رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل السادس والتسعون 96 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل السادس والتسعون

سيدي يا رسول الله،
يا خير خلق الله،
يا رحمة الله المهداة للبشرية،
اللهم صلِّ وسلم عليه.
_مُحَمَّد عُمران.
____________________________
لم يكُن الفُر’اق هينًا على المرءِ، أن تُسر’ق مِنك قطعة صغيرة تجعلك على قيـ.ـد الحياة، ليس هينًا البتة؛ الفُر’اق مثل مر’ارة العقار، قا’سٍ ومُـ.ـرًا على صاحبهِ، ولكن أ’لمه يكون أكثر قسو’ة حينما يأتي فجأةً، حينما تظن أن الرحيل مازال بعيدًا ..!!.
ولكنهُ كان قريبًا بشدة، أكثر مِمَّ تتوقّع عزيزي القارئ، ليس بضيفٍ يُكرّم؛ بل مثل عابر السبيل الذي لا يتوقّف، يخـ.ـطف أسعد لحظاتك ويرحل سريعًا، ويتركك تبكي سنون وبكَ جر’حًا عميقًا لن يلتـ.ـئم أبدًا..
<“مر’ارة الفُر’اق كانت مثل جرس الإنذ’ار.”>
كان صوت القرآن الكريم بصوت الشيخ في الخارج هو الذي يُسمع في المكان، ممزوجًا ببكاءٍ خافت ونحيـ.ـبٍ، قلوبًا أر’هقتها الحياة وقـ.ـتلها الفُر’اق، وتُرِكَت لهم ذكرى أ’ليمة ستُخلد في عقو’لهم مدى الحياة..
كانت “روز” تجلس إلى جانب تلك السيدة البسيطة المسنة، إلى جانبها زوجة ولدها الر’احل التي كان قلبها يعتصـ.ـره الأ’لم كُلّما تذكّرت كيف كان وما أصبح عليه، كانت “روز” تُحاول تما’لُك نفسها، تختلس النظر بين الفينة والأخرى تجاه زوجات أحفادها وأصدقائهم، وهي لا تعلم كيف تواسي تلك المرأة الآن، فلا بكلمات العالم أجمع تستطيع أن تداوي جرو’حها..
مـ.ـنعت “روز” عبراتها مِن السقو’ط ثمّ تمالكت نفسها قليلًا ونظرت إلى والدة “إسماعيل” ثمّ مدّت كفها وقبـ.ـضت برفقٍ على كفها المر’تجف وقالت بنبرةٍ هادئة مر’تجفة مغلّفة بالحز’ن:
_البقاء لله يا أمّ “إسماعيل” شِـ.ـدي حيلك يا حبيبتي راح عند الأحسن مِن الكُلّ، أبنك شهـ.ـيد يا حبيبتي أفرحي.
أشتـ.ـد بكاء والدته بعد أن أستمعت إلى كلماتها، وصورته مضمومة إلى صدرها بقو’ةٍ، فعقلها لم يستوعب حتى هذه اللحظة بأن ولدها قد رحل، رفعت رأسها وعبراتها تنجر’ف فوق صفحة وجهها تُزيد حُر’قتها أكثر بقولها المقهو’ر:
_أنا أبني ما’ت، أبني يا مدام ما’ت عارفة يعني إيه؟ ولا كلمة بأي لغة هتقدر تواسيني على فُر’اقه، أنا قلبي هيفضل محر’وق عليه طول العُمر..
أبعدت الصورة عن صدرها وأشهرتها بوجه “روز” وأكملت بقهـ.ـرٍ:.
_شايفة، بُصي عليه كويس، شا’ب لسّه فزهرة شبابه، وشه زي البدر منوّر، محدش شاف أبني إلّا وحبُّه، أنا مبقولش كدا عشان هو أبني بس شهادة الناس هي اللي بتقول كدا، أبني دا تشوفيه تحسيه كأنك تعرفيه بقالك سنين، مكانش بيخرج مِن هنا غير وهو متأكد إني راضية عنه، يصحى ويصلي الفجر أول حاجة ويفطر ويلبس ويجهز نفسُه على سـ.ـنجة ١٠ ولا كأنه عريس، وقبل ما يطلع عالشغل يعدي عليّا الأول يبو’س إيدي وراسي ويطبطب عليّا، ويقولي صباح الخير يا أُمّي، مِن صغره مبيقوليش غير يا أُمّي، يقولي راضية عني؟ أقوله راضية يا حبيبي طول العُمر، أنتَ مز’علتنيش مرَّة وعلى طول بتسأل عليّا، إيه اللي هيز’علني مِنك يعني..
رفعت كفها المر’تجف ومررته فوق شطر وجهها الأيمن تمسح عبراتها، ثمّ أكملت وهي تبكي قائلة:
_كان بيخا’ف يزعلني حتى لو مش بقصده، أنا أبني دا محدش أشتـ.ـكالي مِنُه مرَّة، ولو حد قصده فحاجة ميتأخرش عليه، حتى لو مش قادر مبيتأخرش عن حد، يروح مأ’مورية قلبي يفضل قلـ.ـقان عليه لحد ما يرجعلي تاني أطمن إنُه بخير أحمِد ربنا، المرة دي هو راح مرجعش تاني، المرة دي قبل ما يروح خدله ساعة عشان يجهز نفسُه ودي أول مرَّة يعملها، “مرام” مراته أهي تأكدلك ودا كلامها هي، حتى البدلة قالها أغسليها وظبطهالي عشان أنا عايز أروح وشكلي حلو، مع إنُه واللهِ زي القمر مش محتاج حاجة..
كانت “روز” تستمع لها وهي تجفف عبراتها بالمحر’مة وتستمع لها بقلبٍ دا’مي، وإلى جانبها حفيداتها اللواتي تأثرن بحديثها وبدأت عبراتهن تسقـ.ـط دون توقف، بينما أكملت والدته حديثها وهي تبكي قائلة:
_”مرام” غسلتهاله مع إنها كانت نضـ.ـيفة وزي الفُل، إصمالله عليه كان بيحب النضا’فة أوي، ويحب شكله يكون حلو، المهم غسلتها وكو’تهاله حلو وهو صلى الفجر وفطر ولبس، وكُلّ شوية يسأل “مرام” أنا شكلي حلو يا “مرام”؟ طب في حاجة مش متظبطة؟ و “مرام” متأثرش معاه، سرّح شعره وكان لسّه حالق، دقنه كانت تقيـ.ـلة شويه وهو متعود على شكله بشكل مُعيَّن، حلق قبلها بيوم ورجع ولا كأنه عريس جديد، “مرام” كانت شرياله قبلها بيوم برفان جديد، حط مِنُه قبل كدا كان مع صاحبه “حُذيفة” عجبه وكان عايز يجيبه، فـ “مرام” متأخرتش عليه وجابتهوله وقالت تفاجئه بيه تاني يوم، واللهِ يا مدام “روز” كان طا’ير مِن الفرحة، حط مِنُه وكان مبسوط أوي..
_يادوبك قعد مع “مازن” و “ميار” يتكلم معاهم ويلاعبهم، وهما متعـ. ـلقين بأبوهم أوي، بيحبوه حُبّ غير طبيعي حتى بيحبوه أكتر مِن أمهم نفسها، وخرج عدى عليّا وودعني وقالي أدعيلي وخلّي بالك مِن “مرام” والعيال، أخوه الكبير “نـوح” كان لسّه راجع مِن السفر عشان بيشتغل فالخليج، خده بالحضن وقعد يهزر معاه زي ما متعود ومشي، مشي ومكملش يوم يا بشر، يوم واحد بس مكملهوش وبعد كام ساعة أسمع خبـ.ـره فالتلفزيون ليه؟ أنا مش فاهمة ندهت “نـوح” يا “نـوح” إلحق، بيقولوا في شهد’اء فالمكان اللي أخوك فيه بُص كدا يا أبني يمكن مش هو وأنا مش واخدة بالي، يقولي دا الموقع اللي فيه “إسماعيل” ياما، طب يا حبيبي يمكن مُصا’ب ما أنا عايزة أتطمن..
حاولت أن تهدأ قليلًا حتى تستطيع أن تُكمل حديثها، فبداخلها حديثٌ طويل لن تهدأ إلّا حينما تُخرجه بالكامل، أكملت حديثها بنبرةٍ هادئة قائلة:
_المهم معرفناش نطلع مِن الأخبار بحاجة، كانت “مرام” والعيال عندي ساعتها، قالوا لسّه مش عارفين عدد الشهد’اء بس الأكيد إن محدش مصا’ب، دي بقى وجـ.ـعتلي قلبي وخلّتني قعدة عمّالة أدعي وأقول يا ربّ نا’جي واحد فيهم حتى لو أبني، مش مهم يرجع مصا’ب ولا لقدر الله فيه حاجة بس يكون عا’يش، أسمع حِسُه فالدنيا، بعدها بساعة أتصل بينا العقيـ.ـد “عبدالله”، أنا اللي رديت عليه، أول ما قالي حضرتك والدة “إسماعيل” عرفت إن أبني حـ.ـصله حاجة، قولتله أيوه يا أبني أنا أُمّه ماله “إسماعيل”، لقيته بيقولي البقاء لله أبنك أر’تقى شهـ.ـيد مع العسا’كر اللي كانوا معاه، أنا فجأة محسيتش بنفسي ولا د’ريانة أنا بعمل إيه، أنا دموعي كانت بتنز’ل وبزغرط ولا كأن عندنا فرح وعمّالة أقول أبني شهـ.ـيد..
