رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل السابع والتسعون 97 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل السابع والتسعون


فأنتَ لي شُغلٌ عمّا يرى جسدي،
تحلو مرارةُ عيشٍ في رضاك،
وما أطيق سخطًا على عيشٍ من الرَّغَدِ،
من لي سواك؟ ومن سواكَ يرى قلبي … ويَسمعُه؟،
كُلّ الخلائِقِ ظلٌّ في يدِ الصمدِ،
أدعوك يا ربّ فأغفر ذلّتي كرَمًا،
واجعل شفيعَ دعائي حسنَ مرْتقبي،
وانظُر لحالي في خوفٍ وفي طَمعٍ،
هل يرحمُ العبدَ بعد اللهِ من أحد؟،
مَولاي إنّي ببابكَ قد بسطتُ يدي.
_النقشبندي.
_______________________________
تقـ.ـسو الحياة على المرء أحيانًا، وكأنها أُمًا تُعا’قب صغارها لِمَ أقترفوه مِن أخـ.ـطاءٍ، ولكن بلحظة تُقرر أن يكون هذا العقا’ب أشـ.ـد قسو’ة، وكأنها تتعمّـ.ـد أن تُذيقهم مر’ارة الأ’لم..
نعم الحياة دروسًا مثلما يقول البعض مِنكم، ولكن د’فع الثمن كان غاليًا وبشـ.ـدة، فليس كُلّ مَن عُقـ.ـب تناسى، وليس كُلّ مَن تذوّق تبسّم، فإن لم تكُن متخذًا قرارًا حاسمًا للتعايش مع الأ’لم في قرارة نفسك، فستغر’ق سفـ.ـينتك في منتصف البحـ.ـر ولن تجد سبيلًا للنجـ.ـاة..
<“والعين لمَن تُحب عا’شقة.”>
في صبيحة يومٍ جديدٍ يحمل إليهم أحد’اثًا كثيرة..
صفّ سيارته بعد أن وصل إلى وجهته المنشودة، تأمل البِنْاية بعيناه مِن خلف نظارته السو’دا’ء ثمّ ترجّل مِنها، يحتر’ق شو’قًا لرؤيتها فلا يطيق الإنتظار حتى يرى كيف يكون استقبالها بعد هذا الغياب، قلبه يخـ.ـفق بجـ.ـنون وكفيه ير’تجفان قليلًا، يُتابع الأرقام داخل اللوحة الإلكترونية تتغيّر، وقد غـ.ـلبه توتره رغمًا عنهُ..
طرق فوق الباب بخفةٍ وأنتظر قليلًا، يدعو بأن تكون هي مَن يستقبله، عاد يطرق مجددًا ولكن تلك المرة بشكلٍ أقو’ى بعض الشيء، تزامنًا مع سماعه لصوتها في الداخل تُخبره بالإنتظار قليلًا، بسمةٌ خفيفة رُسمت بزاوية فمه وقبل أن يسمح لعقله بتخيُل بعض المشاهد الرائعة التي يُمكن أن تستقبله بها رآها فجأةً أمامه تزامنًا بجحو’ظ عيناه بصدمةٍ مِمَّ رآه وشـ.ـهقتها العالية بعض الشيء التي أعربت عن صدمتها كذلك..
تجمّـ.ـد جسـ.ـده بعد أن رأى آخر شيءٍ يُمكن أن يُفكر فيه عقله، وفي المقابل كانت عيناها مـ.ـثبتتان فوقه تتأمله بذهولٍ تام، فقد ظنت أن الزائر إحدى جاراتها، ولكن لم تتوقّع أن تراه أمامها بهيئتها تلك، نظرت إلى ملابسه المهندمة التي لا تُقارن بما ترتديه هي، فكان يرتدي بنطالًا أسو’د مِن خامة الچينز وقميصًا مطابق اللو’ن، وبيده حقيبة كرتونية تبدو تابعة لأحد المتاجر الشهيرة الخاصة بالحلويات الشرقية..
وهذا لا يأتي شيئًا لإسدالها الز’هري الذي كان أقرب شيءٍ لها لإرتداءه، وصلت لأنفها رائحة عبقه النفا’ذة والتي لا تُقارن برائحة البصل والتوابل التي تلتصق بها، فقبل ساعة أخبرها أبيها أنَّهُ سيكون لديهم زائرٍ بمساء هذا اليوم، ولكن يبدو أن هذا الزائر كان لهُ رأيًا آخر..
خرجت “فطيمة” مِن المطبخ بعد أن تعجبت مِن غيا’ب أبنتها وهي تصيـ.ـح بها قائلة:
_في إيه يا “ترتيل” مالك واقفة زي الصنـ.ـم كدا ليه مين اللي جه؟.
وبمثابة أن أنهت حديثها وجاورت أبنتها رأت “عادل” أمامها يقف مشدوهًا مِمَّ يراه، فكان يُريدها أن تكون مفاجأة لها ويرى سعادتها بعودته، ولكن جميع ما خلقه داخل عقله تد’مّر بالكامل، كسـ.ـرت “فطيمة” هذا الصمت بترحيبها لهُ بوجهٍ مبتسم قائلة:
_أهلًا أهلًا إيه المفاجأة الحلوة دي، تعالى يا “عادل” أتفضل يا حبيبي البيت بيتك.
ولج “عادل” وعيناه لم تُفا’رق “ترتيل” التي كانت تقبـ.ـض فوق إسدالها وتتجنب النظر إليه بحر’جٍ شـ.ـديدٍ، مدّ يده بالحقيبة إلى “فطيمة” وقال بنبرةٍ هادئة:
_أتفضلي دي حاجه بسيطة مِني.
جاوبته “فطيمة” مبتسمة الوجه بعد أن أخذتها مِنْهُ قائلة:
_تسلم يا حبيبي مكانش لُه لزوم إحنا بقينا أهل خلاص.
وبصعو’بة أستطاع أن يرفع نظره عنها والنظر إلى “فطيمة” مجيبًا إياها بنبرةٍ هادئة:
_ولو يعني، دي حاجه بسيطة مِني لـ “ترتيل”، بمناسبة شغلها الجديد.
أبتسمت “فطيمة” بتقديرٍ لهذا الشا’ب الخلو’ق وقالت:
_يا حبيبي تسلم، عقبال ما نباركلك فمشروعك الجديد، تعالى أقعد أنتَ مش غريب، هو بس الحج مش هنا نزل يشوف واحد صاحبه وجاي على طول مش هيتأخر.
أبتسم بتقديرٍ لها ثمّ تركتهما هي وولجت للمطبخ بعد أن أستأذنت مِنْهُ، نظر هو مجددًا إلى “ترتيل” التي لم تتحرك خطوة واحدة تكاد تبكي مِن شـ.ـدة خجـ.ـلها، بسمةٌ هادئة رُسمت فوق فمه وقد أشار لها مقررًا رفع الحر’ج عنها:
_هتفضلي واقفة عندك وسيباني لوحدي، أنا قولت هتفرحي أول ما تشوفيني وعملت مليون سيناريو لاستقبالك ليّا وبجد السيناريو دا مكانش مِن ضمنهم.
حاولت أن تحفظ ماء وجهها أمامه بعد هذا الموقف المخجـ.ـل الذي وُضعت بهِ، وقفت أمامه ولم تستطع أن تنظر في عيناه، فما تُريده الآن أن تبكي، ولم يكُن الأمر مهمشًا لهُ، فاستطاع أن يقلل حِـ.ـدَّة تلك اللحظة بقوله الهادئ:
_بس أنا شكل حماتي بتحبني، جيت فالتوقيت الصح بصراحة مكُنتش عامل حساب إن هيكون في وليمة بس أنا محظوظ، لأني ها’كل مِن إيدك لأول مرَّة.
همس بجملته الأخيرة وعيناه لا تُفا’رقان وجهها، ولكن أستطاع قراءة ما يدور في رأسها بسهولة بعد أن رأى وجهها أصبح يكسوه الخجـ.ـل مِن كلماته التي كانت تحمل لذّة لطيفة تستشعرها لأول مرَّة، رفعت عيناها تنظر إليه بعد أن عا’قبته لمدة خمسُ دقائق مِن النظر لهما، وكأنه أستطاع أختر’اق حو’اجزها بطريقته الخاصة..
