء الله هترجع وأنتَ مرتاح وواخد حقهم.
_يا ربّ، نفسي بجد أخلّص عليهم وأخلص عشان نا’ري دي تبرّد، بدل ما أنا حا’رق نفسي بالمنظر دا كُلّ ما أفتكر اللي حصل، أدعيلي يا “لارين”، أدعيلي ومتوقفيش.
منحته بسمةٌ هادئة وأكّدت على حديثه بهزّة صغيرة مِن رأسها، زفر هو بهدوءٍ ثمّ نهض واقترب مِنها يُلثم خَدِّها بحنوٍ وذهب بعدها إلى صغيره يكرر فعلته قائلًا بنبرةٍ هادئة يشوبها طابع التحذ’ير:
_خلّي بالك مِن ماما وأنا فالشغل وبلاش تتـ.ـعبها ولو طلبت مِنك حاجة تنفذها على طول عشان هي تعبا’نة شوية دلوقتي ومش هتقدر تتحرك كتير، عايز لمَ أرجع تقولي “ثائر” را’جل وخد بالُه مِني، إتفقنا يا بطل؟.
أبتسم لهُ “ثائر” ولمعت عيناه السو’د’اء بحما’سٍ وفورًا أعطاه جوابه بقوله الهادئ:
_أتفقنا، وعد رجا’لة.
منحه قبلة حنونة فوق خَدِّه كما فعل معهُ ثمّ بسمةٌ دا’فئة تطمئن قلبه كما حر’قه شـ.ـرًا لا يخمد، تركه وودّع زوجته ورحل في طريقه إلى مقر عمله حتى يتم تجميع بقيَّة المعلومات التي طُلِبَت مِنهم قبل أجتماع أمس، وخلفه قلوبًا دافئة تنتظر عودته منتصـ.ـرًا.
___________________________
<“قرارًا لا يقبل أن يتم إلغا’ءه.”>
في أولى ساعات الظهيرة،
كانت “برلين” تجلس على طرف الفراش تنظر إلى “مينا” الذي كان يتحدث في الهاتف مع رفيقه ويقوم بهندمة حُلته أمام المرآة، وهي في داخلها صر’اعًا محتد’مًا، لا تعلم إن كان خيرًا لها وفي نهايته جبرًا لقلبها أم سيقسـ.ـو عليها ويزيد مِن هذا الجر’ح النا’زف الذي يأبى أن يُشفـ.ـىٰ، أنهى إرتداء حُلته ثمّ نثر القليل مِن عطره المفضّل بعد أن شَعَر بالرضا عن مظهره وأنهى مكالمته مع رفيقه بقطـ.ـعه وعدًا لهُ بذهابه مُبكرًا إليهم..
جلس بجانبها مرتديًا حذاءه النظيـ.ـف بهدوءٍ ظاهري، بينما عيناها المتو’ترة لا تُفا’رقه منذ رُبع ساعة، تضغـ.ـط على يَديها علّ هذا التو’تر يهدأ قليلًا وتهدأ صرا’عاتها الداخلية كذلك، حاولت العديد مِن المرات أن تتحدث ولكن جميع محاولاتها كانت تبوء بالفشـ.ـل حتى لاحظ “مينا” ذلك مِمَّ جعله يتعجب ويسألها عن الأمر بقوله الهادئ:
مالك يا “برلين” متوترة كدا ليه مِن الصبح ومش على بعضك، في حاجة حصلت وعايزة تبـ.ـلغيني بيها؟.
إزداد تو’ترها أكثر وبدأ قلبها يخـ.ـفق بجـ.ـنون داخل صدرها، لا تعلم كيف ستقول ذلك وهل سينجح الأمر معها أم لا، ولكنها بعد تفكيرٍ عميقٍ وطويلٍ إتخذت قرارها ولن تتراجع فيه مهما حدث، إنتفـ.ـض جسـ.ـدها بخفةٍ بعد أن شَعَرت بلمسة كفه على كفها وعيناه تشملها بترقبٍ بعد أن تأكد أنها تُخـ.ـفي شيئًا عنهُ ولا تريده أن يعلمه، تحدث بنبرةٍ هادئة مجددًا وقال:
_”برلين” إتكلمي يا حبيبتي وقوليلي مالك، إحكي إحنا إتفقنا نقول كُلّ حاجة مهمًا كانت، أنا سامعك قولي مِن غير خو’ف عايزة تروحي عند مامتك؟.
نَفَـ.ـت سؤاله بهزّة صغيرة مِن رأسها وهي تنظر لهُ بتو’ترٍ فا’ضح جعل عـ.ـقله يبدأ في خـ.ـلق أشياءً لا إثر لها، بينما حاولت هي التحلي بالشجا’عة برغم خو’فها مِن نتيجة هذا القرار ولكنها يجب أن تكتسب الجر’اءة وتأخذ تلك الخطوة لأجلهما، نظرت في عيناه وقالت بنبرةٍ مترددة:
_كُنت عايزة أقولك على حاجة، يعني هو قرار خدته مع نفسي وقولت أقولهولك عشان تكون عارف.
تنغض جبينه وهو ينظر لها بترقبٍ منتظرًا سماع هذا القرار بعد أن تأهبت حواسه بفضل تلك الكلمات البسيطة التي جذ’بت إنتباهه بالكامل، تحدث بنبرةٍ هادئة وقال:
_قولي، إيه القرار دا وليه مخدناهوش مع بعض.
ابتـ.ـلعت غُصَّـ.ـتها بتروٍ وضـ.ـغطت على كفيها أكثر تزامنًا مع قولها الخافت الذي لم يخلو مِن توترها:
_عشان هو قرار متعلّـ.ـق بيّا أنا … بصراحة يا “مينا” أنا فكّرت فحوار الخـ.ـلفة دا مع نفسي على مدار الكام يوم اللي فاتوا، لوحدي واللهِ محدش جبـ.ـرني ولا ضغـ.ـط عليّا بالعكس، وفالوقت دا أنا فكّرت كويس أوي ولقيت إن أنا ممكن أخُد خطوة العلا’ج دي وأبدأ مع الدكتورة وأحاول أتفائل شوية، صدقني أنا مش بعمل كدا عشان أرضي أي حد وأنتَ عارف كدا كويس، أنا بعمل كدا عشانا إحنا الأتنين، وعشان أنا عاوزة كدا، أول حاجة مش عايزة حد يبُصلي بصة إني واحدة يعيـ.ـبها حاجة مع إن دي حاجة مش بإيدي وبتاعت ربنا، وعشان محسش كُلّ شوية إني نا’قصة ومش زي ستا’ت تانية غيري..