_أقسم بالله كُنت مُغـ.ـيَّبة، “نـوح” أبني يحاول يهديني وأنا مش د’ريانة بحاجة، شغالة زغاريط، وأحتسبته عند ربنا شهـ.ـيد، بس لمَ فوقت وحضرت د’فنته إنها’رت، مكُنتش مصدقة نفسي، حاسّة كأني مخبو’طة على راسي مش وا’عية، أبني فين مِن وسط زمايله، بس أنا مش وا’جعني غير إن أبني متغـ.ـسلش، أبني راجعلي محرو’ق، مفيش حاجة فيه باينة حتى وشه مش باين، إيه؟ دا الكفا’ر ميقد’روش يعملوا كدا يا بشـ.ـر، أبني يترد’م بالحـ.ـطب ويتصـ.ـب عليه جا’ز ويو’لعوا فيه ولا كأنهم بيحر’قوا حتت خر’دة ملهاش أي ٦٠ لازمة؟ هو أنا أبني دا مش بني آدم لحـ.ـم ود’م؟ ليه يحر’قوا قلبي عليه ويحر’موني مِن حنيته، ليه يو’جعوا قلب مراته عليه، طب عياله دول ذ’نبهم إيه؟ دول لسّه أطفال صغيرة، ٤ سنين مش فاهمين حاجة، أنا جوّايا نا’ر مش قادرة أطـ.ـفيها، يا ربّ الرحمة مِن عندك أنا مش قا’درة أستحمـ.ـل ..!!.
أنهت حديثها وإنها’رت باكيةً وكفًا تضعفه فوق مو’ضع قلبها والآخر ممسكًا بصورته التي عادت تضمها إلى صد’رها مِن جديد، بينما بكت “روز” بعد أن أستمعت إلى كلماتها المؤ’لمة، فهذا المشهد ليس مستوحى مِن قصة خيالية، بل هو وا’قعًا ملمو’سًا؛ ضمّتها “روز” في محاولةٍ مِنها لمواساتها، بينما نهضت “روزي” بخفةٍ واقتربت مِن “مرام” لتواسيها على فر’اق زوجها وإلى جانبها “برلين” التي كانت تبكي بصمتٍ..
تحدثت “روز” محاولةً مواساة والدته بقولها الباكي:
_وحدي الله يا حبيبتي، وحدي الله أبنك شهـ.ـيد، أبنك فالجنة يا أُمّ “إسماعيل” أفرحيله، فوّضي أمرك لله وبإذن الله وعد حقه هيرجع قريب، مفيش واحد هيأ’ثر فحقه لحظة، حقه هيرجع وهو هيرتاح وأنتِ نا’رك تبر’د، وربنا يباركلك فـ “نـوح” ويكونلك عوض عنُه يا حبيبتي، أهدي وأستهدي بالله العياط مش حلو عشانه.
هذا ما أستطاعت “روز” أن تفعله معها، فهي لا تستطيع أن تفعل أكثر مِن ذلك فحالتها النفسية متأ’ثرة بشـ.ـدة وقلبها يؤ’لمها على هذا الشا’ب الذي يكون بمثابة حفيدٍ لها إلى جانب أحفادها، فهي كانت مهد’دة بخسا’رة ولديها مِن قبل وتعلم هذا الشعور جيدًا، وتعلم كذلك كيف يكون تأ’ثيره على الأم، فالأمر الآن ليس جيدًا وحسا’سًا للغاية يجب أن يتم أخذ قرارًا فوريًا بشأن ما حدث لاستعادة حقوق هؤلاء الشهد’اء..
في مكان الرجا’ل..
كان “مينا” يجلس فوق المقعد المعد’ني ينكس رأسه للأسفل ويضمها بكفيه يُحاول استيعاب ما يحدث حوله، كُلّما نظر حوله ليؤكد لنفسه أن هذا ما هو إلّا حُلمًا يسمع صوتًا يُجبـ.ـره على تقبُل الواقع، فهذا ليس بحُلمًا وهذا الرفيق طيب القلب لم يعُد بينهم بعد الآن، أغمض عيناه وترك عبراته تسـ.ـقط، فالأمر ليس بهينٍ عليه أو على رفاقه، فحتى حينما كان يُد’فن كان يُريد أن يصحو مِن هذا الكابو’س ويجد رفيقه يُهاتفه مثلما كان يفعل..
ولكن الأمنية لا يُمكن تحقيقها بعد الآن، فالحقيقة أصبحت واضحةً كأشعة الشمس للجميع، كان يجلس إلى جوار “حسـام” الذي كان يقف يأخذ عزاء رفيقه بقلبٍ د’امي، ورو’حٌ مُر’هقة لا تعلم أين ستجد راحتها، تقدَّم “رمـزي” إلى جواره “يوسـف”، يرتدي قميصًا أسو’د وبنطالًا مِن خامة الچينز الد’اكن، وكان “يوسـف” يرتدي مثله ويلتزم الصمت منذ أن صف سيارته بالقرب مِن المكان..
بدأ تعزية الجد أولًا بهدوءٍ مرورًا بالأحفاد، يتبعه “يوسـف” يسير نهض خطاه، حتى توقف “رمـزي” أمام “ليل” الحفيد الذي يلتزم الهدوء تاركًا لعيناه تأدية مهامها، نظر إلى عيناه وشـ.ـدّ برفقٍ فوق كفه وقال بنبرةٍ هادئة يُغلفها الحزن:
_البقاء لله يا “ليل”، شـ.ـد حيلك هو فمكان أحسن دلوقتي.
لم يقدر على الرد، فقط أكتفى بهزّة صغيرة مِن رأسه، بينما تركه “رمـزي” وتقدَّم خطوة ثمّ وقف أمام “حُذيفة” الذي لم تتوقف عيناه عن ذرف عبراتها حتى توّ’رمت وأكتستها الحُمـ.ـرة، رفع “حُذيفة” عيناه ينظر في وجه رفيقه الذي ربَّت فوق ذراعه برفقٍ ومِن ثمّ ضمّه إلى أحضانه مواسيًا إياه بكلماتٍ تد’اوي قلبه قليلًا، وصدقًا لم يتأخر “حُذيفة” وأر’تمى داخل أحضان رفيقه باكيًا وكأنه أخيرًا وجد غوثًا يُعينه على تلك اللحظات الصـ.ـعبة..
_قلبي وا’جعني أوي يا “رمـزي”، مش عارف أهدى ولا قادر أصدق إني باخد عزاه.
شـ.ـدّ “رمـزي” على ذراعيه مِن حوله وربَّت فوق ظهره برفقٍ قائلًا:
_وَحِّد الله يا “حُذيفة” وأدعيله، واللهِ هو فمكان أحسن مِن هنا، دا قدره يا حبيبي منقدرش إحنا نغيره، هو مش مستني عياط قد ما مستني دعوة مِنك دلوقتي، الميـ.ـت كُلّ اللي محتاجه دعوة واحدة بس تفتكره بيها، العياط مش هيحل حاجة ولا هيرجّع اللي راحوا، أهدى يا خويا وأمسك نفسك شوية.
لحظات استغرقها “حُذيفة” وخـ.ـطفها في أحضان رفيقه، فهو وحده الآن مَن يستطيع أن يستمد مِنْهُ قو’ته المسلو’بة، أبتعد عنهُ ينظر لهُ بوجهه الباكي ليُكمل “رمـزي” قوله بنبرةٍ هادئة وهو يرفع كفه بالمحر’مة يمسح برفقٍ فوق شطري وجهه:
_أدعيله يا صاحبي، وهو دلوقتي فالجنة بياكل مِنها أحلى أكل، أفتكرله اللحظات الحلوة وأدعيله فكُلّ صلاة، وبإذن الله حقه راجع قريب، يُمهل ولا يُهمل يا “حُذيفة”.
برغم النير’ان التي تحر’ق صدره الآن، ولكن مازالت رو’ح الإنتقا’م بداخله حـ.ـيَّة، فلأجل القسم سيفعل المستحـ.ـيلات لكي يعود بحقوقهم أجمع وعلى رأسهم رفيقه، تركه “رمـزي” وأكمل تعزية البقيَّة مِنهم تاركًا “يوسـف” خلفه الذي حاول مد’اواة جر’ح “حُذيفة” و “ليل” قدر أستطاعته، فهو يعلم جيدًا مذاق الفرا’ق، كيف لا وهو تجر’عه مِن قبل حتى أعتاد عليه..
دقائق قِلة وجاور “يوسـف” رفيقه “رمـزي” في جلسته، عيناه كانت تجوب على وجوه الجميع بشمولية، يرى في أعماقها ضـ.ـعفًا وأ’لمًا لا يقدر ر’جُلًا على تحمُله، ولا يُنـ.ـكر أنَّهُ تأ’لم لأجلهم في تلك اللحظة، كانت عينان “يوسـف” تجوب بين الجميع حتى سـ.ـقطت على “مينا” الذي كان يجلس بجوار “حسـام” الذي كان يقف يأخذ عزاء رفيقه، يرى حزنًا غير عاديًا في عيناه، وكأن الراحل أخيه وليس مجرد رفيقٍ، مال قليلًا نحو “رمـزي” الذي كان هادئًا كعادته وهمس إليه بقوله:
_الشا’ب اللي قاعد هناك دا شكله زعلان عليه أوي، شوفته مرَّة فالصورة اللي “ليل” كان منزلها شكله كان متعـ.ـلّق بيه أوي.
