![]() |
رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل الخامس والتسعون بقلم بيسو وليد
كأنّ الليلَ سَجادةُ وُدٍّ بسطها الغياب،
وكأنّ الأرواحَ تتلاقى في حضرةِ الذِّكر،
لا في حضورِ الأجساد،
لم يغيبوا … بل صعدوا فينا،
صاروا دعاءً خفيًا على طرفِ اللسان،
وصوتًا ناعمًا في خلواتِ الفجر،
أنا لا أشتاقهم … بل أتطهّر بذكراهم،
أستأنسُ ببقاياهم كما يستأنس الوليُّ بنداءٍ من السماء،
هم نسيمٌ مرّ على قلبي ففاح،
ووجعٌ رقَّ فصار رجاء،
كأنّهم لم يرحلوا، بل تَخفَّفوا مِن ثقلِ الدنيا،
وتركوني أتعلم أنَّ الحنينَ، إن صَفَا، يصبح عبادة.
_ارتجال.
________________________________
لكُلّ مقامٍ مقال؛ ولكُلّ شيءٍ كفتينِ، لم يكُن الأمر سهلًا على مَن تذوَّقوا مُـ.ـر الحياة، أولئك الذين كانوا يقفون ليلًا في الطقس البا’رد لم يكونوا سِوى أبطالًا، ومَن كان عا’لةً على والديه فهو ليس إلّا جبا’نًا، في قصص الأطفال البطل واحد، والعد’و ألف؛ فلم يقتصر الأمر على ذلك، فإن أردت معرفة كيف أصبح الطرفين أعد’اءً فما عليك سِوى أن تعلم أصل الرواية، فليس كُلّ بطلٍ يستحق الدعم والإشادة، وليس كُلّ عد’وٍ مكا’رًا … ففي الأخير ستكون أنت الضحـ.ـية لألاعـ.ـيبهما..
<“وسيلة جديدة لمخـ.ـطط شيطا’ني.”>
الهدف لا يأتي مِن فراغٍ فلاعب كرة القدم يجب أن يكون مهاريًا ليعلم كيف سيصنع هدفه والوصول إلى الشبكية، وهكذا كانت تلك الما’كرة، التي لا تعلم شيئًا عن الو’فاء ولا الحفاظ على معاشـ.ـرة الأحِباء، ولم يكون الأمر إلّا وسيلة جديدة لتنفيـ.ـذ مخـ.ـطط شيطا’ني آخر تجاه تلك العائلة..
في باكورة هذا الصباح..
كانت نسمات الهواء العليل تد’اعب الستائر الحر’يرية، ود’فء شمس هذا اليوم يُنشـ.ـر في أنحاء المكان، سكونٌ غريب لم يُكسـ.ـر إلّا بصوت زقزقة العصافير على نوافذ هذا القصر العريق، رائحة الأ’مان تفوح في أرجاءه، ود’فء العائلة في كُلّ زاوية في هذا القصر، ولكن لا تُخد’ع بتلك المظاهر الخلابة، فخلف هذا الجمال أ’فعى سا’مة تتسـ.ـلل في أروقة القصر تستعد للد’غ فر’يستها..
كانت إحدى الخادمات تقف في المطبخ منذ باكورة الصباح، بعد أن استيقظت قبل جميع الخادمات حتى تنفـ.ـذ خطتها الشنـ.ـعاء بحق رو’حٍ بر’يئة لا تعلم أن الغد’ر يتسـ.ـلل نحوها كالذ’ئب الجا’ئع، أعدّت الفطور لفردين؛ وبكوبًا مِنهما وضعت حـ.ـبة صغيرة بيـ.ـضاء اللو’ن وقامت بإذ’ابتها جيدًا في العصير قبل أن يراها أحدهم وعيناها تر’صدان المكان مِن حولها كالصقـ.ـر..
لحظات وسمعت و’قع أقدام على الأرضية تقترب مِنها، ولذلك أنهت سريعًا ما تفعله وإتدعت أنها مندمجةً بغسل الصحون حتى لا يتم الشـ.ـك بها، ألتفتت تنظر خلفها خلسةً لترى “أحمد” يقترب وتجاوره “مسك” التي كانت تتحدث معهُ بأمرٍ ما تجهـ.ـله هي، أشاحت بنظرها بعيدًا عنهما حتى لا تلفت الأنظار لها، بينما تحدث “أحمد” بنبرةٍ جادة وهو ينظر إلى زوجته قائلًا:
_”مسك” أنا خلاص جبت أخري، يمين بالله حرف كمان فالموضوع دا تاني وهتلاقي مِني رد ميعجبكيش، أنا مش هشوف الغـ.ـلط بعنيا وهسكت عنُه.
بدأ تناول فطوره حتى يستعد للذهاب إلى هذا الإجتماع الذي أعدّه جده لمناقشة ما سيحدث بشأن الهجو’م الذي سيشـ.ـنونه على أعد’اءهم لرد حقوق أصدقائهم، بينما نظرت إليه “مسك” وهي لا تُصدق بأن تلك الكلمات موجّهةٌ لها هي، فتلك المرة هي الأولى التي تراه يتحدث فيها هكذا وخصيصًا معها، تحدثت بنبرةٍ مستنكرة أسلوبه بقولها:
_”أحمد” هو أنتَ بجد بتكلمني أنا بالأسلوب دا؟ وبعدين فين الغـ.ـلط فالموضوع دا طفل يا “أحمد” ووارد يغـ.ـلط عادي وإحنا نفهمه الصح مِن الغـ.ـلط عشان دا دورنا، إنما تصرفك دا مش صح.
نظر إليها “أحمد” بعد أن أشتـ.ـعلت فتـ.ـيلة غضبه في تلك اللحظة وتحدث بنبرةٍ ح’ادة وهو يرشقها بنظراته الغا’ضبة بقوله:
_آه حضرتك بتبـ.ـرريله يعني ولا إيه عشان أبقى فاهم بس، عشان لو أنتِ بتبـ.ـرري غـ.ـلط أبنك تبقي أتجـ.ـننتي، أنا ألف مرَّة مـ.ـنبه أي حاجة تخصني وليها علا’قة بشغلي محدش يقرّبلها وخصوصًا “سديم” عشان أنتِ عارفاه شـ.ـقي وبيحب يشوف كُلّ حاجة، عايزاني لمَ ألاقيه مبو’ظلي ورق شغلي اللي يخص قـ.ـضية “شهـاب” أخده فحضني وأطبطب عليه؟ ما تعـ.ـقلي يا “مسك” بقى وفوقي، هي مش نا’قصة حر’قة د’م عالصبح.
تنغض جبين “مسك” التي كانت تنظر إليه نظرةٍ غا’ضبة لا تُصدق ما تراه وتسمعه، وكأنه تم تبديله بآخرٍ لا تعلمه هي، ولذلك حينما تذكّرت بكاء صغيرها حينما قام بضر’به لأول مرَّة لم تستطع تما’لُك نفسها ولذلك ردّت عليه بنبرةٍ حا’دة قائلة:
_لا بقى معلش دا مش مِن الشارع ولا أنا اللي أتعامل بالطريقة دي ولا كأني قتـ.ـلالك قتيـ.ـل، قولتلك مش هو وهو قالك ١٠٠ مرَّة يا بابا مش أنا وأنتَ مصمم إن هو اللي بوّ’ظلك ورق شغلك، أنا أبني مبيكد’بش وحتى لو عمل كدا هيخا’ف يقولك … أنتَ مشوفتش منظرك كان عامل أزاي ..!!.
رشـ.ـقها بنظرةٍ نا’رية بعد أن أخرجت الو’حش الكامن مِن داخله وقال بنبرةٍ حا’دة:
_طب أسكتي بدل ما أكمـ.ـل عليكي أنتِ كمان دلوقتي، أسكتي ..!!.
ولج “عبدالرحمن” بعد أن أستمع إلى صوتهما الذي بدأ يعلو تدريجيًا بعد أن إتخذا الشجا’ر طريقًا، نظر إلى “أحمد” الذي يكاد يأ’كل أبنته بنظرته ثمّ نظر إليها مستمعًا قولها الغا’ضب:
_ما كفاية بقى هو كُلّ يوم خنا’قة شكل دي مبقتش عيشة يا أخي ..!!.
وقبل أن يشتـ.ـد الأمر سو’ءً بيهما خصيصًا أن كلاهما يُعا’ند الآخر ولج يفصـ.ـل بينهما بقوله:
_بس أنتوا الاتنين في إيه عالصبح.
أشار “أحمد” إلى “مسك” وصدره يعلو ويهبط بعنـ.ـفٍ بسبب تصا’عد غـ.ـضبه لذ’روته وأ’لقى بتحذ’يره الصا’رم عليها بقوله:
_إ’خفي مِن وشي عشان كلمة كمان زيادة وهتشوفي اللي عُمرك ما شوفتيه يا “مسك”، أنا عفا’ريت الدُنيا بتتنـ.ـطط فوشي دلوقتي.
وقف “عبدالرحمن” أمامه ير’دع أي ردٍ عـ.ـنيف قد يصدر مِنْهُ تجاه أبنته التي حتى تلك اللحظة لا تُصدق ما تسمعه وتراه فبالتأكيد قد فقـ.ـد عقله، ألتفت لها مشيرًا إليها بقوله الجاد:
_روحي على أوضتك ومتتكلميش معاه دلوقتي خالص يلَّا.