تحدث بهدوءٍ بعد أن هدأ التو’تر قليلًا يُصرِّح عن مكنونه:
_على فكرة أنا تعمـ.ـدت إنك متعرفيش بمجيتي دي، حبيت أعملها مفاجأة، أنا رجعت إمبارح وبصراحة كُنت مُر’هق جدًا فكان اليوم بالنسبة لي خلـ.ـص برجوعي، بس دا ممنعـ.ـنيش إني أعرّف باباكي قبل ما أجي عشان يكون على علم بمجيتي، وطلبت مِنْهُ ميقولكيش حاجه عشان تكون مفاجأة مِني ليكي، وطبعًا طنط “فطيمة” مش هتسمحلي إني أخرج مِن هنا غير وأنا واكل، لأن تقريبًا لو منفـ.ـذتش أمرها مش بعيد ترتكب جنا’ية.
رنت ضحكتها بعد أن أستطاع تلطيف تلك الأجواء المتو’ترة، بفضل كلماته وأسلوبه اللبق أستطاع أن يأخذ ما يُريد، أبتسم بعد أن رأى ضحكتها التي رآها يوم خطبتهما، تلك الضحكة التي تُعلن عن حُبٍّ وسعادة لا يملُـ.ـكهما غيره، رفعت عيناها تنظر إليه بخجـ.ـلٍ فطـ.ـري وقد منحها هو بسمةٌ حنونة وقال:
_عايز أقولك حاجه كمان..
نظرتها كانت تطرح سؤالها عن الأمر، ليُعطيها جوابه دون كـ.ـللٍ بعد أن لمعت عيناه بحُبٍّ لها:
_أيًا كانت حالتك فأنتِ جميلة يا “ترتيل”، مش لازم تكوني متشيكة ومفكيش غـ.ـلطة بالعكس، أنا حابب أشوفك على طبيعتك، حابب أشوف “ترتيل” العشو’ائية، حابب أشوف رو’ح الطفلة اللي جوّاكي، مش عايز أشوف “ترتيل” بشكلٍ واحد بالعكس، حابب أشوفها فجميع أشكالها، وعلى فكرة أنا لمَ شوفتك صدمتي مكانتش حاجه تقـ.ـلل مِنك بالعكس، أنا أتصدمت عشان شوفتك فهيئة متوقعتش إنك ممكن تقابليني بيها، الإسدال حلو على فكرة، وشكلك مِن غير ميك اب أحلى بكتير، لأني شايف النسخة الأحلى مِن “ترتيل”.
لم تُكن تعلم بأنه شاعري لتلك الدرجة، أو بهذا اللُطف؛ فلتوِّه أعترف بأنها أجمل دون شيءٍ يجعلها جميلة، قلبه أحبها في بساطتها ورُقيها، حتى وإن أرتدت أسو’أ ما تمـ.ـلُكه فسيراها جميلة دومًا، أزداد خجـ.ـلها أكثر حتى تدرجّت الحُـ.ـمرة خدَّيها، وأخفضت رأسها للأسفل دون أن تجر’ؤ على النظر إليه، ولكن لم تستطع أن تُخـ.ـفي تلك البسمة الخجو’لة التي رُسمت فوق فمها..
كان حديثه واصلًا لـ “فطيمة” التي كانت تتولى إعداد غداء اليوم، وبسمتُها تُرسم فوق فمها وقد رأت كيف تقف أبنتها أمامه الآن دون أن تُكلف عناء النظر لها، أخرجت تنهيدة صغيرة وتمتمت قائلة:
_صدق اللي قال، كُلّ واحد فالعيلة دي بيحب بطريقته، ربنا يحميكم ويحفظكم يا ربّ.
كانت “ترتيل” قد بدأت تتحدث معهُ بعد أن أستطاع “عادل” أن يكسـ.ـر خجـ.ـلها، تستمع إليه مبتسمة الوجه وتسند ذقنها فوق كفها، وكأنها طفلةٌ صغيرة تستمع إلى مغامرات أبيها في قديم الأزل، تشاركه كُلّ دقائق ضحكاته حينما يروي موقفًا طريفًا، وكان هو حر’يصًا على ألا ينسى شيئًا، فحما’سهما قادهما سويًا لدربٍ لم يكُن لأي الطرفين علمًا بأنهم سيتخذانه سويًا، فكان هذا هو القدر.
_____________________________
<“لم يكُن الحل سهلًا ولكنهُ أضطـ.ـر.”>
المسؤولية لم تكُن بالشيء الهين بتاتًا، البعض لا يُقدر حجمها، يظنون بأنها أمرًا تافهًا أو أنها ستظل ور’دية طيلة الوقت، ولكن حينما تتعمّق فيها تكتشف بأن الأمر لم يكُن سهلًا ولكنك أضطُـ.ـررت لذلك..
كان منكبًا فوق مكتبه وعيناه مثـ.ـبتتان فوق حاسوبه المحمول، يتأكد بأن كُلّ ما خـ.ـطط إليه يسير بشكلٍ جيد، فلم يتبقّى على اجتماعه سِوى دقائق معدودة، وهذا يعني لهُ الحياة أو المو’ت، فتلك الصفقة لن تُكرر مرَّةً أخرى، ولكن لا يحدث دومًا ما نُريده، بلحظة إنقـ.ـلب كُلّ شيءٍ فوق رأسه بدخول “تقوى” إليه وعلى ذراعها صغيرتها “روجين” التي لم تتوقف عن البكاء قرابة العشرة دقائق الماضية، تصر’خ بشكلٍ أثا’ر حفيظة “إيثان” الذي ترك كُلّ ما يشغله واقترب مِنها بخطى وا’سعة يسألها عن ما أصا’ب صغيرته:
_ماذا حدث لها “تقوى”؟ لِمَ تصر’خ هكذا هل هناك شيئًا يؤ’لمها؟.
_لا أعلم ما حدث لها “إيثان”، إنها تبكي هكذا منذ عشرة دقائق وتقوم بمناداتك.
هكذا ردّت عليه “تقوى” بنبرةٍ ظهر فيها خو’فها على صغيرتها، مدّ “إيثان” ذراعيه وأخذ الصغيرة مِنها يضمها إلى أحضانه ويُربِّت فوق ظهرها بحنوٍ قائلًا:
_حسنًا حبيبتي ها أنا ذا، لا تبكين يا حبيبة قلبي.
وصلت رائحته التي تحفظها عن ظهر قلب إلى أنفها الصغير، وبلحظة حينما شَعَرت بد’فئه هدأت قليلًا، ولكنها لم تمنـ.ـع أ’نينها بتولي المـ.ـهمة، أقترب مِنها يُلثم جبينها بحنوٍ وعيناه تجوب فوق وجهها، فكان يظن في بادئ الأمر بأن شيئًا أصا’بها ولذلك كان مستعدًا لترك كُلّ شيءٍ لأجلها، ولكن لم يكُن الأمر سِوى نداءً مِنها ولكن بأسلوبها الخاص..
_حسنًا ها هي، أتضح بأنها تبكي بحُـ.ـرقة لأجل أن يحملها أبيها، ما هذا التخـ.ـطيط اللئـ.ـيم يا صغيرة.
نظرت إليه “روجين” بعيناها الباكية والتي لا تزال تحمل لمعتها الخاصّة، ونظرتها إليه وكأنها عتابًا صامتًا بحق إهما’له لها وإنشغاله بأعماله، تصاعد صوت الطرقات الخـ.ـفيفة فوق الباب ثمّ ولجت السكرتيرة الخاصّة بهِ تقول بعملية:
_سيدي الإجتماع على وشك أن يبدأ، لقد حضر الجميع في إنتظارك الآن.
هزّ “إيثان” رأسه برفقٍ ثمّ نظر إلى “تقوى” بعد أن رحلت السكرتيرة وقال بنبرةٍ هادئة:
_حسنًا “تقوى” خذيها الآن فأنا لديّ اجتماعًا ها’مًا الآن.
