رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل الرابع والتسعون
يا مَن يرى ما في الضميرِ ويسمعُ،
أنت المُعدُّ لكل ما يُتوقَّعُ،
يا مَن يُرجَّى للشدائدِ كلّها،
يا مَن إليه المُشتكى والمفزعُ،
يا من خزائنُهُ تفيضُ جَمالَهَا،
امنن عليّ بعطفكَ المُتوقَّعُ،
ما لي سِوى فقري إليك وسيلةٌ،
فبالافتقار إليكَ فقري أدفعُ.
_طه الفشني.
_______________________________
إن كان الليلُ راحةً للأُناس، وملاذٌ للفؤاد؛ فلم يكُن هكذا على قلوبًا أر’هقتها الحياة، لم تكُن تجارُبها سهلةٌ عليهم، ولم يكُن العقل يعلم أن الأُناس عد’يمي الر’حمة والإنسانية لهذه الدرجة..
حينما يعمـ.ـي الإنتقا’م الأعين، ويتمكّن الغِـ.ـل مِن القلب ويُسيطـ.ـر الشـ.ـر على العقل فلن تُر’حم الأنفُس بعد رفع راية الحر’ب..
لا تقترب مِن عر’ين الأسـ.ـد وتعـ.ـبث معهُ..
فحين أستيقاظه لن ير’حم أحدًا، والجميع سيدفع الثمـ.ـن، حتى وإن لم يفعل شيئًا بعد..
<“دقائق قليلة مِن المرح لن تؤ’ثر.”>
في سكون الليل، نجومًا صغيرة تلمع حول قمرٍ مضيء، ونسمات الهواء العليل تداعب أوراق الشجيرات العا’لية، ليلةٌ أخرى هادئة على الجميع برغم ما مرّوا بهِ في السويعات الماضية..
داخل قصر آل دمنهوري..
كانت الضو’ضاء مُرضية نوعًا ما على الجميع، وكأن القلوب توا’سي بعضها سرًا، وبين إنشغال البعض مِنهم بأشياءٍ مختلفة خرج جسـ.ـدًا صغيرًا مِن الغرفة دون أن ينتبه لهُ أحدًا مِن الجالسين، كانت “رودينا” تحبى على أطرا’فها الصغيرة بعد أن إستطاعت إتقان الهر’ب ببراعة لإستكشاف هذا القصر الضخم الذي يُثيـ.ـر فضولها منذ أن خُلِـ.ـقَت..
كانت عيناها البُنيـ.ـة تلمع تحت أضواء القصر المختلفة، تنظر حولها بإنبهارٍ تام وبين الفينة والأخرى تُرسم بسمةٌ واسعة فوق شفتيها الصغيرة ومِن ثمّ تتحوّل لضحكةٍ طفولية نا’عمة تملؤها الحما’س، أكملت الصغيرة طريقها وحينما ترى شيئًا يلمع أمامها تقف أمامه لدقائق قِلة تتأمله بإنبهارٍ تام ثمّ بعدها تُطلـ.ـق ضحكة صغيرة وتُكمل طريقها..
داخل غرفة “ليل”..
كانت “روزي” مندمجة في طوي الملابس داخل الخزانة، تظن أن صغيرتها تلهو بألعابها القماشية مثلما تفعل دومًا فوق بساطها النا’عم الذي تضعه إليها فوق الأرضية، بينما كان “رائد” في الحديقة يلعب مع “سديم” و “ثائر” و “عدنان” كما أعتاد منذ قدومه إلى قصر جده، كان كُلّ شيءٍ هادئًا، حتى ولج “ليل” ممسكًا بكوب قهوته السا’خن بعد أن سيطّـ.ـر الأ’لم على رأسه منذ صبيحة اليوم..
شمل الغرفة بعيناه ولم يرى سِوى زوجته ولذلك تعجب حينما لم يرى أبنته في مكانها مثلما أعتاد ولذلك سألها بنبرةٍ هادئة وهو ينظر لها قائلًا:
_”روزي” هي “رودينا” راحت فين؟.
_ما هي قعدة أهي بتلعب..
بـ.ـترت حديثها بعد أن ألتفتت لهُ وأشارت إلى موقع صغيرتها، نظرت إلى الركن الذي كانت تجلس فيه صغيرتها بذهولٍ تام حينما لم ترها لتنظر إلى زوجها قائلة:
_أنا كُنت سيباها بتلعب هنا، هتكون راحت فين بس.
نظر “ليل” حوله ثمّ حينما لم يرها قال بنبرةٍ هادئة:
_كدا خرجت مِن غير ما تحسي أنتِ.
لم ينتظر بعدها، خرج يبحث عنها سريعًا فالقصر يكثره السُـ.ـلَّم الرُخا’مي ومِن المتوقّع أن تتأ’ذىٰ دون أن يُدرك عـ.ـقلها الصغير ذلك، وبعدها بدقائق لَحِقَت بهِ “روزي” وهي تنظر حولها بد’قة، بينما في تلك الأثناء كانت “رودينا” تحبي على أطر’افها بحما’سٍ طفولي حتى توقّفت أمام باب غرفة “حُذيفة” الذي كان مواربًا..
وبفضولٍ طفولي زحفت نحو الداخل دون أن تُرى، كنسمة الهواء اللطيفة التي تأتي فجأةً، كانت الغرفة هادئة وإضاءتها خافتة، لا أحد سِوى “حُذيفة” الذي كان يقف أمام المرآة يمشط خصلا’ته النا’عمة السو’د’اء، ولم ينتبـ.ـه إلى هذا الجسـ.ـد الصغير الذي ولج بخفة ومِن ثمّ أ’ختبئ خلف الستار الدا’كن، وكأن الصغيرة تطلب اللعب معها بطريقتها الخاصة..
دقائق قِلة وخرج “حُذيفة” مغلقًا الباب خلفه، لا يعلم أن ثمة طاقة حما’سية إند’فعت إلى غرفته دون أن ينتبـ.ـه، نظرت “رودينا” حولها، ترفع رأسها الصغيرة تارة وتُخفضها، وبلحظة ثبّـ.ـتت عيناها البُنيـ.ـة على قطعة اللؤلؤ الصغيرة التي تو’هجت لمعتها بعد أن إنعكست أ’شعة الشمس عليها، نظرت لها قليلًا ثمّ مدّت كفها الصغير وأمسكت بها تُقلبها بين كفيها الصغيران وكأنها أكتشفت سـ.ـرًا جديدًا في عالمها الصغير..
وفي هذه الأثناء، كان “ليل” يبحث عن صغيرته في جميع أنحاء القصر دون أيا جدوى، وخلفه “روزي” التي كانت قد أوشكت على فقـ.ـدان عقلها بلا شـ.ـك، فحتى الآن لم ترى صغيرتها ولو بالخـ.ـطأ وهذا أثا’ر حفيظتها وجعل القلـ.ـق يتسـ.ـلل إلى قلبها، تقدّم “ليل” مِن أخيه الذي كان يجلس رفقة “هلال” يتابعان المباراة سويًا وسأله بنبرةٍ لم تخلو مِن خو’فه على صغيرته قائلًا:
_”طه” شوفت “رودينا”؟.
نظر إليه “طه” بعد أن جذبه صوت أخيه وأبدى بر’فضه قائلًا:
_لا مشوفتهاش.
_ولا أنتَ يا “هلال”؟.
أبدى “هلال” كذلك بر’فضه بهزّة صغيرة مِن رأسه متعجبًا سؤال ابن عمّه، بينما سأله “طه” هذه المرة وقال بنبرةٍ هادئة:
_بتسأل ليه هي مش مع “روزي”؟.
أخرج “ليل” زفيرة عميقة وقال:
_كانت معاها بتلعب بس إ’ختفت فجأة، معرفش راحت فين عمّال أدوَّر عليها.
أنهى حديثه وأكمل بحثه عنها وهو يزفر بعمقٍ، وعيناه تفـ.ـضح خو’فه المخبو’ء، ترك “طه” المباراة بعد أن شَعَر بتو’تر الأجواء ورأى خو’ف أخيه على إبنته وبدأ بالبحث معه علّه يراها في أيا مكانٍ لم ينتبـ.ـه لهُ أخيه، وبنفس اللحظة شاركهم “هلال” البحث في جميع زوايا القصر، في هذه الأثناء خرج “ليل” الجد وبرفقتهِ “روز” مِن المكتب بعد أن كان منشغلًا قليلًا بأعمال شركاته ليرى هذا البحث الجماعي في قصره وكأن ثمة كنزًا مد’فونًا بهِ ويسعو’ن للوصول لهُ..
تنغض جبينه ونظر إلى “روز” التي بادلته نظرته وكأنها تسأله بصمتٍ عن ما يفعله أحفادها، نظر إليهم مِن جديد وسألهم بنبرةٍ عا’لية بعض الشيء يجذ’ب إنتباههم لهُ بقوله:
_بتدوّروا على إيه كدا في إيه؟.
نظرت إليه “روزي” التي ألتفتت لهُ بعد أن أ’لقى بسؤاله وأنتظر الرد مِن واحدٍ مِنهم قائلة بنبرةٍ تملؤها الخو’ف:
_مش لاقية “رودينا” يا جدو فأي حِتة.
نظر لها مستفسرًا وقال بنبرةٍ هادئة محاولًا فهم ما حدث:
_لا مش فاهم مش لاقياها أزاي يعني؟ هي مش بتبقى معاكي؟.
جاوبه حفيده الأكبر في هذه اللحظة بعد أن فشـ ـلت محاولاتهم في العثور عليها داخل القصر قائلًا:
_”رودينا” مِن ساعة ما بدأت تسحـ.ـف وهي مش بتقعد فمكان فلحظة بتختـ.ـفي.
