![]() |
رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل الثامن والتسعون بقلم بيسو وليد
يا نفسُ، لا تركني إلى زيفِ السراب،
فالدهرُ دولاب، وما دام يدورُ، لا أمانَ لركابه،
كلُّ ما كنتِ تحسبينه خلدًا، ذاب،
وما كنتِ تفرحين له، صار حطامًا في الغياب،
الأيامُ تمرُّ كالسحاب، لا تُمسك،
والوجوهُ تُزهرُ وتذبلُ، فلا تُعَلِّق قلبك بصورةٍ في إطار،
من جربَ الألمَ، صار حكيمًا،
ومن لامسَ الحبَّ، عرفَ أن في العطاءِ نجاةَ الأحرار،
لا تسألِ الناسَ من أنت،
بل كنْ لنفسك وطنًا، وسَكَنًا، ومحرابَ قرار،
فالعمرُ يمضي، وإن طالَ، فهو لحظةٌ،
تُختَصرُ بكلمةٍ: “ماذا أبقيت في القلب من آثار؟.
_ارتجال.
______________________________
إن لم يكُن الفُر’اق مؤ’لمًا كيف سيكون شعور الفقيـ.ـد ..!!.
لا حياة يدوم فيها الضحك، أو السعادة؛ ككفتي الميزان، تميـ.ـل إحداهن أحيانًا، ولكنهن لا يتساوو دومًا، هكذا هي حياة البشر، يضطـ.ـرون للتضحـ.ـية لإكمال السعي في دروبٍ فُرضت عليهم، البعض يجهـ.ـل في بعض الأحيان كيف ستكون نهاية المطاف، فالجميع لا يُحققون أهدافهم، إلّا عددًا ضـ.ـئيلًا للغاية، وكأن المرء ير’فض إعلان خسا’رته حتى وإن كان هذا هو المطاف..
<“بداية الثأ’ر مِن نقطة الو’حش.”>
صبيحة يوم السبت – غرفة الاجتماعات..
كان الصمت يُسيطـ.ـر على الغرفة بشكلٍ مُـ.ـهيب، وكأنهم يترقّبون خبرًا أو قرارًا حاسـ.ـمًا، الجميع ينظرون لبعضهم وأعينهم تخبئ خلفها نير’انًا غير قابلة للإطفا’ء، قلوبهم تحتر’ق وصر’خات الجنو’د و “إسماعيل” تكاد تُصـ.ـيبهم بالصـ.ـمم، لا مجال للتراجع؛ فقد حان الوقت لرد الحق مِن أفو’اه الضبا’ع، فالليلة ستكون رها’نًا؛ إما فوز الملوك أو سقو’ط المملكة وحُكا’مها..
ترأس اللواء “ليل الدمنهوري” طاولة الإجتماع الكبيرة، يجلس بشموخٍ لا يليقُ إلّا بهِ، عيناه تُرسل شـ.ـراراتٍ قا’تلة، وصدره يصر’خ بغضـ.ـبٍ جم، لن يرضىٰ بالتها’ون فإما النصـ.ـر، أو الذُ’ل؛ ووحده لا يعترف بالخسا’رة، وإن تطلّب الأمر سيُقا’تل بنفسُه معهم لأجل جنو’ده الأبر’ياء الذين د’فعوا بد’ماءهم فد’اءًا لوطنهم..
حول تلك الطاولة المُهـ.ـيبة يرتّص أحفاده، أكبرهم لأصغرهم، وجوههم تحمل الإجر’ام، وكأن المسألة مسألة شـ.ـرفٍ، لن يقبلوا التها’ون مهما حدث، وعددًا مِن قا’دة الفرق الأخرى الذي قرر الاستعانة بهم لثقته بهم الغير محدودة، وإلى جانبه تقف “كِيرة” تحمل جهازها اللوحي منتظرةً شارة رئيسها..
قرر “ليل” كسـ.ـر هذا الصمت المخـ.ـيف، وكأنه أعطى لعـ.ـقله هُـ.ـدنة صغيرة حتى تأتي اللحظة المناسبة، نظر في وجوه الجميع وقال بنبرةٍ حا’دة:
_الليلة دي ليلة التخـ.ـطيط، خدتوا وقت كافي ترتاحوا فيه، جه وقت الرد خلاص، مش هسمح بأي تقصـ.ـير مهما كانت الأعذار، دي مش مسألة إسترجاع حقوق، دي مسألة شـ.ـرف، ومينفعش يكون في سكوت، دلوقتي “فارس” بيتحـ.ـقق معاه بعد ما أتمـ.ـسك فالمطار، فنسمع اللي هيتقال كويس أوي يا رجا’لة عشان كُلّ واحد هيكون لُه مُـ.ـهمته، أولًا وقبل أي حاجه، الزي اللي أمـ.ـرت بيه يتلبس، مش عايز ملامحكم تبان مهما حصل، مش خو’فًا مِنهم، بس أنا عملت كدا عشان غرض محدد هتعرفوه بعد ما تنفـ.ـذوا مهمـ.ـتكم على خير وتجيبوا را’س الأ’فعى..
_أولًا الخطة اللي هتتم كالآتي..
رقم واحد، التمو’يه والإر’باك، عشان تو’قع عد’وك صح لازم تشـ.ـتت أفكاره حتى لو مش ظاهر فالصورة، والمـ.ـهمة دي هتكون على الملازم أول “ليل باسم الدمنهوري” ومعاه ملازم أول “مينا ملاك”، دوركم تشـ.ـتتوا العد’و مِن غير ما يلمح طيـ.ـفكم، ودي شغلتكم، أيًا كانت الطريقة اللي هتتفقوا عليها اللي يهمني إن العد’و ميعرفش هويتكم، رقم إتنين؛ إقتحا’م السرداب، ودي هيكون تخصصها ملازم أول “شهـاب العطار” وملازم أول “حسـام الأسيوطي”، الإقتـ.ـحام يتم بهدوء، مش عايزهم يحسّوا بأي حاجه لأن بنسبة كبيرة هيهر’بوا أو هيها’جموكم، رقم تلاتة، القبـ.ـض على “أمجد” حـ.ـي … دا لو فضل حـ.ـي، ودي هينفـ.ـذها ملازم أول “حُذيفة عبدالله”، والمتابعة الجَـ.ـوية هتكون للملازم أول “علي طارق” والعقيد “سيف علّام”، وهيكون العقيد “عبدالله الدمنهوري” معاكم وهو القائد بتاعكم، يتجابوا كُلّهم مفيش فرد فيهم يتساب.
كلماته كسها’مٍ حا’دة تُرشـ.ـق، لا مجال للاعتر’اض؛ فخطة اللواء كانت ممتازة وستُنفـ.ـذ مثلما يخـ.ـطط لأن كُلٌّ مِنهم وُضع في مركزه، تحدثت “كِيرة” في تلك اللحظة بنبرةٍ واثقة قائلة:
_في نفـ.ـق جوّه السرداب بيستخدموه العصا’بة وقت الهجو’م المباشر إحنا لو سَـ.ـدناه بالمتفجـ.ـرات هنضمن بنسبة ٩٠ فالمية إن العصا’بة مش هتهر’ب وهيكونوا في حصا’ر تام.
أشار “ليل” الجد تجاه أحد الضبا’ط مُلـ.ـقيًا حديثه الآ’مر عليه بقوله الجا’مد:
_العقيد “وحيد” رتّب ناسك العمـ.ـلية بُكرة الفجر، الهجو’م هيكون مزدوج مِن الشرق والجنوب، وبالليل “كِيرة” مع وحدة الأشبا’ح عشان تجمّع معلومات دقيقة مِن جوّه، أنا مش عايز غـ.ـلطة.
لم يُصدر بعدها سِوى صوت غلق الباب تزامنًا بخروج “ليل” الجد، تبادلوا جميعهم النظرات، وكأنهم قرروا أن يتحـ.ـدوا لأجل رفاقهم، حتى وإن كانت مها’مهم تختلف، ولكن هدفهم كان واحد..
ساحة التدريب – منتصف الليل..
كان القمر ينتصف السماء، ينشـ.ـر نوره الفضيّ فوق الأرض، وكأنه قرر أن يترك وصمته في أجسا’دهم قبل وجوههم، كان ضوءه ينعكس على وجوه الجنو’د أثناء التدريبات الليلية، أصواتهم الجا’مدة تكاد تهـ.ـز الجدران مِن حولهم، أقدامهم تعزف سمفونية خاصة فوق الأرض..
على الجهة الأخرى مِن الساحة،
كانت التدريبات قائمة بين الضبا’ط، لم تكُن كما أعتادوا؛ بل كانت أشـ.ـد عـ.ـنفًا، قلوبهم تحتر’ق في صدورهم، وأجسا’دهم تتخذ العنـ.ـف طريقة لإفراغ غـ.ـضبٍ لا ينفـ.ـذ، كان “حُذيفة” أشـ.ـدهم عنـ.ـفًا ولأول مرَّة، وقد جذ’ب أنظار الجميع إليه بسببه، ولم يعلم أحدٍ مِنهم بأن صورة رفيقه تمُر أمام عيناه، وتلك كانت سبب هذا العـ.ـنف..