قا’طع حديثها عند تلك النقطة بعد أن أمسك بكفها بحز’مٍ وكأن الكلمات لا تروق إليه، تحدث بنبرةٍ هادئة وعيناه تنظر في عيناها قائلًا:
_متقوليش على نفسك كدا على فكرة أنتِ سـ.ـت الستا’ت وأي حد يشوفك كدا فدي نظرته لنفسُه أنا مفيش حاجة تفر’قلي غيرك يو’لعوا كُلّهم هما مش هيفيدوني بحاجة اللي يهمني هو أنتِ يا “برلين”، ولو حد فكّر إنُه يضا’يقك بكلمة أنا مش هعديهاله وأنتِ جرّبتيني قبل كدا.
أبتسمت لهُ “برلين” بعد أن توقّعت أنَّهُ سيفهم مغزى حديثها كما يُفكر هو، جاوبته بنبرةٍ حنونة هذه المرة بقولها:
_أنا عارفة يا حبيبي وفاهمة كلامك وعارفة إنك مبتقبلش كلمة تتقال فحقي تجر’حني، بس أنا كمان عايزة أعمل كدا عشاني وعشانك، أنا تفكيري فينا إحنا كمان أكتر، أكيد هتيجي فترة فحياتنا هتحن وهتحسّ إنك محتاج طفل مِن صُـ.ـلبك دي فطـ.ـرة فينا يا “مينا” مبتتغيّرش، حتى لو حاولت تدا’ريها أو تقول إنها مش فا’رقالك، عايزين نبدأ سوى ونجرّب، أنا عايزة أجرّب يا “مينا” وأنا واثقة إن ربنا هيجبُر بخاطرنا وهكون أنا كمان مبسوطة، فكّر فيها شوية يا “مينا” هتلاقيني بتكلم صح.
رأى في عيناها لمعةُ الأمل، ونبرة صوتها كانت يشوبها طابع الحما’س، وأمامها لا يستطيع أن ير’فض لها مطلبًا، بسمةٌ خفيفة أرتسمت فوق شفتيه وأصبحت نظرته أكثر د’فئًا عن سابقتها، تحدث بنبرةٍ هادئة وعيناه لا تُفا’رقان عيناها قائلًا:
_أنا مش محتاج أفكّر يا “برلين”، سبق وقولتلك أنا مستعد أوديكي تتعا’لجي فالوقت اللي تحدديه أنتِ وتحسي إنك مستعدة لكدا بدون ما أجبـ.ـرك أنا على حاجة أنتِ مش متقبلاها، وأنا لسّه عند وعدي ليكي، طالما دا قرارك وحابّة تعملي بيه أنا مش همـ.ـنعك، هدورلك على دكتورة كويسة وموثو’ق فيها وهحجزلك عندها وتجرّبي زي ما أنتِ عايزة، وأنا معاكي خطوة بخطوة للآخر، أتفقنا؟.
لمعت العبرات في مُقلتيها بعد أن رأت حنانه وحر’صه على عدم جر’حها ولو بنظرةٍ عابرة، وكذلك سـ.ـعيه لجعل البسمةُ ترتسم فوق شفتيها مهما كان الثمـ.ـن في المقابل، أبتسم هو كذلك ثمّ ضمها إلى د’فء أحضانه محاوطًا جسـ.ـدها بذراعه الأيمن، فراحته لا تكتمل إلّا بتلك اللحظات الد’افئة ورؤيته لأبتسامتها تُنير وجهها كُلّ يومٍ..
قبّل رأسها بحنوٍ وحاول بقدر إستطاعته إحتوائها وتحفيزها فيما ستُقبل عليه ففي تلك الفترة هي ستحتاج إلى الدعم والتحفيز المتواصل وبالتأكيد لن تجدهما إلّا معه هو، رفعت رأسها قليلًا حتى تتثنى إليها رؤيته ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة:
_مش هسيبك تمشي غير لمَ تاكل معايا.
نظر لها وأبدى بلطفٍ إعتراضه كي يذهب إلى عمله في الوقت المناسب لتُعا’رضه هي في المقابل بقولها:
_لا مش هتروح غير لمَ تاكُل معايا خلاص، أنا عملت الأكل لينا إحنا الاتنين على فكرة وإمبارح قعدت أتعشيت لوحدي عشان الظرف اللي حصل فجأة، كُل على طول وروح.
وأمامها لا يجد للر’فض غاية، ولذلك وافق باستسلا’مٍ تام أمامها على تناول الطعام معها حتى لا تكون وحدها مثلما حدث في الليلة الماضية، خرج برِفقتها إلى غرفة المعيشة ليرى الطعام فوق سطح الطاولة جاهزًا في إنتظارهما، أبدى إعجابه بأبتسامة هادئة تعكس صر’اعاته الداخلية كرفاقه وبهمهمة خافتة كدليلٍ على إنبهاره، مِمَّ جعلها تبتسم بحما’سٍ بعد أن غمرت السعادة قلبها وجاورته في جلسته تشاركه تناول الطعام وكعادتها تنتظر رأيه حينما تطهو وجبة جديدة لهُ.
____________________________
<“لم يكُن الأمر بالشيء الهين.”>
مع نسمات الهواء العليل في منتصف الظهيرة يبدأ الد’فء أكثر شعورًا بحلول سويعات ما بعد الظهيرة حتى أن تغرب الشمس، الأجواء في المدينة صا’خبة كعادتها، أبواق السيارات لا تتوقف عن الرنين عاليًا في الشوارع، والأماكن لا تخـ.ـلو مِن المارة والبائعين، في بعض المتاجر تعلو أصوات الموسيقى الصا’خبة وأصوات البائعين في كُلّ مكان..
وبعض الأماكن الأخرى تكون أكثر هدوءًا، أكثر إنسيابية لمحبذي الصمت والهدوء، هكذا كانت الحياة؛ كفتين يجب عليهما التوازن حتى تسير الأمور بشكلٍ جيد، وبين تلك الأجواء والصرا’عات التي تتمـ.ـلّك مِنهم كان هو ينتظر شخصًا ما، شخصًا أصبح أقرب إليه مِمَّ كان يبدو، أصبح أكثر أما’نًا وهدوءًا، وأصبح مأوى لهُ مِن قسو’ة الحياة..
في إحدى الكافيهات الهادئة والراقية،
كان يجلس “حسـام” منذ قرابة خمسُ عشرة دقيقة ينتظرها، عيناه تجوب في المكان بشمولية، وأحيانًا ينظر إلى الجالسين مِن حوله يرى قصصًا حوله مختلفة المعنى، ليست متشابهة؛ وكذلك ليست مختلفة عن غيرها فثمة نقطةٌ تجمعهم رغم ذلك، لمحها تقترب مِنْهُ مبتسمة الوجه والخجـ.ـل يكسو معالم وجهها..