أبتسم “ليل” الجد بعد أن أستمع إلى حديثه وأطمئن قلبه قليلًا عليها ثمّ قال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_طب أديكم جاوبتوا على نفسكم أهو، لازمتها إيه الخو’ف دا كُلّه هتلاقوها خارجة مِن أي مكان دلوقتي.
جاوبته “روزي” تسرد مخا’وفها التي تساورها دومًا حين إختفا’ءها بقولها:
_عارفة إن القصر آ’من بس خا’يفة وهي نا’زلة عالسـ.ـلم إيديها تفـ.ـلت وتـ.ـقع، يا ريتها جت عالسـ.ـحف دي كمان بدأت تحاول تقف على رجليها وبتصِّر إنها تمشي عليهم وهي لسّه ضـ.ـعيفة وعـ.ـضمها منـ.ـشفش.
غمرته حالة مِن الدهشة والسعادة حينما خُيِّل لهُ هذا المشهد اللطيف وأبتسم بحنوٍ وتمتم بنبرةٍ هادئة بذِكر ربه:
_بسم الله ما شاء ولا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يحميها ويحفظها ويبارك فيها، المشهد دا مشوفتهوش بقالي فترة طويلة.
أنهى حديثه وهو ينظر بطرف عينه إلى “روز” التي منحته بسمةٌ هادئة وقالت:
_وهترجع تشوفه تاني بالتدريج، على حسب مين مخلف قبل مين، بس أحلى واحد فيهم كُلّهم كان “مُعاذ”، كان عـ.ـنيد وبيحب ينفذ اللي فد’ماغه.
_ولحد دلوقتي يا حبيبتي واللهِ، جه زن على د’ماغ اللي خلفـ.ـوني إمبارح قبل ما أنام لحد ما كُنت همسك الڤا’زة أبطـ.ـحه بيها وأخلص، أينعم هتسجـ.ـن بس أهوّن مِن زنُه دا.
عبّر عن ضـ.ـيقه بتذكُره ليلة أمس حينما عاد مـ.ـتعبًا مِن عمله ووجد “مُعاذ” يستقبله حينها على طريقته الخاصة، مِمَّ أثا’ر هذا جـ.ـنون “ليل” وجعله يفعل ما يخطـ.ـر على عقـ.ـله دون أن يُفكر، ضحكت “روز” بخفةٍ وقالت:
_واللهِ “مُعاذ” دا عسل، مشوفتهوش يا “ليل” لمَ الحنيّة بتنز’ل عليه فجأة، بجد أبنك دا فيه حنيّة أول مرَّة فحياتي أ’حسّ بيها، هو آه مشا’غب حبتين بس واللهِ زي العسل وطيب.
وكأن عند ذِكر أسمه يحضر حتى وإن لم يكُن معهم حاضرًا، تقدّم مِنهما مشيرًا نحوها بسبابته تزامنًا بقوله المرح:
_الرو’سية دي بتشكُر فيّا وبتقول فحقي كلام حلو، فأنا بصراحة لازم أكافئها.
تأ’هبت حواس “ليل” في تلك اللحظة وكأنها أرسلت إنذا’راتٍ بالخطـ.ـر لعقله، قرأ نوا’ياه مِن نظرة عيناه وهذا أيقظ العا’شق الغيو’ر القابع بداخله، وقف في موا’جهته كجدارٍ عا’زل بينه وبين زوجته، نظر لهُ “مُعاذ” متعجبًا فعله ورأى نظرة غيو’رة، مجـ.ـنونة ومهو’وسة بالحبيب، فعـ.ـشقه لها لم يمُـ.ـت، وغير’ته المجـ.ـنونة مازالت حاضرة، وهيـ.ـمنته تفر’ض حصا’رها على الجميع..
_خطوة واحدة كمان مِنها وهـ.ـبلعك.
هكذا ألقى “ليل” أول تحذ’يرٍ صريحٍ ومباشرٍ بوجه “مُعاذ” الذي أصبحت نظرته ما’كرة بعد أن تفهّم سبب هذه الشـ.ـراسة التي ظهرت فجأةً على أبيه، تحدث بنبرةٍ لعو’بة وقال مبتسمًا:
_شامم ريحة غير’ة جا’مدة أوي، وبصراحة حقك يا حج آه الواحد يقول كلمة حق برضوا، بس طالما جينا نتكلم فالحق فالشهادة لله يعني مراتك جا’مدة، أنا قولت ياض يا “مُعاذ” مع الوقت أُمك هتعجـ.ـز وهتفقـ.ـد جزء مِن جمالها ودا الطبيعي، بس لأول مرَّة أبقى غـ.ـلطان، السِـ.ـت عمّالة تحلو كُلّ يوم بطريقة غريبة خلّتني أقعد أفكّر كدا مع نفسي، بس طالما أنتَ قدامي دلوقتي فالأجابة عندك يا نمس … قولي بقى عملت إيه فالعسل دا عشان يفضل بالجمال الرو’سي دا؟.
إكتسى الخجـ.ـل وجهها بعد أن أستمعت إلى مديح و’لدها الأوسط الذي لم يخجـ.ـل يومًا مِن أن يُبدي بآراءه حتى وإن كانت مخجـ.ـلة، بينما شـ.ـد “ليل” على قبـ.ـضة يَده التي أبيّـ.ـضت فجأةً وهمس بكلمة واحدة كفيلة بأن تجعل القط يفـ.ـر ها’ربًا خو’فًا مِن أن ينوله شـ.ـره:
_إ’خفى.
ولكن هل يستسـ.ـلم هذا الفتـ.ـى أمام ما يُريد وينسـ.ـحب كجبا’نٍ يخشى خسا’رة حر’به !! إتسعت بسمةُ “مُعاذ” أكثر على شفتيه وقال بنبرةٍ غلّفتها برو’ده:
_يا حج إسمع مِني بس وأمشي ورايا مرَّة، وبعدين هو أنتَ خسـ.ـران حاجة يعني قول يا عمّ مش هنحسـ.ـدك متخا’فش، قول يا نمس يا شـ.ـقي يا اللي محدش ييجي جنب جمد’انك حاجة قول.
لم تتحمـ.ـل “روز” هذا الوضع المخجـ.ـل ولذلك إنسـ.ـحبت سريعًا إلى الغرفة وهي تُسرع في خُطاها، وبنفس الوقت تشعُر بحـ.ـرارة جسـ.ـدها تزداد بشكلٍ تدريجي، فلم تكُن تتوقّع أن يكون و’لدها بهذا التبجـ.ـح أو أن يُفاجئها بهذا الفعل يومًا، ولجت إلى المرحاض مباشرةً ووقفت أمام سنبور الماء وبدأت تُـ.ـلقي المياه البا’ردة على وجهها علّها تُطفئ تلك النير’ان المشتـ.ـعلة..
بينما في نفس الوقت نظر “ليل” الجد إلى “مُعاذ” نظرةٍ تُنذ’ر بشـ.ـرٍ لن يتحـ.ـمله أحد، فحين يتم إيقاظ هذا الغيو’ر فلن ير’حم الو’حش، وحينما رأى “مُعاذ” أنَّهُ وصل إلى مبتغاه فـ.ـر ها’ربًا سعيدًا بتحقيق هذا الإنجاز العظيم الذي كان يسعى لهُ منذ زمنٍ، تاركًا خلفه “ليل” الذي كان يأ’كله حـ.ـيًّا بنظرته..
وفي تلك الأثناء كان البحث عن الصغيرة مازال قائم، بدأ “ليل” الحفيد يسأل الحر’س عنها وفي المقابل يتلقى النفـ.ـي جوابًا، وهذا زاد مِن حيرته كثيرًا وأصبح لا يعلم أين يُمكن أن تذهب إن لم تخرج مِن القصر، ولج إلى القصر مجددًا لينظر إلى والدته التي سألته هذه المرة عنها قائلة:
_إيه ملقتهاش برضوا؟.
هزّ “ليل” رأسه ينفـ.ـي سؤالها وهو يُفكر بها، بينما تحدث “عُدي” في تلك اللحظة وكأنه لفت إنتباه “ليل” بتلك الكلمات التي أيقظته مِن تفكيره العميق بقوله:
_طب هي إيه أكتر حاجة ممكن تشـ.ـدها؟.
نظر إليه “ليل” وجاوبه قائلًا:
_إنها بتخرج تكتشف المكان بنفسها، وبتتشـ.ـد لأي حاجة بتلمع.
جاوبه “عُدي” مبتسمًا بقوله الهادئ:
_سهلة أهي، طالما محدش شافها والحر’س أنكـ.ـروا خروجها يبقى هي لسّه هنا بس فمكانٍ ما، ممكن تكون فأوضة حد فينا فيها حاجة شـ.ـدت إنتباهها حبت تكتشفها محدش خد باله مِنها وخرج.
لمعت عينان “ليل” وكأن خاله سلّط الضوء على كنزًا مفقو’دًا منذ زمنٍ وطالت رحلة البحث عنه، نظر إلى أولاد عمومته وقال:
_كُلّ واحد يطلع يشوفها فأوضته، طالما هي منزلتش هنا يبقى هي فأوضة واحد فيكم فوق واللي خرج مخدش باله مِنها لأن “رودينا” بتستخـ.ـبى فأي حاجة تقابلها.
وبالفعل صعدوا جميعًا إلى غرفهم وبدأوا في البحث عنها بكُلّ زاوية، بينما كان “ليل” يمرّ عليهم جميعًا يُتابع علّه يراها ولو صدفةً عابرة، بينما كانت “رودينا” مازالت بمكانها، كُلّما سـ.ـقطت أشعة الشمس على قطعة اللؤلؤ الصغيرة التي تُمسكها تتأملها قليلًا ثمّ تُرسم بسمةٌ واسعة فوق شفتيها الصغيرة ومِن ثمّ تتحوّل إلى ضحكة طفولية نا’عمة وبر’يئة..