ولأول مرَّة تشاركهم “كِيرة” في التدريبات، كانت تُطـ.ـلق النا’ر بد’قة، وتز’حف تحت الأسلا’ك تسابق زملاءها، كانت تحمل طاقة كبيرة لا تنفـ.ـذ، فكُلّ ما يشغل تفكيرها أن تُثبت ولا’ءها لقائدها، فإن كان يثق بها لهذا الحـ.ـد فيجب أن تكون محل تلك الثقة، ولذلك كانت لا تتوقف وتبذل مجهو’دٍ كبير لأجل رفاقها..
كان “ليل” الجد يتابعها مِن بعيد وعيناه لا تُفا’رقها لحظة، إلى جانبه نائبه المخلـ.ـص، العميد “جلال الدين”؛ ولم تستطع عيناه إنكا’ر إعجابه بتلك الفتاة الجر’يئة التي تفعل المستحيـ.ـل لإثبا’ت قدراتها، نظر إلى “ليل” وقال بنبرةٍ هادئة:
_البنـ.ـت دي رهيبة، قراراتك بتبهرني يا سيادة اللوا كُلّ مرَّة حتى لو حد فالتيم معتر’ض عليها، نظرتك ثا’قبة.
_خبرة سنين مجاتش مِن فراغ يا “جلال”، أنا عارف كويس أوي قدرات كُلّ واحد، وعارف نقاط قو’تهم وضـ.ـعفهم، فعشان كدا حطيت “حُذيفة” لأول مرَّة فنقطة الإقتـ.ـحام، رغم إن دا مش شغله بس النا’ر اللي جوّاه والقسم اللي أقسمه يوم مو’ت “إسماعيل” خلّاني أحطه فالمكان دا.
نظر إليه “جلال” نظرةٍ ذات معنى ثمّ عاد يُتابع الجنو’د مجيبًا بنبرةٍ هادئة:
_واللهِ يا سيادة اللوا ما في حاجه و’جعاني قد مو’تهم، والنا’ر اللي جوّاهم دي مش مِن شوية، أنا معاهم فأي حاجه هيعملوها.
نظر لهُ “ليل” بطر’ف عينه نظرةٍ ذات معنى وقال بنبرةٍ هادئة:
_وأنا لو كُنت مكان واحد فيهم كُنت حر’قتهم كُلّهم وطـ.ـفيت النا’ر اللي جوّايا، بس هما مش هيأ’ثروا، أنا واثق فيهم كُلّهم.
عاد “ليل” يُتابع أحفاده والجنو’د بهدوءٍ، يقف شامخًا لا شيء يستطيع كسـ.ـره مهمًا كان، فهو هذا الأسـ.ـد المفتر’س الذي لا يها’بُ أحدٍ، يعلم كيف يصـ.ـطاد فرا’ئسه دون أن يُكلف نفسُه عنا’ء التخـ.ـطيط.
______________________________
<“غـ.ـلبه الحُبّ وأضحى ضحـ.ـية لهُ.”>
في مساء مدينة ڤيرچينيا،
كان “مُهـاب” يجلس في غرفته ممسكًا بهاتفه، متسطحًا فوق فراشه الوثير، يُرا’قب منشوراتها التي تنشرها يوميًا، لا يعلم ما السبب الذي جعله يفعل ذلك، ولكن عقله أعاد صورتها يوم حفل الزفاف، وقلبه رغمًا عنهُ خضـ.ـع لها..
ولج “مصطفىٰ” بعد أن طرق طويلًا ولم يأتيه الرد، يراه منكبًا بتركيزٍ فوق هاتفه، وكأنه يُتابع حدثًا تاريخيًا، جاوره في جلسته ونظر إليه بطر’ف عينه لوهلة ثمّ قال:
_بتعمل إيه، قاعد هادي مش على عوايدك، وبيني وبينك أنا متعودتش عالهدوء دا.
رأى صورة “چويرية” الخاصّة بملفها الشخصي، ولذلك نظر لأخيه بترقبٍ بعد أن أنذ’ره قلبه بشيءٍ جديدٍ ينتظر أخيه، أعتدل في جلسته وقال بنبرةٍ هادئة:
_مين البنـ.ـت اللي أنتَ بتقعد قدام البيدچ بتاعتها طول الوقت دي؟ تعرفها مِن ورايا ومتقوليش؟.
وبصعو’بة با’لغة أستطاع “مُهـاب” أن يرفع عيناه مِن فوق هاتفه، نظر لهُ يرى في عينان أخيه نظرةٍ ما’كرة، وكأنه ينتظر جوابًا بعينه، أعتدل “مُهـاب” في جلسته وحاول أن يظل هادئًا أمام نظرة أخيه التي كانت تُحا’صره:
_مفيش، دي قريبة “يزيد” صاحبي بس مِن بعيد.
_وشوفتها فين بقى ولا تعرفها منين؟.
حُصِّـ.ـر الفتى وإنعد’مت سُبُل النـ.ـجاةِ بهِ، فأخيه حتى الآن لم يعلم بشأن تلك الفتاة، وشـ.ـكُه الآن أصبح يقينًا ولم يعُد أمامه مفـ.ـرًا سِوى الإعتر’اف بحقيقة الأمر، نظر لهُ ثمّ أعتدل في جلسته وقال:
_شوفتها ففرح حد قريب “يزيد”، كان عازمني أنا و “وهيـب” وروحنا وشوفتها هناك صدفة، معرفش هو في كدا بجد ولا أنا اللي د’ماغي بقت سا’فة بس أنا إتشـ.ـديتلها فجأة، أساسًا أنا عارف إن الموضوع مش هيتم عشان مفيش واحدة هتقبل بواحد زيي بيخا’ف من العلا’قات والتعلُـ.ـق، أنا بس كُلّ ما بقا’وم نفسي وإلحاحي بخـ.ـسر فالآخر وبعمل اللي عاوزه، حاسس إنها خطـ.ـفت مِني حاجه أنا مش عارف إيه هي لحد دلوقتي، وللأسف أنا مجربتش أدخل فعلا’قة عشان أعرف أنا حاسس بأيه دلوقتي وهل دا طبيعي ولا الموضوع أصلًا واخدني للمنحد’ر..
_أنا نفسي أعيش بس خا’يف، عايز أحقق وأنجح وأحب واتحب حُبّ مش مشروط، أنا جوّايا خو’ف، مش قادر برغم إني عايز، وكُلّ ما أقرر برجع فقراري لأن أنا بجد بقيت خا’يف مِن الناس، هي مش هتستحمـ.ـل معايا لو حصلت مشـ.ـكلة بنا، أنا كعادتي هز’عق وهكسّـ.ـر ومش هحسّ بنفسي كالعادة، وهي مش هتقدر تتعايش مع دا، هي مش مُلز’مة تتعلّـ.ـق مع واحد زيي، عقـ.ـله طا’قق مِنُه وهمـ.ـجي، ميعرفش الحالة بتجيله أمتى ولو جَت بيقوم الحـ.ـد عالكُل، مشـ.ـكلتي ملهاش حل، وأنا عارف إني هفضل كدا … على طول أبوك وأمك أول ما بيشوفوا الحالة دي بيقولولي أنتَ مجـ.ـنون ومحتاج تدخل السر’ايا الصفـ.ـرا تتعا’لج، حتى بيحاسبوني على حاجات هما كانوا سبب رسمي فيها وأنا بتقهـ.ـر عشان أنا مختارتش أكون كدا..
لمعت عيناه ببريقِ إنهيا’رٍ على وشك الاستعداد، فمَن ظن أنهم أ’منه ومصدر قو’ته هم أول مَن خا’نوه وأصبحوا الخطـ.ـر بأ’م عينه، لم يعودوا مصدر الأ’مان والد’فء، بل أصبحوا وحو’شًا مفتر’سة؛ كُلّ ما يسعو’ن لفعله تلبية متطلباتهم فقط، بدأت قدميه تهتـ.ـزان لا إراديًا ويضـ.ـغط على كفيه، عيناه كانت تجوب في أرجاء الغرفة عدا عينان أخيه، أكمل حديثه محاولًا السيطـ.ـرة على نفسُه قائلًا:
_أنا أتظلـ.ـمت، محدش بيفهمني ولا مهتم يعرف أنا بحب إيه وبكـ.ـره إيه، إيه اللي بير’يحني وإيه بيتعـ.ـبني، رأيي نفسُه مش مُهم زيي، كُلّ ما أفتكر آخر خنا’قة بينهم وصل فيها صوتهم عا’لي أوي، وصر’يخي فيهم وعد’م لا مبالاتهم ليّا، وإني فلحظة كسـ.ـرت أول حاجه طا’لتها إيدي، وصد’متهم مِن منظري وأنا ممكن فلحظة أصوّر قتيـ.ـل، بتو’جع أوي يا “مصطفى”، أنا مش مجـ.ـنون عشان أتعا’لج ليه مُصِّرين على إني مجـ.ـنون أنا الكلمة دي بتقـ.ـتلني مِن جوّايا.