عادت “روجين” تبكي مجددًا بشكلٍ لا يُصدق بعد أن شَعَرت بلمـ.ـسة يَدي والدتها في أستعدادٍ لأخذها، تنغض جبينه ونظر إلى صغيرته التي قبـ.ـضت على قميصه وبكت بحُـ.ـرقة، وكأنها تُبدي بر’فضها التام لهذا الأمر، وتر’فض أن تبتعد عن أبيها بتلك اللحظة، حاول تهدأتها بتلك اللحظة وهو لا يعلم سبب هذا التعلُـ.ـق المفاجئ بتلك اللحظة تحديدًا، وكأنه سيرحل بعيدًا وليس وكأنه سيمكث في الغرفة المجاورة لها..
_يا ويلتي “روجين” مستقبلتي سيتد’مّر على يَديكي الصغيرة يا فتاة.
بدأ يجوب في الغرفة جيئةً وذهابًا يُهدهدها علّها تصمت وتقبل بالذهاب لوالدتها، عيناه مـ.ـثبتتان فوق الساعة الحائطية التي تُشير إلى دقائق قِـ.ـلة على بدء الإجتماع، ألتفت بنصف جسـ.ـده نحو زوجته التي كانت تجلس فوق المقعد الوثير تتابعه بوجهٍ مبتسم وكأن هذا المشهد هو الأروع لها..
_لِمَ تبتسمين يا امرأة، بحقك الفتاة لا تُريد أن تتركني لأذهب لهذا الإجتماع اللعيـ.ـن، وكأنني بفعلتي تلك أقوم بخيا’نتها.
نبرته كانت حا’نقة فهذا الإجتماع كان ينتظره طويلًا وإن لم يتم مثلما يُريد فلن يسلم مِن تقريع أخيه الأكبر لهُ والذي بدوره لا يتها’ون فيما يخص عمله، رفعت “تقوى” كتفيها قليلًا وأنزلته ثمّ ذمّت شفتيها كالصغار تُبر’ئ نفسها مِن إتهاما’ته قائلةً:
_وماذا عساي أن أفعل لكَ “إيثان”؟ بحقك أنت ترى بعينك أن الفتاة لا تُريد أن تتركك هل أنا مَن أخبرتُها بفعل ذلك.
زفر بغضـ.ـبٍ واضحٍ بعد أن رأى بأن الفر’ار مِن حصا’ر تلك الصغيرة أصبح شيئًا غير مقبولًا، ولم يتبقّى سِوى دقيقتين أمامه ولذلك أضطـ.ـر لأخذها معهُ ولأول مرَّة متمتمًا بحـ.ـنقٍ:
_تـ.ـبًا لي، لقد ضا’ع مستقبلي الآن.
صـ.ـفع الباب خلفه بعـ.ـنفٍ واضحٍ تحت نظرات “تقوى” التي فـ.ـلتت ضحكتها ر’غمًا عنها، تدعو أن يمُر الأمر على خيرٍ وألا تُفـ.ـسد صغيرتها الأمر فلن تسلم هي مِن تقريعه لها، تحرّك بخطى ثا’بتة نحو غرفة الاجتماعات، وقد هدأت صغيرته بعد أن لبّى مطلبها وكأنها كانت تُخـ.ـطط للأمر ذاته، توقّف فجأةً أمام باب الغرفة المغلق ثمّ نظر خلسةً إلى صغيرته التي كانت تتأمل المكان حولها بأنبهارٍ تام، ودون أن تنـ.ـتبه أستطاعت أن تجعل هذا القا’سي يلـ.ـين لها رغم أنفه..
_حسنًا إن تعلمتُ شيئًا مِنكِ أيتُها الصغيرة فهو أنكِ أنتِ مَن قامت بتـ.ـربيتي وليس العكس.
إعترف أخيرًا بعد أن كا’بر وإعتر’ض وأصّر، برغم عنا’ده استطاعت هي الفوز عليه هذه المرة، نظرت إليه “روجين” بتركيزٍ شـ.ـديدٍ بعد أن رأت سبابة أبيها تُرفع في وجهها بالتزامن مع إلقا’ء تحذ’يراته الحا’زمة عليها وكأنها تفهمه:
_حسنًا “روجين” قبل أن أدخل بكِ حتى لا تتسـ.ـببين في ضيا’ع مستقبلي، لا أُريد شقا’وتك تلك بالداخل فالأمر جادٍ وإن لم تنجح تلك الصفقة فعمِّك لن يتركني إلّا مقتو’لًا على يَديه وبالتأكيد أنتِ لا تُريدين لأبيكِ أن يُقتـ.ـل أليس كذلك؟..
لمعت عيناها الزيتونية ومنحته بسمتُها البر’يئة وكأن الأمر أضحى لُعبة مُسلية بالنسبةِ لها، بينما أكمل هو قائلًا:
_تجلسين كالفتيا’ت الجميلات حتى ينتهـ.ـي الأمر، ولا تتحركين كثيرًا حتى لا نزعج مَن بالداخل فهؤلاء صار’مين صغيرتي وإن تطا’ول أحدهم عليكِ فلن أتردد بأن أحر’قهم أحيا’ء لأجلك حبيبتي.
وإن كان و’حشًا أمام الجميع فأمامها يتخـ.ـلّىٰ عن أيُ شيءٍ لأجلها، فجميعهم لا يستطيعون ترو’يض و’حشه إلّا هي، منحها قُبلة حنونة فوق خَدَّها الصغير ثمّ ولج للداخل متمنيًا أن يمُر الأمر على خيرٍ، علت الصدمة على وجوه جميع الحاضرين، هذا المدير الصا’رم الذي لا يقبل التها’ون في عمله وقو’انينه لا يُمكن مخا’لفتها، ها هو يدخل ويحمل طفلة صغيرة على ذراعه والبرو’د هو عنوانه، وكأنه لا يهتم لأحدهم..
ترأس طاولة الاجتماعات وأجلس صغيرته فوق قدمه دون أن يُبالي لأحدهم، رفعت “روجين” رأسها تنظر لأبيها بوجهٍ ضاحكٍ مانحةً إياه تلك النظرة الطفولية البر’يئة وكأنها تُبدي عن سعادتها بأبسط حركاتها، قبّل جبهتها بحنوٍ ثمّ مسح فوق خصلا’تها السو’دا’ء النا’عمة وأ’لقى الجميع بنظرةٍ با’ردة، وحينما رأى أعين الجميع تكاد تخر’ج مِن محا’جرها صوب تلك الصغيرة قال بنبرةٍ حا’دة:
_هل أنتهيتم مِن المشاهدة أم ماذا ..!!.
بلحظة عادوا جميعهم بأنظارهم فوق الأوراق بخجـ.ـلٍ تبعها صوته البارد بقوله:
_حسنًا لنبدأ إذًا.
بدأت تلك النقاشات الطويلة، وبلحظة أصبحت الغرفة تأخذ طابعًا روتينيًا كما أعتاد هو، يسمع الجميع بجديّة شـ.ـديدة ويُبدي بإعترا’ضاته على أحد بنود العقد بين الحين والآخر، وبرغم شحو’ن الغرفة بأحاديثٍ معقـ.ـدة كانت هي تسـ.ـبح في عالمها الخاص، توّد إكتشا’ف المكان الجديد الذي تراه لمرَّتها الأولى بفضولٍ طفولي..
كان يجذ’بها لمعة قلم أبيها تارة، وأخرى تنتـ.ـبه للمعة الكوب الأبيـ.ـض الذي يرتشف مِنْهُ أبيها بين الفينة والأخرى، تليها ساعة معصمه الإلكترونية التي كانت تُضيء شاشتها فجأةً ثمّ تُطفئ مِمَّ جعل الأمر ممتعًا لها، ولكن هذا الأمر أصبح لا يروقها، فتُريد أن تكتشف المزيد حولها، تملّـ.ـصت مِن بين يَدي أبيها الذي تشـ.ـتت تركيزه حينما رآها تُحاول الفر’ار مِن قبـ.ـضتيه..
وبلحظة نسيّ الجميع وأنتـ.ـبه لها بعد أن أستطاعت أن تحظى بالحُـ.ـرية وها هي تقف على قدميها الصغيرتين تبحث عن نقطة البداية، أنحنى “إيثان” بنصفه العلو’ي حتى أصبح بمستواها وقال بنبرةٍ حنونة:
_ماذا تُريدين حبيبتي؟.
نظرت إليه “روجين” ثمّ أشارت تجاه باب الغرفة وهي تضُم شفتيها الصغيرة تنطق كلمة واحدة عَلِمَ مِن خلالها ما يشغل تفكيرها:
_”بوبو.”