نظر إليه “رمـزي” ثمّ تجاه “مينا” بعد أن أشار “يوسـف” نحوه خلسةً ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_أسمه “مينا”، أقرب واحد لـ “إسماعيل” الله يرحمه، علا’قته زي علا’قتنا كدا أُخُوَّة، حقه يزعل عليه بصراحة بالطريقة دي، الظاهر إن مفيش حد مكانش بيحب “إسماعيل”، سبحان الله لمَ بتتزرع المحبَّة فقـ.ـلب واحد، ربنا يرحمه ويصبرهم على فرا’قه.
أ’مَّن “يوسـف” خلف رفيقه ثمّ أخرج تنهيدة عميقة مِن جو’فه وألتزم الصمت، ولم يستطع أن يمـ.ـنع عيناه مِن أن تجوب بين الحاضرين والوافدين مؤخرًا لتأدية واجب العزاء.
_____________________________
<“لم تكترث البر’اءة على ضحكة فقط.”>
أصبحت الساعة العاشرة مساءً، وثمة فردًا يستعد للخروج في هذا التوقيت المتأخر، كان “شريف” يقف أمام المرآة يُهندم قميصه الأسو’د الذي حر’ر أول زرين مِنْهُ، وأمامه كانت تقف “ناهد” تُقدِّم مساعدتها في وضع لمسا’تها الخاصة كما ترى مِن منظورها، كسـ.ـرت هذا الصمت بقولها الهادئ:
_هتتأخر ولا إيه النظام؟.
كانت أنامله تعـ.ـبث بخفةٍ بين خصلا’ته وعيناه مـ.ـثبتتان على ما يفعله مجيبًا إياها بنبرةٍ هادئة بقوله:
_مش عارف لسّه يا “ناهد”، “فاروق” متنشـ.ـن الفترة دي ومش عاجبني حالُه، قولت مش هيجرى حاجه لو خدته وروحنا أي حِتة يفُـ.ـك عن نفسُه شويَّة.
نظرت إليه “ناهد” نظرةٍ ذات معنى وكأن كلماته أصبحت خـ.ـطيئة دون أن يعلم، ولكنها تخـ.ـطّت ذلك وقالت بنبرةٍ هادئة:
_إن ما عملتها معايا مرَّة حتى، بس هنقول إيه بقى.
نظر إليها بعد أن أستمع إلى نبرة صوتها التي أ’خفت بداخلها سخريةً، وكأنه أقدم على حر’بًا كلامية سيُعلن في أولها أستسلا’مه أمامها، نظر إلى نفسُه ليشعُر بالرضا حينما رأى هيئته المُرضية، وفي تلك اللحظة التي شَعَر فيها بالراحة نظر لها وكأنه تجرّ’ع ما يكفي مِن طاقته ليقف في مو’اجهتها، بسمةٌ هادئة رُسمت فوق شدقيه مجيبًا إياها بنبرةٍ هادئة بقوله:
_وأنتِ جيتي مرَّة طلبتي فيها مِني حاجه وأنا ر’فضت يا “ناهد”؟.
نظرت إليه مِن أسفل أهدابها بتحفظٍ وجاوبته بنبرةٍ حا’دة بعض الشيء وكأنها تُلقـ.ـي اللو’م عليه بقولها:
_وأنا لازم أطلب مِنك حاجه يا “شريف”؟ مفيش مرَّة مِن نفسك تقولي أنتَ تعالي نخرج سوا شويَّة؟ ولا بتر’مي اللو’م عليَّا عشان تخـ.ـلع أنتَ مِن الموضوع؟.
أبتسم بزاوية فمه بسمةٌ خفيفة ثمّ جاوبها بنبرةٍ هادئة بقوله:
_لأ أنا مش بر’مي اللو’م عشان أخـ.ـلع، بس أنا خدت الخطوة دي عشان حسيته بجد مضا’يق.
عقدت ذراعيها أمام صد’رها ورفعت حاجبها عا’ليًا، نظر لها نظرة تحفظٍ بعد أن قال ما لا يُحمد عليه دون أن ينـ.ـتبه، ر’شقته بنظرةٍ حا’دة ليهمس هو بتحفزٍ مِمَّ هو مقبلٌ عليه:
_متقوليش إنها طلبت معاكي بنكـ.ـد يا “ناهد”.
أبتعدت “ناهد” عنهُ وجلست فوق المقعد المجاور للشرفة وهي تنظر بعيدًا عنهُ، وحينما رأى هذا الرد عَلِمَ أنَّهُ بالفعل قد ولج حر’بًا أصـ.ـعب مِن حر’به مع أعد’اءه، تقدّم مِنها بخطى هادئة حتى جلس على رُكبتيه أمامها فوق الأرضية ونظر لها قائلًا:
_”ناهد” هو دا معاد هرمو’ناتك صح؟ أصل أول علامة ليها نكـ.ـدك بدون مُبـ.ـرر فشكله هييجي على د’ماغي أنا فالآخر زي كُلّ مرَّة.
يُلـ.ـقي بكلماته وهو لا يعمل مقدار ضر’رها عليه في الأخير، فبدورها نظرت إليه نظرةٍ نا’رية أعربت عن غـ.ـضبها تجاهه، وحينما شَعَرت بلمـ.ـسة يَده سحبت يَدها سريعًا وهي تُبعد وجهها عنهُ بعد أن أحـ.ـتقن غـ.ـضبًا مِن كلماته التي لم تفعل شيئًا سوى أنها ستُدخله الجحيـ.ـم بعينه دون أن يؤخذ بهِ رحمةً أو شـ.ـفقة..
بينما أنتـ.ـبه هو لكلماته اللاذ’عة التي أ’لقاها دون أن يكترث لحجمها أو ما ستفعلها بها، أخرج تنهيدة عميقة وألتزم الصمت قليلًا يُفكر ما يجب عليه أن يفعله الآن حتى يُصـ.ـلح ما أفسـ.ـده قبل قليل، وفي تلك الآونة اقتربت “شروق” مِنْهُ تحبي على أطر’افها بهدوءٍ حتى جلست بجواره تنظر إليه بعيناها الخضـ.ـراء الو’اسعة تنتظر أن ينتـ.ـبه لها ويُلا’عبها مثلما يفعل دومًا..
_بابا.
كلمة صغيرة بإيقا’عٍ دا’فئ ونبرةٍ طفولية هـ.ـزّت كيانه بأكمله، وكأنها تعلم أنها تمتلك سحـ.ـرًا خاصًا بها تعلم جيدًا متى تستخدمه، نظر لها “شريف” وفورًا رُسمت فوق شدقيه بسمةٌ واسعة ولمعت عيناه بحُبٍّ بعد أن رآها تنظر إليه، جاوبها بنبرةٍ حنونة بقوله:
_عيون “شريف” مِن جوّه.
مدّ “شريف” يَديه نحوها ورفعها برفقٍ، أوقفها على فخـ.ـذه ونظر لها ويَديه تدعمان توازن جسـ.ـدها الصغير، نظر لها وقال بنبرةٍ حنونة:
_بابا دلوقتي فمشـ.ـكلة كبيرة أوي، وعايز يحلها قبل ما يمشي عشان ميقدرش يسيبها كدا ويروح، بُصي ماما زعلا’نة مِن بابا أزاي ومش راضية تكلمه، قوللها إن بابا ميقصدش يز’علها عشان هي بتسمع كلامك أكتر مِني.
نظرت إليه “شروق” دون أن تفهم كلمة مِنْهُ، ولكن كُلّ ما فهمته هي كلمة “بابا” و “ماما” فقط كما أعتادت قولهما منذ قرابة الشهر، أعادت تكرار نداءها إليه وكفها الصغير يُلامس لحيته الخشـ.ـن بفضولٍ طفولي، بينما وفي تلك اللحظة أبتسم “شريف” لها وأمسك بكفها هذا يُلثمه بحنوٍ ثمّ ضمها إلي أحضانه وهو يغدقها بقُبلاته، بينما تركت الصغيرة العنان لضحكاتها الطفولية النا’عمة بالتغلغـ.ـل إلى أركان الغرفة، وكأنها تعزف على مسامعهم سمفونيتها الخاصة..
وبعد دقائق قِلة توقّف “شريف” عن تقـ.ـبيلها بنفس اللحظة التي نظرت فيها الصغيرة إلى أبيها بعيناها اللا’معة ووجهها الضاحك، مسح هو فوق ظهرها بحنوٍ ثمّ نظر إلى “ناهد” وقال بنبرةٍ هادئة مبتسم الوجه:
_قلبك أبيـ.ـض بقى مقصدش أز’علك.