لم ينتظر السماح مِنْهُ أو للحظة تالية، فقد إنقـ.ـض عليه يضمه بقو’ة إلى أحضانه المحصّـ.ـنة، وكأنه يُحاول سحـ.ـب تلك السلـ.ـبيات التي يغر’ق في أعما’قها أخيه إليه هو، حديثه آ’لمه فمِن سابع المستحيـ.ـلات أن يُصبح أخيه مخـ.ـتلًا، بل هو على يقينٍ تام بأن ما يُعا’ني مِنْهُ أصبح مر’ضًا نفسيًا كان المتسـ.ـبب بهِ والديه..
_أنتَ مش مجـ.ـنون يا “مُهـاب”، قطـ.ـع لسا’ن أي حد يقول عليك مجـ.ـنون ولا محتاج تدخل السر’ايا الصفـ.ـرا، لو حد مجـ.ـنون بجد هيكونوا هما، أنتَ لسّه بعقـ.ـلك يا حبيبي وزي الفُل كُلّ اللي كُنت محتاجه حد يسمعك ويهتم بيك، وأنتَ ملقتش دا مِن أقرب الناس ليك وطبيعي تكون كدا طول ما أنتَ قاعد معاهم، هما مِن زمان شا’يلين إيديهم مِن مسؤوليتنا وأنتَ عارف كدا، عشان كدا كان لازم نعتمد إحنا على نفسنا ونعمل الحاجه اللي تريحنا، بس كان برضوا لازم واحد فينا يقـ.ـع فقبـ.ـضتهم، وكُنت أنتَ ضـ.ـحيتهم.
أبتعد “مصطفى” عنهُ ينظر لهُ بعينان لامعتين وقال بنبرةٍ تحمـ.ـل إصرارًا وعزيمة عمَّ عز’م عليه، ولن يتراجع عن الأمر مهما كلفه الثـ.ـمن:
_إسمعني كويس، أنتَ هتخلّص الفترة اللي باقية فالجـ.ـيش وهتيجي على هنا تاني، إنسىٰ جَو الرجوع ليهم دا تاني عشان مش هيحصل، مش هسيبك بينهم لحد ما تضـ.ـيع مِني، أنا تواصلت مع دكتور “بيتر”، هتفضفض اللي جوّاك عشان ترتاح، أنا إديته نبذة عن الموضوع وهو رحب جدًا بالموضوع وهيستناك، لازم يا “مُهـاب” أنتَ محتاج الجلسة دي أوي، مرَّة مع التانية هتحس نفسك أحسن، دا مش جـ.ـنان يا حبيبي دي تر’اكمات مع الوقت إتكو’مت جوّاك لحد ما إتشـ.ـكلت على هيئة تصرفات عنـ.ـيفة، أنتَ محتاج تخرّج كُلّ الغضـ.ـب اللي جوّاك دا والسلـ.ـبيات عشان تعرف تكمل مرتاح، عشان خاطري أنا خا’يف عليك.
نبرته بدأت تلـ.ـين منذ البداية بعد أن رأى تجهـ.ـم وجه أخيه وإستعداده لر’فض تلك الفكرة، فبأفعالهم تلك يتأكد بأنه أصبح مختـ.ـلًا ولذلك يجب أن يتم عرضه على طبيبٍ نفـ.ـسي حتى يتجا’وز الأ’مر، ولكن في الأخير لم يرى تلك النظرة البغيـ.ـضة التي أعتاد أن يراها في أعين والديه، بل رأى نظرة خو’ف مخلوطة بالحنان والقو’ة، وكأنه عزم على تنفيـ.ـذ قراره دون أن ينتظر ردًا مِن صاحب الشأن..
ولكن قبل أن يُبدي “مُهـاب” بر’فضه أعطى لنفسه فرصة أخرى للتفكير في الأمر بشكلٍ أعمق بكثيرٍ مِمَّ كان عليه مِن قبل، فإن أبدى بموافقته فلأجل ألا يكسـ.ـر هذا الشقيق الذي يخشى عليه وير’فض إستسلا’مه لِمَ هو عليه، فبرغم صرا’عاته الداخلية وصعو’بة تلك الخطوة عليه ولكنهُ سيُحاول لأجل نفسُه ولأجل أخيه:
_موافق يا “مصطفى”، هحاول أخُد الخطوة مع إنها صـ.ـعبة عليّا ومش قادر بس هحاول.
_حبيب قلب “مصطفى” وعيونه، هو دا “مُهـاب” أخويا اللي أعرفه.
ضمّه “مصطفى” مُهللًا بفرحة بكلماته تلك بعد أن تلقّى موافقة أخيه على إقتراحه، فكان متأكدًا بشـ.ـدة بأنه سيتلقّى ر’فض أخيه للأمر وسيُعا’ند كعادته، ولكن تلك المرة هي البداية الحقيقية، لأجله ولأجل مستقبله إن كان مع تلك الفتاة أو غيرها، ما يسعى لهُ الآن راحة أخيه، وسيفعل المستحيـ.ـلات لأجل أن يعود كما كان.
_____________________________
<لكُلّ بداية نهاية، ولكُلّ نهاية بداية.”>
داخل إحدى الكنا’ئس،
كانت “برلين” تُرافق “مينا” بهدوءٍ مُـ.ـريب، كان يجلس وينظر بشرودٍ إلى تلك الشمعة التي أشـ.ـعلها لأجل رفيقه الراحل، ونير’انًا مشـ.ـتعلة تأ’كل صدره، مازالت صورته أمام عيناه، وكلمات اللواء تتردد في أُذنيه كموسيقى صا’خبة مز’عجة، يخو’ض حر’بًا دا’خلية لا يعلم عنها أحدًا شيئًا سِواه، ومازالت هناك حر’بًا أخرى في إنتظاره..
وبنفس اللحظة كانت هناك دعواتٌ أخرى وأماني تتمنىٰ تحقيقها، كانت تدعو بأن يرزقها ربّها بطفلًا كما تمنّت منذ زمنٍ، تريد هذا الطفل وبشـ.ـدة، فوحده مَن يستطيع أن يكسـ.ـر أعين الحا’قدين عليها، ووحده مَن يستطيع مد’اواة جرو’حها الغا’ئرة التي تأبى الشفاء، شتاتان مِن أمرهم؛ وجمعتهم نقطة واحدة..
خرج مِن شروده حينما شَعَر بلـ.ـمسة رأسها فوق كتفه تستند عليه مثلما أعتادت، نظر لها ولم يُكلف نفسُه عناء السؤال، فهو يعلم جيدًا ما تتمنّاه، حاوطها بذراعه وعاد بنظره إلى الشمعة التي أشعـ.ـلها منذ دقائق يتأملها بصمتٍ مُهـ.ـيب، ولكنها لم تُحبذ هذا الصمت ولذلك قالت بنبرةٍ هادئة:
_هتجيب حقه، أنا متأكدة وواثقة مِن كدا، عارفه إنُه كان أقرب واحد ليك، وعارفه حجم خسا’رة شخص زي “إسماعيل”، بس الحياة مبتوقفش على حد وهتكمل، عبارة عن محطات بتقف عند كُلّ محطة شويَّة وترجع تكمل تاني، إدعيله لأنه مش مستني مِنك حاجه غير كدا.
أخرج تنهيدة عميقة مُحـ.ـمَّلة بالإر’هاق والأ’لم، فقد أدرك بأن عـ.ـقله لن ينسىٰ هذا الرفيق يومًا، حتى وإن مرّ فوق الدهر دهرًا، لامـ.ـست أناملها المر’تجفة كفه، وشـ.ـدّ عليهن هو بلطفٍ بعد أن شَعَر بتلك الر’جفة، لن يسأل عن السبب لأنه أضحى معلومًا لهُ، وبهدوءٍ قال:
_عارف إنك خا’يفة ومتو’ترة بخصوص الدكتورة، بس أنا مش عايزك تخا’في أو تفكّري فالنتايج السـ.ـلبية، خليكي متفائلة على طول، دا إختبار برغم صعو’بته بس لازم نكون واثقين فربّنا وفنفسنا أكتر مِن كدا، وأنا متفائل على فكرة وهفضل جنبك، ولو لزم الأمر نروح لدكتورة غيرها هوديكي، مش هأ’ثر وعندي إستعداد أدفع كُلّ اللي معايا، بس مشوفش نظرة الإنكسا’ر دي فعيونك لأنها بتو’جعني قبلك، وأول ما ربنا يكرمك وتخـ.ـفي لو جَت بنـ.ـت أنا اللي هسميها، إعتبريها مكافئتك ليّا.
كلماته كعقارٍ يشـ.ـفي جر’وحها دون أن تشعُر، ونبرته هادئة كسكون الليل، بسمةٌ خفيفة رُسمت فوق فمها، ولمعت عيناها بوميض الحنين، فستكون تلك أسعد لحظات حياتها، أن يكون صغيرها الأول بين يَديها، وأبيه هذا الر’جُل الحنون الذي جاء كالغوث لإخراجها مِن أعمـ.ـق نقاط ضـ.ـعفها، وبث الأمل فيها مِن جديد..