_حبيبتي “بوبو” ليس هنا الآن، إنَّهُ في الأسفل ليتناول طعامه.
نظرت إليه “روجين” مجددًا تتأمله وكأنه قال كلماتٍ لاذ’عة لا تقبلها هي، قبـ.ـضت بكفها الصغير فوق كفه وصمتت قليلًا وكأنها تُفكر في شيءٍ آخر، ولكن عيناها الزيتونية لم تُفا’رق خاصته، فليست عيناها فقط مَن جعلت قلبه يهو’ى لها، بل كذلك بشرتها البيـ.ـضاء وخديها الصغيرين التي تكتسيهما الحُـ.ـمرة، كانت صغيرته دومًا أجمل الفتيات وأكثرهن لُطفًا كما يرى هو..
هندم لها سترتها الور’دية بعناية وكذلك خصلا’تها القصيرة النا’عمة، نظرت الصغيرة لهُ ونادته بنبرةٍ هادئة وكأنها تتو’سله لقبول ما توّده:
_”دادي.”
_”دادي” وعيناه لكِ يا حبيبتي ماذا تريدين؟.
أحبَّت نبرته الحنونة تلك كثيرًا ولذلك رنت ضحكتها الطفولية المكان وبلحظة خـ.ـبأت وجهها الصغير فوق قدمه بخجـ.ـلٍ ليُرافق فعلها ضحكة أحد الحاضرين بعد أن لا’مست بر’ائتها قلبه وتأ’وه بحُبٍّ لأفعا’ل تلك الصغيرة، لم يستطع “إيثان” مـ.ـنع بسمتُه مِن الظهور ولذلك ربَّت بحنوٍ فوق ظهرها ليراها ترفع رأسها مجددًا وتلك المرة أنطـ.ـلقت في أرجاء الغرفة بسعادة تكتشفها بنفسها تحت نظرات الجميع المتر’قبة وعلى رأسهم أبيها الذي كان يُتابعها بحنانٍ..
كسـ.ـرت هذا الروتين الممـ.ـل بطريقتها الخاصّة، وكأنها تخبرهم أنها الرئيسة هنا اليوم ولا غيرها، وقفت فجأةً وأخفضت رأسها للأسفل تنظر إلى الحذاء الور’دي الصغير الذي كان يضم قدميها الصغيرتين وكُلّما خطت بدأ يُنير بألوا’نٍ كثيرة ويُصدر صوتًا صغيرًا وكأنه معزوفة جديدة تُلحّن على أسلوبها هي، كانت منبهرة بهذا الإكتشاف العظيم..
رنّت ضحكتها عا’ليًا وبدأت بالتصفيق بسعادة، فأضحى الأمر أصبح ممتعًا لها حتى تجعل هذا الصار’م يليـ.ـن أمامها، لمعت عينان “إيثان” ورُسمت بسمتهُ فوق فمه وكأنه لا يُصدق بأنه الآن أصبح أبًا لتلك الأميرة الصغيرة التي تسر’ق لُـ.ـبه بأبسط حركاتها وأقل كلماتها، فلم يُصدق يومًا بأنه سيكون زوجًا لفتاةٍ شـ.ـرقية إختارها قلبه مِن بين نسـ.ـاء العالم وأبًا حنونًا لطفلة صغيرة لم تتعدّى العامين..
لم يستفيق إلّا حينما رآها تركض نحوه مستمتعةً بصوت حذاءها الصغير وإضاءته كُلّما تحرّكت، ألتقفها بذراعيه ضاممًا إياها مبتسمًا ثمّ منحها قُبلة حنونة فوق خَدَّها الصغير وهمس لها بحنوٍ:
_لقد سر’قتي قلوب الجميع صغيرتي، وأولهم قلبي.
______________________________
<“لا بأس مِن المحاولة، لعلّها تُجـ.ـني بثمارها.”>
داخل هذا القصر العريق – غرفة المعيشة..
كانوا شبا’ب العائلة بدأوا بالتجمع بأ’مرٍ مِن “ليل” الجد، بعد أن ألّح عليه “يزيد” بطلب الجميع لتنفيـ.ـذ ما خـ.ـطط إليه، فلا يروقه هذا الصمت المخـ.ـيف الذي لم يعتد عليه مِن قبل مستعينًا بـ “مُعاذ” الذي بطبعه يعشـ.ـق الصيحا’ت ومضا’يقة الجميع..
هـ.ـبط “علي” بجسـ.ـدٍ و’اهن على الدر’ج حاملًا حاسوبه بعد أن طالبه بهِ جده، نهض “يزيد” وقلّـ.ـص المسافة بينهما آخذًا الحاسوب الذي وللعجب تركه إليه “علي” بتلك السهولة، فتلك مِن مكتنزاته الثمينة التي لا يسمح لأحدهم بلمـ.ـسها بهذه السهولة، جلس بين “ليل” و “حُذيفة” ونظروا إلى جدهم بإنتظار سماع ما سيقوله، ولم يغفـ.ـل الجد عن تلك النظرة ولذلك كسـ.ـر هذا الصمت بقوله الهادئ:
_فالحقيقة مش أنا اللي طالبكم، “يزيد” شاف إنكم مُحبـ.ـطين بطريقة ميئو’س مِنها فحب إنُه يخرجكم مِن الجَو دا شويّة.
أتجهت أنظار الجميع نحو “يزيد” الذي وضع الحاسوب فوق الطاولة أمام الجميع وبحركات إصبع ماهرة قام بإظهار هذا الغرض الذي سيُجـ.ـني بثماره، نظر إليهم مبتسمًا وقال بنبرةٍ عالية:
_ودلوقتي يا سادة مع فقرتنا الجميلة اللي أنا واثق إنها هتجيب نتيجة حلوة أوي معاكم، ركزوا معايا عشان مش كُلّ يوم “علي” هيسيبلنا اللابتوب بتاعه، دلوقتي معانا لعبة حلوة أوي، هتظهر صورة لأي حاجه عالشاشة، وجنبها أسم أي واحد مِنكم أول ما تشوف الصورة هتقول أول كلمة تيجي فبالك، ولو ر’فضت تقول هيظهرلك عقا’ب إجبا’ري تنفـ.ـذه، وقبل ما حد فيكم يعتر’ض صدقوني هتتبسطوا أوي.
لم يُهمل لأحدهم فرصة الإعتر’اض وضغـ.ـط على الزر بحركةٍ سريعة لتتعلّـ.ـق أعين الجميع فوق الشاشة تلقائيًا، أبتسم “ليل” الجد بعد أن رأى كيف لإعتر’اضهم الشـ.ـديد أن يتحوّ’ل لترقبٍ، نظر إلى شاشة الحاسوب ليراها توقّفت على أسم “عـز” وبجواره صورة باللو’ن الأسو’د، نظروا جميعهم إليه ليقول بنبرةٍ باردة:
_أوضتي.
علت ضحكات ساخرة على تعليقه ثمّ نظروا مجددًا إلى شاشة الحاسوب ليضغط “يزيد” على الزر مِن جديد وهو يعرض بسرعةٍ كبيرة صور وأسماء عديدة حتى توقّف فجأةً على أسم “عادل” ويجاوره صورة فتاةٍ جميلة:
_”ترتيل.”
صدحت صفيرة شبا’بية عالية مِن “فادي” الذي غمز إليه بمكـ.ـرٍ وقال:
_والله وبقيت بتحب يا عد’يم المشاعر.
نظر إليه “عادل” مبتسمًا بزاوية فمه بسخرية وقال ضاحكًا:
_ليه إن شاء الله، هو أنا هفضل عالبـ.ـر كتير.
_بدأت تدخل عالشـ.ـط يا عمّ وكمان كام شهر هنغر’ق سوا.
هكذا مازحه “يزيد” الذي كان يبتسم بخبـ.ـثٍ لهُ ليُشاركه “عادل” مزحاته بقوله الضاحك:
_على الأقل لمَ نغر’ق مش هنطلب مِن حد ينجـ.ـدنا.
ضحك “يزيد” وضغـ.ـط على الزر مجددًا الذي أعاد تكرار الأمر بعد أن جذ’ب انتباه الجميع حتى توقّف على أسم “ليل” وجواره صورة لقلم كحل، لم يتر’دد في إجابته بقوله:
_”روزي.”