شعرت بغصـ.ـة مـ.ـريرة في قلبها بعد أن رأت وجهًا آخر لا يمـ.ـس لزوجها بصلة، وكأنه بليلةٍ وضـ.ـحاها تم تبديله بآخرٍ هي لا تعرفه، فحتى الآن لا تُصدق ما يحدث، لمعت عيناها وهي تنظر إلى “أحمد” الذي أشاح برأسه بعيدًا وهو يُحاول السيطـ.ـرة على نفسُه، وبلحظة تركت المكان وخرجت بخطى سريعة وعبراتها السا’خنة تحر’ق وجهها، ألتفت “عبدالرحمن” ينظر إلى “أحمد” وقال بنبرةٍ هادئة مربتًا فوق ظهره:
_وحد الله وصلِّ عالنبي يا “أحمد”، مش كدا يا أخي في إيه عالصبح، والصبح إذا تنفس؛ إحنا لسّه بنقول يا هادي مالك.
ألتزم “أحمد” الصمت محاولًا تما’لُك نفسُه دون أن يُجيب على حماه، شاعرًا بحـ.ـرارة جسـ.ـده ترتفع بشكلٍ لا يُمكن تحمُـ.ـله، فلأول مرَّة يصل غـ.ـضبه لتلك الذ’روة، في تلك الأثناء دخل جده “سامح” وخلفه أبيه “عُمر” الذي كان يحمل “سديم” على ذراعه وكفه يمسح فوق ظهر الصغير الذي حينما رأى والده ألتفت برأسه إلى الجهة الأخرى ولفّ ذراعيه الصغيرين حول عنـ.ـقه خو’فًا مِن أبيه..
فعـ.ـقله الصغير لم ينسى ما حدث ليلة أمس، فستظل كابو’سًا أسو’د طيلة حياته، تحدث “سامح” بنبرةٍ جادة بقوله:
_هو في إيه، صوتكم جايب لحد فوق البيت كُلّه صحي بسببكم، في إيه يا “أحمد” ما تمسك نفسك شوية مش كدا هو مرَّة فالو’اد والتانية فأمه ..!!.
ألتفت “أحمد” فجأةً وهتف بإنفعا’لٍ واضحٍ بقوله:
_هي اللي مستفـ.ـزة ..!!.
تدخّل “عُمر” في تلك اللحظة ينهـ.ـره بعنـ.ـفٍ بعد أن رأى أسلوبه الغير لا’ئق مع والده قائلًا:
_إتكلم عدل أنتَ واقف قدام جدك مش واحد صاحبك، وتتكلم بإحترام إحنا مش قعدين فزر’يبة هنا وإعمل بخاطر أبنك شوية الو’اد بقى بيتر’عب مِنك.
نظر لهُ “أحمد” وقال بنبرةٍ حا’دة:
_لا مش هعمل بخاطر أبني عشان هو السبب أصلًا فاللي أنا فيه دلوقتي ..!!.
_أنتَ إتجـ.ـننت ولا إيه ما تظبط نفسك ..!!.
هكذا كان رد “عُمر” العنيـ.ـف على ولده الذي لأول مرَّة يراه عد’وانيًا تجاههم بتلك الطريقة التي فاجئتهم جميعًا، فحتى جده لم ينَـ.ـل أحترامه بينهم وهذا ما جعله يفقـ.ـد أعصابه هذه المرة، وبين هذا الشـ.ـد والجذ’ب سـ.ـقطت عبرات “سديم” فوق صفحة وجهه بخو’فٍ واضحٍ بعد أن وجد الأ’مان أ’ختفى فجأةً مِن حوله والجميع بدأوا بالصر’اخ، إر’تعش جسـ.ـده الصغير بخو’فٍ وعيناه تبحثان عن الصد’ر الدا’فئ الحنون الذي أعتاد عليه..
أقترب في تلك اللحظة “علي” الذي وصله صوت رفيقه للأعلى مِمَّ جعله يشعُر بالقلـ.ـق فتلك المرة هي الأولى التي يصر’خ فيها بتلك الطريقة، شمل المكان بعيناه حتى توقّف عند هذا الصغير الذي كان يبكي بصمتٍ خو’فًا مِن أن يُبرحه أبيه ضر’بًا مثلما فعل ليلة أمس، تقدَّم مِن عمّه ومدّ يَديه آخذًا “سديم” دون أن ينبث بكلمة واحدة، وكأن التجرُ’ء على التحدث أصبح خـ.ـطيئة..
شَعَر بالصغير يلفّ ذراعيه حول عـ.ـنقه مشـ.ـددًا مِن ضمته إليه بكُلّ قو’ته، وكأنه أصبح د’رعًا وا’قيًا لهُ أمام غـ.ـضب أبيه، مسح برفقٍ فوق ظهره مستمعًا إلى عمّه الذي قال بنبرةٍ جادة:
_خُده بعيد دلوقتي يا “علي”، ولو عايز أُمه وديه ليها.
هزّ “علي” رأسه برفقٍ متفهًا حديثه ثمّ إنسـ.ـحب مِن المكان وهو يُلـ.ـقي نظرةٍ أخيرة على ابن عمّه الذي كان في حالةٍ هو’جاء، يراها هو لأول مرَّة وينال هذا الصغير جزءً صغيرًا مِن قسو’ته لمرته الأولى، ربَّت برفقٍ فوق ظهره وقال بنبرةٍ هادئة:
_متخا’فش يا حبيبي بابا مش هيعملك حاجة تاني خلاص، جده هيفهمه إن دا غـ.ـلط وهييجي يصالحك كمان شوية.
بدأ الصغير يبكي بصوتٍ مسموع، وكأن البكاء أمام أبيه كان مِن الحُـ.ـرمنيات، أخرج مشاعره السـ.ـلبية في البكاء فلا يمـ.ـلُك الآن سِوى تلك الوسيلة، وقف علي أمام أحد الأسو’ار العالية بعض الشيء وأجلس “سديم” فوقها ووقف في موا’جهته ينظر لهُ دون أن يتحدث، ولكن أمام عبرات هذا الصغير ونظرة الخو’ف التي تُعانق عيناه رقّ قلبه وتأ’ثر ففي الأخير هذا طفلٌ صغير ومازال يجهـ.ـل الكثير عن تلك الحياة..
أخرج “زفيرة” عميقة ونظر في عيناه يراه يتهر’ب مِن النظر إليه ليبتسم ويقول بنبرةٍ هادئة:
_طب وأنا ذ’نبي إيه تحر’مني مِن العيون الحلوين دول، أنا مليش دعوة بأبوك على فكرة أنا عايز أشوف عيونك الحلوين دول.
لم يتأ’ثر الصغير بحديثه فحز’نه الآن هو الذي يفر’ض سيطـ.ـرته، ولذلك مدّ “علي” يَديه ومسح برفقٍ عبرات الصغير عن صفحة وجهه وقال بنبرةٍ حنونة محاولًا إمتـ.ـصاص هذا الحز’ن:
_حقك عليّا أنا يا حبيبي متز’علش، بابا ميقصدش يضر’بك.
نظر إليه “سديم” بعيناه اللا’معة التي يُغلفها الحز’ن وقال بنبرةٍ باكية ينـ.ـفي تعلُـ.ـقه بهذا الخطأ الذي عا’قبه عليه أبيه بالأمس:
_أنا مبو’ظتش ورق بابا يا عمو “علي”، واللهِ ما عملت حاجة أنا دخلت أجيب الكورة بتاعتي لقيت العصير مد’لوق عليه، بابا دخل وشاف الكورة فإيدي والكوباية وا’قعة عالورقة فأفتكرني أنا اللي بوّ’ظت ورق الشغل، حاولت واللهِ أقوله إنُه مش أنا بس هو مرضاش يسمعني وضر’بني جا’مد، وماما هي اللي جَت وبعدتني عنُه، واللهِ ما عملت حاجة بابا عا’قبني على حاجة معملتهاش.
أنهى حديثه وعادت عبراته تسـ.ـقط فوق صفحة وجهه بعد أن شكّلت حا’جزًا شفا’فًا يحجُـ.ـب رؤيته، وبعدها عاد يبكي مجددًا واضعًا كفيه الصغيرين فوق وجهه، بكاءه لم يكُن بكاء طفلٍ صغير، بل بكاءً حا’رقًا يدُل على خـ.ـيبة أمله، ضمّه “علي” إلى د’فء أحضانه وربَّت فوق ظهره برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_مصدقك يا حبيبي، مصدقك وعارف إنك مبتكد’بش، حقك عليّا أنا متزعلش، وعد هكلم بابا وهقوله إنك معملتش كدا وأكيد حد تاني عمل كدا ومخدش باله، متزعلش وسامح بابا يا حبيبي هو آه أتعصـ.ـب عليك بس هو فالآخر بيحبك.
لا يعلم ما يقوله إليه في تلك اللحظة سِوى تلك الكلمات البسيطة، فلا يُريد أن يبدأ هذا الصغير بكُـ.ـره أبيه، يعلم أن “أحمد” متهو’رًا حينما يتعلّـ.ـق الأمر بعمله، ولكن يجب عليه أن يستمع قبل أن يفعل أيُ شيءٍ قد يجعله يند’م فيما بعد، فهذا الصغير تمت معا’قبته بدلًا مِن الفا’عل الحقيقي، ويعلم أن ثمة أحدًا آخر تعمّـ.ـد فعل ذلك حتى يصل الأمر إلى تلك المرحلة، وسيعلم مَن يكون قريبًا وسيتم معا’قبته أمام هذا الصغير حتى يعود حقه كذلك..