لامـ.ـست أنامله خاتمها الفضيّ الذي كان يضم بنصرها الأيمن، وقال بنبرةٍ هادئة:
_حياتنا هتكون أحسن صدقيني، كُلّ حاجه هتتحسن وهنعيش زي ما بنحلم وأحلى كمان، بيتنا الساكن بُكرة الضحكة هتملاه، وعياط مبيوقفش كُلّ شويَّة، هنحاول سوا ناخد اللي إتحر’منا مِنٌه قبل كدا، وهنواجه الدُنيا مع بعض، أشيـ.ـلك النهاردة وتشـ.ـيليني بُكرة، كُلّ اللي نفسنا فيه هنعمله وأكتر مِنُه كمان، بس عايزك متفائلة زيي ومُتحمسة، ممكن؟.
ختم حديثه بنبرة رجاءٍ لا تُخفىٰ عليها، وعيناه ضمّت عيناها بلحظة هادئة جاءت لهم على طبقٍ مِن ذهب، رأت لمعة عيناه عن ر’غبةٍ في تحقيق تلك الأماني، ولأجل عيناه مستعدة لفعل أيُ شيءٍ يُريده، منحته بسمةٌ هادئة قائلةً:
_عشان خاطر عيونك مستعدة أعمل أي حاجه يا “مينا”.
خـ.ـفق قلبه بجـ.ـنونٍ حينما أن و’قعت تلك الكلمات على مسامعه، وكأن تلك الكلمات أضحت غريبة، أو تحمل لُغزًا لا يستطيع حلُّه، منحها قُبلة فوق جبينها يُعبِّر بها عن عشـ.ـقه لها، فقط أفعا’لٌ صغيرة أخبرتها عن مكنونه دون الحاجة لقول أيُ شيءٍ يُعرب بهِ عن حُبَّه، وقد تركت نفسها تلُذ بتلك اللحظة قبل أن يتركها ويرحل..
فليست أحضان الجميع كدفء حضنه لها، ولا حنان الآخرين كحنانه عليها هي، وليست نبرته العا’شقة كنبرة غيره، هو وحده مَن وجدت نفسها معهُ، هو وحده مَن أستطاع أن يقبلها كما هي، لم يفر’ض عليها شيئًا ليس فيها، بل أحبها وتقبّل عيو’بها قبل أن يتقبّل مميزاتها، واليوم ها هو قد أضحى عا’شقًا لها..
_وعد مِني هاجي معاكي الجلسة التانية، ميعاد جلستك الأولى للأسف فنفس يوم المهـ.ـمة وأنا كان نفسي أكون معاكي، بس هعوّضها فالجلسة التانية أكيد، وهمشي معاكي فالطريق لأخره.
رفعت رأسها قليلًا تراه ينظر لها مبتسمًا، لذلك منحته بسمةٌ حنونة وهمست إليه قائلة:
_أنا فاهمة طبيعة ظروف شغلك اليومين دول، وعشان كدا عارفه ومبتكلمش، المهم إنك ترجعلي بالسلامة.
شـ.ـدّ مِن ضمّته لها وترك نفسُه لتلك اللحظة، فتلك اللحظات مِن أثمن كنوزه، فينعم أولًا قبل أن تبدأ حر’بٌ جديدة لا يعلم كيف ستبدأ وكيف ستنتهي بهم.
______________________________
<“وماذا يُقال عند وداع الأحِبّة!.”>
في أولى الساعات ما بعد منتصف الليل..
أغلق حُلّته العسكـ.ـرية وهندمها، نظر إلى إنعكاس صورته في المرآة للمرةِ الأخيرة، ثمّ ألتفت خلفه ليراها تقف خلفه تُطالعه ببسمةٌ خفيفة وعينان هادئتين، أبتسم لها وقال:
_مالك بتبُصيلي كدا ليه؟.
أنكرت كلماته بقولها الهادئ قائلة:
_عادي يعني، كُلّ ما في الموضوع إني مش مصدقة لسّه إنك رجعت الشغل تاني، وبقيت تلبس البدلة، كُلّ ما بشوفك كدا قلبي بيرقص مِن الفرحة.
تقدَّم مِنها خطوتين وترك قُبلته فوق جبهتها ثمّ قال:
_وأنا مصدقت أشوف العيون الحلوين دول تاني.
ضمّته “مَرْيَم” بهدوءٍ بعد أن أدركت بأنه سيذهب أخيرًا ويتركها وحدها، حتى أنها لا تعلم متى تحين عودته مجددًا، ولكنها ستشتاق إليه صدقًا، ضمّها كذلك إلى أحضانه وترك كفه يمسح فوق خصلا’تها النا’عمة برفقٍ كما أعتاد، فان يذهب إلّا لكي يثأ’ر لرفيقه ولهؤلاء الجنو’د الصغار الذين د’فعوا حياتهم ثـ.ـمنًا لأجل هذا الوطن..
نظر إليها بعد أن أبتعدت عنهُ قليلًا تسمعه يقول بنبرةٍ هادئة:
_معرفش إذا كُنت هرجع على طول ولا القعدة ممكن تطول هناك، بس عايزك تخلّي بالك مِن نفسك، ومش عايزك تفضلي رايحة جايَّة كتير ألتزمي بكلام الدكتورة، عشان خاطري يا “ريما” بلاش تطنشي.
هزّت رأسها برفقٍ تُبدي بموافقتها على حديثه قائلة بنبرةٍ هادئة مبتسمة الوجه:
_حاضر، وعد مِني هحاول ألتزم..
_مفيش هحاول في إنك هتلتزمي بجد، مش عايز عِـ.ـند.
قطـ.ـع حديثها بنبرةٍ حا’زمة بعد أن رأى التمر’د في عيناها، فهو يعلم جيدًا كيف تُعا’ند وتفوز في نهاية الحر’ب، ولكنهُ الآن لا يمزح؛ ومستعدًا لفعل أيُ شيءٍ كي يُحافظ عليها ويبنـ.ـي أسرته مثلما كان يحلُم دومًا، جاءت لهُ وقدّمت لهُ النور بين ظلا’مه، واليوم إنتصـ.ـر هذا النور على ظلا’مه وأهدته حياة جديدة، ولأجلها لن يدعها تتلا’شىٰ بتلك السهولة مِن يَديه..
هزّت رأسها بإماءة بسيطة مِنها كإشارة على موافقتها ثمّ قالت:
_خلاص عشان خاطرك بس، طب إيه مش هوحشك.
نظر لها نظرةٍ ذات معنى وكأنه يستنكر تصرفها، فقبل ساعتين كانت غا’ضبة بدون سبب وتحتـ.ـج على أشياءٍ غير منطقية، والآن تتدلل وكأن لا شيء حدث مِن قبل، أشار لها وسحب الهاتف يعبـ.ـث بهِ تحت نظراتها المتر’قبة لهُ، لا تفهم ما يفعله؛ بينما أرسل هو رسالة قصيرة إلى “أحمـد” يقول فيها:
_”أحمـد” هو طبيعي فالحمـ.ـل إن واحدة تتعصـ.ـب على حاجات مش منطقية وبعدها بساعتين تبقى واحدة تانية رقيقة؟ أصل “مَرْيَم” كُلّ ساعة بحالة شكل وأنا مش عارف أتعامل أزاي.
_هو أنتَ بتعمل إيه؟.
نظر لها بعد يراها تنظر لهُ بترقبٍ وكأنها تُحاول كشـ.ـف ما يفعله، فكانت تنتظر ردًا محددًا، ولكن الآن لم يصلها مِمَّ جعلها تشعُر بالضيـ.ـق لتجا’هله لها، أشار لها بالانتظار ونظر إلى رسالة رفيقه ردًا على كلماته السابقة:
_دي المفروض كُلّ دقيقة بحالة أزاي ماشية معاك بالساعات؟ عمومًا دي هرمو’نات حمـ.ـل عادي إتعامل على حسب المزاج اللي قدامك.
أغلق هاتفه دون أن يشكره ونظر لها مبتسمًا بعد أن رأى الضيـ.ـق عنوانًا لِمَ ينتظره بعد قليل، أقترب مِنها مبتسمًا بعد أن قرر أخذ خطوة قبل أن تسبقه هي وتقلـ.ـب الطاولة فوقه هو كالمعتاد قائلًا بمكـ.ـرٍ جـ.ـنىٰ بثماره:
_مين قال بس يا جميل إنك مش هتوحشني، وأنا أقدر برضوا.
أنحنى قليلًا نحوها يُلثم خَدَّها بحنوٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_هتوحشيني.
نظر لها قليلًا ليرى كيف لهذا الضيـ.ـق أن يتحوّل إلى هذا الدلال بغمضة عين، فبكلمة وفعلٍ صغير أستطاع أن يُسيطـ.ـر على الأمر قبل أن يتحوّل لساحة معر’كة سيكون فيها الطر’ف الخا’سر، لمعت عيناها أكثر ورُسمت البسمةُ بإتساعٍ فوق فمها وقالت:
_خلّي بالك مِن نفسك، هستناك.