نظروا جميعهم إليه وعلى رأسهم “ليل” الجد الذي بدوره لم ينسى تلك اللحظة التي قرر فيها رفقة حفيدته الإيقا’ع بهذا البارد، عاد صوت صفير “فادي” يعـ.ـلو والذي شاكـ.ـسه بقوله الساخر:
_طبعًا يا عيني لازم تقول “روزي”، دي دخلت التاريخ مِن أوسع أبوابه لمَ خلّتك يومها زي الطو’ر الها’يج ورانا حالف يمو’تنا.
نظر إليه “ليل” بطر’ف عينه بعد أن ذكّره بهذا اليوم المشؤ’وم حينما تخـ.ـطوا حد’ودهم وقرروا أن يقتربون مِن ممتلكاته الخاصّة لإثا’رة غضـ.ـبه الذي طالهم حينها ولم ير’حمهم، وقبل أن يتحرّك مِن مكانه لتلقـ.ـين هذا الأجنبي درسًا قا’سيًا منـ.ـعه صوت “يزيد” الذي قال بحنـ.ـقٍ:
_مش هنقلبها حر’ب دلوقتي الجَو حـ.ـر وأنا مش طا’يق نفسي عشان أطـ.ـيقكم معايا.
ضغـ.ـط فوق الزر مجددًا لتتوقّف اللُعبة على أسم “علي” وصورة لمهدٍ صغير و’ردي، تأملها “علي” ودون أن يشعُر نطق بحنينٍ:
_بناتي.
وقبل أن ينغمس الجميع خلفه داخل تلك الحالة أوقفهم صوت “سامـح” الذي صا’ح عاليًا مُبديًا بإعتر’اضه على ما يحدث قائلًا:
_وبعدين معاكم بقى هو محدش ناوي يتعا’قب ..!!.
رمقوه جميعًا باستنكا’رٍ تام ليوافقه توأمه القول مُبديًا بإعتر’اضه كذلك على ما يحدث، ضغـ.ـط “يزيد” على الزر وبعدها ظهرت صورة فتاةٍ جميلة ويجاورها أسم “عـز” للمرةِ الثانية، بلحظة كانوا جميعهم ينظرون إليه بترقبٍ بعد هذا التو’تر الذي تملّـ.ـك مِنْهُ فجأةً، فلا أحد يعلم عن هذا الأمر شيئًا سِوى هذا الخـ.ـبيث الذي ير’ميه بنظراته الآن بمكـ.ـرٍ..
ر’ماه بحقـ.ـدٍ متو’عدًا إليه بالجحيـ.ـم قبل أن يُتمتم بحنـ.ـقٍ:
_عايز عقا’ب.
أتسعت البسمةُ فوق فم “يزيد” الذي عَلِمَ بأنه لن يُغامر ويفضـ.ـح نفسُه بتلك السهولة، بضغـ.ـطة زرٍ صغيرة ظهر عقا’به الذي كان أسو’أ مِن النطق بالحقيقة، مرّت عيناه بين الكلمات ثمّ صا’ح بحقـ.ـدٍ:
_نعــم … أنا أصوّر نفسي فيديو وأنا بضحك؟ ليه شايفني مجـ.ـنون ..!!.
ر’فع “يزيد” كتفيه للأعلى والأسفل ينفـ.ـض هذا الاتها’م الفا’حش عنهُ بقوله:
_حاشا لله أنا مقولتش إنك مجـ.ـنون أنتَ اللي قولت على نفسك كدا … بس مهما عملت أنتَ هتنفـ.ـذ العقا’ب.
أبتسم ببرودٍ بعد أن أنهى حديثه كانت مستفـ.ـزة بالنسبةِ إلى “عـز” الذي ودّ أن يقتـ.ـله في تلك اللحظة، صد’ح صوت “هلال” عاليًا يُوقف اللعب منتـ.ـصبًا في وقفته:
_أستنوا بس قبل ما ينفـ.ـذ عقا’به، معنى إن “عـز” مرضاش يجاوب وأتو’تر إن الموضوع فيه إنَّ ودي مش صدفة … “عـز” يعرف واحدة مِن ورانا.
شـ.ـهقات خفيفة بعضها ساخرًا والبعض الآخر مصدومًا بالفعل، فما يرونه لا يتوافق مع حديث ابن عمهم، فلطالما “عـز” لا يُحبذ العلا’قات الرومانسية، كيف لهُ بين ليلةٍ وضحاها أصبح مِن هوا العا’شقين إذًا؟ ر’ماه “عـز” نظرةٍ حا’قدة محاولًا لجـ.ـم شيا’طينه التي بدأت ترقص أمامه لإثا’رة استفـ.ـزازه..
نظر “أحمـد” إلى “مُعاذ” وبسمةٌ رُسمت بزاوية فمه وقد قال ساخرًا:
_مش مستغرب بصراحة، أصل ما شاء الله أبوه كان نجيب عصره ومحدش قده، طبيعي يطلع الواد شبه أبوه … صدق اللي قال هذا الشـ.ـبل مِن ذاك الأسـ.ـد.
إتجهت أعين الجميع تجاه “مُعاذ” الذي أبتسم ببرودٍ وكأنه تلقّى أطراءً على ما حققه مِن إنجازاتٍ تصـ.ـعُب على غيره، صدر صوتًا تهكميًا مِن حلـ.ـق “ليل” الجد الذي لم يُصد’م بشيءٍ كهذا وكأنه كان يتوقّع حدوث ذلك، رن صوت “عادل” عاليًا وعيناه تفتر’سان ابن عمه:
_بلاش نحر’ج الواد، أصل وشه ضا’رب دلوقتي ٧ ألو’ان.
وكأنه تلقّى أوا’مر ملكًا أو ما شابه، فها هو يُشهر الهاتف أمام وجهه بعد أن فتح الكاميرا وهو يرمق “يزيد” بشـ.ـرٍ وعقله رسم إليه آلاف المشاهد السو’داوية لنها’يته، ألتفوا جميعهم حوله يترقبون هذا الحدث بعد أن نا’ل عقا’ب “يزيد” رضاهم، بدأ تسجيل الفيديو مظهرًا وجهه المتجهـ.ـم، منتظرًا أن تمُر تلك الدقيقة حتى ينقـ.ـض عليه كالذ’ئب يقـ.ـتله، كانوا يرمقونه بتعجبٍ مِن هذا الجمود الذي يحتـ.ـل وجهه ليضحك “طـه” ساخرًا:
_يخر’بيت بو’ز أهلك دا، الكاميرا جالها أكتئا’ب فالكام ثانية دول يا ابن الفقـ.ـرية، ما تضحك ياض ..!!.
جُـ.ـذب مقعدًا بحركة خفيفة أمام “عـز” وجلس صاحبه بجهة معاكسة متأملًا وجهه بتركيزٍ عازمًا على إضحاكه مهما كلفه الثمن، يترقّب أيُ حركة مِنْهُ، ولكن “عـز” أضحى وكأنه يُشبه أبا الهول في تلك اللحظة حتى عـ.ـلّق “شهـاب” على ذلك بقوله الساخر:
_أخو أبو الهول، نا’قصله بس مناخيره تتكسـ.ـر ويبقى أخوه التوأم.
وبلحظة بدأ عقل “علي” يخلـ.ـق هذا المشهد في ذهنه وهو ير’اقب القابع أمامه وكأن الضحكة أصبحت مِن المحرما’ت، جاء تعليقًا آخر مِن “هلال” الذي سَخِرَ مِنْهُ وبدأ بتقليـ.ـد تعبير وجهه بشكلٍ جعل الجميع ينفجـ.ـر ضحكًا، تجلجـ.ـل القصر بصوت ضحكات الأحفاد، وكأن الصمت في حضرتهم محر’مًا..
أنفجـ.ـر ضاحكًا بعد أن وضع إليه “يزيد” ملصقًا برأس حما’رٍ بدلًا مِن رأسه، ترك هاتفه مِن يَده وهو يضحك عاليًا بعد أن رأى كيف يبدو بهذا الشكل المُـ.ـريب، وكان الجد يقف بعيدًا يتابع هذا المشهد برضا، وللحظة أدرك بأن القصر كان أشبه بمنزلٍ مهجو’ر برغم الماكثين فيه، ولكن صوتهم وحده جعل الحياة تتلوّ’ن في عيناه مجددًا، وهذا كان مُراده.