نهض بهدوءٍ وأبتسم في وجهها حتى لا يجعلها تشعُر بالخجـ.ـل أكثر مِن ذلك، اقتربت هي مِنْهُ ثمّ وقفت أمامه والطاولة في المنتصف تفصـ.ـل بينهما، تحدثت بنبرةٍ خجو’لة معتذرةً بقولها:
_أنا بجد آسفة أوي عالتأخير دا يا “حسـام” بجد مش قصدي أتأخر عليك بالمنظر دا بجد حقك عليّا بس اللي مـ.ـنعني شوية كانت “بتول” أختي.
جاوبها بنبرةٍ هادئة مبتسم الوجه رافعًا عنها الحر’ج بقوله:
_لا ولا يهمك محصلش حاجة كدا كدا كُنت قاعد والموبايل معايا فإتسليت لحد ما جيتي، أتفضلي.
أنهى حديثه مشيرًا لها تجاه المقعد بهدوءٍ، جلست هي مبتسمة الوجه تُحاول إخفاء حر’جها عنهُ عن طريق إبتسامتها، جلس هو كما كان وسألها بنبرةٍ هادئة مبتسمًا في محاولةٍ مِنْهُ لرفع الحر’ج عنها:
_عملت إيه “بتول” المرة دي، أنا بدأت أشُـ.ـك إنها مستقصـ.ـداني على فكرة.
لم تُفا’رق بسمتُها شفتيها، ولذلك أجابته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_أبدًا هي كانت المفروض رايحة لصاحبتها وبابا هو اللي هيوصلها فطريقه وأنا كُنت مجهزة هدومي وكُلّ حاجتي إذ فجأةً ألاقي شنطتي مش موجودة وكذلك ساعتي ونضارتي، فطبعًا هي سر’قتهم كالعادة بحجة إنهم لايقين على الأوتفيت بتاعها أكتر ومينفعش ولازم تبقى شيك وسط صحابها على أساس إني شحا’تة بقى، طبعًا شـ.ـدينا قصاد بعض ور’فضت تديني حاجتي فأستنيتها لحد ما مشيت ودخلت خدت شنطتها ونضارتها الجداد.
قهقه “حسـام” بخفةٍ بعد أن أستمع إلى مشا’جرة جديدة بينهما منذ أن قام بخطبها ليقول بوجهٍ مبتسمٍ:
_يا حبيبتي دي هتتشـ.ـل أول ما ترجع وتعرف، عارف أنا القصص دي برغم إني وحيد أُمّي يعني بس حصلت كتير قدامي.
أخرجت هي زفيرة عميقة وجاوبته بنبرةٍ با’ردة وكأن الأمر ليس ها’مًا بالنسبةِ إليها:
_عادي بقى براحتها هي اللي جابته لنفسها عشان هي عندها حاجتها وبرضوا بتعا’ندني وتيجي تاخد حاجبتي، بجد يا بخت “ملك” حاجتها معاها محدش بيقرّب مِنها، إنما أنا اللي موعودة بيها.
نظر لها نظرةٍ ذات معنى وسألها بنبرةٍ هادئة بقوله:
_وأشمعنى “ملك”؟.
أجابته بنبرةٍ مند’فعة بعد أن أرتفع الأدرينا’لين في أو’ردتها قائلة:
_عشان هي متجوزة وحاجتها محدش بيستخدمها غيرها، بجد أنا بحسـ.ـدها يا ريتني كُنت مكانها.
تبدّلت نظرته لها وأصبحت أخرى أكثر غموضًا بعد أن أستمع إلى حديثها، بينما نظرت هي إلى هاتفها الذي لم يكف عن الرنين طيلة الطريق لتتعمّـ.ـد هي عدم الرد، نظر إلى الهاتف هُنَيهة ثمّ رفع بصره ونظر لها نظرةٍ ما’كرة وقال بنبرةٍ هادئة:
_طبعًا دي “بتول”.
هزّت رأسها برفقٍ وأخبرته وكأنها لم تفعل شيئًا قائلة:
_أصل أنا صوّرتلها شنطتها ونضارتها وأنا لابساهم وبعتلها الصورة، طبعًا شافتها إتجـ.ـننت فعمّالة تتصل مِن الصبح.
_مش سهلة أنتِ برضوا يا “مـودة”.
هكذا أخبرها بعد أن إكتشـ.ـف جانبًا مخبوءً خلف هذا الوجه الملا’ئكي البر’يء لتبتسم هي وتجاوبه قائلة:
_مش أوي كدا يعني، أنا بس حبيت أر’بيها مش أكتر عشان هي فاكرة نفسها الصغيرة بقى وآخر العنقود المتدلع ياخد اللي هو عايزُه مِن غير ما حد يقوله لا.
هزّ رأسه برفقٍ يوافقها حديثها ثمّ سألها بنبرةٍ هادئة:
_طب تحبي تشربي إيه بقى، يا دوبك نلحق نقعد شوية قبل ما أتحرك لأن اليومين دول أنا بصراحة مش هبقى فاضي فيهم.
نظرت إليه بعد أن تلا’شت بسمتُها تدريجيًا وجاوبته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_ممكن قهوة لإن أنا د’ماغي مصد’عة أوي وبرضوا “بتول” خدت آخر شوية بُن كانوا موجودين.
قهقه مجددًا وقام بطلب النادل وهو يقول:
_”بتول” شكلها هتعملنا قـ.ـلبان كتير الفترة الجايَّة.
قام بإخباره بطلبهما ثمّ حينما ذهب نظر لها وسمعها تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا عرفت اللي حصل لصاحبكم واللي كانوا معاه، ز’علت أوي عليهم ربنا يرحمهم وإن شاء الله مِن الشهد’اء، بعزيك طبعًا فصاحبك، حقك تكون زعلان عليه حتى لو بتحاول تد’اري قهـ.ـرتك عن اللي حواليك، بس عيونك بتقول كُلّ حاجة مِن غير ما تتكلم، ودا لاحظته أول ما جيت وقعدت معاك … هو كان غا’لي عليك أوي كدا؟ أصل أنا شايفة حز’ن “حُذيفة” جا’مد أوي عليه.
ابتـ.ـلع “حسـام” غُصَّته بتروٍ وتلك المرة إستطاعت “مـودة” إظهار ما يسـ.ـعى لإخفاءه عن جميع مَن حوله، أخرج زفرة عميقة وجاوبها بنبرةٍ هادئة يشوبها الحز’نُ:
_”إسماعيل” مكانش مجرّد صاحب لينا، “إسماعيل” عِشرة عُمر، مع بعض بقالنا ٨ سنين، كان أخ قبل ما يكون صاحب، تديله سرك ومتخا’فيش، حتى ممكن متجر’يش على باباكي أو مامتك وتجر’ي عليه هو، يقف جنبك وميسبكيش لحظة، وفي بمعنى الكلمة، بيحب الخير للكُلّ وكان كريم أوي لو جاب حاجة يجيب لحبايبه معاه، حتى فالأعياد أو أي مناسبة بيدخل علينا بشنطة كبيرة مليانة تسالي وميحبش حد يعا’رضه..