رفعت عيناها البُنيَّـ.ـة ونظرت إلى الشمس التي كانت تتوسط السماء الصافية تتأملها وكأنها رأت كنزًا جديدًا في عالمها الصغير مِمَّ جعل حما’سها يزداد أكثر في إكتشاف بقيَّة ما ينتظرها، بدأت تُنادي والدها بنبرةٍ هادئة وكأنها تنتظره حتى يأتي ويشاركها ما يُثيـ.ـر إهتمامها وفضو’لها، في تلك اللحظة فتح “حُذيفة” باب غرفته وبدأ يبحث عنها بعد أن أضاء مصابيح الغرفة..
هؤلاء يبحثون وكأن الضا’ئع كنزًا مِن الذهب المرصّع، وتلك تجلس في مـ.ـخبئها السـ.ـري تكتشف كنوزها الخاصة بنفسها حتى وإن كانت ستُحدث فو’ضى، بحث “حُذيفة” في الزوايا وبداخل خزانة الملابس فهو يتوقّع أن يراها بداخلها فلا شيء يستحيـ.ـل عليها، وأثناء بحثه تمتم قائلًا:
_معقولة “يونس” أبني بعد ١٠ شهور مِن دلوقتي هيعمل زيَّها كدا؟ دا “عدنان” معملهاش فيّا.
وبلحظة سمع تمتمة خافتة، وكأنها تتحدث مع نفسها على طريقتها ولغتها الخاصة، ترقّب “حُذيفة” ظنًا أنَّهُ خُيِّل لهُ ذلك، ولكن تكررت الهمهمات الخافتة مِن جديد وبإتباعه للصوت وجد أنَّهُ يأتي مِن خلف الستار الثقيـ.ـل الخاص بالشرفة، وبحذ’رٍ شـ.ـديد أقترب مِنها حتى لا يُـ.ـخيفها والصوت يتضح كُلّما أقترب..
مدّ يَده وأز’اح الستار برفقٍ ليراها تجلس خلفها ووجهها تجاه باب الشرفة الزجا’جي، وقطعة مِن اللؤلؤ الصغير الذي يُزين الستار بين يَديها تتفـ.ـحصها بد’قةٍ شـ.ـديدة، لم يُصدق عيناه وسؤالٌ واحد فقط يدور في رأسه، كيف يُمكن لهذا الجسـ.ـد الصغير أن يخـ.ـلق هذا التو’تر والهـ.ـلع الكبير بأقل مجهو’دٍ مِنْهُ، وببطءٍ جلس على رُكبتيه خلفها..
وبنفس اللحظة ألتفتت برأسها تنظر إليه بعيناها البُنيَّـ.ـة الواسعة بعد أن شَعَرت بوجوده في المكان، منحته بسمةٌ واسعة بر’يئة ومِن ثمّ رفعت كفيها الصغيران وصفقّت إليه ضاحكةً وكأنها تكافئه عن بحثه وإيجاده لها، رُسمت بسمةٌ هادئة فوق شفتيه بعد أن آ’سرته حركاتها الصغيرة ومِن ثمّ مدّ يَديه ورفعها برفقٍ ضاممًا إياها إلى د’فء أحضانه وقال:
_يعني ينفع كدا برضوا؟ كُلّنا تحت قا’لبين الدُنيا عليكي وبابا هيمو’ت مِن خو’فه وأنتِ قعدة هنا ولا على بالك.
نظرت لهُ “رودينا” بعد أن أستمعت إلى كلمة بابا التي فهمتها مِن حديثه ذاك ورددتها بأسلوبٍ طفولي رقيق أحبَّهُ هو كثيرًا:
_با با.
منحها قبلة حنونة فوق خَدِّها الصغير الممتـ.ـلئ وقال بنبرةٍ حنونة:
_دا بابا شوية كمان وهيعلن حالة حذ’ر فالمنطقة كُلّها بسببك.
رفعت لهُ كفها الصغير بقطعة اللؤلؤ الصغيرة وكأنها تطلب مِنْهُ شيئًا يجـ.ـهله هو الآن، أخذها مِنها وسألها قائلًا:
_مالها ضا’يقتك فإيه؟.
نظرت إليه وهي لا تعلم كيف تُخبره عن هذا الإكتشاف العظيم الذي توصّلت لهُ، نظرت إلى قطعة اللؤلؤ التي كانت بيَده ثمّ إلى الشمس ومِن ثمّ رفعت يَدها الصغيرة وأشارت بسبابتها تجاهها وهي تتمتم بكلماتٍ مُبهمة وحدها مَن تفهمها، حاول أن يفهم ما تُريد قوله، يرى نظرتها إلى قطعة اللؤلؤ وإلى الشمس وكأن بينهما شيئًا مشتركًا يجـ.ـهله هو..
_إيه اللي شاغـ.ـلك بيهم، مالها الشمس بقطعة اللؤلؤ دي؟.
مدّت كفها الصغير وأخذت قطعة اللؤلؤ مِنْهُ تتفحصها وكأنها تتأكد مِن سلامتها ومِن ثمّ صوّبتها تجاه أ’شعة الشمس لتنتشـ.ـر الأشعة المتو’هجة مِن حولها، إتسعت عيناها حينما رأت هذا التو’هج ومِن ثمّ ضحكت بسعادة ونظرت إلى “حُذيفة” وكأنها تنتظر أن يُحييها بطريقةٍ ما على إكتشافها لهذا السـ.ـر، وصدقًا لم يغفـ.ـل هو عن ذلك..
صفّق لها وهو يُحييها على هذا العمل العظيم مبتسم الوجه، وفي المقابل منحته هي ضحكة بر’يئة حينما أخذت ما كانت تُريده، منحها قبلة حنونة فوق خَدِّها ثمّ إستقام في وقفته حاملًا إياها على ذراعه قائلًا:
_طلعتي ذكية يا “رودينا” بسم الله ما شاء الله عليكي.
ألتفت كي يخرج ويُطمئن ابن عمّته ولكنهُ توقّف مكانه حينما رآه يقف على باب الغرفة يُخرج زفيرة عميقة بعد أن وجد أبنته أخيرًا بعد رحلة البحث الطويلة تلك، نظرت إليه “رودينا” حينما بدأ يتقدّم مِنها وبوقوفه في موا’جهة “حُذيفة” نظر لها قليلًا ثمّ سألها بنبرةٍ هادئة وكأنه يُعا’تبها على هذا الهلـ.ـع الذي سبّبته في تلك الدقائق بقوله:
_ينفع كدا يعني؟.
وكأنها تفهّمت قوله ولذلك ضحكت وكأنها سعيدة بهذا الفعل، لم تتردد وأشارت لهُ بكفيها الصغيران تطلب مِنْهُ أن يحملها بدلًا عن “حُذيفة”، بنداءٍ صغيرٍ مِنها لبَّـ.ـىٰ مطلبها وحملها بدلًا عن ابن خاله وهو يُلثم خَدِّها الصغير الممتـ.ـلئ بحنوٍ، بدأت تُناديه وتتحدث بلغتها الخاصة وهي تعـ.ـبث بقطعة اللؤلؤ الصغيرة التي إستطاعت جذ’ب كامل تركيزها لها، بينما نظر “ليل” إلى “حُذيفة” الذي أطلـ.ـق ضحكة خفيفة وهو مازال لا يُصدق ما رآه وبدأ يسرد عليه الأمر بقوله:
_هي كانت قعدة ورا الستارة هنا ومعاها قطعة اللؤلؤ دي وفعالم تاني حقيقي، أنا مش عارف أزاي معيّطتش أو إتحركت على الأقل مِن مكانها لمَ بقى في هدوء فجأة حواليها، بس بجد بجد بـ.ـنتك بسم الله ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله ذكية أوي، الشمس إتعا’مدت على اللؤلؤ فأ’شعتها إتعكـ.ـست فالمكان وهي بتحاول تشرحلي الإكتشاف العظيم دا بس على طريقتها.
أتسعت الإبتسامة فوق شفتي “ليل” الذي نظر إلى صغيرته ورآها بعالمٍ آخر مع تلك القطعة الأ’ثرية، رتّب خصلا’تها النا’عمة بأنامله ومِن ثمّ قال بنبرةٍ حنونة محاولًا جذ’ب إنتباهها إليه:
_طلعتي مش سـ.ـهلة وأنا اللي فاكرك ملا’ك بجنا’حات، قال اللي عمو “حُذيفة” بيقوله دا، ناوية تكتشفي إيه تاني طيب.
ولكنها كانت بعالمها الخاص لا تُعير لمَن حولها أهمية، نظر “ليل” إلى ابن خاله يا’ئسًا وقال مبتسمًا:
_شكلي هتـ.ـعب معاها كتير الفترة الجايَّة.
تقدّم “حُذيفة” خطوتين مِنْهُ مد’اعبًا خَدِّها الصغير بأنامله قائلًا بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_لا واللهِ بالعكس، دي هادية أهي هي شكلها كانت بتدوّر على حد يلعب معاها وطلعت أنا صاحب النصيب.
رفعت الصغيرة رأسها تنظر إليه وكأنها تفهّمت أن الحديث يدور حولها، ولكنها لم تمنـ.ـع الأمر بل منحته بسمةٌ طفولية هادئة ومدّت يَدها الصغيرة نحوه بقطعة اللؤلؤ وكأنها تطلب مِنْهُ أن يأخذها، ولكنهُ لثم يَدها الصغيرة بحنوٍ ور’فض أن يأخذها مِنها، وبعدها بدأت الضحكات الطفولية تعـ.ـلو كُلّما د’اعب بشرتها النا’عمة بلحـ.ـيته، وكأن تلك اللحظة تأتي إليهم فجأةً تُعيد تضمـ.ـيد جرو’حًا تأ’بى الألتئا’م.