_____________________________
<“لا تُنسى الذكريات ولو مرّ عليها أشهرٍ.”>
بعد مرور ٥ أيام – قصر آل دمنهوري..
في صبيحة يومًا جديدًا يحمل السرور للجميع..
كان “حُذيفة” يجلس فوق المقعد في الحديقة شارد الذهن، عقله يُعيد حُلمًا رأى فيه “إسماعيل” الذي كان يبدو على وجهه السعادة والحياة، يُطالبه بأن يكون قو’يًا فالدرب مازال طويلًا ومُـ.ـلغمًا بالحفـ.ـر والمكا’ئد، بسمةٌ صغيرة رُسمت فوق فمه بعد أن تذكّر ضحكة هذا الحبيب ومطالبته بأن يعيش حياته وألّا يوقفها على رحيله، فجميعهم راحلون في الأخير..
خطةً تُنفّـ.ـذ الآن مِن خلف ظهره داخل إحدى غرف القصر المظـ.ـلمة، همساتٌ تتبادل بتلهفٍ وكأن أصحابها يخشو’ن بأن يتم الإمسا’ك بهم بالجُر’م المشهود، جاءت الخطة متأخرًا ولكنه عزم على تنفيـ.ـذها ضـ.ـده مهما حدث، وتلك المرة لن يمـ.ـنعه شيئًا..
أقترب “عادل” بخطى واسعة ووقف أمام “حُذيفة” بعد أن أستطاع أن يرسم الهلـ.ـع بإتقا’نٍ فوق معالم وجهه وصا’ح بهِ في خو’فٍ:
_إلحـ.ـق يا “حُذيفة” “عدنان” محبو’س فأوضة الكرا’كيب الباب أتقفـ.ـل عليه ومش عارفين نخرجه ..!!.
هـ.ـبّ “حُذيفة” واقفًا بصدمةٍ وهو ينظر إلى “عادل” الذي كان مستمرًا في تمثيله ليختفـ.ـي بلحظة تحت نظرات “عادل” الذي ضحك وقال بأستمتاعٍ شـ.ـديد بعد أن لَحِـ.ـقَ بهِ:
_اللعبة دي طلعت حلوة أوي.
ركض “حُذيفة” كالإعصا’ر تجاه الغرفة وقدميه تأ’كلان الأرضية الر’خامية، أصا’ب الهلـ.ـع قلبه على صغيره ولم يُسـ.ـعفه عقله بتلك اللحظة في التفكير ولو ثانية واحدة كيف حدث ذلك ومِن أين عَلِمَ بها صغيره، فبحسب معلوماته تلك الغرفة تقبع في آخر القصر ولا يقترب أحدهم مِنها..
_”عدنان” ..!!.
صر’خ بها “حُذيفة” بهلـ.ـعٍ بعد أن هجـ.ـم على الباب وبلحظة رآه مفتوحًا، استقبله الصمت والظلا’م الد’امس، وقف هو مشدوهًا لا يفهم ما يحدث معهُ بعد أن فُتِحَ الباب بتلك البساطة، صوت أنفاسه العا’لية كانت تختر’ق هذا الصمت محاولًا فهم ما يحدث حوله وأين الجميع؟..
ألتفت حتى يخرج ويعود إلى “عادل” لتلقـ.ـينه درسًا قا’سيًا ولكن أوقفه تلك الإضاءة الخـ.ـفيفة التي أصدرتها شمـ.ـعة طويلة تكسـ.ـر حِدَّ’ة هذا الظلا’م، رمق الشمـ.ـعة بترقبٍ محاولًا رؤية صاحبها ولكن لا شيء يُرى، تنغض جبينه ثمّ نظر بعدها إلى باب الغرفة الذي فُتِحَ بتمهلٍ بالتزامن مع إضاءات الغرفة التي كسـ.ـرت الظلا’م مظهرةً تلك الجر’يمة … أو عفوًا دعونا نقول تلك الخطة الجـ.ـهنمية..
ولج “يزيد” الذي تألق في مظهره مرتديًا ملابس مطابقة لأخيه، بسمتهُ تُرسم بإتساعٍ فوق فمه، يحمل بيَده اليُمنى قا’لب الكعك الذي تم تجهيزه بعناية لأجله، ويدندن مع الموسيقى التي إنطلقت مِن هاتف “عـز” بالتزامن مع رقصه المرن مثلمًا كان يفعل الفنان “ماجد الكدواني” في الإعلان التلفزيوني..
_كُلّ سنة وانتَ قلبي،
كُلّ سنة وانتَ جنبي،
كُلّ سنة وانتَ الحُبّ،
كُلّ سنة وانتَ التوب آه،
كُلّ سنة ليه بتحلو،
واكل مِنهم كُلّ الجَو،
كُلّ سنة وأنا لازق فيك،
وأنا أقرب حد ليك.
ضحك “حُذيفة” غير مصدقٍ ما يراه أمامه، وما فعله هذا الصغير الما’كر الذي يعلم جيدًا نقاط قو’ته وضعـ.ـفه ويستغلها هو مثلما يُريد، لمعت عيناه بتأ’ثرٍ وهو يُرا’قب أخيه وضع القا’لب فوق سطح الطاولة وأكمل رقصه بحركاتٍ مرنة محاولًا إخراج الضحكة مِن أخيه الذي لم يبتسم منذ عودته، مكملًا دندنته مع الموسيقى جا’ذبًا إياه لمشاركته تلك الرقصة..
_كُلّ سنة ورا سنة ورا سنة،
وأنا وأنتَ مع بعضنا،
زي ما أنتَ وزي ما أنا،
نكبر سوا، ونفضل سوا
ونلعب سوا، ونضحك سوا،
نفرفش سوا، ندردش سوا،
نهزر سوا نلذذ سوا،
كُلّ سنة بينا تعدي حلوة تعدي هوا.
شاركهما “فادي” تلك اللحظة وتلك الرقصة، مِمَّ جعل “حُذيفة” يضحك أخيرًا مِن قـ.ـلبه بعد أن رأى جهو’دهم المبذ’ولة لرسم الضحكة على وجهه، وكأن الأمر بينهم أصبح تحد’يٍ لا يقبل أحدهم خسا’رته، أقترب “شهـاب” مِنْهُ مبتسم الوجه ضاممًا إياه دون أن يتحدث، فما يُقال أقل مِن التعبير عنهُ بفعلٍ صغير كهذا..
أقترب بعدها مِن أخيه وضمه بقو’ة بعد أن رأى حُبّه إليه وبذله مجهو’دًا يُحسـ.ـد عليه لرسم ضحكة صغيرة فقط على فمه، شـ.ـدّ “يزيد” على عناق أخيه وهمس إليه:
_صحيح كُنت بعيد عنك المرة دي ومعرفتش أفرح معاك وأكتفيت بمسدج صغيرة، بس أنا خدت ساعتها عهد على نفسي إني أول ما أرجع هحتفل بيه معاك، حتى لو عدّى عليه شهور، عشان محبتش أضـ.ـيّع مناسبة تجمعنا سوا، فعشان كدا أنا أستغـ.ـليت غيابك اليومين دول وجهزت كُلّ حاجه معاهم وأنا اللي خلّيت “عادل” يعمل فيك كدا عشان يجيبك هنا.
أبتعد عنه وهو ينظر في عيناه مبتسمًا، يرى لمعة الفرحة في عينان أخيه الذي فشـ.ـل في التعبير عمَّ يشعر بهِ، فأخيه دومًا يفاجئه بأفعاله، أقترب مِنْهُ يُلثم جبهته بحنوٍ قائلًا:
_فأي وقت هكون جنبك، لو مش بجسـ.ـمي فهكون جوّه هنا..
أشار بسبابته فوق موضع قلـ.ـبه وأكمل حديثه بقوله:
_مبحبش أشوفك ز’علان، وأنا عملت كدا عشان خاطر أفرّحك شويَّة وأخرجك مِن المود دا بأي طريقة، وعشان مفوتش عيد ميلادك دا، لأني ساعتها قعدت مضا’يق أوي بصراحة.