ضمّها للمرةِ الأخيرة قبل ذهابه وقلبه لا يوافقه على هذا الفر’اق، فلم يرتوي مِن حُبّها بعد ومازال متعطشًا وينتظر المزيد، ولكن تلك هي طبيعة عمله، حينما يأتيه النداء يجب أن يُلبيه فورًا، وإن تظاهر بأنه يوّد الذهاب فبداخله لا يُريد ذلك، ولكنهُ أضطـ.ـر لذلك؛ شـ.ـدّ برفقٍ مِن ضمّته لها وهمس جوار أُذنها قائلًا:
_هرجع، عشان لسّه مرتوتش بحُبك، ولسّه قدامنا طريق طويل لازم نمشيه سوا، لأجل عيونك الحلوين دول هرجع.
شـ.ـدّت مِن ضمتها لهُ دون أن تتحدث، تركت بسمتُها تقول كُلّ شيءٍ لهُ، وستنتظر عودته لها؛ فلأجلها مستعدًا أن يعود مِن ألف حر’بٍ، حتى وإن كان فيهم سلامه، فسلامه الحقيقي بين ذراعيها.
___________________________
<“وترك سلامه لصاحبة الأعين الكحـ.ـيلة.”>
كان يجلس فوق طرف الفراش يعبـ.ـث في هاتفه منتظرًا أولاد عمومته، وينتظر رسالة مِن أصدقائه ليتحركوا كما أتفقوا قبل سويعات، يضم “رودينا” بذراعه الأيسر إلى أحضانه بعد أن غـ.ـلبها النعاس وسقـ.ـطت في بحو’ره بعمقٍ، بينما كانت “روزي” تقف أمام المرآة كعادتها تقوم بتكحيـ.ـل عيناها قبل أن يكسـ.ـر هو القلم لها..
نظر إلى صغيرته التي كانت تُحرك يَدها الصغيرة أثناء نومها، وكأنها تُحاول إمساك شيءٍ يُثـ.ـير فضولها داخل حُلمها، ترك هاتفه ورآها تبتسم، وبتلقائية أبتسم كذلك ومسّد بحنوٍ فوق خصلا’تها النا’عمة ثمّ رفعها بهدوءٍ وضمّها لصدره مانحًا إياها قُبلة فوق خَدَّها الصغير وربّت فوق ظهرها بحنوٍ..
منذ أن وُلِدت صغيرته لا يتركها تغفو وحدها، فيضمّها لصدره ويظل يُهدهدها حتى تغفو وتظل بأحضانه لسويعات، وها هي للمرةِ السابعة بعد المائة تغفو في أحضانه، وكأنه أصبح ملاذها الآ’من، نظر إلى زوجته التي كانت في أشـ.ـد لحظاتها إندماجًا، وحينما لمح القلم بين أناملها أبتسم بخبـ.ـثٍ ولمعت عيناه بالمكـ.ـر..
ترك الصغيرة تغفو فوق الفراش محاوطًا جسـ.ـدها الصغير بوسائد ثمّ تقدَّم مِنها بهدوءٍ مُـ.ـريب، وقف خلفها ثمّ أمسك بذراعها وأدارها لتو’اجهه، سحب القلم مِنها بخفةٍ ثمّ ثبّـ.ـت رأسها وبدأ هو بتولي تلك المـ.ـهمة، بدأ يُخرج فنونه في عيناها مثلما أعتاد مؤخرًا، كانت عيناها مثبـ.ـتتان فوقه، ترَ تركيزه وكأنه في إختبارٍ حقيقي، يخشى أن يرسُـ.ـب بهِ؛ توقّف قليلًا يتأمل العين التي أبدع فيها وكأنه يتأكد بأن كُلّ شيءٍ يسير على ما يُرام..
عاد يُكمل بعد أن شَعَر بأن الأمر لم ينُل رضاه حتى الآن، ولكن في تلك اللحظات لا شـ.ـك بأن قلبه قد و’قع ضحـ.ـيةً مِن جديد لجمال عينها الذي كان أشبه بالسحـ.ـر عليه، ففيروزتها أصبحت أكثر جمالًا بهِ، تشعُر وكأن يَده تعلم طريقها، تسير بإنسيابية ولا يخشى بأن يُخـ.ـطئ وكأنه رسم طريقه قبل أن يبدأ..
وبعد مرور رُبع ساعة..
أبتعد عنها خطوة للخلف وهو ينظر بإعجابٍ شـ.ـديد لعيناها اللتان أصبحت أكثر سحـ.ـرًا وجمالًا، غمز لها بطر’ف عينه اليُسرى وأشار بعدها تجاه المرآة دون أن يتحدث، وكأنه ينتظر ردًا على مجهو’ده الذي بذ’له، نظرت لهُ نظرةٍ ذات معنى ثمّ ألتفتت تنظر إلى المرآة خلفها لإنعكا’س صورتها في المرآة لتجحـ.ـظ عيناها بصدمةٍ واضحة بعد أن رأت كيف حوّل هو عيناها إلى تلك اللوحة الفنية..
وفي الخلفية كان واقفًا يُتابع ردّة فعلها وكيف تحوّلت بلحظة، نظرت لهُ في المرآة قائلة بذهولٍ تام:
_إيه دا، أنا مش مصدقة بجد أزاي؟.
أتسـ.ـعت بسمتهُ فوق فمه بعد أن رأى إعجابها، وذهولها فلم تُخـ.ـطئ يَده ولو لحظة، ولم تشعُر كذلك بالقـ.ـلق مثلما كانت مِن قبل، ألتفتت تنظر لهُ ببسمةٌ واسعة ثمّ ضمّتها بلحظة مبا’غتة تشكره، تناست بأنه بعد دقائق سيكسـ.ـر قلمها كما أعتاد منذ زمنٍ، ضمّها كذلك مبتسمًا دون أن يتحدث، فقط تركها تسعد قبل أن يُبكيها على قلمها العزيز..
_شوفتي بقى أنا فنان أزاي، أنتِ نفسك معملتيهاش قبل كدا.
رفعت رأسها قليلًا تنظر لهُ، وبتلك اللحظة شَعَر بأنها تنثر سيطـ.ـرتها عليه، أبتـ.ـلع غُـ.ـصَّته بتروٍ وقال:
_يخر’بيت جمال عيونك، تعالي أمسحهولك تاني.
أبتعدت عنهُ سريعًا بعد أن رأته يسحب المحرمة، نظر لها مبتسمًا وسار خلفها قائلًا:
_تعالي بس عشان لو فضلتي كدا يبقى فيها ر’فدي مِن الشغل، ما هو مش بعد دا كُلّه أمشي.
نظرت إليه مستنكرةً قوله وكأنه لن يمـ.ـحي مجهو’ده الآن بتلك المحرمة، أبتسمت ساخرةً وقالت:
_دا على أساس إنك لمَ تمسحه دلوقتي مجهو’دك مش هيروح؟.
_بس على الأقل مش هتر’فد مِن الشغل.
هكذا كان رده ببساطةٍ على حديثها، وكأن الأمر ليس صـ.ـعبًا بالنسبةِ لهُ فيستطيع رسمها مجددًا فقد أضحت هوايته المفضّلة، عاد إلى نقطة البداية مجددًا، وسحب القلم مِن فوق الطاولة وتفحصه قائلًا:
_بس شكل القلم دا جديد يا “روزي”، يلّا خلّيه يحصّل إخواته.
_لأ ..!!.
صر’خت بهِ بهـ.ـلعٍ وركضت نحوه، ولكنهُ لبّى ر’غبته وكسـ.ـر القلم ببساطة وهو ينظر لها، إنتشـ.ـلت القلم المكسو’ر تنظر لهُ بحسـ.ـرة كما المعتاد، فهذا القلم لم تسعد بهِ بعد، أقترب مِنها وهمس لها بمكـ.ـرٍ:
_ميعزش عن اللي صنعه، يصنع غيره عادي، وأنا أكسـ.ـر عادي برضوا، بس في حاجه هتحصّل قلمك دلوقتي.
سحب أنبو’ب رفيع أسو’د ولوّح بهِ أمام عيناها قائلًا:
_الماسكرا دي برضوا شكلها جديدة، جرّبت أفتحها لقيت غطاها تقيـ.ـل فالفتح معنى كدا إن هي لسّه جديدة، وأنا الحاجات دي بتستـ.ـفزني أوي.
وقبل أن يكسـ.ـرها قبـ.ـضّت عليه بعزم قو’تها وقالت بنبرةٍ حا’دة:
_أقسم بالله ما هيحصل، كفاية أقلام الكحـ.ـل اللي كسـ.ـرتها أنا مش هلاحق كدا.
وبلحظة لثم خَدَّها بحنوٍ وأبتسم قائلًا:
_فرحت إني كسـ.ـرتلك القلم الجديد، كدا همشي مبسوط ومرتاح.