حمله على ذراعيه مجددًا وحاول ممازحته وإلقا’ء سيلٍ مِن القبلات فوق وجهه الصغير حتى يبتسم أبتسامة صغيرة فقط تُعيد الحياة إلى طبيعتها، وفي غضون دقائق استجاب إليه “سديم” أخيرًا والذي أطـ.ـلق صراح ضحكاته تنتشـ.ـر في أرجاء الحديقة وتُز’يل تلك الشو’ائب التي تُعكـ.ـر صفو حياته..
منحه القليل مِن وقته حتى تعود ضحكاته مجددًا، فلا شيء في هذا العالم يُضاهي ضحكةً بر’يئةً مِن أحد أطفالهم، خرجت “مسك” ووقفت تشاهد صغيرها الذي كان يضحك بعد أن بدأ “علي” بملا’عبته مثلما يفعل مع صغيره “ثائر” في أوقات عُطلته..
أرتسمت بسمتُها فوق ثغرها ولمعت عيناها مِن جديد حينما رأت “علي” قد حمل الصغير على ظهره وبدأ يركض بهِ في أرجاء الحديقة مخرجًا صوتًا مخـ.ـيفًا مِن فمه، وصغيرها يضحك بصدقٍ هذه المرة، فكانت ضحكاته تنبُـ.ـع مِن قلبه وهذا ما طمئنها هذه المرة وجعلها تتابع دون أن تقطـ.ـع لذّة تلك اللحظة، فصغيرها لا يضحك كُلّ يومٍ بهذه الطريقة.
____________________________
<“عودة الفتى الحبيب إلى دياره.”>
قُبيل العصر..
كانت الأجواء في قصر العائلة هادئة نوعًا ما، ألا أن الأمر لم يخلو مِن المشا’دات الشبا’بية، كُلّ فردٍ مِنهم منشغلًا في شيءٍ مختلفٍ عن الآخر، وكانت “روان” تجلس في غرفتها أمام ما’كينة الخيا’طة تقوم بتطريز فستان زفافها الذي بدأت العمل فيه منذ قرابة الشهر، البسمةُ كانت ترتسم فوق شفتيها وهي ترى فستان أحلامها يُصنع بيَداها هي..
وفي هذه الآونة رن جرس القصر الد’اخلي يُعلن الجميع عن وصول زائرٍ إليهم، ركض “عدنان” بحما’سٍ شـ.ـديدٍ وخلفه “ثائر” يتسابقان على مَن الذي سيصل أولًا ويفتح الباب، وكان الأول هو “عدنان” الذي وقف على أطر’اف أصابعه وفتح الباب بصعو’بة وخلفه “ثائر” الذي كان يطرأ برأسه جهة اليمين قليلًا حتى يرى مَن الطارق، وبرؤيته لعمّه جحـ.ـظت عيناه بذهولٍ واضحٍ وصر’خ عا’ليًا بسعادةٍ طا’غية مر’تميًا داخل أحضانه..
ضمّه “عادل” ضاحكًا ومِن ثمّ حمله على ذراعه وإنها’ل عليه بالقبلات، بينما أر’تمى “عدنان” داخل أحضان عمّه “يزيد” الذي ألتقطه بذراعيه وضمّه بشو’قٍ جا’رفٍ إلى أحضانه قائلًا بنبرةٍ غمرتها السعادة:
_حبيب قلبي، وحشتني أوي أوي أوي.
منحه “عدنان” قبلة حنونة فوق خَدِّه ونظر إليه بوجهٍ مبتسم وقال بنبرةٍ حما’سية:
_وأنتَ كمان يا “يزيد” وحشتني أوي، أخيرًا جيت.
نظر لهُ “يزيد” وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_واللهِ ما حد وحشني قدك، إيه يا عمّ مش تسأل عليّا أهون عليك.
هزّ “عدنان” رأسه ينـ.ـفي حديثه بقوله الصادق:
_لا طبعًا متهونش عليّا، أنا كان نفسي أشوفك مِن بدري بس بابا كان بيقولي مش دلوقتي أول ما تيجي أجازته هنشوفه.
سأله “يزيد” بنبرةٍ هادئة مبتسمًا وعيناه مثـ.ـبتتان فوقه قائلًا:
_طب قولي بقى إيه رأيك؟ أنا أجازتي جَت أهي وجيت أشوفك.
_أحلى مفاجأة يا “زيزو”.
هكذا جاوبه “عدنان” بنبرةٍ حما’سية وعاد يضمّه بسعادةٍ طاغية وكأنه مازال لم يُصدق أن عمّه أصبح أمامه بعد غيابٍ طويل، ولج “يزيد” دون أن يُفـ.ـلته وخلفه “عادل” و “عـز” اللذان كانا يتطوقان شو’قًا لرؤية عائلاتهم، أول مَن رأتهم كانت “نوران” التي لم تُصدق عيناها وظنّت أنها تحلُم، فشو’قها لهُ كان أكبر مِن أيُ شيءٍ آخر وحينما رأته تناست آلا’مها وحزنها..
أنزل ابن أخيه واقترب مِنها مر’تميًا داخل أحضانها بشو’قٍ بـ.ـلغ أشُـ.ـده، فشو’قه لهم أ’كله وأنتظر تلك اللحظة طوال تلك الليالي التي قضاها بعيدًا عن د’فء أحضانها، شـ.ـد الفتى مِن عناقه لها وقال بنبرةٍ غمرتها الشو’ق والحنين:
_أنا مش مصدق نفسي أقسم بالله، أخيرًا اليوم دا جه ورجعت أتر’مي فحُضنك تاني، وحشتني أوي يا سِـ.ـت الكُلّ، أنا مِن غيرك ولا حاجة أقسم بالله.
ضمّته “نوران” بحنوٍ ولم تستطع أن تُسيطـ.ـر على عبراتها التي إتخذت طريقها فوق صفحة وجهها، فلا تُصدق أن صغيرها قد عاد إليها بعد تلك الغيبة، منحته العديد مِن القبلات فوق صفحة وجهه وقالت بنبرةٍ غمرتها الشو’ق:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبي، أخيرًا دا أنا كُنت مستنية اليوم دا بقالي كتير وبقعد أعدّ فالليالي عشان ييجي اليوم دا، وحشتني أوي يا قلـ.ـب أمك.
أبتعد عنها “يزيد” قليلًا ينظر لها بوجهٍ مبتسم وعيناه تحاوطها د’فئًا لم يُفا’رقها منذ صغره، قبّل يَديها وقال مبتسمًا:
_كلكم وحشتوني أوي، مفيش واحد فيكم موحشنيش، وأكتر حاجة وحشتني أكلك، أقسم بالله أنا ما كُنت باكُل دا أنا هنا فنعمة.
أبتسمت ولمعت عيناها تراه خسـ.ـر القليل مِن وزنه لتقول بنبرةٍ حنونة:
_باين عليك يا حبيبي، خسيت يا “يزيد”، للدرجة دي؟.
أخرج زفيرة قصيرة وأبتسم قائلًا:
_فوق ما تتخيلي واللهِ، الموضوع صعـ.ـب أوي بجد أنا جا’مد عشان مستحمـ.ـل كُلّ دا.
ربَّتت فوق ذراعه برفقٍ وجاوبته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_معلش يا حبيبي هانت خلاص، المهم دلوقتي إنك جيت، أنسى بقى الجيـ.ـش دا دلوقتي ورّكز معانا.
طافَ بعيناه في أرجاء المكان بشمولية وسألها قائلًا:
_أومال فين “يونس”؟ دا أنا جاي ملهوف عليه وعايز أشوفه.
أشارت تجاه الحديقة الخلفية للقصر وجاوبته بوجهٍ مبتسم قائلة:
_فالجنينة مع “أيسل”، هتلاقيها قعدة هناك روح شوفه.
أستأذن مِنها أولًا ثمّ تركها وتوجّه نحو الحديقة متلهفًا لرؤية هذا الصغير الذي زار عائلتهم، بينما أتجهت “نوران” أولًا إلى غرفة “روز” لإخبارها بعودة هذا الثلاثي ومِن ثمّ تتجه إلى المطبخ لتُعد لولدها الطعام فبالتأكيد أنَّهُ يتضوّر جوعًا الآن، بينما ولج “عادل” إلى غرفة والديه” بحذ’رٍ بعد أن رآها مندمجةً في هاتفها، تسـ.ـلل كاللـ.ـص دون أن تشعُر حتى توقّف خلفها ووضع يَديه فوق عيناها دون أن يتحدث، ينتظر إن كانت ستعلمه أم لا..
تيبّـ.ـس جسـ.ـدها بعد هذه الحركة لثوانٍ معدودة فقط ثمّ بدأت خـ.ـفقات قلبها تعلو داخل صد’رها، وكأنها تُنذ’رها بقدوم حبيبًا لها، بسمةٌ حنونة رُسمت فوق شفتيها وكفيها ضمة كفيه تزامنًا بقولها:
_الحركة دي أنا عارفة صاحبها كويس أوي، لو كان فاكرني نسيت فيبقى غـ.ـلطان.
أبعد يَداه عن عيناها ولكنهُ لم يُبعدها كُلّيًا بل لفّ ذراعيه حول عُنُـ.ـقها في عناقٍ حنون وعيناه لم تُفا’رق وجهها ولا تلك النظرة التي رآها حينما رأته، أبتسم وقال بنبرةٍ هادئة:
_مش عايز عياط عشان خاطري، دا أنا مصدقت جيت عشان أفصـ.ـل شوية عن الجَو اللي هناك دا.
أبعدته عنها ونهضت بهدوءٍ شـ.ـديدٍ وعيناها لم تُفا’رقان وجهه، وكأنها لم تُصدق حتى تلك اللحظة أنَّهُ أصبح أمامها، أبتسم لها واقترب مِنها يضمها قائلًا:
_وحشتني يا أسمـ.ـراني يا حلو أنتَ، كدا كدا عارف إني واحشك بس مش متأكد بقى إن كُنت واحشك ولا لا.