قهقه “حُذيفة” بعد أن سمع نبرة أخيه الحا’نقة ليُعطيه جوابه الصادق بقوله:
_وأنا ر’فضت إن يتعمل فيه أي حاجه عشان أنتَ مش معايا فيه، بس “يزيد” باشا كعادته مبيحبش يضـ.ـيّع أي مناسبة خصوصًا لو تخص خد بيحبه.
أبتسم “يزيد” ثمّ أتجه لركن الغرفة يحمل لوحته الثمينة بحذ’رٍ بعد أن أستغرقت مِن وقته ثلاثة ليالٍ كاملة حتى أنتهى مِنها، أقترب مِنْهُ والحما’س يأ’كل قلبه لأجل تلك اللحظة، وقف أمامه وقال بنبرةٍ حنونة:
_تستاهل مِني أكتر مِن كدا يا حبيبي، ودي أقل حاجه ممكن أقدمهالك.
نظر إلى اللوحة التي يحملها أخيه ثمّ أبتسم وبدأ ينز’ع عنها هذا الغلاف الكرتوني منتظرًا رؤية إبداع هذا الصغير الموهوب الذي كُلّما أدهشه بأفكاره، ر’مى أخيه نظرة خا’طفة قبل أن ينز’ع الغلاف وكأنه يشكره خفيةً قبل أن يراها، لحظة وأبعده “حُذيفة” بالتزامن مع همهمات أولاد عمومته وشهـ.ـقاتهم المفاجئة حينما و’قعت أعينهم على اللوحة التي حملت في أعما’قها صورة هذا الحبيب..
رُسم بعناية ود’قة مستفـ.ـزة، وكأن أخاه قد طبع صورته في اللوحة دون أن يُكلف نفسه عنا’ء التخـ.ـطيط فيها، أخذ اللوحة مِنْهُ متأملًا صورته فيها غير مصدقٍ لِمَ يراه، أبتسم “يزيد” وقال:
_عيونك بيقولوا إنها عجبتك.
وبصعو’بة با’لغة أستطاع أن ينز’ع عيناه مِن عليها والنظر إليه وكأنه يسأله _كيف فعلتها؟_ ولكن لم يستطع أن يتفوّه بحرفٍ، فبرغم ذلك هو يعلم قدرة أخيه على فعل ما يُريد وإن كان ذلك مستحـ.ـيلًا، ضمّه مجددًا إلى أحضانه وهمس بكلماتٍ صغيرة صادقة أعربت عن مكانة هذا الحبيب في قـ.ـلبه:
_أنا بحبك أوي يا خويا، شكرًا مِن قلبي.
______________________________
<“لم يستطع هذا اللعيـ.ـن تحمُـ.ـل الفر’اق.”>
في أُمسية هذا اليوم..
ولج “أحمـد” غرفة صغيره “ثائر” بعد أن طرق فوق الباب، يرى صغيره يقف أمام شاشة التلفاز محاولًا الفوز أمام خصـ.ـمه وجهاز التحكـ.ـم بين كفيه الصغيرين، أغلق الباب خلفه واقترب مِنْهُ ومِن ثمّ جلس فوق المقعد المجاور إليه دون أن ينبث بحرفٍ، ولكن حينما شَعَر الصغير بهِ أوقف المباراة فورًا ونظر إليه..
ظهر الخو’ف في عيناه وأعاد عقله الصغير صرا’خه بهِ وضر’به المبر’ح لهُ في تلك الليلة المشؤ’ومة، وتلك النظرة لم تغفـ.ـل عن “أحمـد” الذي آ’لمه قلبه برؤيتها تسكن في عينان صغيره، مدّ كفه نحوه بصمتٍ، تراجع الصغير على إثرها مستشعرًا بالخطـ.ـر، ولكن هل أصبح الخطـ.ـر يتجسّـ.ـد في الأب الآن؟ هذا الظهر الذي لا ينحنـ.ـي والجدار الذي لا يميـ.ـل، والحضن الأ’من الذي يحتمـ.ـي فيه مِن شـ.ـرور البشر؟..
_متخا’فش.
نطق بها بنبرةٍ مكسو’رة بعد أن وصل بهِ الأمر إلى تلك النقطة، فولده الوحيد أصبح يخشاه الآن وبدلًا مِن أن يفـ.ـر إليه أصبح يركض إلى والدته، أمسك بذراعه وقرّبه مِنْهُ مستشعرًا بتجمـ.ـد جسـ.ـد صغيره بعد أن وقف أمامه منتظرًا تلقي عقا’بًا آخر وضر’بًا مبر’حًا سينجـ.ـو مِنْهُ بفضل والدته كما حدث في السابق:
_أنا آسف على اللي عملته معاك، آسف عشان ضر’بتك ومسمعتش كلامك، أنا عارف إني غـ.ـلطت، وحقك تز’عل مِني ومتكلمنيش..
ثبّـ.ـت “أحمـد” عيناه فوق وجه صغيره وضمّ ذراعيه الصغيرين محاولًا إصلا’ح ما قام بإفسا’ده قبل أيامٍ بعد أن أكتشف حقيقة الأمر مِن قِبَل “علي” الذي لم تغيـ.ـب عيناه عن تلك الخا’دمة اللعيـ.ـنة التي أستطاعت الإيقا’ع بين الأب وطفله:
_أنا عارف إن مش أنتَ اللي د’لقت العصير فوق ورق الشغل، وبرغم إنك ساعتها قولتلي كتير إنُه مش أنتَ أنا ساعتها مصدقتكش وفكّرتك بتكد’ب عليّا عشان متتعا’قبش، بس أنا برضوا عا’قبتك على حاجه أنتَ معملتهاش ومدتكش فرصة تبـ.ـرأ نفسك، أنا هكلمك بصراحة عشان دا كان إتفاقنا سوا قبل كدا، أنا فالوقت دا بالذات مش عايز شغلي يبو’ظ تحت أي ظرف، والعصير اللي و’قع عالورق دا، كانت قضـ.ـية عمو “شهـاب” ومهـ.ـمة جدًا، ممكن تضيّـ.ـع حقه بسهولة والمجر’م الشـ.ـرير ميتعا’قبش، الورق دا صـ.ـعب إنُه يطلع بسهولة يا “ثائر” وهياخد وقت طويل، لو كان ورق تاني غيره مكانش هيفرقلي عشان هيكون سهل أجيب غيره إنما دا لأ الموضوع صعـ.ـب على بابا..
_ورق إيه؟ وليه مهـ.ـم أوي كدا؟.
فضوله الطفولي د’فعه لمعرفة ما تحوي عليه تلك الوريقات البيـ.ـضاء التي لن يفهم مِنها شيئًا، ولذلك لم يبخـ.ـل “أحمـد” بالإجابة عليه قائلًا:
_قضـ.ـية مهـ.ـمة أوي فالشغل، في واحد شـ.ـرير حاول يقتـ.ـل عمو “شهـاب” كذا مرَّة، وأذ’اه كتير أوي حتى أكتر مِن اللي بيعمله الشـ.ـرير فالكرتون، وكمان أذ’ى عمو “حُذيفة” وعمو “ليل”، فلا’زم يتعا’قب والورق دا بيـ.ـثبت إنُه أذ’ى عمو “شهـاب”، يعني الورق دا يجيب حق عمو “شهـاب” ويخلي المجر’م يتعا’قب، وأنا وعدت عمو “شهـاب” إني هحافظ عالورق دا لحد ما يتعا’قب المجر’م، بس الورق با’ظ وكان مُـ.ـهم جدًا وبحاول أجيب غيره عشان حق عمو “شهـاب” ميضيعش، وأنا عرفت إن مش أنتَ اللي بوّ’ظته وإن غيرك هو اللي بوّ’ظه بس لمَ دخلت أنا وشوفت الكورة معاك والعصير وا’قع عليهم فكّرتك أنتَ اللي عملتها..