نظرت إليه نظرةٍ ذات معنى وكأنها تلو’مه على أفعاله المتهو’رة تجاه أشياءها العزيزة، ولكنهُ أبى أن يُعلن ضـ.ـعفه أمامها، أبتسم أكثر وقال:
_متحلميش إن جمال عيونك دا هيخلّيني أجيب ورا، مبتأ’ثرش.
غمز لها بطر’ف عينه وقبل أن يتحرّك رآها تبتعد عنهُ وكأنها قررت أن تُقيم الحـ.ـد عليه، ولكنهُ أبى أن يتركها تذهب، وقف أمامها يمنـ.ـع ر’حيلها قائلًا بوجهٍ مبتسمٍ:
_خلاص هجيبلك غيره متز’عليش، ما أنا اللي بد’فع أساسًا زعلا’نة على إيه.
ضمّها بهدوءٍ وربّت فوق ظهرها قائلًا:
_أنا همشي دلوقتي على فكرة مفيش وداع طيب؟.
ولأنها لا تقدر على تجا’هل تلك النبرة وهذا الهدوء ضمّته كذلك دون أن تقول شيءٍ، فمنذ ليلة أمسٍ وقلبها يؤ’لمها والخو’ف أضحى رفيقًا جيدًا لها، فتلك المهـ.ـمة تحديدًا ليست كغيرها، ولا تعلم ما سيحدث معهم وكيف ستنتهي، ولكنها تأمل بأن يعود لها معافًا، فلن تتحمل أن ترَ بهِ مكـ.ـروهًا..
_خلّي بالك مِن نفسك يا “ليل”، عشان خاطري وخاطر ولادنا.
همست بها بصوتٍ مختـ.ـنق محاولةً كـ.ـبح عبراتها عنهُ، فبرغم عنا’ده وتد’ميره لأقلامها ولكنها في الأخير تُحبه ولا تستطيع أن ترَ بهِ خد’شًا صغيرًا، أبتسم وربّت بحنوٍ فوق ظهرها وقال:
_مش عايزك تخا’في عليّا أنا هكون كويس، أفضلي أدعيلي أنتِ بس على طول، وهحاول أخُد بالي مِن نفسي على قد ما أقدر عشانكم.
رفعت رأسها قليلًا حتى تُتيح لها رؤيته، وحينما تقابلت الأعين عجـ.ـز الفم عن بوح ما في القلب، شـ.ـدّدت مِن ضمتها لهُ وكأنها آخر ضمّة وآخر لقاء، فإن كان الأمر بيَدها لكانت منـ.ـعته وأصّـ.ـرت على بقاءه معها، ولكنها تعلم بأن عمله محفوفًا بالمخا’طر ولذلك هي لا تمـ.ـلُك سُلـ.ـطة على قلبها..
_مش هتوحشني على فكرة.
ر’فع حاجبه عا’ليًا وكأنه يستنـ.ـكر تلك الكلمة التي و’قعت على أُذنيه، نظر لها نظرةٍ ذات مغزى وقال متهكمًا:
_واضح يا حبيبتي، بدليل إنك قا’فشة فيّا ولا كأنك ماسكة فحر’امي.
أبتعدت عنه توليه ظهرها حتى لا يرَ عبراتها التي كوّنت طبقة شفا’فة في عيناها، كا’ذبة؛ بل هي تشتاقُ إليه منذ الآن، فلَم تعتد على غيابه عنها طويلًا، قلبها يؤ’لمها حينما يتأخر دقائق عن ميعاده الرئيسي، فكيف ستقضي ليالٍ كاملة دون أن تشعُر بد’فء أحضانه وتغضـ.ـب مِن استفـ.ـزازه المستمر لها..
أقترب مِنها وأدارها تجاهه لتو’اجهه هي بهذا الوجه المتجهـ.ـم وتلك العينان الدامعة، مسح برفقٍ عبراتها التي أعلنت سقو’طها فوق شطـ.ـري وجهها وقال بنبرةٍ هادئة مبتسم الوجه:
_واضح إني مش هوحشك فعلًا، وعيونك المدمعة دي بتنزل فالدموع ليه؟ إتطـ.ـرفت.
بكت أمامه بعد أن فشـ.ـلت في إخفا’ء عبراتها، فكم تبغـ.ـض لحظات الوداع تلك، وكأنها عد’وتها اللدو’دة؛ ضمّها مجددًا ومسح فوق ظهرها برفقٍ وهمس لها قائلًا:
_أنا هكون كويس متخا’فيش عليّا، وأول ما أخلّـ.ـص هرجعلك على طول، عشان مقدرش على بُعادك عنّي كتير، هرجع صدقيني.
شـ.ـدّ على ضمّته إليها ولم يتفوّه بحرفٍ آخر، وكأن جميع الكلمات قد تبخّـ.ـرت مِن عـ.ـقله، لثم جبينها بحنوٍ وتركها تبكي كيفما تُريد، فلا يمـ.ـلُك سُـ.ـلطة الآن على إيقاف مشاعرها المتد’اخلة تلك حتى تهدأ هي.
_____________________________
<“غادر مثلما جاء، وترك إعتر’افاته إ’ثرًا.”>
أصبحت الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل..
كانت كعادتها تُلاز’م غرفتها الحبيبة، جهازها المحمول معها وهاتفها ومشروبها وكذلك دفترها العزيز، ماذا تُريد غير ذلك ..!!.
كانت حزينة قليلًا تلك الليلة بعد أن عاد مجددًا إلى معسكـ.ـره لتكملة المُدة المتبقيّة، ولكنهُ رحل دون أن يترُك لها تذكارًا..
سحبت دفترها الذي حمـ.ـل بداخله أسـ.ـرارًا وأعتر’افاتٍ لا يعلم عنها أحدٌ سِواها، وقبل أن تفتحه رأت ورقة بُنيّة اللو’ن تتد’لى مِن أولى صفحاته، ورقة كما كانوا يستخدمونها في قديم الأزل لكتابة المراسيل والأشعار، فتحت دفترها وأخذت الورقة بهدوءٍ شـ.ـديد، ولكن قلبها لم يكُن بهذا الهدوء قط، فقد بدأ يخـ.ـفق بجـ.ـنونٍ داخل صد’رها..
ابتـ.ـلعت غُصَّـ.ـتها بتروٍ وقبل أن تفتحها رأت كتابة غريبة بخطٍ ليس لها في صفحة هذا الدفتر، دققت النظر إلى هذا الخط المُميّز الغريب تقرأ كلماتٍ أصا’بتها بالصدمة والخو’ف في آنٍ واحد:
_الورقة دي تخصني، ودا’ع مؤقت بأسلوبي المفضّل، ومتقـ.ـلقيش أنا مفتحتش الدفتر ولا أعرف جوّاه إيه، أنا لقيت أول صفحة فاضية فحطيت الورقة عشان كُنت مستعجل ولازم أمشي فصدقيني معرفش جوّاه إيه ومش هتجـ.ـرأ وأفتحه عشان دي خصو’صية ومساحة خا’صة بيكي، أنا حبيت أسيب تذكار لحد ما أرجع، لأني لمَ أرجع صدقيني كُلّ حاجة هتختلف..
سلامي لعيونك لحد ما نتقابل تاني يا لاڤندر.
كانت تُعيد قراءة كلماته حتى أتمت الخمسُ مراتٍ وكأنها لا تُصدق بأنهُ كتب لها تلك الكلمات بالفعل، تلك المرة أصبحت مشاعره واضحة تجاهها، وكأن جلستها مع “يزيد” بعد أن أمره بالذهاب قد أتت بثمارها، رُسمت البسمةُ تلقائيًا فوق فمها ولمعت عيناها بوميض الأمل والسعادة..
نظرت إلى الورقة المطو’ية بعناية وقد غـ.ـلبها فضولها لمعرفة ما كتبه وما هذا التذكار، أخرجت زفيرة عميقة ثمّ فتحتها بتمهـ.ـلٍ بالتزامن مع إزدياد خـ.ـفقات قلبها الذي وكأنه قرأ ما بداخلها دون أن يرَ شيئًا، رأت أبياتًا شعرية مكتوبة بمهارة ودقة با’لغة جعلت بسمتُها تتسع دون إرادة..
_لِلحُبِّ في تِلكَ القِبابِ مَرادُ،
لَو ساعَفَ الكَلِفَ المَشوقَ مُرادُ،
لِيَغُر هَواكَ فَقَد أَجَدَّ حِمايَةً،
لِفَتاةِ نَجدٍ فِتيَةٌ أَنجادُ،
كَم ذا التَجَلُّدُ لَن يُساعِفَكَ الهَوى،
بِالوَصلِ إِلّا أَن يَطولَ نِجادُ،
أَعَقيلَةَ السَربِ المُباحَ لِوِردِها،
صَفوُ الهَوى إِذ حُلِّىءَ الوُرّادُ،
ما لِلمَصايِدِ لَم تَنَلكِ بِحيلَةٍ،
إِنَّ الظِباءَ لَتُدَرّى فَتُصادُ،
إِن يَعدُ عَن سَمُراتِ جِزعِكَ سامِرٌ،
في كُلِّ مُطَلَّعٍ لَهُم إِرعادُ.