____________________________
<“كان يظن الأمر سهلًا حتى أصبح معقـ.ـدًا.”>
في إحدى شقق الوحدات السكنية الراقية،
كان الهدوء يُسيطـ.ـر على المكان بشكلٍ مثيـ.ـرٍ للأهتمام، برغم أن الأحاديث بينهما لم تنقطـ.ـع لحظة، وكأنهما في لحظات الصمت يخـ.ـتلقا مواضيعًا لا أساس لها فقط لكي يكسـ.ـرا حِدَّ’ة هذا الصمت، ولكن تلك المرة لم يكُن الأمر كذلك على أحد الطر’فين، وكأن الصمت أصبح ملا’ذه بعد أن أجبـ.ـره عـ.ـقله على الرضو’خ حتى يستطيع فر’ض سيطـ.ـرته عليه إجبا’ريًا..
كان “شهـاب” يجلس في غرفة النوم فوق المقعد الموضوع بإحدى زواياها وكفيه يضمان رأسه بعد أن أستسـ.ـلم لعقله تلك المرة وجعله يربح الرها’ن، يُفكر في موعد الجلسة التي أصبح وشيكًا، لا يعلم ماذا سيحدث وهل سيستطيع أن يأخذ حقه تلك المرة أم سيكون للأمر مسارًا آخر كفيلًا بتد’ميره كُليًا، منذ ما يُقارب الساعة وهو يجلس بتلك الطريقة محاولًا أن يُطمئن قلبه..
في تلك اللحظة ولجت “مَرْيَم” إليه وبيَدها كوبين مِن الشاي السا’خن، وضعت كوبه بالقرب مِنْهُ ثمّ جلست بجواره وعيناها لا تُفا’رقه، لا تعلم ماذا حدث لهُ فجأةً وجعله بهذا الهدوء الذي أثا’ر حفيظتها، أخرجت زفيرة صغيرة وسألته بنبرةٍ هادئة مُقَررةٍ أن تكسـ.ـر هذا الصمت قائلة:
_مالك يا “شهـاب” مش على بعضك النهاردة ليه؟ ساكت مِن الصبح بطريقة غريبة، إيه اللي مضا’يقك أو مخو’فك بالمنظر دا؟.
كانت تنتبه لهُ منذ باكورة الصباح ولكنها لم تستطع أن تسأله، فكانت معالم وجهه تدُل على عد’م الر’غبة في قول أيُ شيءٍ حتى وإن كانت كلمة صغيرة، ولكن الآن لا تستطيع أن تتركه بتلك الحالة وحيدًا أكثر مِن ذلك، ولذلك قررت أن تتدخّل الآن وتفهم ما يشغل عـ.ـقله بتلك الطريقة، لحظات ورفع رأسه بعد أن غـ.ـلبه عقله تلك المرة ونظر إليها بعد أن أبدى بفشـ.ـله مِن جديد في نسيان ما حدث..
لم يتحدث فقط نهض بهدوءٍ وجلس على رُكبتيه بجانب قدميها ووضع رأسه فوقها علّ ضـ.ـجيج رأسه يهدأ هذه المرة، شرد في نقطةٍ ما وشَعَر بلمـ.ـسة كفها فوق رأسه التي بدأت تمسح عليها برفقٍ وكأنها شَعَرت بهذا الضـ.ـجيج وقررت أن تمنحه القليل مِن الهدوء، أغمض عيناه بعد شعوره بتلك اللمـ.ـسة وكأنها بلحظة أسكتت هذا الضـ.ـجيج بأقلٍ مجهو’دٍ مِنها..
_أنا بدأت أقـ.ـلق أكتر مِن تصرفاتك وسكوتك دا يا “شهـاب”، إتكلم معايا طيب على الأقل وقولي مالك، شاركني.
دقائق مِن الصمت الذي بدأ يخنـ.ـقها، وكأنه يُعا’ندها؛ أخرج زفيرة طويلة وعميقة وبدأ يسرد لها مخا’وفه التي أصبحت ترافقه في الآونة الأخيرة وكأنها تفر’ض حصو’نها عليه إجبا’رًا برغم مقا’ومته:
_معاد الجلسة قرّب، وأنا مكـ.ـركب أوي مِن جوّايا ومش عارف أتحرك، حا’دثة حصلتلي مرتين فسنة واحدة، ضـ.ـلمة عيشت فيها إجبا’ري وأنا كُنت بتحـ.ـبس جوّاها كُلّ يوم أكتر مِن اليوم اللي قابله، وفنفس الوقت أنا مش قادر أدوّر على محامي، قضـ.ـيتي مش سهلة ومحتاجة حد يكون عقر’ب عشان يعرف يسـ.ـلك فيها، فكّرت فـ “ديفيد” بس “مينا” قالي إنُه مسافر بقاله أسبوعين ولسّه قدامه شهر على ما يرجع، ولو لقيت المحامي دا هل هيقدر يرجعلي حقي وأزاي هيقدر يدرسها فالفترة القصيرة دي عشان يوم ما يتر’افع محسش إني بدخل جوّه السجـ.ـن دا أكتر.
أخرجت تنهيدة عميقة بعد أن عَلِمَت ما يُفكر فيه زوجها طيلة اليوم ولذلك جاوبته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_أنتَ إيه اللي فكرك بالموضوع دا دلوقتي طيب.
دام الصمت بعدها لبُرهةٍ مِن الوقت وهو يبحث عن إجابة مناسبة يقولها، لا يعلم لِمَ؛ فهكذا حدث معهُ وهو تقبّل ذلك، ولكن أطـ.ـرأ على عـ.ـقله سببًا رآه مقنعًا لنفسُه قبلها، ولم يبخـ.ـل بهِ عليها حينها، فقال:
_عشان يوم ما أبني ييجي عالدُنيا ميلاقيش أب جبا’ن ومضطـ.ـرب، بيخا’ف مِن الضـ.ـلمة، وبيكـ.ـره الفر’اق، وبيتر’عب مِن فكرة فر’اق الحبيب، عايز أحكيله إن أبوه شاف كتير أوي فالدُنيا، مكانش سهل عليه مو’ت أبوه، الضهر والسند اللي هيشـ.ـيلوك طول العُمر لحد ما تبقى را’جل، بعدها خذ’لان أمه لمَ شافت واحد غني ومرتاح أول ما أقترح عليها الجواز سا’بت عيالها وجريت معاه فالغُربة لحد ما قـ.ـلب واحد فيهم قسـ.ـي عليها والتاني برغم جر’حه كان بيحن، بعدها لمَ الدنيا إسو’دت فوشه ظهرت فحياته بنت خلّته يبدأ مِن أول وجديد ويحب الحياة على إيديها، ومع الوقت شاف حياته معاها ورسمها واستنى الوقت يعدي عشان يحققها..
ترقرق الدمع في عيناه بعد أن بدأ يفتح جر’احه التي تكاد شبه ملتئـ.ـمة، ليعود نز’يفها مجددًا؛ بينما مسحت هي برفقٍ على خصلا’ته وهي تُحاول كبـ.ـح عبراتها حتى لا تنجـ.ـرف خلفه ويخرج الأمر عن سيطـ.ـرتها، بينما أكمل “شهـاب” وهو يرى كيف كانت حياته مِن قبل بقوله:
_بعدها كُلّ حاجة إتغيَّرت فلحظة للأسو’أ، جه واحد فجأة خـ.ـطفها مِنُه، وبعدها حصل هجو’م وهو فشغله وكان الهدف أبوه، وفي اللي ضحـ.ـى عشانه بس كان مصيـ.ـره مكتوب ولازم يشوفه، وفلحظة أبوه مقدرش يقف قصاد الشـ.ـر لوحده وفلحظة خسـ.ـر أعز حاجة ربنا وهبه بيها، خسـ.ـر نو’ر عينيه وبقى عايش عا’لة على أخوه الصغير اللي ر’عاه وأهتم بيه وأستـ.ـحمله وهو مش مجبـ.ـر على كدا، وكان بيشوف نظرات اللي حواليه شـ.ـفقة لِيه، وفضل فالضـ.ـلمة سنة كاملة وحياته كُلّها وقفت، بعدها بـ ٨ شهور بدأت الحياة تديله أمل عشان يفضل جبـ.ـل ميتهـ.ـدش..
_والبنت اللي كان يتمنالها الرضا ترضى بدأت تفوق، وأستنته يرجع بس هو ميعرفش إنها قعدة مستنياه، ولو كانت تعرف شو’قه ليها بقى عامل أزاي وهو كُلّ ما ينام يحلم بيها كانت عملت المستحيـ.ـل عشان ترجعله، بس تد’ابير ربنا بتوصلنا لنقطة أحسن مِن اللي كُنا بنسعـ.ـى عشانها، وفيوم وليلة رجعوا لبعض وطلبت القرب مِنُه، وهو كان مستعد يقدملها كُلّ حاجة فلحظتها، بس أبوه كان جبا’ن ساعتها، عشان برغم حُبه ليها بصـ.ـره عجـ.ـزه ود’مّر فرحته، وخلّاه يشوف نفسُه نا’قص أو في حاجة تعيـ.ـبه، بس مكانش يعرف ساعتها إن عيلة أمه ناس أ’صيلة وبتفهم مشاعر غيرها، وأبوه أخيرًا بعد عذ’اب وو’جع وقـ.ـهر أتجوز البنت اللي مشافش غيرها وبيحبها أكتر ما بيحب نفسُه ووقتها مكانش بيشوفها ببصـ.ـره آه، بس بصيرته شافت كُلّ حاجة..