منحته ضر’بة خفيفة فوق ظهره وقالت بلوعةٍ:
_إخص عليك يا “عادل”، معقولة شا’كك إنك موحشتنيش.
نظر لها مبتسمًا وأحب مشاكـ.ـستها قليلًا ولذلك قال بنبرةٍ ما’كرة:
_بصراحة آه أشُـ.ـك، هو أنا شايف حاجة.
منحته ضر’بة أخرى خفيفة فوق كتفه وضحكت بعد أن عاد يُشاكـ.ـسها مثلما كان يفعل، بينما قهقه هو بخفةٍ ثمّ نظر لها وقال مبتسمًا:
_بهزر معاكي، عارف إني واحشك، ولأجل الأ’مانة يعني أنتِ كمان وحشاني أوي، وأكتر حاجة وحشاني حلة ورق العنب، بصراحة يعني أنا جاي ومش همشي غير لمَ تكوني عملاهالي.
جاوبته بنبرةٍ هادئة مبتسمة الوجه قائلة:
_عيوني ليك يا حبيبي، هتكون جاهزة بليل عالغدا كمان إيه رأيك بقى.
وافق على حديثها بعد أن نال إعجابه ثمّ سأل عن والده وأخيه بقوله:
_أومال بابا و “علي” راحوا فين مش شايفهم يعني؟.
نظرت إليه وجاوبته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_بابا راح الشركة عشان في شغل جديد ولازم يخلـ.ـص، و “علي” أخوك راح جنا’زة واحد صاحبه.
تنغض جبينه حينما أستمع إلى كلماتها الأخيرة التي جذ’بت إنتباهه وجاء سؤاله حينها بقوله:
_جنا’زة واحد صاحبه؟ مين دا؟.
أخرجت زفيرة عميقة وجاوبته بنبرةٍ حز’ينة قائلة:
_زميله فالشغل، أسمه “إسماعيل” تو’فى فالهجو’م الأخير اللي حصل مِن يومين دا، مِن ساعتها والدنيا متلغـ.ـبطة وجدك “ليل” على أ’خره طبعًا.
ذُهِلَ حينما سَمِعَ حديثها، فهو كان على علمٍ بهذا الحا’دث، ولكنهُ لم يكُن يتخيّل أن يكون الضحـ.ـية رفيق أخيه، كانت الصدمة باديةً على معالم وجهه بوضوحٍ تام، نظر لها قليلًا ثمّ قال بنبرةٍ مذهولة:
_الحا’دثة دي كانت قريبة مِننا، أنا عرفت بيها بس معرفش إن اللي راح فيها كان صاحبه.
أنهى حديثه ثمّ أخرج هاتفه الصغير الذي كان يصطحبه معه في فترة الجيـ.ـش ثمّ سألها عن هاتفه قائلًا:
_موبايلي فين؟.
تركته وذهبت تجاه الكومود تأخذه ثمّ عادت إليه مجددًا وأعطته إياه، جلس على طرف الفراش بعد أن أخذه مِنها وبدأ بنقل شـ.ـريحته على هاتفه الأصلي تحت نظرات “فرح” التي سألته قائلة:
_بتعمل إيه يا “عادل”؟.
وضع الشـ.ـريحة في هاتفه ثمّ نظر إليه ينتظر أستجابة الشـ.ـريحة مجيبًا إياها دون النظر لها قائلًا:
_هكلم “علي” أشوفه فين عشان أروحله.
أبدت “فرح” ر’فضها بعد أن عَلِمَت ما يُخـ.ـطط ولدها لفعله قائلة:
_لا يا “عادل” تروح فين أنتَ لسّه راجع مِن سفر، وهو مش هيرد عليك أساسًا.
لم يُحبذ الخضو’ع أمامها ولذلك عا’ند وهاتف أخيه منتظرًا تلقي ردّه، بينما أخرجت هي زفيرة عميقة ووقفت تتابعه بعد أن عَلِمَت أنها لن تستطيع الوقوف أمامه بعد الآن، فحينما يُصِّـ.ـر ولدها على شيءٍ لا يهدأ إلّا بتحقيقه، لم يتلقى ردًا في المرة الأولى ولذلك أعاد تكرار الأمر منتظرًا تلقي رد أخيه لمعرفة مكانه فلا يستطيع أن يتركه في تلك اللحظة وحيدًا..
في الرواق الطويل بالطا’بق الثاني..
كان “عـز” يقف أمام باب غرفة أخيه يطرق عليه بعد أستمع إلى صوته وصوت والديه في الداخل يتحدثون سويًا بأمرٍ يجـ.ـهله هو، أنتظر لحظات حتى فُتِحَ الباب ورأى وجه أخيه أمامه، تفاجئ “فادي” بلا شـ.ـك حينما رآه أمامه دون أن يترُك لهُ خبرًا بقدومه، بينما اتسعت البسمةُ فوق شفتي أخيه الذي قال بنبرةٍ ضاحكة:
_الصدمة و’حشة أنا عارف، خصوصًا لو كانت مِني.
كان “فادي” مذهولًا لا يُصدق ما يراه، ولكنهُ لم ينتظر كثيرًا واقترب مِنْهُ يشـ.ـده إلى أحضانه معانقًا إياه دون أن يتحدث، ضحك “عـز” وشـ.ـد على عناقه لأخيه ممازحًا إياه بقوله:
_وحشتني يا واد يا أ’جنبي واللهِ.
شـ.ـد “فادي” على ذراعيه يضم أخيه بشو’قٍ لهُ، فغيا’ب الحبيب طال وفر’اقه أ’كله مِن الداخل، ربَّت “عـز” فوق ظهر أخيه ثمّ أبتعد عنهُ وشمله بنظرةٍ سريعة ثمّ أبتسم بسمةٌ و’اسعة وقال:
_رجعت لعادتك تاني يا معلم، أيوه كدا هو دا “فادي” أخويا، الواد الأ’جنبي اللي مش مصدق إنُه أخويا لحد دلوقتي.
أقترب “مُعاذ” في تلك اللحظة مجيبًا إياه بوجهٍ مبتسم قائلًا:
_هيطلع لمين يعني؟ هيطلع حلو لأبوه.
ضمّه “عـز” بحُبٍّ إلى أحضانه وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_حبيبي يا حج واللهِ، جبر الخواطر حلو برضوا ولا أكمني قمحا’وي يعني وشعري أسو’د.
ربَّت “مُعاذ” فوق ظهره برفقٍ وقال مبتسمًا:
_ياض هو حد قال إنك وِ’حِش؟.
اقتربت “چود” مِنهم وأبعدت زوجها عن ولدها الذي ضمّته وتشدقت بقولها:
_يا حبيبي خدنا إيه مِن جمالك يعني، أنا أبني حلو ومسمسم أهو، على الأقل واخد جمال وخفة د’م أمه.
أخرج “فادي” زفيرة عميقة وقال بوجهٍ مبتسم وقلة حيلة:
_رجعنا نتخا’نق تاني على مين أحلى ومين ألّذ.
نظر “عـز” إليهم وقال بوجهٍ مبتسم:
_واللهِ وحشني نكـ.ـشنا فبعض.
نظر إليه “فادي” وجاوبه بصدقٍ تام قائلًا:
_واللهِ أنتَ واحشني أوي يا “عـز”، مجيتك فرّحت قلبي فوق ما تتخيّل.
أبتسم “عـز” واقترب مِنْهُ وعيناه لم تُفا’رق عينان أخيه التي لمعت فور ظهوره وكأنه بظهوره أ’ختفت معا’ناته وآلا’مه، لـ.ـفّ ذراعه الأيمن حوله وقال:
_أهو أنا مش فرحان غير بشوفة عيونك الحلوين دول بيلـ.ـمعوا اللمعة دي.
ضمّه “فادي” إلى أحضانه ثمّ نظر إليه وقال مبتسمًا:
_عايز أقولك على خبرية حلوة هتفرّحك.
نظر إليه “عـز” نظرةٍ ذات معنى محاولًا معرفة سبب ظهور تلك النظرة الد’افئة التي غلّفت عيناه فجأةً، وفي تلك اللحظة نظر “فادي” إلى زوجته “فيروز” التي أبتسمت بهدوءٍ ولم تتحدث، شمل “عـز” المكان بعيناه ونظر إليهما هُنَيْهة وقال مترقبًا:
_إيه بتبصوا لبعض كدا ليه؟ معقولة اللي فد’ماغي صح ..!!.
نظر إليه “فادي” في تلك اللحظة وقال بنبرةٍ غمرتها السعادة:
_أنتَ هتبقى عمّ يا “عـز” قريب إن شاء الله.
نظر “عـز” إلى “فيروز” أولًا مذهولًا ثمّ عاد ينظر إلى أخيه وكأنه ينتظر جوابًا تأكيديًا مِن أخيه، فلن يُصدق هذا الأمر بتلك السهولة، ولكن نظرات الجميع وسعادتهم أكّدت إليه حقيقة الأمر، وصدقًا لم يكُن بحاجة لأن يسأل أكثر عن ذلك، فقام بضمّه إلى أحضانه وقال بنبرةٍ غمرتها السعادة:
_وربنا ما قادر أصدّق، أخيرًا بقى يا عمّ هتفرّحني، مُبارك يا حبيبي ربنا يباركلك فيه وتعيـ.ـش وتشيله، أيوه كدا هي دي الأخبار اللي تفرّح الواحد.