لم تُصدق ما تراه، فذلك بالتأكيد خيا’لاتٍ و’همية أو أنها داخل حُلمًا ستستيقط مِنْهُ بعد لحظات، ترقرق الدمع في عيناها وبحركةٍ لا إرادية وضعت كفها فوق مو’ضع قلبها الذي كان يخـ.ـفق بجـ.ـنونٍ بين أضـ.ـلعها، وعقـ.ـلها يُحاول استيعاب تلك الأبيات الشعرية الرومانسية التي تركها لها حتى تحين عودته، رأت ورقة أخرى تلتـ.ـصق بها وقد ترك وصمته عليها بكلماته الصادقة التي لامست قلبها:
_الشعر دا حوالي ٨٤ بيت، “زيدون” كان عا’شق لـ “ولادة”، وكان الكُلّ منبهر ومعجب بأشعاره لإنُه مكانش بيغازل أنو’ثتها بس، بالعكس كان بيغازل فكبـ.ـرياءها وقو’تها، وقصة حُبهم هي أشهر قصة حُبّ في تاريخ الأندلس..
فرجاءً أن تسمحي لي بأن أكون “زيدون” العا’شق لـ “ولادة”، هذا الفتى المهيّـ.ـم بعـ.ـشق تلك الأندلسية الجميلة وإن إنتهت قصتهم دون أن تكتمل للفصل الأخير فدعيني أن أُكمل أنا بقيّة الفصول وأن نُحـ.ـيي هذا العصر مِن جديد..
عارف إنك بتحبي العصر الأندلسي، وبصراحة وأنا بهواه؛ وبحب كُلّ تفاصيله حتى أشعاره وقصايده، وعشان كدا هتلاقي فمكتبك فلاشة أنا سايبهالك، فيها كُلّ حاجة تخـ.ـص العصر الأندلسي مِن البداية للنهاية، وأول ما أرجع أول حد هشوفه هو أنتِ، عشان محضرلك مفاجأة واثق إنها هتعجبك … أستنيني يا “لاڤندر”.
مِن مُحبٍّ أضحى عا’شقًا/
“وهيب خليفة.”
لم تعُد تقدر على إسعا’ف قلبها، فلم تتوقّع يومًا شيئًا كهذا مِن “وهيب”، فقد ظنت بأنها وحدها مَن تُحبّ وتكمُن هذا داخل صدرها، ولكن الآن أضحى بأنهُ كذلك عا’شقًا لها، إر’تمت بجسـ.ـدها فوق الفراش تنظر إلى سـ.ـقف الغرفة بعينان دامعتين وبسمةٌ واسعة تُرسم فوق فمها، فلم تعُد الطرف الوحيد المُحبّ في صمتٍ الآن..
أخرجت تنهيدة عميقة وكأنها إنتصـ.ـرت لتوٍ في حر’بٍ طال أمدها، تضم الورقة لصد’رها وتُفكر كيف عَلِمَ بأنها مِن عا’شقي العصر الأندلسي، فلا أحد يعلم تلك التفاصيل الصغيرة عن حياتها سِوى أقرب الناس لها، ولكن لا بأس في ذلك فها هي تنظر إلى الجانب المشرق، تنتظر عودته لتعلم ما المفاجأة التي تنتظرها بعودته، ويبدو بأنها ستتو’لى مـ.ـهمة جديدة بجانب عملها.
________________________________
<“وجد الفتى دربه الضا’ل أخيرًا.”>
وبين سكون الليل وهدوء المدينة كان الضـ.ـجيج لا يعلم للحبيب مهر’بًا، كان مستيقظًا في تلك السويعات المتأخرة مِن الليل، راقدًا فوق الفراش إلى جوارها ينظر لها منذ وقتٍ طويل، يتأمل وجهها الهادئ، وحركة شفتيها الصغيرة وكأنها تُحادث شخصًا ما في أحلامها، يُرا’قب تنغض جبينها الصغير كُلّ لحظة، وكفها الصغير الذي يقبـ.ـض على إبهامه وكأنها تخشى أن يتركها ويذهب بعيدًا عنها..
نهض بحذ’رٍ مستندًا بجذ’عه فوق الفراش ثمّ أقترب مِنها بهدوءٍ يُلثم خَدَّها الصغير بحنوٍ، أبتسم حينما رأى السكون عاد لها مِن جديد وأنتظـ.ـمت أنفاسها، ولجت “غدير” إلى الغرفة بخطى هادئة بعد أن أستيقظت ولم تجده إلى جوارها، تراه بجانب “أُمَيمة”؛ جلست على طرف الفراش بحذ’رٍ ونظرت إلى صغيرتها التي كانت تبتسم وكأنها ترَ مَن يُدا’عبها أثناء نومها وأبتسمت كذلك..
_الملا’يكة بيلاعبوها.
همس لها حتى لا يُقظها وهو يتأمل وجه صغيرته بحُبٍّ، بينما أنحنت “غدير” برفقٍ نحوها ومنحتها قُبلة حنونة فوق كفها الصغير النا’عم وقالت بنبرةٍ خافتة:
_قاعد جنبها كدا ليه؟ مش المفروض تكون نايم عشان عندك شغل الصبح.
نظر لها “عُميـر” ونفـ.ـىٰ كلماتها بهزّة صغيرة مِن رأسه وقال بنبرةٍ مماثلة:
_إدوني أجازة الأسبوع دا كُلّه، الشغل كان تقيـ.ـل عليّا الفترة اللي فاتت فقرروا يدوني أسبوع كنوع مِن التقدير يعني، بس بصراحة كُنت محتاج الأجازة دي أوي.
أبتسمت “غدير” بعد أن أستمعت لحديثه ولذلك قالت بنبرةٍ أعربت عن سعادتها:
_كويس إنهم إدوك أجازة، كُنت واحشني أوي بصراحة والشغل واخدك مِننا.
أ’تسعت بسمتهُ فوق فمه بعد أن رأى سعادتها ليقول بنبرةٍ حنونة:
_وأنتِ كمان بصراحة، فترة وعدت خلاص معانا أسبوع نعمل فيه كُلّ اللي نفسنا فيه … تيجي نطلع مصيف؟.
أقترح عليها فكرته بترقبٍ منتظرًا سماع ردها، فمنذ زمنٍ لم يقضي معها وقتًا هادئًا كما كان معتاد، ولم يعُد يُجالس صغيرته التي كانت تُمني عليه بضحكاتها وصر’خاتها الحما’سية حينما يبدأ بالتفاعل معها ومداعبتها، تفاصيل صغيرة أشتاق لها بشـ.ـدة وها هي فرصته قد حانت لفعل ما كان يهواه مع مَن يُحبّ..
_أكيد موافقة، مش هفو’ت عرض زي دا يعني وأقولك لأ.
أ’تسعت بسمتهُ ولمعت عيناه بالفرحة حينما تلقّى موافقتها، مدّ يَده وأمسك بكفها ثمّ لثمه بحنوٍ دون أن يتحدث، أبعدت الوسائد التي كان يضعها على طرف الفراش وأستلقت فوق الفراش تنظر إليه بوجهٍ مبتسم، كانت “أُمَيمة” بينهما غا’رقةً في بحور نومها، لا تشعُر بمَن حولها وكأنها شَعَرت بالأ’مان والد’فء بقربهما..
وضعت “غدير” كفها فوق صغيرتها تُرَبِّت بحنوٍ فوق بطنها وكأنها تُطمئنها، نظر إليها “عُميـر” مطولًا ثمّ مدّ كفه بهدوءٍ كذلك وضمّ كفها دون أن يتحدث، فقط منحها بسمةٌ هادئة ونظر إلى صغيرته التي عادت تبتسم مجددًا ثمّ وبدون و’عيٍ مِنها ضحكت بصوتها الطفولي النا’عم، وكأن أحدًا قد قام بد’غدغتها توًا..
قهقه “عُميـر” بعد أن رأى ضحكتها ومعهُ “غدير” التي أقتربت مِن صغيرتها ومنحتها قُبلة حنونة فوق خَدَّها الصغير وعادت تتأمل وجهها الصغير بحُبٍّ، فلم تكُن تظن يومًا بأنها ستحظى بتلك الحياة، ويكون حُبّ طفولتها الآن زوجًا لها، وأبًا لطفلتها الأولى؛ تشعُر وكأنها داخل حُلمًا ور’ديًا وستستيقظ مِنْهُ قريبًا..
_دا مش حلم، دي حقيقة وو’اقع عايشينه سوا.
وكأنه قرأ ما يدور داخل رأسها دون أن تتفوّه بحرفٍ، نظرت إليه لتراه يبتسم لها ويؤكد على كلماته بهزّة صغيرة مِن رأسه مشد’دًا برفقٍ مِن قبـ.ـضة يَده، منحته بسمةٌ هادئة تعكس لهُ مشاعرها المتخبطة، فكانت تلك الحياة بالنسبةِ إليها حُلمًا يصـ.ـعُب تحقيقه، والآن أصبح واقعًا لذيذًا، حلو المذاق؛ وقبل أن تقول كلمة رأت “أُمَيمة” بدأت تتململ في نومتها وكأنها أكتفت أخيرًا..