بسمةٌ خفيفة رُسمت فوق شفتيها وعيناها لا تُفا’رق وجهه، عبراتها تلمع في مُقلتيها ولكنها تأ’بى السقو’ط، ومشاعر جيّا’شة تدا’همها في تلك اللحظة تجعلها عا’جزةً أمامه وتنتظر سماع المزيد، حتى يهدأ هو وتتغنى هي بتلك الجلسة التي برغم آلا’مها تُشـ.ـفي، أكمل “شهـاب” وكأنه ير’فض فكرة الصمت تلك بأي طريقة، فقال:
عايزُه يعرف إن برغم العذ’اب اللي أبوه عاشه دا بس مكانش حابب يستسـ.ـلم قصاد الشـ.ـر ولا يسكُت عن حقه، وعا’فر لوحده كتير أوي بس هو معرفش ياخد حقه عشان بعد ما فرح وفكّر الدنيا خلاص ضحكتله رجع أتغد’ر بيه تاني، بس المرة دي كانت صـ.ـعبة أوي، عايزُه يعرف إن أبوه شاف المو’ت بعنيه ساعتها مرتين، وإنه كان ممكن يمو’ت بجد فأي لحظة، بس ربنا كبير ورحمته واسعة، دي مكانتش العدا’لة، العد’الة هتكون يوم ما اقف فوشه وأخد حقي اللي بعا’فر عشانه سنة وبصا’رع نفسي فالضـ.ـلمة عشان أوصله، صحيح أبوه بصـ.ـره رجعله بس حقه مرجعلهوش لسّه ومستنيه يرجعله حتى لو غا’ب ١٠٠ سنة..
_عايز أكمل الطريق بس خا’يف، خا’يف بعد كُلّ دا حقي ميرجعش، مش هقدر أقبل الفكرة دي لازم العدا’لة تتحقق بأي طريقة، لازم كُلّ واحد ياخد حقه، بس أخد الحق بالقا’نون، أنا بعا’فر عشان خاطره دلوقتي، عشان يعرف إن أبوه كان بطل بجد، شاف كتير أوي وعا’فر لحد آخر نَفَـ.ـس فيه، عايز أخـ.ـتمله حكايتي بإنتصا’ري فالآخر عالشـ.ـر، عشان لمَ يكبر ويحصل معاه موقف مشابه لدا مياخدش فكرة إن الشـ.ـر بيكسب، عايزُه لمَ يشوفني عيونه تلمع كأنه شاف بطل قدامه، لمَ يحكي لحد عني يحكي وهو فخور ورافع راسه ومبتسم، فكري كُلّه لِيه هو يا “مَرْيَم”، عايز أعمل حاجة تكون مؤ’ثرة فحياته ويفتكرني بيها على طول..
_أنا بحا’رب فحر’ب أستنز’فت طاقتي كُلّها، واللي بكمل بيه دا مجرّد فُتا’ت، بس أنا نفسي أخُد حقي مِن “جمال” واللي كانوا معاه، عايز أرتاح وأبدأ مِن جديد عشان لمَ ييجي أبني أكون أنا جاهز ومُـ ـهيئ إني أتعامل معاه وأبقى مطمن عليه حتى لو الدُنيا جَت عليه شوية هو قادر يقف تاني ويكمل.
جلست أمامه في تلك اللحظة وعيناها الدامعة لا تُفا’رق عيناه التي كانت يشوبها صر’اعاتٍ صامتة لا أحد يعلم عنها شيئًا سِوى صاحبها، ضمته إلى أحضانها وكأنها توا’سيه، أو تُكافئه على تلك الكلمات التي تركت إثرها على قلبها بتمهـ.ـلٍ، بينما عنهُ فكان ينتظر هذا العناق طويلًا، ضمها بقو’ةٍ وكأنه يؤكد لنفسُه صدق تلك اللحظة، وهو أكثر المحتاجين لها؛ فبرغم ما قاله مازال يشعُر أن هناك أحاديثًا لم تُقال بعد..
تركته يقول ما يُريد قوله، برغم قسو’ة كلماته على قلبها ولكنهُ كان يجب عليه قول ذلك، فهو لم يترك لها فرصة؛ بدأ حديثه وأنها’ه بتلك الكلمات المتمنية؛ وكأنها أحلامًا صـ.ـعب تحقيقها وإن كانت تخصه، مسحت “مَرْيَم” برفقٍ فوق ظهره محاولةً مواساته ومدا’واة جرو’حًا تر’فض هذا الشـ.ـفاء، وهى لا تتمنى في تلك اللحظة إلّا أن تراه سعيدًا ويعود بحقه مِن هذه الحر’ب منتـ.ـصرًا..
أراد أن يُكمل ويُخرج ما في جعبته، حتى تهدأ رأسه ويخف هذا الضـ.ـجيج، أكمل حديثه مُـ.ـلقيًا سؤاله عليها علّه يجد الجواب الذي يبحث عنه عندها:
_أنا د’ماغي مش ساكتة مِن الصبح وعمّال أفكّر، أجيب المحامي دا منين وأضمنه أزاي، خا’يف أوي مِن الحِتة دي ومش عارف أعمل إيه يا “مَرْيَم”؟.
فكّرت هي قليلًا مع نفسها وهي حقًا لا تعلم الجواب، فتلك الجلسة ستُحدث فارقًا كبيرًا في حياة زوجها إما للأفضل أو للأسو’أ، أستغفرت ربها وربَّتت فوق رأسه برفقٍ قائلة:
_هتتحل يا “شهـاب” إن شاء الله، هتتحل يا حبيبي متقـ.ـلقش.
شَعَر بالضـ.ـيق يتسـ.ـلل إلى صد’ره، كتسـ.ـلل الأ’فعى نحو فر’يستها، ولذلك نهض بهدوءٍ را’فعًا رأسه مِن على قدميها تحت نظراتها إليه، تترقب بصمتٍ ما يفعله وهي بالحق تشعُر بالخو’ف الشـ.ـديد عليه، أخذ كوبه وتركها وخرج إلى الشرفة، حيث بدأت نسمات الهواء العليل تضر’ب صفحة وجهه وكأنها تُربِّت فوق قلبٍ متها’لك..
في تلك اللحظة أخرجت “مَرْيَم” زفيرة عميقة وأخذت هاتفها تعـ.ـبث بهِ وهي تُفكر، فالأمر أصبح أكثر تعقـ.ـيدًا الآن وليس سهلًا خصيصًا عليه هو، بدأت تتصفح موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بهدوءٍ تتابع أخبار اليوم وما يحدث، وأثناء تصفحها صادفتها صفحة لأحد المحاماة، توقّفت أمامها قليلًا تقرأ أسمه وكأنه كنزًا وجاء لها على بساطٍ أحمدي، وكانت مـ.ـلكًا لـ “لؤي”، الصديق المخلص لـ “يوسـف” والذي يعمل محامٍ منذ سنواتٍ..
شملت صفحته ترى إن كان موثو’قٌ مِنْهُ، فإن ثبت ذلك فسيكون الغوث لزوجها في تلك اللحظات الصـ.ـعبة التي يمرّ بها، رأت أعدادًا مهولة تقوم بمتابعته وآلاف الأشخاص الذين استعانوا بهِ يمدحونه بعد أن ربح العديد مِن القضا’يا الصـ.ـعبة التي كانت مستحـ.ـيلة على غيره، لمعت عيناها بأملٍ جديد ورُسمت البسمةُ فوق شفتيها، وما جعلها تطمئن أكثر أنها رأت أولاد عمومتها يتابعونه ويُباركونه في كُلّ قـ.ـضية يربحها..
لم تنتظر أكثر بل نهضت وإتجهت إلى زوجها الذي كان غر’يقًا في بحو’ر أفكاره، وقفت بجانبه وقالت بنبرةٍ متحمـ.ـسة:
_لقيتلك محامي يا “شهـاب” وشكله ثقة، بُص كدا.
أنهت حديثها وهي تمدّ يَدها إليه بالهاتف، بينما نظر هو إلى هاتفها وأخذه مِنها ينظر إلى صفحة “لؤي” الذي كان لهُ تاريخًا مشرفًا في المحاماة منذ بداية مسيرته حتى تلك اللحظة، وصدقًا كأنه غوثه؛ وحينما لمح “ليل” يُتابعه لم يتردد خطـ.ـف هاتفه مِن فوق الطاولة وهاتفه سريعًا يتأكد مِنْهُ أولًا قبل أن يأخذ أي خطوة، لحظات وسمعه يُجيبه قائلًا:
_ابن حلا’ل واللهِ كُنت لسه هكلمك دلوقتي وأقولك لقيتلك محامي ثقة وبإذن الله بعد توفيق ربنا أولًا القضـ.ـية فجيبه.
نظر إلى “مَرْيَم” بطرف عينها وبدأ حد’سه يُنذ’ره بما هو قادم، سأله مترقبًا ردّه قائلًا:
_بجد؟ مين هو؟.
_”لؤي الدالي”، أعرفه شخصيًا ويبقى صاحب واحد صاحبي محامي عقر’ب يا “شهـاب” بمعنى الكلمة وأي محامي بيقف قصاده مبيسـ.ـلكش، داخل ضامن إن القـ.ـضية لصالحه.
حسنًا هو مَن كان يتوقعه، ولذلك أبتسم حينما رأى تدابير المولى وكيف لأمرًا مستحـ.ـيلًا يُصبح ممكنًا، جاوبه وهو ينظر إلى صورة “لؤي” قائلًا بنبرةٍ هادئة:
_أنا كُنت متصل بيك عشان أسألك عنُه، “مَرْيَم” شافت البيدج بتاعته صدفة وقالتلي، فلقيتك أصلًا عنده فقولت أشورك الأول لقيتك تعرفه، سبحان الله على الصدف بجد … طب إيه أتوكل على الله وعليه ولا أعمل إيه.