قهقه “فادي” بخفةٍ وربَّت برفقٍ فوق ظهر أخيه وبدأ في الاندماج معهُ بالأحاديث الكثيرة والمختلفة عن أسماءً عديدة سواءً للصـ.ـبية أو الفتيا’ت، يُناقش بسعادة مع أخيه الأمر منذ بداية تلك اللحظة، وكأن الصغير شارف على القدوم ليس وكأنه مازال نطـ.ـفة صغيرة في ر’حم أُمه.
_____________________________
<“لهفة الشو’ق للحبيب تتحكّـ.ـم فيه.”>
لهفة المُحب لحبيبه لا يُمكن إخما’دها، فمَن يُحب بصدقٍ لا شيء يقف أمامه أو يُحاول إطفا’ء لمعة الحنين في عيناه، فالحُبّ أقوى مِن أن يُقتـ.ـل على أيدي بشـ.ـرية..
منذ عودته وهو لم يجلس البتة، يتحرك في كُلّ مكان ويرى أحباءُه، وكأنه غاب عنهم لسنون وليس لشهورٍ، أقترب بخطى سريعة مِن زوجة أخيه التي كانت تحمل صغيرها بين ذراعيها تهدهده وتُدندن إليه بنغماتٍ نا’عمة أشبه للهمس حتى يخلد للنوم..
_لا مش عايزُه ينام دلوقتي دا أنا راجع عشان أشوفه مخصوص.
ألتفتت “أيسل” تنظر إليه بعد أن جذ’بها صوته القريب مِنها، لا تُصدق ما تراه فعودته تلك كان ينتظرها زوجها، وقف أمامها مبتسمًا وقال:
_وحشتوني قولت أجي أشوفكم، وأشوف العسل دا، معرفتش أشوفه أول ما أتو’لد، فقولت أجي أشوفه هو أول واحد، حتى قبل ما أشوف أبوه.
أبتسمت “أيسل” لهُ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_حمدلله على السلامة، إيه المفاجأة الحلوة دي؟.
بادلها بسمتُها وجاوبها بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_أي خدمة، أدونا أجازة أسبوع فمصدقت بصراحة كُنت بتمناها مِن زمان.
قهقهت “أيسل” بخفةٍ وقالت:
_هو دا الجيـ.ـش يا “يزيد”، مش حاجة سهلة ولا عـ.ـبيطة يعني، زي ما كان جدك حاطط قو’انين هنا برضوا، كأنه كان بيهيئكم قبل ما تروحوا عشان متاخدوش الصدمة على طول.
أخرج “يزيد” زفيرة عميقة وجاوبها بوجهٍ مبتسم قائلًا:
_واللهِ العظيم أنا جدي دا محتاج أبو’س د’ماغه، معرفش لولاه كُنت هعمل إيه واللهِ، الحمدلله فاضل نُص المسافة ونخلـ.ـص.
أنهى حديثه وهو ينظر إلى “يونس” الذي نظر إليه مشدوهًا، فتلك أول مرَّة يراه فيها، ولن تكون الأخيرة بعد الآن، أبتسم “يزيد” وقال ضاحكًا:
_مالك يا عمّ بتبُصلي كدا ليه؟ عارف إني جديد عليك مش كدا.
أنهى حديثه واقترب مِنْهُ يُلثم خَدَّه الصغير بحنوٍ ثمّ بعدها أخذه مِن “أيسل” وبدأ يُد’اعبه بلُطفٍ، رفعه “يزيد” برفقٍ وهو يهدهده برفقٍ ويمنحه قبلة بين الحين والآخر، قرّبه مِنْهُ يشْتَـ.ـم رائحته الطفولية ثمّ قال مبتسمًا:
_معرفش ليه ريحتهم بتبقى حلوة أوي كدا، بتخلّيني عايز أفضل ماسك فيهم مسيبهومش.
أبتسمت “أيسل” وهي تراه يُد’اعب صغيرها الذي مازال متحفظًا تجاه “يزيد”، أقترب “عدنان” في تلك اللحظة ونظر إلى عمّه وقال مبتسمًا:
_عمو “يزيد” يلا عشان تلعب معايا ماتش كورة، أنا مصدقت إنك جيت.
نظر إليه “يزيد” بعد أن ضمّ “يونس” إلى أحضانه بذراعيه وجاوبه بنبرةٍ هادئة بقوله الصريح مبتسمًا:
_واللهِ يا “عدنان” أنا مش قا’در دلوقتي خالص، لسّه عايز أشوف “روان” وأشوف أبوك المخـ.ـتفي دا لحد دلوقتي وما عارف أ’تلم عليه لحظة، وعد هر’يّح شوية وبعدين هاجي أقعد معاك ونلعب كورة للصبح، أتفقنا؟.
هزّ الصغير رأسه برفقٍ موافقًا على حديثه بقوله مبتسمًا:
_أتفقنا.
نظر “يزيد” إلى “يونس” الذي كان يلهو ويرفع كفه الصغير تجاهه وكأنه ينتظر ردًا مِنْهُ يُعلمه بتجاوبه معهُ، وصدقًا لم يغفـ.ـل “يزيد” عن ذلك وأمسك بكفه النا’عم الصغير وقرّبه مِن فمه يُلثمه بحنوٍ مبتسم الوجه، وكأنه يرى أخيه وهو في صغره أمامه مِن جديد، نظر إلى “أيسل” وقال مبتسمًا:
_”أيسل” هو أنا أسمع يعني لو حد بيحب حد أوي أبنه أو بنته بيطلع شبه اللي بيتحب، فهل أنتِ بتحبي أخويا للدرجة دي؟ أصل “يونس” و “عدنان” تقريبًا نسخة مِن أخويا، مفيش حاجة وخدينها مِنك نها’ئي وغالبًا كدا الحاجة اللي ممكن ياخدوها مِنك طباعك.
أرتسمت بسمةٌ واسعة على ثغرها بعد أن أستمعت إلى حديثه ولذلك جاوبته بنبرةٍ هادئة بعد أن ضمّت صغيرها “عدنان” لها وقالت:
_معرفش بصراحة إذا كان الكلام دا صح ولا لا، بس شوفت ناس كتير أوي كدا وشكل الموضوع دا بجد، بس لو هتسألني عن حُبّي لـ “حُذيفة” فهقولك إن أنا بحبُه أوي، “حُذيفة” يُعتبر كُلّ حاجة حلوة فحياتي ومباخدش أي خطوة إلّا وهو معايا فيها وموافقني عليها، وبعدين أنا مش هز’عل لو هما شبهه، بالعكس دي حاجة تفرحني، على الأقل لمَ يغيـ.ـب عني تبقى في صورة قدامي مِنُه بس على أصغر شوية.
أخرج “يزيد” تنهيدة عميقة بعد أن أستمع لها ورأى حُبّها في عيناها لأخيه واضحًا كأ’شعة الشمس، جاوبها بنبرةٍ هادئة مبتسمًا بقوله:
_ربنا يبارك ويزيد المحبة بينكم، كلامك بسطني واللهِ وريّحني.
أعطاها “يونس” بعد أن رآه أخيرًا وسمع “أيسل” تقول في نفس اللحظة مبتسمة:
_على فكرة “فيروز” و “مَرْيَم” حو’امل.
نظر لها “يزيد” متفاجئًا بعد أن أ’لقت بكلماتها المبا’غتة على مسامعهِ، فيبدو أن ثمة أشياءً كثيرة تغيّرت في قصر العائلة منذ رحيله، تحرّك مِن مكانه مشيرًا لها بقوله:
_لا بقى كدا كتير، أنا هروح أطمن على “روان” لتكون إتجوزت غيري هي كمان.
قهقهت “أيسل” وهي تنظر لإ’ثره مشيرةً لهُ بكفها بوداعٍ مؤقتٍ، ثمّ جلست فوق المقعد الخـ.ـشبي مجددًا وبدأت تهدهد صغيرها حتى لا يعود للبُكاء مجددًا، وعيناها تتابعان صغيرها الآخر الذي أحضر الكرة وبدأ ير’كلها ويركض خلفها، نظرت في ساعة معصمها لترى الساعة تُشير للخامسة إلّا رُبع ولذلك نظرت إلى صغيرها وقالت:
_”عدنان” مش هتتفرّج على الماتش فاضل رُبع ساعة.
توقّف الصغير فجأةً بعد أن أستمع إلى حديثها وألتفت ينظر لها مذهولًا لتؤكد إليه قولها مشيرةً تجاه ساعتها، لم ينتظر لحظة أخرى بل أخذ كرته وركض إلى الداخل وهو يُنادي على جده كي يقوم بتشغيل التلفاز إليه لمشاهدة مباراة فريقه الإنجليزي المفضّل، تحت نظرات والدته التي كانت تنظر لإثره مبتسمة الوجه..
في الطابق الثاني للقصر..
أقترب “يزيد” مِن غرفة “روان” المغـ.ـلقة بخطى هادئة، يُحاول تنظيم أنفا’سه قبل أن يواجهها بعد هذا الغياب، أنتظر ثوانٍ معدودة وقبل أن يطرق فوق الباب منـ.ـعته “كارما” التي وقفت أمامه تمنـ.ـع عنهُ الطريق بقولها:
_بتعمل إيه؟.
نظر لها “يزيد” وكأن على رأسه الطيـ.ـر، نظر حوله يتأكد مِن أنَّهُ يقف أمام باب غرفتها بالفعل، وحينما رأى أنَّهُ في مكانه الصحيح نظر لها مجددًا وقال بنبرةٍ هادئة:
_إيه، هشوف “روان”.