مدّ كفه وأمسك بكفها برفقٍ وشـ.ـد عليه برِقة تزامنًا بقوله الهادئ:
_واللهِ ما بتعمـ.ـد أتجا’هلك أو أضا’يقك، بس هو بجد باين عليه بطريقة غريبة وأنا عشان كدا قولت أعمله حاجه تخرجه مِن المود دا شويَّة، ووعد أنا هاخدك قريب وهوديكي مكان هيعجبك أوي، دي مفاجأة بجهزها بقالي فترة فالسـ.ـر ومكُنتش حابب أعلن عنها دلوقتي بس يلا مش هخسـ.ـر حاجه، بس متسأليش بقى إيه هي عشان مش هقولك مهما حصل، أنا قولتها لـ “شروق” و “شروق” حبيبة قلبي وعدتني إنها هتخلي الموضوع سـ.ـر، مش كدا يا “شروق”؟.
أنهى حديثه وهو يسأل صغيرته التي وكأنها فهمت أنَّهُ يعنيها بحديثه لذلك منحته ضحكة طفولية يملؤها الحما’س وهي تضم كفيها الصغيران أمام فمها وكأنها خجـ.ـلة، قهقه “شريف” حينما رأى ردها الغير متوقع ثمّ منحها قبلة حنونة فوق خَدَّها الصغير ود’فنت هي رأسها الصغير في عنقه بحركةٍ أعتادت عليها منذ أشهرٍ، مسح فوق ظهرها برفقٍ ثمّ نظر إلى “ناهد” التي جلست على ركبتيها أمامه وعانقته مِن الجهة الأخرى مبتسمة الوجه دون أن تتحدث..
لم يبخـ.ـل “شريف” في أن يُعطيها أهتمامه وحُبُّه لها ولذلك ضمها بحنوٍ إلى د’فء أحضانه، وكأنها لوحة أبدع الرسّام في خلق إبداعه بها، رفعت “شروق” كفها الصغير ووضعته فوق فم أبيها، وكأنها تطلب مِنْهُ شيئًا لا تستطيع قوله، را’قبته بعيناها لتتسع بسمتُها حينما منحها “شريف” قبلتها التي سَعَـ.ـت لها، را’قبتها “ناهد” بوجهٍ مبتسمٍ وكفها النا’عم يسير فوق رأسها بحنوٍ با’لغ، وكأن مع كُلّ لمـ.ـسة مِنها يُخـ.ـلق بداخلها نبـ.ـضًا جديدًا..
شَعَرت بزوجها الذي أقترب مِنها ومنحها قبلة حنونة فوق جبهتها وكأنه يُصـ.ـلح ما قام بإفسا’ده قبل قليل، رفعت رأسها برفقٍ نظرت إليه بوجهٍ مبتسمٍ ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة حنونة:
_مش عايزاك تتأخر، محضرالك مفاجأة حلوة.
رفع حاجبه مستنكرًا قولها، وكأنه يُشـ.ـكك في صحته علنًا، ولكنهُ رأى مِنها نظرة تأكيدية تُثبت صحة حديثها، ولذلك أخرج تنهيدة عميقة وقال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_ماشي، هحاول متأخرش عشان أشوف المفاجأة.
أبتعدت عنهُ ونظرت في عيناه وقالت بنبرةٍ هادئة:
_لو أتأخرت أنا هأنجلها لوقت تاني.
شـ.ـكك في صحة تلك الجملة وقال بنبرةٍ هادئة:
_بصراحة أشـ.ـك إننا هنتأخر، فعشان كدا خلّيها بُكرة أضمن، وكدا كدا أنا عندي مشوار بُكرة صـ.ـد رد مش هياخد ٣ ساعات على بعض.
فكّرت في حديثه قليلًا ثمّ أعطته موافقتها بهزّة صغيرة مِن رأسها وقالت:
_ماشي، لأجل عيونك الحلوين دول أنا موافقة.
نظر “شريف” إلى صغيرته التي كانت تنظر لهما تنتظر أن تحظى بهذا الحُبّ مثل والدتها ولذلك وجّه حديثه إلى “ناهد” دون أن يحيـ.ـد بنظره عن صغيرته قائلًا:
_”شروق” عندها مبدأ المساواة أهـ.ـم حاجه فحياتها، يعني مينفعش أحب ماما ومحبهاش هي.
أنهى حديثه وهو ير’فعها عاليًا بخفةٍ، وكانت في بفستانها الذي يُشبه لو’ن عيناها كالفراشة الخفيفة التي تُحـ.ـلق في الهواء بأول يوم ربيعٍ لها، أطلقت العنان لضحكاتها وهي تنظر إلى والدها الذي أنز’لها بخفةٍ ومنحها قبلة حنونة فوق خَدَّها ثمّ تركها فوق الأر’ضية ونهض بخفةٍ يسحب سترة حُلته الخفيفة يرتديها وهو يرى عيناها مـ.ـثبتتان فوقه تُحاول فهم ما يفعله..
أخذ زجاجة عطره ونثر مِنها القليل فوق عـ.ـنقه وقميصه ثمّ وقف أمام المرآة لأخر مرَّة يُتمم على هيئته ثمّ وجّه حديثه إلى “ناهد” قائلًا:
_أنا همشي بقى عشان متأخرش، خلّي بالك مِن القمر دا أوعي تزعليه.
أنهى حديثه مشيرًا تجاه “شروق” التي كانت تتابعه بعيناها توّد معرفة أين سيذهب أبيها ويتركها وحدها، تحرّك “شريف” بعد أن ودعها متجهًا إلى أخيه الذي كان ينتظره في مرآب السيارات، وباللحظة التي أ’ختفى فيها “شريف” أنطلقت “شروق” خلفه بسرعةٍ فائقة تحبي على أطر’افها خلفه ونداءها كدعوة مِنها للعودة لها مجددًا، لم تستوعب “ناهد” حتى فعل صغيرتها وسرعتها الفائقة التي تراها لأول مرَّة ولذلك نهضت ولحقت بها حتى تمـ.ـنعها مِن ملاحقته..
بينما كان “شريف” يسير في الممر الطويل وهو ينظر في هاتفه وخلفه تحبي “شروق” التي كان الأمر بالنسبةِ لها كمطا’ردة شيقة، بدأ “شريف” ينزل د’رجات السُـ.ـلَّم وعيناه مثـ.ـبتتان فوق شاشة هاتفه بأندماجٍ، حتى أنَّهُ لم ينـ.ـتبه إلى صغيرته التي تلحق بهِ منذ خروجه مِن الغرفة، وعلى ذِكرها توقّفت فجأةً بعد أن رأت طريقها أصبح مـ.ـغلقًا في منظورها، جلست أمام أول درجة سُلَّم وعيناها مـ.ـثبتتان فوق أبيها الذي حتى الآن لم ينـ.ـتبه لها..
وصدقًا هذا أز’عجها بشـ.ـدة وجعلها بلحظة تصر’خ عاليًا بصوتها الطفولي بنداءٍ مِنها، توقّف “شريف” فجأةً حينما وصله صوت صغيرته وبلحظة ألتفت نحوها وعيناه مـ.ـثبتتان فوقها بذهولٍ ودهشة واضحة بعد أن رآها تجلس أمام أول درجة تنظر إليه دون أن تُبدي ردًا، وكأنها بنداءها ذاك حققت إنتصا’رها العظيم، عاد “شريف” لها وهو يُحدثها بنبرةٍ تملؤها الدهشة قائلًا:
_إيه يا حبيبة بابا؟ إيه اللي خرجك مِن الأوضة.
أنهى حديثه وهو يحملها على ذراعه يرى كفها الصغير يقبـ.ـض فوق قميصه وكأنها تر’فض تركه لها ورحيله بعيدًا، نظرت إليه مجددًا وقالت بنبرةٍ هادئة:
_بابا.
_عيونه يا حبيبتي.
يأتيها رده فورًا وكأنها حاكمة هذا القصر وهو فا’رسها النبيل، نظرت إليه ولم تستطع أن تُعبِّر عن مشاعرها، ولكنها تمتمت بكلماتٍ مُبهمة بعد أن تنغض جبينها الصغير قليلًا وكأن تلك علامة واضحة على شعورها بالضـ.ـيق، بينما كفه كان يسير فوق خصلا’تها النا’عمة وهو يتجاوب معها وكُلّما رأت قبوله تزداد كلماتها التي إن لم تكُن لا معنى لهُ فهي ذات معنى كبير في عالمها الصغير..
أقتربت “ناهد” مِنْهُ بخطى واسعة بعد أن إنشـ.ـقع قلبها في ثانية على صغيرتها مِن سقو’طها فوق د’رجات السُـ.ـلَّم الرخا’مي، نظرت إلى صغيرتها ومدّت يَديها كي تأخذها مِن زوجها قائلةً:
_ينفع كدا يعني، بقينا نتشا’قى كتير الفترة دي.
وحينما شَعَرت “شروق” أنها تُبعّد عن أبيها شـ.ـرعت في البكاء، لم يكُن بكاءً ناتجًا عن جوعٍ أو أ’لمٍ في معدتها الصغيرة، بل لإبعادها عن أبيها بدون رضاها، حاول “شريف” تهدئتها ولكنها لم تتوقف وأصبح بكاءها حا’رقًا وكأنه مِن صـ.ـميم قلبها، وبين بكاءها نداءها لهُ بنبرةٍ تغمرها الحز’ن والخذ’لان، نظر “شريف” إلى “ناهد” بعد أن لم ينجح في تهدأتها ولم يكُن أمامه حلًا آخر سِوى أن يحملها بنفسُه، علّ هذا هو المُراد..