صمت قليلًا بعد أن بدأت ذاكرته تُعيد إليه ذكرياته مع رفيقه الرا’حل وكأنها تتعمّـ.ـد فتح جر’احه أكثر، نظرت إليه “مـودة” وشَعَرت بالحز’ن لأجله وكأنه أخًا لها، لحظات وأكمل “حسـام” حديثه بعد أن تو’ترت وتيرة أنفاسه وترقرق الدمع في عيناه:
_”إسماعيل” كان أخويا بجد، على طول كُنت أقوله أنتَ أخويا اللي مخـ.ـلفتهوش أُمّي، حتى “مشمش” كان بيحبُه أوي كُلّ ما كان يجيلي ويقعد معايا ونسهر سوى كان “مشمش” مبيقعدش غير فحضنه رغم وجودي وتعوده عليّا، بس “إسماعيل” كان محبوب مِن الكُلّ، عُمره ما عمل مشـ.ـكلة مع حد الناس أي حد يتعامل معاه يحبُه حتى أنا مرَّة غير’ت عليه لمَ لقيت كُلّ دول بيحبوه، وقتها إضا’يقت وهو حسّ مش عشان هو محبوب مِن كُلّ الناس، بس عشان أنا متعود إن أنا وهو مع بعض محدش بيتدخّل بينا، بس لمَ وصلي خبر و’فاته متحمـ.ـلتش وجريت عليهم أتأكد مِنهم أزاي وأمتى وليه، بس لمَ شوفته فالفيديو قدامي وهو بيتحر’ق حـ.ـي متحمـ.ـلتش..
أنهى حديثه ووضع يَداه على وجهه وبكى بعد أن فقد السيطـ.ـرة في التحـ.ـكم بنفسه، بينما تمـ.ـلّك الحز’ن مِنها بعد أن أستمعت إلى كلماته المؤ’لمة ورأت حُبّه الصادق تجاهه، فبالتأكيد لم يكُن “إسماعيل” شخصًا عابرًا في حياة “حسـام”، بل كان الحياة؛ أخرجت زفيرة عميقة بعد أن حاولت كبـ.ـح عبراتها وقالت بنبرةٍ هادئة ومتو’ترة قليلًا:
_ربنا يرحمه، هو أكيد فمكان أحسن مِن هنا بكتير، وأنا واثقة كمان إن حقه مش هيضـ.ـيع، ربنا كبير وموجود أسمه العدل، حقهم هيرجع صدقني ودلوقتي أنتَ لازم تكون قوي عشان تعرف تجيب حقه، وكمان تدعيله، هو مش عايز أي حاجة مِنك دلوقتي غير إنك تدعيله.
مسح “حسـام” على وجهه يُزيل عبراته عن صفحة وجهه ثمّ قال بنبرةٍ هادئة محاولًا تما’لُك نفسُه:
_كُلّهم وصلوا الفجر ودخلوا المشر’حة، مستنيين تصاريح الد’فن تطلع عشان ند’فنهم، بس مش معنى كدا إن حقهم هيتد’فن معاهم، إحنا مش هيهـ.ـدالنا بال غير وإحنا مرجّعين حقوقهم قدام العالم كُلّه، أنا جيت أقولك بس إني هروح ومش عارف هرجع أمتى، مستحيل نرجع مِن غير ما نكون رادين عليهم، فمش عايزك تقلـ.ـقي عليّا لو مردّتش عليكي، أنا مسافة ما أوصل هناك هنسى كُلّ حاجة ومش هيكون قدامي حاجة غير إني أنتقـ.ـم وبس.
أبتسمت بهدوءٍ بعد أن تفهّمت كلماته وجاوبته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_أنا عارفة ومتفهمة كلامك جدًا، عمومًا أنا هستنى أنتَ تتصل بيّا، عشان مشتتـ.ـكش أو أضا’يقك فلحظة أنتَ ممكن تكون متعصـ.ـب فيها، بس أنا هكون مستنياك ترجع، عشان نكمل مشوارنا سوى ونجهز لحياتنا مع بعض، ولو حسيت إنك مضا’يق ومحتاج تتكلم أنا موجودة فأي وقت برضوا، هسمعك.
أبتسم بسمةٌ با’هتة بعد تلقى ردها الذي أسّره كثيرًا وطمئن قلبه، فإن إحتاج إلى دعمها يومًا فسيجدها تنتظره في أي وقتٍ يذهب فيه لها، لم يكُن يمـ.ـلك شخصًا مثلها يثق بهِ ويركض إليه حينما يسقـ.ـط في مأ’زقٍ، ولكن اليوم وجد هذا الشخص الذي مهما هر’ب طويلًا لهُ لن يمـ.ـل بتاتًا.
____________________________
<“أولى خطواتهم السـ.ـرية نحو النصـ.ـر.”>
قُبيل المغرب – مقر القيادة،
كان “حُذيفة” مرتديًا حُلته الرسمية، يقف أمام رفيقه الذي يلتزم الصمت قرابة الدقيقتين يعجـ.ـز عن التفوه بحرفٍ بعدما أستمع إلى القصة، كان “حُذيفة” جا’مدًا برغم حز’نه الداخلي الذي يُخيِّم في عيناه، محاولًا التما’سك لأطول وقتٍ ممكنٍ، بينما أخرج “رمـزي” تنهيدة عميقة وقال بنبرةٍ هادئة وهو ينظر في عيناه:
_لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمهم جميعًا ويصبرك، الفر’اق و’حش أنا عارف بس هي دي سُنة الحياة يا صاحبي، كُلّهم شهد’اء ويا بختهم بصراحة، أدعيله كُلّ ما تفتكره، وطبعًا كلام جدك صح مفيهوش جد’ال، القصا’ص واجب يا صاحبي، أنا عايزك بس تمسـ.ـك نفسك الموضوع مش سهل بس مش مستحيل، وبإذن الله تعالى حقه هيرجع هو واللي كانوا معاه.