وصدقًا أعطاه “ليل” موافقته دون تفكير بقوله الجاد:
_آه طبعًا أنتَ لسّه هتسأل يابا الجلسة قربت دا يا دوب يلحق يدرسها، هبعتلك رقمه وأنتَ كلمه وأنا هديله خبر دلوقتي عشان يكون عارف إنك تبعنا وإن شاء الله منصو’ر يا صاحبي.
شكره “شهـاب” وأنهى المكالمة معهُ ونظر إلى “مَرْيَم” مبتسمًا وكأنه تبدّل في تلك اللحظات، عانقها وعاد يرى الأمل يلوح أمامه مِن جديد، فتمنى أن يكون “لؤي” المنقـ.ـذ لهُ بعد ربه وأن يأتي بحـ.ـقه ويُد’اوي جرو’ح الماضي الذي يأ’بى الإلتئا’م حتى تلك اللحظة.
___________________________
<“لم يكُن الشجا’ر تلك المرة عد’اوة.”>
داخل قصر آل دمنهوري..
لم تكُن الأصوات هذه المرة نابعةً عن شجا’رٍ حا’د نُشِـ.ـبَ بين طرفين أو أكثر، بل كان مزاحًا أعتادوا عليه وأصبح عادة يومية في حياتهم، و’قع صوت الركضات فوق الأرض، وأصوات ضحكات تعلو كُلّ لحظة وكأن الليلة هو عيدًا في قصر العائلة، وقف “مُعاذ” قرب طاولة الطعام ورفع يَده بقميصًا أسو’د اللو’ن قائلًا بنبرةٍ عا’لية:
_القميص دا قميص “حمـزة”، معروض النهاردة فالمزاد العالمي لسر’قة الهدوم، نسمي الله ونبدأ المزاد بـ أول ٢٠٠ جنيه ..!!.
وعلى مقربةٍ وقف صاحب القميص ينهـ.ـره بقوله الغا’ضب:
_٢٠٠ إيه يا ابو ٢٠٠ يا معفـ.ـن، دا مش أقل مِن ٧٠٠ جنيه.
صا’ح “مُعاذ” بأسلوبه الو’قح يرد عليه مِن بعيد قائلًا:
_٧٠٠ إيه يا ننوس عـ.ـين ماما، ليه قميص “نجيب ساويرس” وأنا معرفش ..!!.
جاوبه “قاسم” الذي كان يجلس فوق المقعد بالقربِ مِنهم قائلًا بنبرةٍ ساخرة:
_دا حتى “نجيب ساويرس” مبيلبسش قميص بـ ٧٠٠ جنيه، دا بالنسبة لُه عامل زي القميص أبو ٢٠٠ جنيه كدا، يعني لو هيلبس قميص مش هيقل عن ١٠٠٠، دا “نجيب ساويرس” يا جماعة أ’غنى ر’جُل أعمال.
وافقه “مُعاذ” القول وقال:
_بتفهم برضوا، والكوتش ميقلش عن ١٥٠٠، أكيد مش هيلبس مضرو’ب.
_ما أنا لابس مضرو’ب فالمستشفى بتغـ.ـلط ليه أنتَ دلوقتي؟.
أعترض “قاسم” في تلك اللحظة بعد أن أز’عجه قول “مُعاذ” الذي نظر إليه وقال متسائلًا:
_وأنتَ بتلبس مضرو’ب ليه؟ أزاي ابن “ليل الدمنهوري” يكون دكتور كبير فمستشفى خاصة بـ.ـنت ناس ويلبس كوتشي مضرو’ب؟.
جاوبه “قاسم” ساخرًا بقوله:
_يعني أبقى دكتور تنـ.ـك وسط باقي الدكاترة، وفالرايحة والجايَّة يقولوا الدكتور أبو ماركة راح الدكتور أبو ماركة جه؟ يا “مُعاذ” أسكوت أبوس إيدك أنا مرَّة بكشف على عيل صغير وكانت أول لابسة للبالطو الجديد الو’اد جاي أكشف عليه وأشوف ز’وره كويس ولا في جر’ح لقيته خا’يف مِن حتت الخـ.ـشبة اللي هثبت بيها لسا’نه وأفتكرها حـ.ـقنة متنـ.ـكرة تقريبًا عشان أمه خو’فته قبلها وقالتله هخلّي الدكتور يديك حـ.ـقنة فلسا’نك عشان كان شـ.ـقي روحت د’افع أنا تمن البؤين دول وراح موّ’قع عليّا ا’زازة المُطهـ.ـر والمُطهـ.ـر كان شـ.ـديد شوية وبا’ظ البالطو … أروح أنا بقى لابس كوتشي ماركة عشان أرضيك ..!!.
جاوبه “حمزة” في تلك اللحظة مؤيدًا حديثه بقوله:
_بتفهم يا’ض برضوا، عندك حق متمشيش ورا الوا’د اللي شبه البيـ.ـضة دا.
نظر إليه “مُعاذ” بعد أن صدمه حديث عمّه وردّ عليه قائلًا بأسلوبه الو’قح:
_ولمَ أ’قل أد’بي بقى بترجعوا تز’علوا وتقولوا أصل “مُعاذ” اللي بدأ الأول، أصل “مُعاذ” مشافش ربا’ية أومال قـ.ـلة الأد’ب اللي بتتقال فحقي دي مين هيحاسب عليها يعني؟ أنا بقالي ٧ سنين بتعا’قب وأنتَ بتخرج مِنها زي الشبـ.ـح.
أبتسم “حمزة” وشـ.ـد عو’ده قائلًا بنبرةٍ مغرو’رة:
_عشان أنا بابا الشغلانة يا’ض، سهل تدخل المجا’ل بس صـ.ـعب تبقى زيي.
نظر إليه “قاسم” مبتسمًا وأحب مشاكسته بقوله:
_كمل جميلك بقى وشغـ ـبط عالكلام عشان معملش معاك التمام … الأسلوب أسلوب بلطـ.ـجية بس الهيئة هيئة ولاد ناس للأسف فالموضوع مش راكب معاك صح.
تدخّل “مُعاذ” في تلك اللحظة بعد أن أحب المشاركة معهم بقوله:
_لا لو على البلطـ.ـجة فأنا ممكن أبقى بلطـ.ـجي دلوقتي عادي سواء كلبس أو أسلوب، هتظبط معايا أوي وهحـ.ـط عليك يا اللي فبالي.
_لمَ يحضر الملك الخد’م تسكوت يا شوية عيال، وسّع لبابا المجال.
ألتفتوا ثلاثتهم ينظرون إلى صاحب الصوت الذي إختر’ق هذا المجلس فجأةً وقطـ.ـع مشا’جرة كادت تنشُـ.ـب بينهم، كان الوافد الجديد لهذا المجلس هو “سامح” الذي أصبح آخرًا لا يعلمونه في تلك اللحظة، ملابسه لا تدُل على شخصيته ولا مكانته في المجتمع، كان الشخص الذي يتشا’جران عليه قبل لحظات..
حضر “ليل” الحفيد في تلك اللحظة بعد أن رأى هذا التجمع الغريب لمرته الأولى، نظر إلى “سامح” مِن الخلف غير مصدقٍ ما يراه أمامه، ولذلك تقدّم مِنْهُ وعيناه لا تُفا’رقه، وحينما رآه صُدِ’مَ بلا شـ.ـك وظهر ذلك على معالم وجهه ونظرته لهُ:
_جدي “سامح”؟ إيه اللي عاملُه فنفسك دا، إيه يا عمّ دا في إيه.
نظر لهُ “سامح” مبتسمًا وقال بنبرةٍ هادئة متسائلًا:
_إيه رأيك فيّا وأنا عامل بلطـ.ـجي؟.
نظر إليه “ليل” وقال ضاحكًا:
_بلطـ.ـجي إيه بس يا جدي وحد الله، وبعدين شغلانة البلطـ.ـجي دي تخصص واحد أعرفه، أينعم شكله يبان إبن ناس بس هو لايق عليه نظام البلطـ.ـجة دا، إنما أنتَ لأ يا حبيبي.
ضحك “مُعاذ” الذي بالطبع كان شا’متًا في عمّه بعد أن سمع حديث حفيد أخيه وقال متشـ.ـفيًا:
_أحسن، أقسم بالله أنتَ را’جل فهمان، عشان أقولهم كدا مش مقتنعين وشايفيني غير’ان، ميعرفوش إني بعمل كدا لمصلحتهم.
نظر إليه “حمزة” وردّ عليه بنبرةٍ مغتا’ظة بقوله:
_يا عمّ إكـ.ـتم شوية بقى بدل ما أصوّر قتيـ.ـل دلوقتي.
ولأنه لا يقبل الخسا’رة رفع يَده بالقميص مجددًا وهزّ كتفيه بخفةٍ مبتعدًا إلى الخلف وبدأ يُدندن قائلًا:
_قميصك بيضيـ.ـع، يا عمّ “وديع”، قميصك بيضيـ.ـع، يا عمّ “وديع”.
إغتا’ظ “حمزة” كثيرًا ولذلك تركهم وركض خلفه متو’عدًا إليه، بينما ركض “مُعاذ” مبتعدًا وهو يصر’خ بعلو صوته في أنحاء القصر قائلًا:
_والله يا “حمزة” لو قرّبت مِني لاحر’قهولك وأحولهولك لر’ماد، مش هسكوتلك تاني مِن النهاردة خلاص يا أنا يا أنتَ بعد كدا ..!!.