أخذها مِنها وضمها إلى أحضانه يهدهدها ويُربِّت فوق ظهرها بحنوٍ وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_معلش يا حبيبة قلبي حقك عليّا أنا متز’عليش.
د’فنت “شروق” رأسها في عنقه وهي تبكي وكأن الكون تآ’مر ضـ.ـدها، بينما إتخذ “شريف” مهـ.ـمته في تهدأتها مثلما يفعل دومًا مستعينًا بهمساته الحنونة وقبلاته التي أصبحت شيئًا مقد’سًا في الصُـ.ـلح بينهما، القليل مِن الهمسات الحنونة والقبلات جعلتها تهدأ وتشعُر بالأمان داخل أحضانه، نظر “شريف” إلى “ناهد” التي كانت تتابع المشهد وهي لا تجد كلماتٍ مناسبة تقولها في تلك اللحظة التي جعلتها تعجـ.ـز عن قول أيُ شيءٍ..
بينما رفعت “شروق” رأسها في تلك اللحظة تنظر إلى والدتها بعينان باكيتين تملؤهما الأ’لم بعد أن كانت تُريد إبعادها عن أبيها، وكأن نظراتها سـ.ـهمًا يختر’ق قلبها مباشرةً، قهقه “شريف” بعد أن رآها ولذلك نظر إلى زوجته وقال بنبرةٍ ما’كرة:
_شكلك هتتـ.ـعبي عقبال ما تصالحيها، شا’يلة مِنك أوي.
نظرت “ناهد” إلى صغيرتها ثمّ تقدَّمت خطوة وأمسكت كفها الصغير ولثمته بحنوٍ ثمّ رفعت رأسها تنظر لها نظرةٍ د’افئة وقالت:
_لأ “شروق” عسولة ومبتز’علش مِني، ولو ز’علت أنا هعرف أصالحها.
أنهت حديثها ورفعت كفها تمسح برفقٍ عبراتها بإبهامها بلمـ.ـسة حنونة ثمّ بعدها نظرت إلى “شريف” وقالت:
_أكيد عرفت هي عايزه إيه دلوقتي.
هزّ رأسه برفقٍ ثمّ قال بنبرةٍ هادئة وهو يُقبل صغيرته:
_خلاص هاخدها معايا، مقدرش أزعلها.
تحدثت “ناهد” وهي تُكمل نز’ول ما تبقّى مِن د’رجاتٍ قائلة بنبرةٍ هادئة:
_طب أستنى هجهزلها الببرونة بتاعتها خلّيها معاك أحتياطي.
لَحِقَ بها بعد أن قرر أخذ صغيرته معهُ قائلًا بنبرةٍ عالية بعض الشيء متجهًا نحو الخارج:
_أنا فالجراچ يا “ناهد” تعاليلي هناك ..!!.
في تلك اللحظة كان “فاروق” يقف أمام السيارة السو’د’اء ذات الماركة الشهيرة ويعبـ.ـث في هاتفه منتظرًا قدوم أخيه الذي تأخر أكثر مِن المعتاد، أخرج تنهيدة عميقة بعد أن شَعَر بالملل وقبل أن يُقدم على محادثته رآه يقترب مِنْهُ ومعهُ صغيرته، دس هاتفه في جيب بنطاله وقال بنبرةٍ هادئة بعد أن رُسمت بسمةٌ هادئة فوق شدقيه:
_أهلًا أهلًا بالعسولة، إيه الجمال دا كُلّه.
أنهى حديثه وأخذ إبنة أخيه يحملها بدلًا مِنْهُ وهو ينظر لها ليسمع أخيه يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_عيطت عياط عشان مش عايزة تسيبني يا “فاروق”، أقسم بالله عياطها وجـ.ـعلي قلبي.
قهقه “فاروق” وعيناه لا تُفا’رقان الصغيرة قائلًا بنبرةٍ مشا’كسة:
_شكلنا بقى في فعيلتنا ممثلة موهوبة عارفة أزاي تستغـ.ـل ثغـ.ـراتنا.
أبتسم “شريف” وعيناه لا تُفا’رقان صغيرته التي كانت تنظر لهُ وكأنها تنتظر شيئًا غير معلومٍ لـ “فاروق”، إ’نتبه “شريف” لذلك ولذلك قال بنبرةٍ هادئة مبتسمًا:
_”شروق” عمّالة تبُصلك إنك تحس على د’مك.
نظر “فاروق” لها يرى نظراتها مصوّ’بة نحوه بالفعل ولذلك سأله بنبرةٍ هادئة يجهـ.ـل مُرادها:
_أيوه يعني هي عايزة إيه دلوقتي؟.
_عايزاك تبو’سها يا حبيبي، بو’ستها يبقى أنتَ كدا بتحبها.
تفاجئ “فاروق” مِن قول أخيه ونظر إلى الصغيرة التي كانت تهمهم بكلماتٍ مُبهمة وعيناها تجوب في أرجاء المكان بعد أن تجا’هلها “فاروق”، بسمةٌ هادئة رُسمت فوق شدقيه ومِن ثمّ أقترب مِنها ومنحها قبلة حنونة فوق خَدَّها الصغير وأنتظر ردًا مِنها..
كانت هي في تلك اللحظة تعبـ.ـث في زر قميصه وحينما شَعَرت بهِ رفعت عيناها تنظر لهُ برهةً ثمّ أبتسمت بعدها ومنحته ضحكة طفولية سعيدة بعد أن أخذت مُرادها، قهقه “فاروق” على أفعالها ونظر لها وهو لا يُصدق ما رآه ولكنهُ كان سعيدًا، فتلك الصغيرة يبدو أنها تعلم ما تُريد دون أن تقوله ولذلك قرر أن يندمج معها ويسير خلفها لمعرفة ما تُريد قوله تحت نظرات أخيه الذي كان يُتابع هذا المشهد مبتسم الوجه وشعوره بالرضا يغمره لأجل تلك اللحظة التي جعلته حـ.ـيًّا مِن جديد.
_____________________________
<“عودتهم كان ضما’دة لجرو’حهم الد’امية.”>
في ساعات الليل المتأخرة..
ولجوا جميعًا بصمتٍ مُـ.ـريب بعد أن أنتهى العزاء وعاد كُلّ واحدٍ لدياره، كان الإر’هاق باديًا على وجوههم جميعًا، فلم يكُن اليوم سهلًا عليهم وكان مليئًا بالتعـ.ـب والإر’هاق الشـ.ـديد، توقّفوا في منتصف غرفة المعيشة الواسعة حول جدهم الذي قال بنبرةٍ مـ.ـتعبة:
_اليوم كان صـ.ـعب علينا النهاردة أنا عارف، الد’فنة مكانتش هينة ولا وقوفنا طول اليوم على ر’جولنا، فعشان كدا هناخد أجازة ليومين، ٤٨ ساعة ترتاحوا فيها وتفـ.ـصلوا عشان فاليوم التالت مش هيكون فيه راحة خالص، خدوا كفياتكم فالراحة وأنا مش هخلّي حد يبعتلكم حاجة، وواحد فيكم يبلّـ.ـغ باقي الكـ.ـتيبة بالكلام دا عشان محدش فيهم ينزل بُكرة عالفاضي، أتفضلوا يلا.
وكأنهم كانوا ينتظرون تلك الإشارة بفراغ الصبر، تحرّكوا جميعًا إلى غرفهم كُلّ واحدٍ مِنهم رِفقة زوجته، بينما نظرت إليه “روز” وقالت بنبرةٍ هادئة:
_وأنتَ كمان لازم ترتاح يا “ليل”، أنتَ تـ.ـعبت أوي اليومين اللي فاتوا دول.
مال “ليل” عليها يضع رأسه فوق رأسها مجيبًا إياها بنبرةٍ واهنة قائلًا:
_تـ.ـعبان أوي يا “روز”، الوضع طلع أصعـ.ـب ما كُنت مُتخيل بجد.
دعمت ثقـ.ـل جسـ.ـده وربَّتت فوق ذراعه برفقٍ قائلة:
_حاسّة بيك يا حبيبي، عشان كدا بقولك لازم أنتَ كمان ترتاح، أ’جِّل الشغل دلوقتي وأرتاح.
أصطحبته إلى غرفتهما بهدوءٍ شـ.ـديدٍ تزامنًا بقولها الهادئ الذي وجّهته إلى “أنعام”:
_حضّري العشا يا “أنعام”، طلّعيه الأوضة عشان “ليل” تـ.ـعبان ومش هيقدر يقعد النهاردة عالسفرة وبعدها جهزي للو’لاد السفرة وخلّيهم ياكلوا عشان مكالوش حاجة مِن الصبح.
هزّت “أنعام” رأسها برفقٍ وقالت بنبرةٍ هادئة:
_حاضر يا مدام مِن عيوني.