نظر لهُ “حُذيفة” بعينان ملتمعتين بعد أن تذكّر هذا المشهد القا’سٍ الذي لا يُفا’رق رأسه منذ أن رآه، وتأ’ثرًا بفر’اق رفيقهم الحبيب الذي كان لا يُفا’رقهم أثناء تواجده بجانبهم، حاول أن لا يبكي ولكن ر’غبة المرء في أشـ.ـد أوقاته تكون أقوى مِن أيُ شيءٍ، تحدث بنبرةٍ باكية أمام رفيقه معلنًا عن حز’نٍ لا يفا’رقهُ بتاتًا:
_أنا بجد ضـ.ـعيف أوي، “إسماعيل” كان لسّه بيكلمني، إتصلت بيه عشان أفرحه معايا وأقوله إن “يونس” جه وجاب معاه الفرحة لقلوبنا، وهو فرح أوي وقعد يدعيله ويدعيلنا، فالآخر كان بيودعني كأن قلبه حا’سس بس أنا مِن فرحتي بأبني مخدتش بالي وقفلت معاه، بعدها بدقائق بس يا “رمـزي” وصلنا خبر مو’ته، أنا الدنيا إسو’دت فوشي مرَّة واحدة ومعرفتش أقول أي حاجة، كإني إتخـ.ـبطت على د’ماغي.
آ’لمه قلبه حينما رأى رفيقه بهذا الحال بلا شـ.ـك، ولذلك أقترب مِنْهُ وضمه إلى أحضانه مواسيًا إياه حينما رأى ضـ.ـعفه أمام عيناه، ربَّت برفقٍ فوق ظهره وقال بنبرةٍ غـ.ـلبها ضـ.ـعفه:
_حاسس بيك يا صاحبي واللهِ وعارف إن جوّاك نا’ر مش هتهدى غير لمَ ترجّع حقه، بس هو مراحش لوحده، راح معاه شبا’ب صغير فسِـ.ـن أخوك، يعني برضوا ليهم حق لازم يرجع عشان خاطر أهاليهم قلوبهم تر’تاح ويحسّوا بالراحة شوية، وحد الله لا يجوز عليهم دلوقتي إلّا الرحمة، أهدى عشان تعرف هتعمل إيه وهترجّع حقه أزاي.
لحظات وأبتعد عنهُ “حُذيفة” يُز’يل عبراته عن صفحة وجهه محاولًا تما’لُك نفسُه، بينما نظر إليه “رمـزي” وقد إقترب مِنْهُ ورفع كفيه يُز’يل عبرات رفيقه برفقٍ ثمّ بعدها ربَّت فوق كتفيه وقال:
_أنا كان لازم أجي أتطمن عليك وأعزيك كمان، وقت ما تعملولهم العزا بـ.ـلغني عشان أجي أعمل الواجب، ولو إحتاجتني فأي وقت أنا موجود، فأي وقت يا “حُذيفة” سامعني، خلّي بالك مِن نفسك وإن شاء الله هترجعله حقه وهتر’تاح، أنا واثق فيك.
نظر إليه “حُذيفة” وبسمةٌ با’هتة رُسمت فوق شفتيه بعد أن رأى دعم رفيقه إليه في هذا الظرف العـ.ـصيب، هزّ رأسه برفقٍ كإشارة مبدئية بالموافقة على حديثه، ضمه مجددًا “رمـزي” مربِّتًا فوق ظهره وهو على يقينٍ تام بأن الله سيوفقه وتعيد الحقوق إلى أصحابها مهما طال الزمان، فسُبحانه يُمهل ولا يُهمل..
بينما على الجهة الأخرى مِن نفس المكان،
كان “يوسـف” يقف قبالة “ليل” الذي كانت معالم وجهه جا’مدة وعيناه تكادان تُطلـ.ـقان شـ.ـراراتٍ حا’دة، ولا شيء يدور داخل عـ.ـقله إلّا الثأ’ر لرفيقه ومَن معهُ، أخرج “يوسـف” تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة وعيناه لا تُفا’رقه:
_بصراحة أنا مش عارف أقولك إيه بعد اللي سمعته دا، المشهد طبعًا صـ.ـعب أوي ومش سهل على أي حد، بس مينفعش تعدي يا صاحبي كدا، عارف، أنا لو مكانك وواحد فيهم بس و’قع تحت إيدي، يمين بالله ما كان هيخرج مِن تحـ.ـت إيدي حـ.ـي، إن ما فشـ.ـيت غِـ.ـلك فيهم ودوقتهم العذ’اب زي ما عملوا فيهم متبقاش “ليل” صاحبي، اللي زي دول ميستاهلوش شـ.ـفقة ولا رحمة والمُعاملة بالمثل حتى لو كان فيهم واحد كان عـ.ـيني اللي بشوف بيها.
كلماته لم تفعل شيئًا سِوى أنها أشـ.ـعلت النير’ان بداخله أكثر مِن اللا’زم، فهو وحده لا يشعُر سِوى ببر’كانٍ بداخله على وشك الانفجا’ر، نظر في عينان “يوسـف” بنظراتٍ لا توحي إلّا بالهلا’ك على جميع مَن تجر’ؤا وقتـ.ـلوا أصوات الحق بد’مٍ بارد بلا رحمة وقال بنبرةٍ حا’دة تملؤها شـ.ـرًا عظيمًا لن يكون إلّا جحـ.ـيمًا:
_مين قالك إني هسكوت ومش هعمل حاجة؟ دا أنا حالف قسم ما هتاخدني بيهم رحمة ولا شـ.ـفقة، وهدوقهم اللي عملوه فيهم، واحد واحد، مِن أول الرا’س الكبيرة اللي حر’قت أعّز حد فحياتي لحد أصغر واحد فيهم، ولو معملتش كدا بحق هعتبر نفسي خا’ين.
إنَّهُ لا يمزح بتاتًا تلك المرة، بل كلماته تخرج مِنْهُ وكأنها نصـ.ـلًا حا’دًا يختر’ق أجسا’دًا غير مرئية، ولأجل هذا القسم سيفعل ما يراه صوابًا تلك المرة حتى لو كانت التعليمات التي سيتلقاها لا تُناسب مُخـ.ـططه، بينما أبتسم “يوسـف” بفخرٍ بعد أن تلقى هذا الرد الذي تمنى أن يسمعه مِن رفيقه وقال بنبرةٍ لا تخلو مِن الفخر:
_يا زين ما أختارت واللهِ، كدا أنا أحبك، خليك على وضعك دا بقى ومتنزلش قسمك مهما كان التمـ.ـن، أنا واثق فيك وعارف إنك هتعملها يا صاحبي، حتى لو كان على حساب نفسك.
نظر إليه “ليل” بتمعنٍ ثمّ منحه بسمةٌ خفيفة تكادُ تُرى ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_هضطـ.ـر أسيبك دلوقتي عشان ألحق أجهِّز الملفات قبل ما جدي يدخل.
وقبل أن يخطو خطوةٌ واحدة بعيدًا مـ.ـنعه كف “يوسـف” الذي قبـ.ـض برفقٍ على رسغه، ألتفت ينظر إليه منتظرًا سماع ما سيقوله، ولكن “يوسـف” لم يتفوه بحرفٍ، بل جذ’به إلى أحضانه في عناقٍ أخوي صادق، وكأنها جر’عةٌ تحفيزية إلى “ليل” الذي شَعَر بصدق هذا العناق الذي يشعُر بهِ لمرته الأولى في حياته، فكان يفتقـ.ـر لشخصٍ عشو’ائي بعض الشيء ومتهو’ر مثله كـ “يوسـف”، ولكن ها هو أمامه أصبح رفيقًا لهُ في ظروفٍ غير مألوفة..