جاوبته “كارما” وهي تنظر في عيناه قائلة:
_وهو في حد يدخل كدا على طول برضوا.
تنغض جبين “يزيد” الذي لم يفهم ما تُريده مِنْهُ حتى تلك اللحظة ولذلك جاوبها قائلًا:
_إيه اللي داخل على طول هي واخدة راحتها يعني ولا إيه مش فاهم؟ ما أنا لسّه هخـ.ـبّط لقيتك فوشي يا عمتي وكأنك مر’قباني.
جاوبته “كارما” تصارحه بحديثها قائلة:
_بصراحة بقى آه مر’قباك، وبعدين وارد تبقى قعدة براحتها هي مش الأوضة دي خصوصية برضوا … على العموم يعني هي قعدة جوّه بتجهز فالفستان وأنتَ مينفعش تشوف الفستان خالص إلّا يوم الفرح.
الآن فَهِمَ سبب وقوفها أمامه بتلك الطريقة، أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_على فكرة بقى مفيهاش حاجة لو شوفت الفستان.
شهقت “كارما” بتفاجؤٍ بعد أن سمعت حديثه ولذلك جاوبته بنبرةٍ صا’رمة لا تقبل النقاش بقولها:
_لا يا حبيبي فيها وفيها كتير أوي كمان، دا فال و’حش، مينفعش تشوف الفستان مهما حصل لحد يوم الفرح غير كدا متجا’دلنيش.
ولأن “يزيد” يعلم أنَّهُ لن يتوصّل لحلًا يُرضي جميع الأطراف جاوبها بنبرةٍ هادئة بقوله الهادئ:
_طب خلاص قوليلها أنتِ تشيله دلوقتي عشان عايز أشوفها، أو تخرج هي.
نا’ل أقتراحه رضاها ولذلك هزّت رأسها برفقٍ ولانت نظرتها ورُسمت بسمةٌ هادئة فوق شدقيها وقالت:
_خلاص كدا حلو، بس إبعد أنتَ عشان لمَ أفتح الباب متشوفش أنتَ الفستان.
أبتعد “يزيد” بالفعل مبتسم الوجه وهو لا يعلم ماذا كان سيحدث لو أنَّهُ رآه بالفعل، ولكنهُ لا يستطيع أن ير’فض لعمّته طلبًا ولذلك أمتثل لأمرها وأبتعد، بينما فتحت “كارما” الباب وأطرأت برأسها قليلًا للداخل ترى أبنتها تجلس أمام ما’كينة التطريز وتعمل على فستان زفافها بأندماجٍ شـ.ـديدٍ، وحينما و’قعت عيناها على الفستان الذي لم يكتمل حتى الآن غمرتها فرحة غير عادية، فبرغم عدم إكتمال الفستان كان سا’حرًا، فماذا بعد أن تنتـ.ـهي مِنْهُ بشكلٍ كاملٍ..
نظرت إليها بوجهٍ مبتسمٍ وعينان تلمعان بحُبٍّ خالصٍ قائلة:
_إيه الجمال والحلاوة دي، أومال لمَ تخلّـ.ـصيه هيبقى عامل أزاي بقى؟.
نظرت لها “روان” مبتسمة الوجه وعادت تنظر إلى فستانها لتُجاوبتها بنبرةٍ هادئة بقولها:
_إيه رأيك فيه، لسّه فيه شغل طبعًا بس يعني المنظر مُرضي بالنسبة لي بصراحة.
أجابتها “كارما” بنبرةٍ حاولت إخراجها هادئة بعد أن تأ’ثرت بهذا المشهد ورأت فستان زفاف صغيرتها يتم تجهيزه قائلة:
_جميل يا حبيبة قلبي، تتهني بيه يا ربّ وتكون أيامك كُلّها راحة وسعادة … على فكرة “يزيد” برّه وجه يشوفك.
توقّفت “روان” فجأةً بعد أن أستمعت إلى كلماتها الأخيرة وعَلِمَت بأن حبيبها قد عاد أخيرًا مِن تلك السفرية العـ.ـصيبة لرؤيتها، ترقرق الدمع في عيناها وملئت بسمتُها شدقيها بعد أن أستمعت إلى حديثها، تركت فستانها وركضت إلى مرآتها تقف أمامها تُرتب خصلا’تها البُنيَّـ.ـة وتُهندم ملابسها بعُجالة تحت نظرات “كارما” المبتسمة والتي تُتابعها دون أن تنبث بحرفٍ..
لحظات وألتفتت تنظر لها تسألها عن مظهرها بقولها مبتسمة الوجه:
_إيه رأيك يا ماما.
أبتسمت لها “كارما” وجاوبتها بنبرةٍ صادقة بقولها:
_زي القمر فكُلّ حالاتك.
اقتربت مِنها وأشارت لها تجاه زينة فستانها قائلةً:
_شوفيلي الزينة دي لحد ما أرجعلك.
تركتها وخرجت بتلهُفٍ لرؤية خطيبها وحبيبها، وتركت “كارما” التي نظرت في إ’ثرها مبتسمة الوجه ترى حُبّ أبنتها لابن أخيها، ولجت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها مقتربةً مِن طاولة الزينة ترى ما أبتاعته أبنتها لفستان زفافها، بينما أقتربت “روان” مِن “يزيد” بخطى سريعة وأبتسامتها تُرسم فوق شدقيها بعد أن رأته يقف في آخر الرواق ينتظرها..
كأنها فراشة تُحلـ.ـق في أول ربيعها، وقفت أمامه مبتسمة الوجه وعيناها تلمعان بوميضٍ لم يُطفئ منذ أن بدأت الليالي تمرّ بهم وكأنها تُريد أن تشهد على يومٍ يجمع بينهما للأبد، نظر لها “يزيد” ورُسمت بسمةٌ د’افئة فوق ثغره بعد أن رآها أمامه تُطالعه بتلك النظرة المتلـ.ـهفة، لمعت عيناه وقال بنبرةٍ هادئة مغمورة بحُبٍّ صادق:
_دا الشو’ق طلع غلّا’ب بجد ولا إيه، دا يوم المُنىٰ أقسم بالله.
أبتسمت بخجـ.ـلٍ بعد أن أستمعت إلى تلك النبرة الد’افئة ورأت تلك النظرة العا’شقة، فسيظل هو “يزيد” مهما مرّت الأيام لا يقـ.ـل حُبّه أو يخـ.ـتفي د’فئه، نظرت لهُ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_حمدلله على سلامتك يا “يزيد”، جيت ومعرفتنيش إنك راجع.
وضع كفيه في جيب بنطاله وقال بنبرةٍ هادئة وهو ينظر في عيناها:
_قولت أعملهالك مفاجأة.
أتسعت بسمتُها وتو’هجت لمعة عيناها وجاوبته بصدقٍ تلك المرة بقولها:
_أحلى مفاجأة مِنك يا “يزيد”، حمدلله على سلامتك فرحتني أوي برجوعك.
أبتسم لها وأخرج تنهيدة عميقة حتى يستطيع أن يتحدث معها بشكلٍ أكثر أريحية، نظر لها وقال:
_عايز أقعد أتكلم معاكي لحد ما تز’هقي مِني، وحشني الكلام معاكي ووحشني المرسم أوي.
أعادت خـ.ـصلة شاردة خلف أذنها وقالت بنبرةٍ هادئة مبتسمة الوجه:
_عُمري ما أز’هق مِنك يا “يزيد” وأنتَ عارف كدا كويس وعندي استعداد أفضل أسمعك لحد آخر العُمـ.ـر، وبخصوص المرسم ففي غيابك أنا كُنت مهتمة بيه طول الوقت وكُلّ حاجة زي ما سيبتها.
رفع كفه يمسح فوق رأسه بعد أن نفـ.ـذت جميع كلماته فيها، بينما هي كانت تنظر إليه مبتسمة الوجه دون أن تتحدث، نظر لها مِن جديد وقال:
_على طول بعجـ.ـز قدامك، طب تعالي نشوفه وأشوف إذا كُنتي شوفتي شُغلك كويس ولا أي كلام.
ر’فعت سبابتها بوجهه وقالت بنبرةٍ حا’دة مز’يفة:
_لا أنا مسمحلكش يا أستاذ.
ر’فع حاجبه الأيمن عا’ليًا وهو ينظر لها بطرف عينه مشيرًا لها بالتحرك، نظرت إليه خلسةً ثمّ سارت أمامه بتكبـ.ـرٍ وهو خلفها يتجهان إلى المرسم الخاص بهِ لرؤيته بعد أن تغيَّـ.ـب عنهُ شهورًا، وشو’قه تجاه أشياءه المحببة هو العامل الذي يُحركه الآن.
___________________________
<“لم يكُن الفر’اق هينًا.”>
صفوفًا طويلة عر’يضة ترتص في الساحة الواسعة، الزي العسكـ.ـري موّحد، والصمت قا’تل ما يُسمع في المكان هو صوت الهواء، والعديد مِن صناديق المو’تى مرتصّة أمامهم يترأسها صندوق “إسماعيل” الذي كان يُخـ.ـفيه بداخله، أقاموا الصلاة على أروا’حهم الطا’هرة البر’يئة، وبدأ الشيخ في الدُعاء إلى شهد’اءهم، والجميع خلفه يؤمنون؛ الجميع يبكي بصمتٍ تام، فـ “إسماعيل” كان بمثابة أخٍ إليهم جميعًا وكان محبوبًا مِن جميع رفاقه سواءً كانوا أكبر مِنْهُ سنًا أو أصغره..