تحرَّكت “أنعام” بالفعل بخفة الفراشة نحو المطبخ لإعداد العشاء إليهم بعد أن أ’كلها قلبها حزنًا لِمَ آل بهِ رب عملها، وبداخلها تدعو المولى عز وجل أن تكون حياتهم دومًا أفضل وأن يُخفف عتـ.ـق الحياة مِن على كتفيه قليلًا، بينما أغلقت “روز” الباب خلفها بعد ولوجها وقامت بتحر’ير حجابها مِن فوق رأسها متجهةً نحو خزانة الملابس لإخرج ملابس نظـ.ـيفة لزوجها الذي إتجه مباشرةً نحو المرحاض دون أن ينبث بحرفٍ..
بينما في تلك اللحظة كذلك ولج “حُذيفة” إلى غرفته القديمة التي تركها إلى أخيه منذ زواجه دون أن ينتـ.ـبه، ليرى الإضاءة خافتة والغرفة التي كانت مرتبَّة في الصباح أصبحت عبارة عن فو’ضى طفيفة، تنغض جبينه قليلًا ثمّ أمسك برأسه بعد أن شَعَر بالأ’لم يُسيـ.ـطر عليها، وقبل أن يتحرّك نحو الخارج شَعَر بكفٍ يقبـ.ـض على رسغه برفقٍ وشخصًا يضمه في الظلا’م دون أن يفصـ.ـح عن هويته..
لم يكُن جديدًا على “حُذيفة” الذي عَلِمَ صاحبه تزامنًا مع سمعه لهمسه الهادئ:
_وحشتني أوي يا خويا.
حاوطه ذراعيه مشد’دًا مِن عناقه إليه مكملًا بكاءه داخل أحضان أخيه الذي كان بمثابة غوثٍ إليه في تلك اللحظة، فكان ينتظر هذا العناق منذ زمنٍ طويل، أنتظره في أشـ.ـد كر’وباته ولكنهُ لم يكُن حاضرًا كما أعتاد، واليوم عاد إليه بوقتٍ كان يُريده بشـ.ـدة، ربَّت “يزيد” فوق ظهره برفقٍ وقال مواسيًا إياه:
_شهـ.ـيد فالجنة يا حبيبي متزعلش، هو فمكان أحسن دلوقتي.
_كُنت محتاجك أوي يا “يزيد” فالوقت دا، متعودتش على غيا’بك وقت ضـ.ـعفي، حسيت إني طيـ.ـر مجرو’ح ومش لاقي دكتور يدا’ويه، فضلت أنز’ف مِن غير ما إيد تتمد تساعدني.
صوته يُعبِّر عن قهـ.ـرته وضـ.ـعفه، أ’لمه وحزنه؛ وكأنه تلقى رصا’صة غا’درة مِن مَن ظنه رفيقًا لهُ، شـ.ـد “يزيد” على ذراعيه اللتان ضموا طيـ.ـرًا مجر’وحًا كان يُحـ.ـسد على قو’ته دون أن يسقـ.ـط لحظة، ربَّت فوق ظهره برفقٍ وقال بنبرةٍ مخـ.ـتنقة:
_متقولش كدا يا حبيبي الأيادي كتير وألف واحد يتمنى يساعدك، أنتَ اللي أتعودت على شخص واحد ور’فضت غيره يدا’ويك.
شـ.ـد “حُذيفة” على ذراعيه وهو يرجوه بقلبٍ نا’زف قائلًا:
_خليك جنبي النهاردة يا “يزيد”، أنا موجو’ع ومش لاقي طريقي ولا عارف أتعا’لج.
ربَّت “يزيد” فوق ظهره بحنوٍ وقال بنبرةٍ صادقة:
_جنبك طول الوقت يا حبيبي، هتلاقيني على طول جنبك.
كان صادقًا في حديثه بالفعل ولم يكذُ’ب حينما أخبره أنَّهُ دومًا الد’رع الحا’مي لهُ، وفي تلك اللحظة قد وجد “حُذيفة” رُكنه الهادئ الذي بأقل فعلٍ مِنْهُ يُشعره وكأنه وطنه وليس مجرد شقيقٍ.
في الجهة الأخرى..
ولج “علي” إلى غرفته بخطى هادئة رِفقة “لارين” التي عادت متـ.ـعبة كذلك، جلست فوق المقعد بأريحية بعد يومٍ طويل مدركةً كم أن المكوث في المنزل هو راحة بالفعل للمرء، بينما نز’ع “علي” ساعة يَده وتركها فوق طاولة الزينة وبالكاد يفتح عيناه، وقفت “فرح” في تلك اللحظة على عتبة الغرفة تنظر لهما وكأنها تتأكد مِن سلامتهما، تحدثت بنبرةٍ هادئة قائلة:
_حمدلله على سلامتكم.
_الله يسلمك.
هكذا كان ردهما الهادئ عليها، بينما أ’لقت هي سؤالها قائلة:
_كُلّ حاجه تمام؟ أنتوا كويسين؟.
قلبها أنذ’رها بالقلـ.ـق حينما رأت إرها’قهما الشـ.ـديد الواضح عليهما وخصيصًا ولدها، ولذلك كان سؤالها حاضرًا في الحال كي يطمئن قلبها ولو بكلمة واحدة مِنهما، ولم تتلقّى سِوى هزّة صغيرة مِن رأس “علي” الذي فضّل أن لا يتحدث اليوم فيكفي ما رآه ومرّ بهِ، فطاقته نفـ.ـذت بالفعل وهو ليس مستعدًا لخوض حر’بًا أخرى الآن..
_في حد جه وكان عايز يشوفك.
هكذا أخبرته دون أن تفصح عن أسم الزائر، وعيناها مثبتتةٌ نحو الخارج خلف هذا الجدار الذي يُخـ.ـفي عنهُ شخصًا أشتاق لهُ القلب، لم يتحدث “علي”؛ فقط عيناه هي مَن سألت تلك المرة ولذلك رأى والدته تُشير لهُ بوجهٍ مبتسم دون أن تتحدث، بينما وقف “علي” متأهبًا لتلك اللحظة بعد أن شَعَر بوجوده في المكان، عيناه ثُبتت فوق الباب ورأى أخيه يظهر أمامه مبتسم الوجه وعيناه تفضـ.ـح عن شو’قه إليه..
حُبِـ.ـسَت أنفاسه وخفق قلبه بجـ.ـنونٍ بعد أن رآه عاد إليه دون أن يفـ.ـصح عن الأمر، تقدّم “عادل” مِنْهُ دون أن يبوح بكلمة وضمه إلى أحضانه مربتًا فوق ظهره، وكأنه يواسيه خـ.ـفيةً على ما مرّ بهِ، وبتلك اللحظة ترك “علي” نفسُه بين ذراعي أخيه، يُخرج مِن خلال هذا العناق جميع مشاعره السـ.ـلبية، شـ.ـدّ “عادل” على ذراعيه وقال بنبرةٍ هادئة:
_مش عايزك تقول حاجه، أنا موجود وحاسس بيك.
ضمّه “علي” بقو’ةٍ دون أن يقول حرفًا آخر، وكأن الكون صمت أحترامًا وتقديرًا لتلك اللحظة وهذا اللقاء، أغمض عيناه بعد أن أطمئن قلبه وترك نفسُه لهذا الأخ الذي لم يخذ’له يومًا، وفي الخلفية كانت “فرح” تنظر لهما مبتسمة الوجه وعيناها تلمع بحُبٍّ وقلبها يكاد يقفـ.ـز فرحةً برؤية علا’قة الأخوين ببعضهما، فتستحق أن تُعا’فر في تلك الدُنيا إن كان ثمن تلك المعا’فرة تلك الطمأنينة.
_____________________________
<“عودة الفتى إلى ملاذه الآ’من.”>
قُبيل الفجر حيث السكون يُغلف المدينة بأكملها، سار بخطى مـ.ـثقلة، وصوت عجـ.ـلات الحقيبة الصغيرة خلفه فوق الأرض الأسـ.ـمنتية يشـ.ـق سكون الليل، سار تجاه بر’جًا سكنيًا مرموقًا وعيناه تتأمله بهدوءٍ لا يُشبه الأحاديث التي تسـ.ـبح داخل عيناه تكشف أسرارًا يخشى كشـ.ـفها، استلق المصعـ.ـد الذي تحرّك بهِ للأعلى، وصوت موسيقى هادئة يُعزف مِن سماعة صغيرة تقبع على يمينه، لا يعلم كيف سيكون الإستقبال ولكنهُ يعلم أن هذا هو المكان الصحيح والوحيد الذي تبقّى لهُ..
توقّف المصعد عند الطا’بق العاشر، فد’فع الباب بكفه الأيمن وجذ’ب حقيبته خلفه، أغلق الباب خلفه ثمّ نظر حوله حيث وجد نفسُه محاطًا بأربعة أبوابٍ خشـ.ـبية مطلية بلو’نٍ بُنيَّ دا’كن، ولكن بجانب كُلّ باب كان هُناك لو’حٌ مُذهب لا’مع يحوي على أسماء ما’لكي كُلّ شقة، فتقدّم مِن الباب القابع على يساره بجوار الحائط يرى أسم أخيه يُضيء وكأنه طاقة نور شـ.ـقّت ظـ.ـلمة الوحدة..