بادله “ليل” عناقه مبتسمًا ومستسـ.ـلمًا أمامه، فهو أصبح رفيقه الحبيب، برغم الاختلا’فات بينهما، وبرغم الظروف المحيطة بهم، وبرغم صعا’ب الحياة وقسو’تها بشكلٍ مختلفٍ على كلاهما، ولكن تظل القلوب مشتركة على الحُبّ وتبقى الأُلفة بينهما، فلم ينظرا إلى الفا’رق الكبير بينهما، ولم يهتم أحدهم بمظهر الآخر وكيف يبدو، كُلّ ما كانا عليه هو الصدق، والصداقة الصادقة..
تقدَّم كُلًّا مِن “حُذيفة” و “رمـزي” مِنهما ليتحدث الأول بنبرةٍ جادة قائلًا:
_يلّا يا “ليل” عشان بابا أتصل وطلب حضورنا دلوقتي ضرو’ري.
نظر لهُ “ليل” وهزّ رأسه برفقٍ متفهمًا حديثه ثمّ نظر إلى “يوسـف” و “رمـزي” معًا وأبتسم برفقٍ قائلًا:
_معرفش أزاي إتجمعنا وأزاي بقينا بالقرب دا، بس أنتم بجد ناس نضـ.ـيفة وقلوبهم صا’فية وولاد أصول، شكرًا على وقفتكم جنبنا فأصـ.ـعب وقت بنمر بيه، وأفضلوا أدعولنا على طول لحد ما ربنا يكرمنا وينصـ.ـرنا عليهم ونرجّع حقهم، ولو قدرنا نكلمكم هنعمل كدا فأقرب فرصة، شكرًا يا “رمـزي” على وقفتك معانا خصوصًا جنب “حُذيفة” فأصـ.ـعب فترات حياته، برغم اللي حصل أنتَ مسيبتهوش ودو’ست على مشاعرك وكملت ودي حاجة مكُنتش متوقعها بأمانة، بس أنتَ ابن أصول ومعد’نك أصيل، فعشان كدا بشكرك..
نظر بعدها إلى “يوسـف” بعد أن تذكّر أول لقاءٍ جمع بينهما وكيف وقف أمام المتمر’دين بالمر’صاد دون أن يها’ب شيئًا، أبتسم وقال موجّهًا حديثه لهُ:
_وأنتَ يا بلطـ.ـجي، فحياتي متخيلتش إني ممكن أصاحب بلطـ.ـجي، بس دايمًا اللقاء الأول بيتحـ.ـفر فالذاكرة مبيتنسيش مهما حصل سواء كان حلو أو و’حش، مِن اللحظة اللي وقفتلي فيها ودا’فعت عني لمَ قُطا’ع الطرق ها’جموني، وقتها نسيت سلا’حي فالبيت وأنتَ مترددتش مرتين ولقيتك مطلّع مطو’تك ومظفـ.ـرها وجاهز تتعامل، شوفتك مجدعة برضوا برغم ند’التك معايا وصوتي اللي إتنـ.ـبح وأنا عمّال أناديلك … بس أنتَ مخليتش بيّا ووقفت جنبي، شكرًا يا “يوسـف” على أي حاجة عملتها معايا وأنا معرفتش أرُدهالك، أنتَ برغم طولة لسا’نك وقلة أد’بك طيب برضوا.
أنهى حديثه متعمـ.ـدًا إثارة غـ.ـيظه، وصدقًا لم يبخـ.ـل الآخر عليه في إعطاءه ما كان يُريد، بحركةٍ هادئة أخرج “يوسـف” مُد’يته مِن جيب بِنطاله وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_يا عمُّهم ما كُنا ماشيين كويس وزي السـ.ـكينة فالحلاوة، ليه تضطـ.ـرني أطاوع شيطا’ني دلوقتي.
أنهى حديثه وقام بفتحها بحركةٍ سريعةٍ مقتربًا مِن “ليل”، ر’فعها أمام عيناه وقال:
_بتحبك ونفسها تاخدك بالأحضان، مظفـ.ـرها للضحـ.ـية اللي هتقـ.ـع فإيدي عشان ميبقاش لحد حِجة، ها يا عمّ الملازم تحبها عالر’قبة ولا قر’ن غزال؟.
أمسك “ليل” بكفه ثمّ أنزله وقرّبه مِن كفه وقال مبتسمًا:
_أحب تبر’دلي ضوافري عشان لمَ أتخنـ.ـق ومعرفش أعمل حاجة أهـ.ـبشك بيهم.
قهقه “يوسـف” بسخريةٍ ثمّ قال بنبرةٍ تهـ.ـكمية:
_يخر’بيت خفة د’مك، عسل يا اخواتي.
أبعده عنهُ وحرّكها أمام عيناه وقال بنبرةٍ تحذ’يرية:
_حركة كمان يا ابن الإتش آر وهتلاقيها مدياك بوسة فوشك تفضل معلِّـ.ـمة عشان كُلّ ما تشوفها تفتكرها.
نظر لهُ “رمـزي” بعد أن أستمع إلى أولى كلماته وسأله بنبرةٍ هادئة بقوله:
_هو أنتَ لمَ تقوله يا ابن الإتش آر هو كدا هيزعل؟.
نظر إليه “يوسـف” وقال بنبرةٍ جادة:
_في اللي بيزعل آه، بس دا جِـ.ـبلة مبيحو’قش فيه حاجة.
عاد بعدها ينظر إلى “ليل” مستمعًا إلى كلمات رفيقه التي صدمته في الحال قائلًا:
_آه زيَّك يعني.
ألتفت “يوسـف” إليه برأسه ير’شقه نظرةٍ قاتلة بعد أن أستمع إلى عبارته ليقول:
_هنخـ.ـيب ولا إيه بقى؟.
جاوبه “ليل” في تلك اللحظة يلفت إنتباهه إلى المكان الواقفين فيه بقوله:
_”چـو” يا حبيبي هو أنتَ مش واخد بالك إنك واقف فمنطقتنا؟ يعني يا حبيبي بسم الله الرحمـٰن الرحيم مبدئيًا معاك سلا’ح أبيـ.ـض وواقف بيه هنا ور’فعته على ملازم أول، دي لوحدها قضـ.ـية.
نظر لهُ “يوسـف” ساخرًا ثمّ قال بنبرةٍ جادة:
_ليه يا رو’ح خالتك هو القمور ناوي يغد’ر ولا إيه؟.