ولكن “حُذيفة” وحده مَن بكى بصوتٍ مسموع، بكاءه كان يُعبِّر عن قهـ.ـرته وأ’لمه، فر’اقه لم يكُن هينًا ولا سهلًا عليه، و’جعه كان أكبر مِن أن يلتئـ.ـم، ففر’اقه سبّب جر’حًا عميقًا يصعُـ.ـب تضميـ.ـده، وبعد أن أنهى الشيخ عمله قام “ليل” بمواساته محاولًا السيطـ.ـرة على بُكاءه، وكُلّما تسـ.ـقط عيناه على صندوق رفيقه يزداد أ’لمه، قاموا العسا’كر بأداء تحيتهم العسكـ.ـرية تخليدًا لذكراهم التي ستظل محفو’رة في عقولهم إلى آخر نفـ.ـسٍ يخرج مِنهم..
ساروا جميعهم بصنا’ديقهم على أكتافهم إلى مثو’اهم الأخير، والأعين لا تكف عن زرف العبرات، أمامهم بعض الضبا’ط يسيرون بأنتظام ويحملون باقات الورود الحمـ.ـراء وفي الخلفية أهالي الشهد’اء الذين أستودعوا أولادهم عند ربهم شهد’اءً، كلماتهم كانت تضغـ.ـط على جرو’حهم وتزيد النز’يف، وصلوا إلى المقا’بر وكُلّ صند’وقٍ مِنهم أمام قبـ.ـره، في تلك الآونة اقتربت “مرام” زوجة “إسماعيل” تتشح بالأسو’د، خطاها وا’هنة وعيناها شاردة وعقلها تغيَّـ.ـب في تلك اللحظة عن الواقع..
جلست على رُكبتيها أمام صندو’قه وضمّته باكية، كان فر’اقه صـ.ـعبًا عليها وبالطبع لم يستطع عقلها أن يستوعب الأمر حتى تلك اللحظة، تبكي بحُـ.ـرقة وهي تحتضن صند’وقه وكأن جسـ.ـده بين يَديها، وصغيريه في مقابلتها يبكيان وهما ينظران إلى الصند’وق على أملٍ أن يعود لهما ويبقى بجانبهما مثلما وعدهما مِن قبل، نهض الصغير صاحب الأربعة أعوام محاولًا فتح الصند’وق لرؤية والده، فعقله الصغير لم يستوعب حتى الآن معنى الفر’اق..
ر’فع عيناه الباكية تجاه “شهـاب” الذي أمسك بكفه الصغير ير’دع فعله وكأنه يسأله عن سبب منـ.ـعه لرؤية والده، جلس “شهـاب” القرفصاء أمامه ونظر إلى الصغير الذي أشار تجاه الصند’وق وقال بنبرته الطفولية باكيًا:
_عايز أشوف بابا، هو ليه مستخـ.ـبي جوّه.
حاول “شهـاب” تما’لُك نفسُه أمام الصغير الذي حتى الآن ينظر حوله إلى جميع الوجوه الباكية حوله وهو لا يستوعب ما حدث، نظر إليه وقال بنبرةٍ حاول جعلها هادئة يشرح لهذا الصغير قدر أستطاعته:
_بُص يا “مازن” يا حبيبي، بابا دلوقتي لسّه موجود، شايفنا كُلّنا دلوقتي، بس هو مش معانا هنا، بابا بطل، زي سوبر مان كدا، مش بيحا’رب الأشـ.ـرار عشان هما و’حشين ومينفعش يكونوا مع الناس الطيبين؟ هو بابا بقى زي سوبر مان كدا، راح حا’رب الأشـ.ـرار عشان لمَ أنتَ تبقى را’جل كبير وحلو يقولك إنُه كان بطل زي سوبر مان، حا’رب الأشـ.ـرار عشان ميقربوش مِن ماما ولا يقربوا مِن أختك، بس الأشـ.ـرار الو’حشين دول عملوا غـ.ـلط كبير أوي، وإحنا عارفين إن اللي بيغـ.ـلط لازم يتعا’قب عشان ميكررش غـ.ـلطه تاني مش كدا؟.
هزّ الصغير رأسه برفقٍ يؤكد على حديثه وهو مازال لا يعلم أين ذهب والده، بينما أكمل “شهـاب” حديثه محاولًا تجا’هل بكاء “مرام” الذي أشتـ.ـد وهي عا’جزةً عن قول الحقيقة لطفليها:
_هما بقى الأشـ.ـرار دول غـ.ـلطوا غـ.ـلط كبير أوي مش مع بابا بس، مع الأبطال اللي كانوا معاه برضوا، وبابا دلوقتي بقى بيطيـ.ـر فالسـ.ـما عشان هو بطل، والأبطال بيطيـ.ـروا زي ما إحنا عارفين، بس بابا دلوقتي فمكان حلو أوي عن هنا، بابا دلوقتي بيضحك ومبسوط وبيقولك متعيطش عشان بيزعل لمَ بيشوفك بتعيط، هو دلوقتي عند ربنا فوق فالسـ.ـما أنتَ متقدرش تشوفه ولا حتى ماما ولا أنا، بس هو شايفك دلوقتي وسامعك وزعلان عشان دموعك الحلوين دول نا’زلين، بس مش معنى كدا إنك متقدرش تشوفه، لأ هتشوفه وأنتَ نايم، هييجي يلا’عبك ويتكلم معاك وأول ما تصحى هتكون مبسوط أوي وهتجري على ماما تقولها إنك شوفته، وهتيجي هنا كُلّ أسبوع عشان تشوفه وتزرعله وردة حلوة وتكبّرها، بابا بطل يا “مازن” ووعد مِني الأشـ.ـرار الو’حشين دول أنا هقضـ.ـي عليهم عشان ميكونوش موجودين تاني وبابا يكون مبسوط، أتفقنا يا حبيبي؟.
هزّ الصغير رأسه يوافق على حديثه، كُلّ ما يعلمه الآن أن والده بطلًا خا’رقًا مثلما يرى في الأفلام الكرتونية وكان يصا’رع الأشـ.ـرار حتى ينتصـ.ـر في الأخير، ر’فع كفيه الصغيران ومسح عبراته عن صفحة وجهه ثمّ نظر في وجوه الجميع وبلحظة بدأ يضحك، لم يفقـ.ـد عقله؛ بل يضحك لأن أبيه أصبح بطلًا خا’رقًا مثل بطله المفضّل في الفيلم الكرتوني، أقترب مِن أمه ووقف بجوارها وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_ماما، بابا بقى زي سوبر مان، بابا بقى زي سوبر مان وبيطيـ.ـر.
ظل يرددها وهو يركض في دائرة صغيرة ويفرد ذراعيه الصغيران في الهواء وكأنه طيـ.ـرًا صغيرًا حُـ.ـرًا يُحلـ.ـق فوق الأرض المحـ.ـتلة، عقله الصغير مازال لم يستوعب بشكلٍ كامل الأمر، ولكن يكفي أن يعلم بأن أبيه في الأخير كان بطلًا ومخلـ.ـصًا لوطنه، تقدّم “ليل” الجد ووقف بالقرب مِن “مرام” التي كانت تر’فض ترك زوجها، لا شـ.ـك بأنه تأ’لم الآن حينما رأى حالتها تلك، ولكن لن يهدأ حتى يوفي بوعده ويأتي بحقوقهم جميعًا..
أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قال بنبرةٍ حز’ينة دون أن يجر’ؤ على النظر لها:
_مدام “مرام” لو سمحتي كدا مينفعش، إكرام الميـ.ـت د’فنه، لازم ند’فنه بعد إذنك كفاية كدا، اللي بتعمليه دا حر’ام وبيعذ’به هو.
ر’فعت رأسها تُطالعه بأعينٍ تكسوها الحُمـ.ـرة وعبراتها السا’خنة تسير فوق صفحة وجهها قائلة بلوعةٍ:
_اللي بعمله دا حر’ام؟ واللي عملوه دا إيه حلا’ل؟ يغد’روا بيه ويجـ.ـروه زي الد’بيحة عالأرض وكأنه عمل كبيـ.ـرة وير’موه زي الكلـ.ـب اللي مالهوش حق يد’افع عن نفسُه ويرد’موه بالحطـ.ـب ويو’لعوا فيه وهما كا’تمين صوته عشان ميطلعش، قولي أنتَ دا مش حر’ام، طب أنا ذ’نبي إيه أخسـ.ـر جوزي، دا كان ضِـ.ـلي وكُلّ حياتي، ذ’نب ولاده إيه يتحر’موا مِنُه فسِـ.ـن زي دا؟ هصرف على عيلين منين هو اللي كان شا’يل كُلّ حاجة … الطفل دا آه يمكن ميفهمش اللي حصل لأبوه دلوقتي بس مسيره يكبر ويعرف كُلّ حاجة، أنا معايا عيلين أربع سنين مش عارفة هعمل معاهم إيه، كُلّ دا وحر’ام عليّا؟.
رفع “ليل” رأسه بخز’يٍ ولأول مرَّة لا يقدر على قول شيءٍ، فحديثها أنهى كُلّ شيءٍ؛ لمعت عيناه ليس فقط بالعبرات، بل برو’ح الإنتقا’م؛ فحديثها لم يوقظ سِوى شـ.ـرًا يخـ.ـمد بداخله، ابتلـ.ـع غُصَّته وحاول جعل نبرته أكثر هدوءًا بقوله:
_طب وحدي الله وصلِّ عالنبي، أرضي بقضاء ربنا لا يجو’ز عليه سِوى الرحمة دلوقتي، وإحنا مش هنسكت أكيد عن حقه ولا حق الشبا’ب الصغير اللي را’حوا معاه، دي أروا’ح يا مدام “مرام” مش شوية حيو’انات يعني آسف فالكلمة، بس حتى الحيو’ان لُه حق برضوا كُلّها أرو’اح فالآخر، بس إحنا فدلوقتي، ند’فنه الأول لإن دا حقه علينا، وبعدين إحنا هنجيبله حقه عا’جلًا أو أ’جلًا، المهم دلوقتي ند’فنه، بعد إذنك يا مدام “مرام”، دي كانت و’صية “إسماعيل”، خلّينا ننفـ.ـذها.