أخرج تنهيدة عميقة حملت فيها مخا’وفه ومشاعره السـ.ـلبية، ثمّ مدّ كفه وطرق فوق الباب بخفةٍ ثمّ ضر’ب جرس المنزل بخفةٍ وأنتظر حتى يفتح لهُ أحدًا، وبتلك الآونة شَعَر بخفقات قلبه تزداد عـ.ـنفًا داخل صدره فتلك ستكون مرَّته الأولى التي يزور أخيه فيها لمنزله، دقائق قِلة وسَمِعَ صوت مز’لاج الباب مِن الداخل، وقد ظهر أخيه مِن خلف الباب والذي كان يبدو على عيناه النعاس..
ولكن بلحظة جحظت عيناه بعدم استيعاب بعد أن رأى أخيه يقف أمامه ببدلته العسـ.ـكرية وحقيبته تقبع خلفه، كانت مفاجأة مد’وية بالنسبةِ إليه جعلته يعجـ.ـز عن استيعاب الأمر وظن أن هذا ما هو إلّا حُلمًا، كان “مُهاب” يُر’اقبه بنظرةٍ هادئة وبسمةٌ خفيفة فوق شدقيه تكاد تُرى، ألتفت “مصطفى” ينظر إلى ساعة الحائط المُعـ.ـلّقة خلفه في غرفة المعيشة ليراها أصبحت الرابعة فجرًا..
عاد ينظر إليه بالتزامن مع قول “مُهاب” الهادئ:
_عارف إنك مصد’وم ومكُنتش عامل حساب اللحظة دي، بس أنا خدت أجازة أسبوع وملقتش حد غيرك أروحله.
تقدَّم “مصطفى” مِنْهُ يفصـ.ـل المسافة بينهما ضاممًا إياه إلى أحضانه بشو’قٍ بعد أن عاد إليه أخيه أخيرًا، لم تكُن تلك إلّا لحظةٍ نادرة الحدوث بالنسبةِ إليه، ترك “مُهاب” نفسُه تلك المرة دون صر’اعاتٍ نفسية، وبلا ضـ.ـجيج في رأسه مثلما أعتاد، ربَّت “مصطفى” فوق ظهره برفقٍ قائلًا بلوعةٍ:
_وحشتني أوي يا “مُهاب”، وحشتني أوي بجد لدرجة إني قولت مش هشوفك غير فالصور بس.
شـ.ـدّ “مُهاب” على ذراعيه التي تُحيط بأخيه وقال بنبرةٍ هادئة:
_محدش وحشني غيرك يا “مصطفى”، مصدقت لقيت حد أ’لجأله كُنت هضـ.ـيع مِن غيرك.
أبتسم “مصطفى” ثمّ أبتعد عنهُ ينظر في عيناه وقال بصدقٍ:
_متقولش كدا ياض، أنتَ أخويا الصغير يعني فأي وقت هتحتاجني فيه هتلاقيني موجود.
شـ.ـدّه “مصطفى” للداخل وأغلق الباب خلفه قائلًا:
_تعالى البيت بيتك يا عمّ، دا أنا مصدقت إنك جيت ولو مرَّة.
أبتسم “مُهاب” وقد ترك حقيبته في إحدى زوايا الغرفة ولَحِقَ بأخيه الذي جلس إلى جواره فوق الأريكة وقال بوجهٍ مبتسم:
_عودة حميدة، أينعم عودة قصيرة بس مسيرها تطول إن شاء الله، قولي بقى تحب تاكل إيه.
أبدى “مُهاب” بر’فضه قائلًا:
_لأ مش عايز أكل حاجه مليش نفس.
أبدى “مصطفى” بر’فضه كذلك قائلًا بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
_لأ معنديش الأوبشن دا، ومتقوليش واكل فالطيارة والكلام دا عشان مش هيأكل عيش، لعلمك أنا بعرف أطبخ ونَفَـ.ـسي حلو يعني، أنسى اللي كان بيحصل زمان دا دلوقتي أنا شيف مُحترف.
نظر إليه “مُهاب” نظرةٍ تملؤها الشـ.ـك وكأنه لا يُصدق ما يقوله، بينما لم يتحمـ.ـل “مصطفى” نظرته تلك ولذلك هـ.ـبّ واقفًا ممسكًا برسغ أخيه بالتزامن مع قوله الجاد:
_تعالى أنا هثبتلك لو مش مصدقني، وهتقول إني بعرف أطبخ أحسن مِن مليون شيف.
وأمامه لم يستطع أن ير’فض، بل أتبعه إلى المطبخ مبتسم الوجه وهو مستسـ.ـلمًا، أشار إليه “مصطفى” تجاه مقعد الطاولة التي تنتصف المطبخ، جلس “مُهاب” وعيناه تجول مع أخيه الذي كان يتحرك بخفةٍ في أرجاء المطبخ يجمع ما سيحتاجه مِن مكوناتٍ لإعداد وجبة إلى أخيه وهو يسأله بنبرةٍ هادئة يكسـ.ـر حِدَّ’ة هذا الصمت بقوله:
_أحكيلي بقى عملت إيه فالمُدة اللي قضيتها فالجيـ.ـش، أكيد وحشك الأكل.
بسمةٌ خفيفة رُسمت فوق شدقيه وجاوبه بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_يــاه يا “مصطفى” متفكرنيش بالله عليك، مصدقت أفصـ.ـل شويَّة بجد، كُلّ حاجه هناك محسوبة بالثانية حرفيًا، نظام صعـ.ـب بجد يا “مصطفى” فوق ما تتصور.
نظر إليه “مصطفى” مبتسمًا ثمّ شاكـ.ـسه بقوله:
_قول أنا أتربيت يا “مصطفى”، متتكـ.ـسفش.
أخرج “مُهاب” تنهيدة عميقة وهو يقول بأحتجاجٍ واضحٍ:
_يا “مصطفى” بقى بلاش الكلام دا.
قهقه “مصطفى” بخفةٍ ثمّ جاوبه بنبرةٍ هادئة وهو يقوم بتقطيـ.ـع البصل قائلًا:
_أيوه أيوه، أقعد أنتَ أتهرّ’ب مِن الحقيقة، مسيرك تو’اجه.
لم يُعـ.ـلِّق “مُهاب” بل ألتزم الصمت وهو يُحرِّك الملعقة المعدنية فوق الطاولة الخـ.ـشبية بوجهٍ ساكن وعقلٍ شارد، وكأن الراحة أصبحت مُحرَّ’مةٌ عليه، كُلّما سعـ.ـى للجو’ء لها تفـ.ـر ها’ربةٌ مِنْهُ، وكأنه أصبح مكرو’بًا متنقل، إن لا’مسها تمر’ض؛ وإن ظل بعيدًا تبقى بخيرٍ، وكأنه هو مَن أختار والديه، وحياته التي مِن المفترض أن تكون هادئة أصبحت عبارة عن ضجـ.ـة لا تهدأ، وكأن الفارس النبيل أصبح لعـ.ـنة على مملكته.
___________________________
<“وِصال القلوب خُـ.ـلِقَ مِن عشـ.ـقٍ لا يمو’ت.”>
في سكون الليل؛ لم يكُن الأمير وحده هو مَن يُعذّ’ب بحُبُّه، بل كانت الأميرة كذلك تر’اقب حبيبًا خفـ.ـيةً، تخشى أن يتم كشـ.ـفها؛ يظن بعضهم أن الحُبّ مِن المحرما’ت، ولكنهُ لم يكُن سِوى شفاءً لقلوبًا أر’هقتها متا’عب الحياة وصعا’بها..
كانت الغرفة الو’ردية مظـ.ـلمة، ألا مِن ضوءٍ خافتٍ ينبُع مِن مصباحٍ مُعتـ.ـمٍ بجوار الفراش، نسمات الهواء تدا’عب الستائر الحر’يرية التي تمتزج باللو’ن الور’دي والأبيـ.ـض، وكأنها تضع لمـ.ـستها السا’حرة لتلك اللوحة الفريدة مِن نوعها والتي كان نبـ.ـضها حُبًّا، كانت “عنان” تجلس فوق فراشها، ترتدي منامة ور’دية اللو’ن وترفع خصلا’تها بكعكة فوضا’وية، عيناها مـ.ـثبتتان فوق شاشة حاسوبها المحمول..
كانت تتصفح أحد المواقع الخاصة بمستحضرات العناية بالبشرة بتركيزٍ شـ.ـديدٍ، تنتقي ما تحتاج إليه بعناية؛ وإلى جانبها كوب قهوتها المفضّلة، لحظات وأخذت هاتفها تفتحه لتتأكد مِن المنتج قبل طلبه، بتلك اللحظة رأت إشعارًا مِن التطبيق الشهير “فيسبوك” ولذلك قررت أن تراه أولًا بدافع الفضول، بلحظة جحظت عيناها بعدم استيعاب وذهولٍ تام، فلأول مرَّة تراه قد نشر منشورًا جديدًا منذ أشهرٍ..
أبعدت حاسوبها المحمول بوضعه جانبها ومِن ثمّ أعتدلت في جلستها تدقق النظر إلى شاشة هاتفها، كانت صفحته الأولى في محرك البحث السريع بعد أن قامت بتثبيتها لمر’اقبته، وسريعًا ضـ.ـغطت عليها ونظرت إلى منشوره الجديد الذي قام بنشره قبل سبع ساعاتٍ مضت، والذي حظى بتفاعلٍ مُرضي مِن قِبَل عائلته وأصدقائه..