ضحك “ليل” الذي جاور “قاسم” في جلسته ووضع قدمٍ فوق أخرى قائلًا:
_أمو’ت فيهم لمَ يقـ.ـلبوا توم وچيري مرَّة واحدة.
نظر إليه “قاسم” مبتسمًا وقال بنبرةٍ ما’كرة:
_مش سهل برضوا يا ابن أختي.
أقترب مِنْهُ “ليل” في جلسته ملـ.ـتصقًا بهِ وهو يعـ.ـبث في هاتفه قائلًا:
_تعالى أوريك شوية ريلز جمعتهوملك مخصوص عشان أنتَ شا’يل مِني ومبـ.ـلكني بدون سبب معرفش ليه.
نظر لهُ “قاسم” وقال ساخرًا:
_أعملي فيها البر’يء بقى يا ملا’ك، بقى ياض تبعتلي ريلز وتقولي حلو شوفه وأفتحه وأنا جنب “تيسير” ومديك الأ’مان ألاقيك باعتلي مسدج تقولي في واحدة عينها مِنك خلّيتها تفتكرني بخو’نها ورا’جل عينه ز’ايغة وبعد ما قطـ.ـعت فيّا ألاقيك بتستظرف يا رو’ح أمك وتقولي بنتي “رودينا”، دا الحمدلله إني مقولتلكش كلمة عيـ.ـب واللهِ.
ضحك “ليل” بعد أن تذكّر هذا اليوم ولذلك مازحه بقوله:
_إيه يا عمّ كُنت بختبرك ساعتها، قولت أتطمن على مرات خالي برضوا وأشوف خالي عينه بتشوف غيرها ولا ماشي ألِف، بس طلعت سـ.ـليم وما’لية عينك وقلبك كمان، وبعدين لمَ أبعتلك على جروب العيلة ترد على مسدجاتي متهمـ.ـشنيش بدل ما أدخل لخالتي “تيسير” أقولها جوزك بيتفرج على فيديوهات للكبا’ر فقط وساعتها مش هتكون إلّا سو’اد حرفيًا وقابلني لو عرفت تثبـ.ـت برا’ءتك.
نظر إليه “قاسم” نظرةٍ حا’دة بعد أن أستفـ.ـزه حديث ابن شقيقته ولذلك رد عليه بنبرةٍ حا’دة بقوله:
_أعملها لو قـ.ـلبك جايبك يا “ليل” وأنا هخر’بهالك عالآخر وهروح أقول لبنت اخويا إنك شغّال مع واحدة جا’مدة ومداري الموضوع وكُلّ حاجة معايا صوت وصورة وهوريها كمان لمَ كانت واقفة معاك لوحدكم بتتكلم معاك وفلحظة ضحكتوا ونشوف بقى يا حبيبي “كيرة” ونشوف “روزي” ولو را’جل إنكـ.ـر.
ر’ماه “ليل” نظرةٍ نارية بعد أن أستمع إلى حديث خاله الذي أمسك د’ليلًا ضـ.ـده وجلس بأ’ريحية ينظر إليه بمكـ.ـرٍ، صـ.ـق “ليل” على أسنا’نه وقال:
_بتسا’ومني يا “قاسم”، طب إيه قولك بقى إن “روزي” على علم عشان أنا مبخبيـ.ـش عنها حاجة خالص وقولتلها إنها وقفت معايا عشان كُنا بنتكلم فالشغل وبعدين ضحكنا عادي على موقف حصل وخلصت، وعشان أريّحك أكتر “روزي” حبيبتي بتثق فيّا وعارفة إني مبشوفش غيرها فبراحتك بقى أنا اللي ما’سكك دلوقتي مِن إيدك اللي بتو’جعك.
_تصدق وتؤمن بالله، أنا شكلي هرّ’مل مراتك وهـ.ـيتم عيالك دلوقتي يا ابن المستفـ.ـزة يا خر’ابة ..!!.
أنهى “قاسم” حديثه وإنقـ.ـض عليه كالمفتر’س ممسكًا بعـ.ـنقه بعد أن طر’حه فوق الأريكة وأصبح هو يعلـ.ـوه، بينما لم يفعل “ليل” شيئًا سِوى أنَّهُ بدأ يضحك حينما حقق مُراده واستطاع إشعا’ل غضـ.ـب خاله بسهولة، وبلحظة أبعده “ليل” عنهُ ونهض ها’ربًا مِن “قاسم” الذي لَحِقَ بهِ متو’عدًا لهُ بالجحـ.ـيم.
___________________________
<“لحظة ترقبٍ متو’ترة على قلبٍ نا’زف.”>
قُبيل المغرب جلس “شهـاب” أمام “لؤي” الذي حضر بعد إتصالٍ مِن “ليل” وجلسة بينه وبين “يوسـف” الذي أوصى عليه بأن يبذُ’ل قصا’رى جهـ.ـده معه حتى يربح قضـ.ـيته ويعود منتصـ.ـرًا مِن حر’به، تحدث “شهـاب” بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_منوّر، أكيد عرفت أنا مين، “ليل” أصله مبيتوصاش.
أبتسم “لؤي” لهُ وقال بنبرةٍ ممازحة:
_جايلي توصية عليك جا’مدة أوي بصراحة، حبايبك كتير اللهم بارك.
سأله “شهـاب” قبل أن تبدأ جلستهم المطولة قائلًا:
_طب قولي الأول تشرب إيه، قعدتنا مطولة شوية لو مش هعـ.ـطلك يعني.
جاوبه “لؤي” بنبرةٍ هادئة بقوله:
_لا لو كدا فخليها قهوة بقى عشان أبقى فا’يقلك.
_طب ثواني وراجعلك تاني.
تركه “شهـاب” وولج إلى زوجته التي تجلس في غرفتهما، بينما نظر “لؤي” إلى هاتفه ليرى رسالة مِن رفيقه “يوسـف” الذي كان يطمئن عليه، ولذلك رد عليه مبتسمًا ثمّ تركه ونظر إلى “شهـاب” الذي عاد مجددًا وجلس مكانه قائلًا:
_مستعد تسمع بقى حكايتي، بس لعلمك يعني أنا حكايتي معقـ.ـدة شوية.
أبتسم “لؤي” وقال ممازحًا إياه:
_يا عمّ أحكي ما دي شُغلتي أساسًا، أبدأ وأنا معاك للآخر وبعون الله مش هسيبك غير وأنتَ كسبان القضـ.ـية دي مهمًا كانت إيه هي، يا عمهم أنا مسميني عقر’ب اللي بيقف قصادي فالمحكـ.ـمة بييجي قبل نص الجلسة وبيعطـ.ـل.
_دا أنتَ جا’مد أوي بقى فعلًا.
هكذا مازحه “شهـاب” بقوله ليرد عليه “لؤي” مبتسمًا بقوله:
_جرّبني وبإذن الله مش هتند’م، طالما وعدتك يبقى أنا قد الوعد، أحكيلي بس كُلّ حاجة حتى لو شايفها مش مُـ.ـهمة لأن أنا التفاصيل الصغيرة دي بتفر’ق معايا أوي وبتخلّيني أمسك خيو’ط تانية كتير.
أخرج “شهـاب” زفيرة طويلة هادئة ثمّ أفتتح الجلسة بينهما بقوله:
_مبدئيًا في عد’اوة بيني وبين واحد كان شغّال معانا فالقو’ات العسكـ.ـرية قبل ما يخو’ن قسمه ويقف ضـ.ـدنا أسمه “جمال السيد”، هو حاليًا تبع جماعة إرها’بية ويُعتبر ر’ئيسهم الأول، هما مقسـ.ـمين نفسهم مجموعتين، مِن سنة حصل هجو’م قُرب كـ.ـمين على الطريق الصحر’اوي كان على بُعد ٣ كيلومتر أنا كُنت المستهد’ف ساعتها ومكانش معايا إلّا ٢ صحابي “علي” و “مينا”، ومكانش فيه د’عم ساعتها كافي فعُقبال ما يطلبوا د’عم ويبلـ.ـغوا الكـ.ـمين هياخدوا وقت، المهم أنا إتها’جمت فعلًا وكان مِنُه هو واللي معاه، مسابونيش غير وأنا سا’يح فد’مي عالأرض وواخد خبـ.ـطة فد’ماغي، لمَ فوقت لقيت ضلـ.ـمة فوشي، مش شايف غير ضـ.ـلمة، وقتها عرفت إني إ’تعميت أينعم كانت صـ.ـعبة بس حمدت ربنا فالآخر أصل دا قضاء وقدر وربنا عايز كدا..
_قعدت سنة كاملة كدا، مبشو’فش وحياتي و’قفت، أتو’قفت عن العمل طبعًا وبقت حياتي فضـ ـلمة بين ٤ حيـ.ـطان وخسـ.ـرت كتير ساعتها بس ربنا إداني صبر أنا مكُنتش متوقعه بصراحة، بس فخلال السنة دي الرا’جل دا مسكتش برضوا وها’جم “ليل”، وبدأ يسا’ومه ويسر’ق شقته حتى إنُه و’لّع فيها قبل كدا، وبعدها أستمر الوضع دا فترة، بعد سنة رجع خد’عني، كلمني بصوت “مينا” صاحبي وإتفق معايا إننا نتقابل ونقعد شوية بحُـ.ـكم إنُه كان مخنو’ق ساعتها بسبب شوية مشا’كل بتاعت قبل الجواز دي، وأنا مشيت عشان أقابله ومعرفش إنُه “جمال”، خدني فصحر’ا عشان محدش يحس بأي حاجة..