ذ’م “ليل” شفتيه قليلًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_إحتمال.
نظر “يوسـف” لهُ نظرةٍ باردة ثمّ قال بنبرةٍ مماثلة:
_طب بما إننا هنمشيها نظام غد’ر بقى، فأنتَ متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه، لا تقولي بقى ملازم أول ولا تاني ولا جدو رئيس الجمهورية، أنا لو إتغد’ر بيّا بتعـ.ـشى بالضحـ.ـية، ولو الضحـ.ـية قمورة زيك كدا مش خسا’رة فيها إني أحـ.ـبس وراها بلتر بيبسي، أهدى يا قمور بدل ما أطيّـ.ـرلك الدبو’ر اللي مقو’ي قلبك دا.
تقدَّم “ليل” مِنْهُ بعد أن تم تهـ.ـديده بشكلٍ مباشر ووقف أمامه وجهًا لوجه، تحدث بنبرةٍ هادئة للغاية وعيناه تنظران في عينان “يوسـف” قائلًا:
_عُمرك جرّبت تبات فالتخـ.ـشيبة ليلة يا أجنبي؟ قعدتها هتعجبك أوي ويا سعدك ويا هناك لو ماما دعيالك مِن قبلها وجرّبت الز’نزانة، حاجة كدا يا “چـو” قمر مع سندوتشات الحلاوة اللي قلبك يحبها، وهعجبك أكتر لمَ ألبسك ٥ سنين فالحيـ.ـط.
وقفا أمام بعضهما النـ.ـد بالنـ.ـد يتو’عدان إلى بعضهما، وهما يكادان يحر’قان بعضهما في تلك اللحظة، بينما أخرج “رمـزي” زفيرة عميقة وقال يا’ئسًا:
_يا ربّ أنا رضيت بـ “يوسـف” وقولت أكيد تكفيـ.ـر ذنو’ب، إنما “ليل” معاه كدا فيها ضغـ.ـط وسُكّر.
رأى “حُذيفة” يقترب مِنهما يُبعدهما عن بعضهما سا’حبًا ابن عمته خلفه مشيرًا إليه قائلًا:
_خُد صاحبك عشان لو سيبناهم على بعض هيمو’توا بعض.
رفع “رمـزي” ذراعه الأيمن عاليًا ملوحًا إلى “حُذيفة” مودعًا إياه مبتسمًا، بينما ألتفت “ليل” ينظر إلى “يوسـف” وحرّك كفه أمام عُـ.ـنُقه بعلامة الذ’بح وكأنه يتو’عد إليه سـ.ـرًا بالويل، بالطبع لن يتقبّل “يوسـف” الهز’يمة أمامه ولذلك ر’ماه بنظرةٍ متو’عدة مشيرًا إليه بأنه ينتظره، تقدَّم “رمـزي” مِنُه بخطى هادئة ممسكًا برسغه قائلًا:
_يلا يا “يوسـف” بدل ما نروح فد’اهية بسبب تهو’راتك دي، أنا دخلت أ’من دولة مرتين فمعنديش إستعداد أجرّب الز’نزانة بسببك أنا عندي عيلين عايز أربيهم.
سار معهُ “يوسـف” بالفعل ولكن ليس مستسـ.ـلمًا هذه المرة، فلا تمُر أيُ لحظة دون أن يضع وصمته الخاصة، بينما فُتح باب الغرفة بهدوءٍ وولج “حُذيفة” بخطى هادئة يليه “ليل” الذي أصبح أكثر هدوءً بعد أن رحل رفيقه منتظرًا قدوم جده..
بعد مرور دقائق،
داخل غرفة القيادة العسكـ.ـرية،
غرفة كبيرة وواسعة مخصصة للتحقيـ.ـقات العسكـ.ـرية، ينتصفها طاولة معد’نية كبيرة تضم ضباطًا بمختلف الرُتب، بعضهم يجلس منتكـ.ـس الرأس، والبعض الآخر يحدق في الملفات، دقائق مِن الصمت المشحو’ن قطـ.ـعها ولوج “ليل” الجد بهدوءه المعتاد، يليه مباشرةً “كيرة” التي كانت جادة بشـ.ـدة في عملها منذ أن إنضمت إليهم..
إتجهت الأنظار عليهما بهدوءٍ تام، وكأن النفس بعقا’بٍ، ترأس “ليل” الجد الطاولة ومعالم وجهه برغم أن الحز’ن يشوبها إلّا أن وقاره وشمو’خه لم يُكسـ.ـر مشيرًا تجاه “كيرة” بنبرةٍ جادة قائلًا:
_ملازم أول “كيرة عبدالسلام” هتكون معاكم خطوة بخطوة لأنها هتنفعكم جدًا فبعض المعلومات اللي ممكن تحتاجوها.
سمح لها “ليل” بالتحدث بحركةٍ هادئة مِنْهُ، كانت “كيرة” فتا’ةً في آواخر العشرينات مِن عمرها معالم وجهها جادة، تحدثت هي بالفعل بنبرةٍ رسمية بعد أن أبدت بتحيتهم التحية العسكـ.ـرية قائلة:
_ملازم أول “كيرة عبدالسلام” استخبا’رات ميد’انية، تحت أمركم يا فندم.
أشار لها “ليل” الجد تجاه المقعد الفارغ القريب مِنْهُ دون أن يتحدث، لّبت هي مطلبه وجلست بهدوءٍ تام دون أن تتحدث، نظر إليهم “ليل” الجد بشمولية ثمّ بدأ حديثه الجاد بقوله الصا’رم:
_مِن اللحظة دي “كيرة” إنضمت رسمي لفريق الردّ العسكـ.ـري، هتكون معانا خطوة بخطوة.
نظروا لبعضهم بإندهاشٍ واضحٍ بعد أن أستمعوا إلى قراره، فمن النادر ضم ضا’بطاتٍ لمها’م اقتحا’م مباشر، بينما نهض “ليل” الجد واقترب مِن الشاشة الكبيرة التي تتوسط الحائط الكبير مشيرًا إلى نقطة محددة فيها وبدأ حديثه الصا’رم بقوله:
_المكان اللي طلعوا مِنُه المُها’جمين أسمه وادي السُـ.ـمّ، وادي مهجو’ر، بيبعُـ.ـد عن نقطة الكـ.ـمين بتاعتنا بـ ٩ كيلومتر، جوّه شبكة أنفا’ق وسرا’ديب وقدرنا نحدد وجود القائد بتاعهم هناك … أسمه ‘أمجد محمد”، أفغا’ني الأصل، واخد سـ.ـت هويات مختلفة.
في تلك اللحظة تحدثت “كيرة” مستعرضةً ملفًا ها’مًا أمامهم قائلة:
_”أمجد محمد” … تابع لإحدى القيا’دات العسكـ.ـرية سابقًا اشتغل في مناطق تهر’يب السلا’ح، وظهر في فيديوهات دا’عش سنة ٢٠١٧، ومصنف دوليًا كمجر’م حر’ب.