_وساعتها عا’قبتك ومسمعتكش، بس عمو “علي” عرف إن حد مِن الخد’م هو اللي د’لقه بالقصـ.ـد، وأنا لمَ عرفت قولت أجي أصالحك وأعتذر مِنك، عارف إن أنا كُنت غـ.ـبي معاك وقسـ.ـيت عليك وعلى ماما كمان، وبصراحة أنا أتعلمت درس مهـ.ـم أوي … مش أي حاجه تشوفها عنينا يتبقى صح، أنا آسف وحقك عليّا مش عايزك تز’عل مِني ولا تخا’ف، أنا بحبك وبخا’ف عليك أوي، أنتَ مش بس أبني يا “ثائر”، أنتَ حياتي وسبب إني أعا’فر فالدُنيا عشان خاطرك، أنا مليش غيرك..
رفع كفيه الصغيرين نحو فمه وقبّلهما بحنوٍ وعيناه تر’اقبان عيناه محاولًا رؤية أيُ شيءٍ مِنْهُ، تمتم مجددًا بنبرةٍ أكثر د’فئًا وهدوءًا:
_مسا’مح بابا ولا حابب تعا’قبه؟.
_أنا بحبك أوي يا بابا.
خا’لف توقعاته بعد أن سمع تلك الجملة التي لم يتخـ.ـيّل أن يسمعها في هكذا موقف، ضمّه بتلهفٍ إلى أحضانه مطبـ.ـقًا عليه بذراعيه وكأنه يُريد أن يد’خله إلى جانب قلبه، فهذا الصغير لا’مس نقطة ضـ.ـعفه دون أن ينـ.ـتبه، سقـ.ـطت عبرة مِن عينه اليُمـ.ـنى شاعرًا بقلبه يهـ.ـتز بعنـ.ـفٍ بعدما تلقّى هذا الكم مِن الحنان والد’فء مِن صغيره، وكأنه قرر معا’قبته بطريقته الخاصّة..
_وأنا كمان بحبك أكتر يا حبيب بابا.
أغدقه بعدها بقُبلاته المتفر’قة مِمَّ جعل الصغير يضحك أخيرًا معلنًا عن عودة الوصال بينهما، ضحكاته وكأنها سمفونية لحنّت معزوفاتها على أوتا’ر قلبه.
____________________________
<“وقبل الرحيل لنا لقاءً خاص.”>
في إحدى كافيهات المدينة..
كان “يزيد” يُتابع سير عمله بعد إنقطا’عٍ دام لأشهرٍ مستمعًا إلى رفيقه الذي كان يطمئن على رفيقهم، رفع عينه إليه بعد أن ودّعه وسأله بنبرةٍ هادئة:
_قالك إيه؟.
أخرج “وهيـب” تنهيدة عميقة وجاوبه بنبرةٍ هادئة:
_كويس، أول مرَّة أسمع صوته هادي، شكله مرتاح هناك.
_طب الحمدلله، يا ربّ يفضل كدا دايمًا.
قطـ.ـع حديث “وهيـب” طرقًا خفيفًا فوق الباب عَلِمَ مِن خلاله صاحبها، أهتـ.ـز قلبه بعنـ.ـفٍ حينما رآها تولج بعد أن سمح لها “يزيد” الذي أستقبلها بترحابٍ شـ.ـديدٍ، ويا ويلتاه ها هي تنظر إليه وتُرحب بهِ بوجهٍ مبتسم، وكأنها تتعمّـ.ـد أستفـ.ـزازه هكذا كان تفكيره، ولكن لم يغفـ.ـل “يزيد” عن نظرات رفيقه لها أو تو’تره الذي إنتا’به فجأةً، بسمةٌ خـ.ـبيثة رُسمت فوق فمه بعد أن رأى نظرة رفيقه لها..
وبعد دقائق قليلة جلسوا ثلاثتهم يتناقشون في أمور العمل الذي كان يقـ.ـع على أعتاقها وحدها أثناء تغيـ.ـبهم، ولم يغفـ.ـل “يزيد” عن مر’اقبة “وهيـب” الذي كان يختلس النظر إلى “عنان” بين الفينة والأخرى، ضر’به بقدمه مِن أسفل الطاولة حتى لا يجعلها تنتـ.ـبه إليه، ولكن كانت “عنان” تنتـ.ـبه لكُلّ شيءٍ يحدث حولها مِمَّ جعل الخجـ.ـل يكتسي وجهها..
_أنا شايف إننا لو نزلنا الصنف دا فالمنيو هيجيب طلبات كتير، خصوصًا إن الشيكولاتة اللي بنستخدمها مستوردة يعني مش أي نوع، دا غير إنها حلوة.
_أوي.
هكذا علّق “وهيـب” على حديث “يزيد” دون أن يشعُر وهو ينظر إلى “عنان” التي جحـ.ـظت عيناها وقبـ.ـضت فوق فستانها بقو’ةٍ بعد أن رأت نظره مصوّ’بًا نحوها ونبرته أصبحت أكثر د’فئًا، زجـ.ـره “يزيد” بقدمه وهو يقول بنبرةٍ حا’دة:
_أظبط يا “وهيـب” أحسنلك ..!!.
أستفاق “وهيـب” بتلك اللحظة بعد أن شَعَر بقدم رفيقه تضر’به، نظر إلى “عنان” يرى أنها تكاد تلتـ.ـصق بالمقعد والخجـ.ـل هو المسيطـ.ـر عليها، أعتدل في جلسته مبتسمًا وقال بنبرةٍ هادئة مبطـ.ـنة بالمكـ.ـر:
_على فكرة اللاڤندر لو’ني المفضّل.
تسارعت خـ.ـفقات قلبها داخل صد’رها بجـ.ـنون بعد أن عَلِمَت إيلاما ير’مي بحديثه، وبرغم ذلك شَعَرت بالفراشات تدا’عب معد’تها، طغى الخجـ.ـل أكثر على وجهها لينقـ.ـذها صوت “يزيد” الذي قال بنبرةٍ حا’دة وهو ير’شقه بنظراته:
_قوم شوف شغلك يا “وهيـب” بدل ما أهـ.ـب فيك.
أشار “وهيـب” تجاه “عنان” وقال بحـ.ـنقٍ:
_و “عنان” مش هتشوف شغلها برضوا ولا إيه.
أ’لقى نظرة سريعة على “عنان” ثمّ نظر إليه ببرودٍ ظاهري وقال ساخرًا:
_لأ “عنان” هتفضل معايا عشان نشوف أخبار الشغل إيه.
أشتـ.ـعلت نظرة “وهيـب” بالشـ.ـر بعد أن عَلِمَ بأنها ستجلس وحدها مع رفيقه، وقبل أن يند’فع ويصر’خ بهِ مبديًا بر’فضه أوقفه صوت رفيقه الذي قال بنبرةٍ حا’دة:
_يلا يا “وهيـب” ومِن سكات أحسنلك ..!!.
ضر’ب “وهيـب” المقعد بقدمه في عنـ.ـفٍ واضحٍ ثمّ ر’ماه بحقـ.ـدٍ وخرج صا’فعًا الباب خلفه بقو’ةٍ تحت نظرات “يزيد” الما’كرة وخجـ.ـل “عنان” مِن هذا الموقف المحر’ج الذي أو’قعها “وهيـب” بهِ، فلم تكُن تتخيّـ.ـل أن يُغا’مر ويُبا’غتها بأفعاله الطا’ئشة تلك، أشار لها “يزيد” بوجهٍ مبتسم وقال:
_نكمل شغلنا يا “عنان”.
جلس “وهيـب” فوق إحدى الطاولات وأخرج هاتفه بغضـ.ـبٍ شاعرًا بنير’ان الحُبّ والغير’ة تنهـ.ـش قلبه، فبرغم ثقته العـ.ـمياء في رفيقه ولكن غير’ته سيطـ.ـرت عليه بالكامل وجعلته و’حشًا، فتح صورتها التي كانت تتوسّط صفحتها الشخصية يتأمل وجهها عن قربٍ وكأنه يراها لأول مرَّة، وبلحظة أعترف بحُبّه لها هامسًا بنبرةٍ حنونة:
_كُنت فاكرك بعيدة أوي، لحد ما فلحظة لقيتك أقرب ليّا مِن نفسي، أنا بحبك أوي.
صرّ’ح عن حُبّه لها ناظرًا لمعالم وجهها الجميلة التي تزين شاشة هاتفه، ولو كان يقوو على قولها لها في الداخل لكان صر’خ بها ولم يعـ.ـبء لأحدٍ حوله، ولكن لحظته المنتظرة مازالت لم تليـ.ـن لهُ.
___________________________________

تعليقات