_مَن قال بأن الحُبّ مُـ.ـر المذاقِ؟..
ألم تعلم أنَّ الحُبّ هو مَن يُذ’يب مُـ.ـر الأيام ومشقّا’تها؟.
دفعها فضولها لرؤية تعليقات الرفاق والعائلة، فوجدت أن جميعها مزحاتٍ طريفة مِن أصدقائه، كما المتوقع؛ بعض المزحات والتلميحات الخـ.ـفيَّة شـ.ـتت عقلها وأصبحت لا تعلم إن كانت هي المقصود بتلك الكلمات أم أن ثمة أخرى تُنا’فسها في تلك الحر’ب، ولكنها كعادتها تفاعلت مع هذا المنشور مثلما تفعل دومًا منذ أن إنضمت لفريقهم كشخصٍ مؤ’ثرٍ يدعم مشروعهم الجديد..
وبالصدفة البحتة ولجت على التطبيق الشهير “مسنجر” لتراه أرسل رسالة لها قبل ساعة، خـ.ـفق قلبها بجـ.ـنون داخل صد’رها، وكأنها تم إمساكها بالجُر’م المشهود، بأيدي مر’تعشة ضغـ.ـطت على صورته لتظهر محادثتهما أمام عيناها، حيث أرسل لها رسالة يمازحها فيها بقوله:
_بقى هي دي العيش والملح؟ إن ما عبرتيني حتى بأي ريأكت ولو بالغـ.ـلط، يا سِتي شكرًا.
لا تعلم لِمَ أبتسمت وقرأتها بصوته مثلما أعتادت، جلست بحما’سٍ وكتبت بقلبٍ متـ.ـلهفٍ وليس بعقل فتاةٍ و’اعية:
_على فكرة أنا بصو’ن العيش والملح أنتَ متعرفنيش، بس أول ما فـ.ـتحت شوفت إنك منزل بوست جديد، وبعدين هعرف منين إنك نزلت أجازة؟.
هل رآها بالفعل؟ هل هو بالحق نشطًا الآن، رأته يكتب؛ ولا يعلم بأن خفقات قلبها أصبحت مسموعة في أذنيها، أرسل لها رسالة صغيرة يرد عليها فيها على كلماتها:
_آه أنتِ بتبـ.ـرأي نفسك يعني؟ على فكرة بقى أنتِ أكتر شخص كسو’ل فالتيم بتاعنا، أنا قولتلهم بلاش بـ.ـنت بس هما قالوا إنك شاطرة وبتاع وطلعت عندي حق فالآخر، أعتبري نفسك متو’قفة عن العمل لحد ما نشوف الحوار دا بُكرة فالكافيه … قلبي حاسس إنك سو’حتينا والكافيه أتشـ.ـمّع مِن ورا الدعاية بتاعتك دي.
بدأ يشا’كسها ويُثيـ.ـر غيـ.ـظها، وإن تعـ.ـلّق الأمر بعملها لا تستطيع الصمت طويلًا ولذلك قامت بتسجيل مقطعًا صوتيًا تلك المرة ترد على كلماته بنبرةٍ منفعـ.ـلة بعض الشيء:
_لأ ثواني بقى عشان أنتَ كدا بتشـ.ـكك فمجهودي، أنا يا أستاذ يا فضيل شا’يلة الكافيه على د’ماغي لوحدي فغيابكم، والدعاية اللي مش عجباك دي جايبالكم زباين بعدد شعر راسي، بسم الله ما شاء الله يعني ٥ فعـ.ـيني مش بحسـ.ـدكم لسمح الله، بس عند مجهودي واستوب لو في حد مأ’ثر فهيكون حضراتكم مش أنا، وأنا مش متو’قفة عن العمل أنا شايفة شُغلي.
أنهت حديثها وأرسلته إليه ثمّ أخذت نفسًا عميقًا وزفرته وقد أخرجت معهُ إنفعا’لاتها وغـ.ـيظها، لا تعلم إن كان قد حرّ’ضه أحدهم عليها أم ماذا فهو لم يتأ’ثر بحديثها وردّ عليها برسالة أخرى:
_وكمان بتز’عقيلي، إن ما جيبتلك خصم نُص شهر يا “عنان” مبقاش أنا.
نظرت إلى الرسالة بذهولٍ تام وهي لا تُصدق ما تراه، فبالتأكيد تم تحر’يضه عليها لا معنى آخر لها، دقيقة ووصلتها رسالة على التطبيق الشهير “واتساب” مِن محادثة جماعية بينهم، وكان هو المُرسل؛ ضـ.ـغطت على الشريط في أعلى الشاشة والذي أدخلها على المحادثة وبدأت بقرأتها:
_”يزيد” يا حبيبي “مُهاب” يا خويا أنا قررت إننا نخصم لـ “عنان” نُص شهر مِن مرتبها ودا الد’ليل.
أرسل مقطعها الصوتي وأكمل رسالته بقوله:
_ياريت ناخد إجر’اء بسرعة عشان هي بتز’عقلي وأنا معملتلهاش حاجه.
إغتا’ظت “عنان” التي عـ.ـضّت على إصبعها وكتـ.ـمت صر’ختها داخلها، لحظات ورأته أرسل لها رسالة خاصة تليها أخرى، قرأتهما وأيقنت بأنه قرر مشا’كستها اليوم، ولكنها لم تكُن غا’ضبةً مِنْهُ في تلك اللحظة، بل كانت تضحك وتستفـ.ـزه بكلماتها طيلة الوقت، ففي الآونة الأخيرة بدأت تراه يُلـ.ـقي بتلميحاته بشكلٍ غير مباشرٍ، سواءً كان بمنشورًا على الفيسبوك أو بحالة على الواتساب..
و’قعت عيناها على دفترها الخاص الذي كان يعلو الكومود الصغير المجاور لفراشها، ولذلك سـ.ـحبته بخفةٍ وفتحته بعد أن بدأت تعترف بمشاعرها تجاهه فيه، فتحت صفحة أخرى جديدة وأمسكت بقلمها الحبـ.ـري الأسو’د وبدأت بأولى كلماتها في السطر الأول بكلماتٍ صريحة ومشاعر صادقة لن تستطيع أن تبوح عنها إليه في الواقع..
_اليوم مشاعر أخرى أكثر صدقًا، ليست كغيرها كما مضى مِن قبل، فاليوم قد عاد هو مِن تلك السفرية الطويلة، وعادت تلميحاته مجددًا؛ لا أعلم إن كُنتُ أنا المقصودة بتلك الكلمات، ولكن لا أُنـ.ـكر بأنهُ يآ’سر قلبي بها كُلّ مرَّة، وكأنهُ يُصا’رحني بها مباشرةً؛ دون قيو’دٍ تُحكـ.ـمه، ولا قلـ.ـقٍ يُراوده أو ترددٍ بسيطٍ يمنـ.ـعه، لا أعلم كيف أُسيطـ.ـر على مشاعري نحوه، ففي إنشغالي بالأعمال يُراود فِكري، يُشـ.ـتت تفكيري بشكلٍ فا’ضح..
حتى وقت نومي، حينما أضع رأسي فوق وسادتي النا’عمة أراه أمامي، وكأنه يُخبرني بأنهُ يُرافقني في كُلّ مكانٍ أذهب إليه، أسقـ.ـط في بحو’ر أحلامًا تنتظرني يكون هو فا’رسها النبيل، هذا الفا’رس الشجاع الذي يمتطي خيله ويرفع سـ.ـيفه أمام أعد’اءه فوق أراضيه، وأنا لم أكُن سِوى تلك الأميرة الجميلة التي تنتظر فا’رسها المخضرم في فناء القصر..
_حُبّي لهُ أصبح خارج عن السيطـ.ـرة، وكأن حُبّه دا’ء لا دواء لهُ، وإن كان لهُ دواء؛ فأنا لا أُريد أن أُشـ.ـفى مِنْهُ، كُلّ ما أُريد قوله الآن إن كان هو فا’رسي الذي أنتظره فليبقى إلى جانبي دومًا، يَده لا تُفا’رق يَدي في السراء والضـ.ـراء، وإن كُنتُ أنا أميرته فأُقسم بأنني لن أترك يَده طيلة حياتي، وإن كان ثمن ذلك حياتي..
أشعُر وكأنني فراشة تُحـ.ـلق في أرجاء غرفتي، لا أعلم ماذا سأفعل حينما يُمكن للحُلم أن يكون حقيقة، ولكني سأكون بخيرٍ لطالما فا’رسي إلى جانبي دومًا.
مِن أميرتك/عنان.
إلى فارسي النبيل:وهيب.
أغلقت دفترها وأر’تمت بجسـ.ـدها على فراشها وهي تضم دفترها إلى أحضانها بعد أن أفصحت عن مشاعرها للمرة التي لا تعلمها، والبسمةُ تُرسم فوق شدقيها وعيناها تلمع بحُبٍّ نقـ.ـي، وصادق؛ تنتظر اليوم الذي يأتي فا’رسها المخضرم لخطبتها والاعتر’اف بمشاعره تجاهها، وتنتظر أن تكون أميرة الفارس النبيل.


تعليقات