نظر إليها “ليل” الجد نظرةٍ إعجاب ليست واضحة ثمّ بعدها قال بنبرةٍ جادة:
_وهو دا اللي مطلوب دلوقتي، إبدأ يا “نجيب”.
أنهى حديثه معطيًا فرصة التحدث لـ”نجيب” وهو شا’بٌ في أولى الأربعينات مِن عُمره ومسؤولًا عن قسم الاستخبا’رات ناظرًا في الملف القابع أمامه، بينما تحدث بنبرةٍ هادئة وعيناه لم تصطـ.ـدم بعينان “ليل” قائلًا:
_الموقع اللي اتضر’ب نقطة ٧، ما كانش فيه دعم كافي بسبب سحـ.ـب وحدة مِن الاحتياط يوم الخميس، بطلب مباشر مِن القطا’ع الشمالي.
سأله “ليل” الجد بنبرةٍ غا’ضبة حينها بقوله:
_سـ.ـحبناهم ليه؟.
جاوبه “نجيب” بنبرةٍ متو’ترة وهو يعلم ما سيحدث بعدها قائلًا:
_عشان حما’ية قافلة شحن حكو’مية فيها مسؤ’ول كبير، لوا.
ضر’ب “ليل” الجد كفه على الطاولة بقو’ةٍ بعد أن استطاعت كلماته إشعا’ل فتـ.ـيلة غـ.ـضبه، تنا’ثرت الأوراق التي كانت تقطـ.ـن فوق سطح الطاولة تزامنًا مع قوله المشبّع بالقهـ.ـر:
_يعني ولادي أتحر’قوا عشان عربية ..!!.
في تلك اللحظة قا’طعه “سيف” زوج أبنته والمسؤول عن المتابعة الجو’ية وهو يُدير شاشة العرض خلفه:
_الطيارة المُسيَّـ.ـرة سجلت كُلّ لحظة، المُها’جمين كانوا قرابة ١٢ فرد، استخدموا سلا’ح رو’سي الصنع، ونفس طريقة التنفيـ.ـذ اللي حصلت في كـ.ـمين الفر’افرة من ٣ سنين … ده معناه إن فيه خا’ين بيوصّل لهم تحركاتنا بد’قة.
في تلك اللحظة تم عرض مشهد الضابط “إسماعيل” وهو يُحر’ق حـ.ـيًّا، وفي لحظة يُخفّض الصوت احترامًا للضحا’يا، أنكـ.ـسوا جميعهم رؤوسهم أرضًا بعد أن آ’لمهم هذا المشهد الذي أصبح لا يُفا’رق عقو’لهم وكأنه لعنـ.ـة مِن الصـ.ـعب التخـ.ـلُص مِها، وبلحظة بكى “حُذيفة” بصمتٍ بعد أن تم إعادة المشهد أمام عيناه..
تحدث “ليل” الجد بنبرةٍ خافتة وكأن الحياة سُـ.ـلِبَت مِن قـ.ـلبه قائلًا:
_”إسماعيل” دا ابني، مش في البطاقة بس في قـ.ـلبي، دا كان بيبات هنا أكتر ما بيشوف أُمه، أتعلّـ.ـق لأنه مصـ.ـري، مش عشان غـ.ـلطة.
ولكن في تلك اللحظة يُفتح الباب ويولج السكرتير العسكـ.ـري حاملًا بيَده ملف أصفـ.ـر اللو’ن مدوَّن فوقه بخطٍ دقيق عا’جل _سـ.ـري للغاية_ توقّف أمامه وقال بنبرةٍ هادئة:
_دا تقرير جهاز الاتصالات يا فندم، لقينا مكالمة مشفّـ.ـرة خرجت قبل الهجو’م بـ ٣ ساعات، مصدرها داخل و’حدتنا.
وكأن كلماته كانت كشـ.ـرارة صغيرة لتحريكه، أنتفـ.ـض “ليل” واقفًا وقال مترقبًا:
_حد مِن رجا’لتنا بلّـ.ـغهم.
جاوبه السكرتير بنبرةٍ هادئة بقوله:
_المكالمة خرجت مِن خط خاص كان بحو’زة الملازم أول “فارس عمّار” ..!!.
صمتٌ ثقيـ.ـلٌ خيَّـ.ـم على الجميع في لحظة، جميع الأنظار إتجهت نحو “نجيب” الذي أغمض عيناه بأسفٍ واضح وقال بنبرةٍ هادئة:
_”فارس” مخـ.ـتفي مِن بعد الحا’دثة فعلًا، مراته بتقول إنُه خرج الفجر ومرجعش، وسايب تليفونه العسكـ.ـري.
وكأن جميع الأبواب أصبحت تو’صد أمامه وكأنها تُعا’نده، ضر’ب بيَده فوق الطاولة وقال بنبرةٍ حا’دة:
_مطلوب حالًا بأي طريقة، أنشروا صورته فكُلّ و’حدة ومطار ومينا’ء، مش هينام في الأر’ض ولا البحـ.ـر ولا السـ.ـما، يجيلي حـ.ـي حتى لو كان تحت الأر’ض سامعين ..!!.
أبدوا بموافقتهم على حديثه بهزّ’ة خفيفة مِن رؤوسهم دون أن يجر’ؤ أحدهم على معا’رضته في تلك اللحظة، فهو الآن في أشـ.ـد لحظاته غـ.ـضبًا ولن يهدأ إلّا حينما يُحقق غا’ياته ويأتي بحقوقهم مهما كان الثمـ.ـن وخيمًا، نظر في وجوههم مجددًا بنظرةٍ شاملة ثمّ قال بنبرةٍ صا’رمة:
_بُكرة الساعة ٧ الصبح ألاقيكم هنا كُلّكم، مفهوم؟.
أخرج “ليل” حفيده زفيرة عميقة ووافق على حديثه بقوله الهادئ:
_حاضر يا سيادة اللو’ا، أو’امرك نا’فذة.
أشار إليهم “ليل” بالخروج بهدوءٍ وجلس مجددًا واضعًا كفه فوق جبينه ملتزمًا الصمت وكأنه يُعيد تفكيره في الأمر بينه وبين نفسُه، فبعد أن كانت الأمور تسير بشكلٍ طبيعي تغيّرت في لحظات مِمَّ جعل أوراقه تتبعثـ.ـر مِن جديد بظهور طر’فًا آخر لم يكُن مرئيًا، فبإكتسابه لتلك المعلوما’ت الجديد وسقو’ط تلك الأوراق بين يَده هو، فلن ينجـ.ـو أحدٍ مِن جحـ.ـيمه.