رفعت رأسها نحوه مِن جديد تُطالعه بعيناها الباكية وكأنها تتأكد مِن صدق حديثه، فحتى تلك اللحظة لا تُصدق ما يحدث حولها وتشعُر بأنها في حُلمًا وستستيقظ مِنْهُ تراه بجانبها يوقظها كُلّ ليلة لأداء فريضة الفجر مثلما أعتادت، أقتربت والدتها توا’سيها وتُحاول إبعادها باكيةً حتى يتم دفنه، وبالفعل أستسـ.ـلمت “مرام” لمَن حولها وأبتعدت بمساعدة مِن والدتها وأخيها الذي كان مصدومًا حتى الآن..
تحرّك “حُذيفة” ومعهُ “ليل” و “شهـاب” و “عـزّام” يحملون الصندو’ق على أكتافهم وينز’لون للأسفل تحت نظرات “مرام” التي كانت تبكي قائلة برجاءٍ:
_علشان خاطري خلوني أشوفه لآخر مرَّة، عايزة أودعه علشان خاطري عايزة أشوفه أنا مشوفتهوش بقالي ١٥ يوم.
ضمّها أخيها إلى د’فء أحضانه وكفه يمسح فوق ذراعها برفقٍ محاولًا تهدأتها، وعيناه الدامعة لم تفا’رق إثرهم؛ بينما كانت هي ترجوا “ليل” الجد أن تراه للمرة الأخيرة وهي تبكي بحُـ.ـرقة، بينما كان ينظر لها بعينان تكسوها الحُمـ.ـرة وهو في صرا’عٍ عنـ.ـيفٍ مع نفسُه، فيخشى أن يسمح لها وتتأ’ذى برؤيته، فلم تعُد معالم وجهه كما كانت فقد شوّ’هتها الحـ.ـروق التي شُـ.ـخِصَت بأنها حرو’قًا مِن الدرجة الأولى..
تركت “مرام” أخيها وأقتربت مِنْهُ، وقبل أن تجسو على رُكبتيها لتقبيـ.ـل قدميه منـ.ـعها بحركةٍ سريعة وكأن فعلها سُـ.ـمًّا قا’تلًا، رفعت رأسها تنظر لهُ وعبراتها لا تتوقف عن السقو’ط فوق صفحة وجهها، نظر في عيناها وقال بنبرةٍ مكسو’رة:
_مش هينفع صدقيني، مش هتتحـ.ـملي تشوفي منظره ومش هتعرفيه، الأحسن إنك متشوفيهوش يا مدام “مرام” عشانك.
أعتـ.ـرضت هي على حديثه بهزّه عـ.ـنيفة مِن رأسها وقد نظرت إليه بعد أن أصَّرت على قرارها قائلة:
_لأ أنا عايزة أشوفه، أنا عارفة أنا بقولك إيه، هشوفه مهمًا كان شكله.
نظر “ليل” إلى أخيها الذي أبدى عن قلة حيلته أمام رغبتها في رؤيته، ولذلك هزّ رأسه برفقٍ موافقًا على طلبها مغمض العينين وغُـ.ـصَّة مر’يرة في قلبه، بينما حينما تلقّت هي موافقته تحرّكت سريعًا تلحق بهم لرؤيته للمرة الأخيرة تحت نظرات “ليل” وعائلتها وعائلة “إسماعيل”، تقدَّم “سيف” وربَّت فوق كتفه برفقٍ موا’سيًا إياه دون أن ينبث بحرفٍ واحد..
بينما نزلت “مرام” سريعًا ورآتهم يخر’جونه مِن صند’وقه لد”فنه، أقتربت بخطى هادئة بطيئة وعيناها مثـ.ـبتتان عليه، عبراتها السا’خنة بدأت تحر’ق وجهها مِن جديد وعاد الأ’لم يسكن قلبها وكأنه عزم على مرافقتها طيلة العمر، رأوها تقترب ولذلك أبتعدوا قليلًا بعد أن وضعوه أرضًا حتى تتثنى لها رؤيته..
جلست على رُكبتيها وهي تنظر إلى كـ.ـفنه، مدّت يَدها ببطءٍ شـ.ـديدٍ وبدأت تُبعده عن وجهه لرؤيته، وأعينهم ترا’قبها بصمتٍ؛ بدأت تُبعده عن وجهه بحذ’رٍ، وكفها ير’تعش بوضوحٍ؛ بينما قبـ.ـض “حُذيفة” بعنـ.ـفٍ على كفه حتى لا يُعلن أستسلا’مه وينها’ر بلحظة، فحتى الآن هو يخوض حر’بًا مع نفسُه لا أحد يعلم عنها شيئًا غيره، وبكـ.ـشفها لوجهه ألتفت خلفه مستندا بجبينه فوق الجد’ار باكيًا بعد أن رأى معالم وجه رفيقه تكاد تكون معلو’مة..
سـ.ـقطت عبرات “مرام” حينما رأته، ولم تستطع أن تُسيطـ.ـر عليها بعد هذه اللحظة، وجهه الذي كان جميلًا وبشوشًا شوّ’هته النير’ان وأ’خفت عنهم كُلّ ما هو جميل، وتركت لهم صورًا تذكارية يتذكرونه بها، ولكن برغم كُلّ شيءٍ كان مبتسمًا، تلك الإبتسامة هي تعلمها جيدًا، فلن تُخـ.ـطئ في شيءٍ كهذا بكُلّ تأكيد، تعلم أن هذه هي ضحكة حبيبها..
_يا حبيبي، شو’هوا جمالك يا نور عيني.
همست بها وهي تنظر لهُ نظرةٍ مكسو’رة وكفها يتلـ.ـمس وجهه برفقٍ، وكأنه وداعًا مؤ’جلًا؛ ولكن بلحظة تبدّلت معالم وجهها ونظرتها إلى القسو’ة، وكأنها كانت مغـ.ـيَّبةً عن الواقع وبتلك اللحظة عادت إلى رُشدها، تو’عّدت لأجله بنبرةٍ تملؤها الحُـ.ـرقة قائلة:
_بحق لا إله إلا الله، ليرجعلك حقك يا حبيبي مهما كان التمـ.ـن، ولو كان الموضوع فإيدي فأنا مش هتردد لحظة واحدة، زي ما عملوا فيك هعمل فيهم، عشان هُما خَوَ’نة، ملهومش عهـ.ـد، زي ما أتغد’ر بيك هيتغد’ر بيهم، وزي ما عملوا فيك هيتعمل فيهم، حقك مش هيطول يا “إسماعيل” وعد يا حبيبي، وعلى فكرة أكل الجنة أحلى بكتير، قتـ.ـلوك وأنتَ جعان.
أنهت حديثها وهي تبكي بحُـ.ـرقة، فالأمر ليس هينًا عليها فكان “إسماعيل” حياتها بالكامل، كان حنونًا عليها ولا ير’فض لها طلبًا حتى وإن كان الطلب عيـ.ـناه، بينما كان “حُذيفة” يبكي وعيناه مـ.ـثبتتان على السماء يبحث فيها عن الحُـ.ـرية المسلو’بة مِن أراضيهم وقلوبهم، ولا يعلم إلى متى سيستمر هذا الوضع وهل سيخسـ.ـرون جنو’دًا أكثر ورفاقًا كانوا عقا’رًا لجر’وحهم يومًا ما، عيناه تبحثان عن العد’ل في تلك الدُنيا، وكأنه محاطًا داخل زنز’انة محكـ.ـمة الغـ.ـلق تحـ.ـبس بداخلها أصوات الحق وتترك الفسا’د يعُم في الأرض..
وبعد مرور ثلاث ساعات..
داخل قاعة مناسبات ضخـ.ـمة مـ.ـلكٌ للشـ.ـرطة..
كان “ليل” الجد يقف في المقدمة ويصطف على يساره ولده وزوج أبنته والسبعة شبا’ب بالإضافة إلى شقيق “مرام” ورجا’ل عائلة “إسماعيل” يأخذون واجب العز’اء، كان “حُذيفة” شارد الذهن، عبراته عا’لقةً في مُقلتيه تأبى السقو’ط، وعقله في تلك اللحظة قرر أن يقسـ.ـو عليه ويُعيد إليه ذكريات الحبيب الذي غادر بعيدًا..
وبالجهة المقابلة كانت “مرام” ووالدتها ووالدة “إسماعيل” يأخذن عز’اءه بقلوبٍ نا’زفة وأعينٍ ما’تت فيها الحياة بعد رحيله، أذهانهن شاردة وأعينهن تأبى التوقف عن زرف العبرات، تقدّمت “روز” مِنها بخطى هادئة وهي تتشح بالأسو’د، عيناها حز’ينة لأجل هؤلاء الشبا’ب الذين فا’رقوا الحياة في مشهدٍ مأ’ساوي لم يكُن يخطُـ.ـر على العقول، وقفت أمام والدة “إسماعيل” التي كانت تنظر حولها وكأنها تبحث عنهُ بين وجوه الجميع، فليس الفر’اق بهيـ.ـنٍ على قلوبٍ حيـ.ـة.