_أتأكدت ساعتها إنُه مر’يض نفسي، مش طبيعي كم الشـ.ـر اللي جوّاه دا، وغد’ر بيّا تاني هو بيسعى لمو’تي بس مش عارف، لدرجة إنُه غـ.ـزني بالمطو’ة وصـ.ـعقني مرتين وضر’بني بشو’مة على راسي عشان يتأكد المرة دي إني خلاص مـ.ـيت بجد مش هقوم مِنها وحصل فعلًا، قـ.ـلبي وقف مرتين وهما بيحاولوا يسعـ.ـفوني، وقتها “أحمـد” صاحبي قدر يوصلي ولحـ.ـقوني، بس أحلى حاجة يا “لؤي” حصلت وعايز أشكره عليها إني رجعت أشو’ف تاني، آه ربنا عايز كدا طبعًا بس هو كان سبب فدا، طبعًا بعدها “مينا” صاحبي لبسها وأتسـ.ـحبت رُ’تبته وأتحـ.ـبس عشان المكالمة بصوته..
قطـ.ـعه في تلك اللحظة “لؤي” الذي قال بنبرةٍ هادئة:
_بس المكالمة فيـ.ـك أساسًا، هو معلهوش حاجة تحبـ.ـسه.
جاوبه “شهـاب” بنبرةٍ هادئة بقوله:
_ما هما كشـ.ـفوا فعلًا وأكتشفوا إنها مفبر’كة وظهر صوته الحـ.ـقيقي، “مينا” خرج مِنها وأول حاجة عملها جه المستشفى زارني وأتطمن عليّا، وقتها قلبي و’جعني أوي لمَ شوفته متبهـ.ـدل بالمنظر دا، قررت إني مش ههدى غير لمَ أشوفه متعذ’ب قدامي زي ما عمل فيّا، وأتقبـ.ـض عليه على طول ومحبو’س لحد دلوقتي.
سأله “لؤي” في تلك اللحظة بنبرةٍ هادئة بعد أن بدأ يتفاعل معهُ بقوله:
_طب هي الجلسة دي أمتى؟.
جاوبه “شهـاب” بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_يوم ٩ الشهر الجاي، يعني فاضل ١٩ يوم.
فكّر “لؤي” قليلًا بينه وبين نفسُه، فمنذ بداية الجلسة وشَعَر أن تلك القضـ.ـية ستكون ثقـ.ـيلة وليست سهلة كسابقها، ولذلك يلز’مها بذ’ل الكثير مِن الجهـ.ـد في تلك الفترة القصيرة، نظر إليه وقال بنبرةٍ هادئة:
_كدا عشان نثـ.ـبت الكلام دا محتاجين أد’لة كتير، أولهم تقرير طبـ.ـي فأول مرة حصلتلك الحا’دثة يـ.ـثبت إنك فقـ.ـدت بصـ.ـرك وقتها وتعرّ’ضت للعـ.ـنف، وقصة سر’قة أوراق شغل مِن شقة “ليل” فعدم وجوده دي برضوا سهلة، كاميرات المر’اقبة تقدر تـ.ـثبت الكلام دا لو لسّه محتفظة بالتسجيـ.ـلات، حكاية الحا’دثة التانية دي برضوا لاز’ملها شغل، فيها أول د’ليل مثـ.ـبت فالنيا’بة بتاع المكالمة الفيـ.ـك، بعدها رصد مو’قع الجر’يمة، وتقرير طـ.ـبي تاني يـ.ـثبت عدد الطـ.ـعنات والصـ.ـعقات اللي خدتها وضر’بة الر’اس اللي عملت إنعكا’س ورجعتلك بصـ.ـرك تاني، مع إثبا’تات ضـ.ـده زي تسر’يب معلومات سـ.ـرية فالفرقة وتر’بصه لعدد مُعيّن مِن زمايله.
تحدث “شهـاب” بعد أن تذكّر أمر حا’دث رفيقه الآخر بقوله:
_آه صحيح، في جر’يمة تانية بس هو طرف أساسي فيها، في مجموعة تانية مِنهم عملوا مِن ييجي شهر هجو’م على الكومباوند اللي “حُذيفة” و “ليل” قعدين فيه وأستهد’فوا “حُذيفة” برصا’صة فنُص ضهـ.ـره ولمَ حصل دو’شة و “ليل” خرج عشان يلحـ.ـقه خد هو كمان رصا’صة فالكتف، وحالة “حُذيفة” كانت خطـ.ـر والعملية قعدت ساعات لأن موقع الرصا’صة كان جنب العمو’د الفقـ.ـري وأي حركة هتضـ.ـيعه طبعًا، دول بقى أتقبـ.ـض عليهم فساعتها وطلعوا تبع عصا’بة “جمال” ور’ئيسهم طبعًا مش سـ.ـهل ولحد دلوقتي محبو’سين وفاكرين إنهم هيخرجوا مِنها زي كُلّ مرَّة، هل دي كمان تقدر تطلع مِنها بد’ليل؟.
جاوبه “لؤي” في تلك اللحظة بنبرةٍ هادئة بقوله:
_آه طبعًا نقدر، فكُلّ بلو’ك فالكومباوند وعلى كُلّ عمارة فيه كاميرا مر’اقبة يعني مِن وقت دخولهم لحد وصولهم للمكان دا نقدر نثـ.ـبت، كمان التقرير الطـ.ـبي هيساعد وعشان أطمنك بكُلّ الأد’لة دي هو لا’بسها وش دا كُلّ قضـ.ـية مِن دول فيها سنين، أنا بإذن الله بُكرة الصبح هعدي عليك أخدك ونبدأ نجمّع فالأد’لة دي عشان نكسب وقت وأنا أقعد أدرسها مع نفسي لحد وقت الجلسة، ومتقـ.ـلقش، بعون الله منصو’ر إن شاء الله كُلّنا جنبك وأنا أولهم.
أبتسم لهُ “شهـاب” الذي مدّ يَده وربَّت فوق قدمه برفقٍ وكأنه يؤكد لهُ ثقته بهِ، تحدث بنبرةٍ هادئة بقوله:
_وأنا واثق فيك بعد ربنا سُبحانه وتعالى، ومعاك فأي حاجة هتطلبها مِني ومتقلـ.ـقش أتعا’بك محفوظة.
نظر إليه “لؤي” نظرةٍ ذات معنى وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنا مش هاخد مِنك جنيه واحد، أنا متر’بي عالجد’عنة، وسط ناس عيونهم شبعا’نة وقلوبهم طيبة وبيقفوا جنب أي حد عاوز مساعدة مِن غير ما يستنوا مقابل، وأنتَ تبع الغا’لي عـ.ـيب أوي لو خدت مِنك جنيه، وبعدين يا عمّ أنا أعتبرتك أخويا مِن أول القعدة أنتَ بكلامك دا لسّه معتبرني غريب.
نفـ.ـى “شهـاب” قوله في نفس اللحظة حينما قال بنبرةٍ مـ.ـتلهفة:
_لا يا عمّ متقولش كدا بس بقى دا أسمه كلام، وبعدين برضوا دا فالآخر شغلك.
رد عليه “لؤي” في تلك اللحظة بنبرةٍ هادئة بقوله:
_يا عمّ وعشان هو شغلي أنا عارف أنا بقولك إيه، خلّيها لوقتها يا صاحبي.
خرجت “مَرْيَم” في تلك اللحظة بعد أن وضعت خمارها فوق رأسها وبين يَديها صينية معد’نية يعلـ.ـوها فنجانين مِن القهوة، أ’لقت السلام على “لؤي” الذي أبتسم بسمة هادئة لها وشكرها، أخذ “شهـاب” الصينية مِنها ووضعها فوق الطاولة أمامه ومازحها بقوله:
_إيه يا سِـ.ـتي أنتِ جايَّة بعد ما خلصنا كلامنا.
قهقه “لؤي” بخفةٍ وقال لهُ بنبرةٍ هادئة:
_يا عمّ طب قولها شكرًا ليه تحر’جها كدا، طب تعرف لو مراتي كانت مكانها وأنا مكانك كانت ردت عليّا عادي.
نظر لهُ “شهـاب” مذهولًا ليؤكد لهُ “لؤي” قوله:
_آه واللهِ، أصل أنا ومراتي واخدين على بعض حبتين فممكن نتخا’نق قدام صحابنا عادي ونجيب بعض مِن الشعـ.ـر عادي، دي طريقة التفاهم بينا تعالى أنتَ مع الرجا’لة يوم فالحارة عندنا وأنتَ تحكـ.ـم بنفسك، وأهو المدام تتعرف على مراتي الكيوت وباقي البنا’ت ويبقوا صحاب، بس خلّي بالك لأن حر’يمنا عاملين حز’ب ضـ.ـدنا لحسن مراتك تنضم ليهم أنا مش مسؤ’ول.
ضحك “شهـاب” على حديثه وقد شاركته “مَرْيَم” بإبتسامة هادئة، بينما تحدث “شهـاب” وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_ماشي يا عمّ، قريب إن شاء الله ونتعرف على المدام ونشوف إذا كان كلامك صح ولا أنتَ بتتبـ.ـل عليها.
ضحك “لؤي” بعد أن أستمع إلى حديثه وشاركه بعدها شرب القهوة وهما يتبادلان أطراف الحديث سويًا بإندماجٍ واضح، وكأنهما صديقين يعرفان بعضهما منذ سنواتٍ طويلة، فتلك كانت علا’قة الرجا’ل ببعضهم، لا يخجـ.ـلون مِن أيُ شيءٍ؛ وهذه هي صفاتهم المعروفين بها أمام الجميع، وبرغم ذلك كان “لؤي” غوثًا لهذا الطيب الذي د’هسته قسو’ة الحياة ولم تشـ.ـفق عليه، وجاء حتى يكون عونًا لهُ، فلن تخـ.ـلو يَده بيَد الشخص الذي لُقب بالناجي.