أغمضت “غدير” عيناها سريعًا تدعي النوم ومعها “عُميـر” ينتظرا رد الصغيرة حينما تجد نفسها وحيدة ولا أحد مستيقظًا لتلبية متطلباتها كما المعتاد، لحظات وفتحت عيناها الصغيرة ونظرت حولها وكأنها تُحاول التعرُف على تلك الغرفة الغريبة، رأت والديهما بجانبها هذه المرة على غير العادة، ولكن كانت فرصة ذهبية لإيقاظهما بطرقها الخاصة..
نظرت إلى والدتها أولًا بعد أن قررت أن تكون هي ضحـ.ـيتها الأولى، مدّت يَدها الصغيرة وجـ.ـذبت خصلا’تها الطو’يلة بعنـ.ـفٍ وكأنها تُقظها، لم تكتفي وبدأت تجـ.ـذبه وتلتف خصلا’تها حول أناملها الصغيرة حتى فشـ.ـلت “غدير” في كـ.ـتم تأ’وهاتها أكثر مِن ذلك، فتحت عيناها ونظرت لها لتبتسم “أُمَيمة” بسعادة حينما نجحت خطتها..
_مَممم.
تلك أول كلمة نطقت بها حينما تضوّر الجوع معدتها الصغيرة، أبتسم “عُميـر” دون أن يتحرّك ساكنًا بعد أن وصلته كلمتها التي حفظها عن ظهر قلب وتأ’وه قلبه بحنينٍ حينما سَمِعَ نبرتها النا’عمة تلك التي لم تفشـ.ـل يومًا في أ’ثره، نهضت “غدير” بعد أن حا’صرتها الصغيرة وجعلتها تخـ.ـضع لها، نظرت إلى “عُميـر” الذي أستمر في تمثيله بالنوم لتبتسم وهي تعلم أن أبنتها لن تجعله يستمر طويلًا حتى تضع وصمتها الخاصة..
تحرّكت نحو المطبخ وتركت “أُمَيمة” تلهو مع نفسها كما أعتادت وتُطلق صر’خاتها العا’لية دون أن تعـ.ـبء لأحدٍ، فإن كانت تلك راحتها وإزعا’جًا لغيرها فمرحبًا بها، وأخيرًا أدارت رأسها نحوه لتراه ساكنًا يدعي النوم، تأملته قليلًا وكأنها تراه لمرَّتها الأولى، أبتسمت ثمّ مدّت كفها الصغير ووضعته فوق وجهه وهي تُتمتم بكلماتٍ مُبهمة وكأنها تأمُـ.ـره بالنهوض..
وهو أمامها لا يستطيع تجا’هلها، ولذلك فتح عيناه ورأى وجهها ذو المعالم الجميلة قريبٌ مِن وجهه، أ’تسعت بسمتُه فوق فمه ولمعت عيناه ببريق الحُبّ، جـ.ـذبها برفقٍ نحوه وترك قُبلته فوق جبينها ومِن ثمّ ضمّها لأحضانه وقال بنبرةٍ هادئة:
_إيه القمر دا، جايبة الجمال دا كُلّه منين؟.
بدأ يُلاعبها ويُد’غدغها مثلما أعتاد، لتعلو ضحكتها عا’ليًا بعد أن شَعَرت بلحـ.ـيته تُد’اعب بشرتها النا’عمة، وكأنها أضحت لُعبتها المفضّلة، تركها تلهو بها كيفما تشاء، وترك عيناه تتأمل هذا الوجه الملا’ئكي، فتلك هي أثمن لحظاته، وأسعدها لقلبه العا’شق.
____________________________
<“دقت الساعة، وأُعلنت الحر’ب على الجميع.”>
في سكون الليل، مؤ’امرات تُنفّـ.ـذ؛ وخـ.ـططًا تُضع فوق الأوراق، كانت هناك أسلـ.ـحة تُعمّـ.ـر ورجا’لًا لا يُكسـ.ـرون يستعدون للثأ’ر، تسـ.ـللوا وسط الصحـ.ـراء بمهارة وخفة، و’قع أقدامهم فوق الأرض يكادُ لا يُسمع، وتلك كانت هي اللحظة..
تسـ.ـلل كلًا مِن “ليل” و “مينا” أولًا دون أن يشعُر بهم أحد، لا شيء فيهم يظهر سِوى أعينهم التي كانت تتآ’كلها نير’ان الإنتقا’م، أيديهم تقـ.ـبض على أسلـ.ـحتهم بعنـ.ـفٍ، في إنتظار إسحا’قهم أرضًا كالذ’با’ئح، وثمة كاميرا صغيرة مُعلّـ.ـقة فوق صد’ورهم توثق تلك اللحظات الحا’سمة، لأجل أهالي الشهد’اء ولأجل أن تبرُ’د نير’انهم المشـ.ـتعلة على أولادهم، وكان هذا أمـ.ـرًا مِن “ليل” الجد..
توقفا خلف صخـ.ـرتين ينظرا لبعضهما ثمّ يُـ.ـلقيا نظرة على هؤلاء الحمقى الذين كانوا يجلسون أمام السرداب يحر’صونه وبحو’ذتهم أسـ.ـلحتهم الرو’سية، كانوا يُشـ.ـعلون النا’ر ويحتسون الشاي ببرودٍ تام، وكأنهم لم ير’تكبوا جر’يمة فـ.ـجة قبل أيام فسـ.ـكوا فيها د’ماء مئات الشهد’اء..
أشار “مينا” إلى “ليل” بحركة يَدٍ لا يعلم معناها سواهم، هزّ “ليل” رأسه بخفةٍ ثمّ تحرّك بمهارة يقترب مِن موقعهم يلحقه “مينا”، يتسـ.ـللون كالأ’فعى السا’مة التي تستعد لقبــض فر’يستها، أختـ.ـبأ “ليل” خلف جدار السرداب مِن الخارج، ير’مي نظرة حا’قدة عليهم، أخرج قـ.ـنبلة صغيرة تحتوي على غا’زٍ يُسـ.ـير الدموع وأ’لقاها نحوهم..
نهضوا جميعًا ينظرون لها وقبل أن يتخذوا وضعية الهجو’م كان الغا’ز الأبيـ.ـض قد تسرّ’ب في الهواء وحاوطهم، نظرا إليهم ثمّ ر’فعا سلا’حهما وأطـ.ـلقوا نحوهم بمهارة ود’قة دون أن يشعُر بهم أحدٌ، سقـ.ـطوا جميعًا في تلك اللحظة فا’قدين الو’عي بعد أن قاموا بتخد’يرهم بدلًا مِن قتـ.ـلهم بأمـ.ـرًا رسميًا مِن “ليل” الجد، وهذا ما أغضـ.ـب “ليل” الحفيد الذي كان يُريد أن يجعلها بركةً كبيرة مِن الد’ماء..
ألتفتا وأشارا للآخرين بالتحرك بعد أن أدوا مهـ.ـمتهم الأولى، وتحرّك هذا الثنائي المقنّـ.ـع، في المقدمة كان “حسـام” وخلفه مباشرةً “شهـاب”، ولجا داخل السرداب بخفةٍ وأعينهم تر’صد المكان مِن حولهما، الأعين تترقّب والكاميرات الصغيرة تُسجل أعظم مشاهد التاريخ، لحظة ترقُّب؛ ثمّ أقتـ.ـحما السرداب بعد أن وصلتهم شارة “كِيرة” عبر السماعات الإلكترونية التي كانت تجعلهم جميعًا على تواصل مع “كِيرة” التي وكلها “ليل” بزر’ع المتفجـ.ـرات..
_النـ.ـفق إتزر’ع متفجـ.ـرات، العد’و بين إيديكم دلوقتي.
قتـ.ـلوهم جميعًا في لمح البصر، وأصبحت الأرض تفترش بد”ماءهم مثلما أفترشت د”ماء الجنو’د ساحة المعر’كة، جزءً بسيطًا مِنهم عادت لهم حقوقهم، فمَن قتـ.ـلوا بالأمس قُتِـ.ـلوا اليوم، ولج “حُذيفة” بعد أن حان دوره لاصطـ.ـياد الفر’يسة الأهم والرأ’س المد’برة، عيناه حا’دتين كالسـ.ـيف، إختـ.ـفت تلك اللمعة التي كانت تضـ.ـج بالحياة والبشاشة، وحلّت لمعة شخصٍ يسعى للانتقا’م فحسب..
توقّف “عبدالله” مع الشبا’ب ونظر إلى “حُذيفة” الذي قام بتعميـ.ـر سلا’حه بقـ.ـلبٍ بارد، وكلمات “رمـزي” ترن في أُذنيه عن القـ.ـصاص لأجل مَن رحلوا، تحرّك نحو الداخل تاركًا أبيه خلفه وأولاد عمومته وأصدقائه، فقد عَلِمَ كيف سينتـ.ـقم الآن..
في الخارج كان “علي” يتولى قيادة الطا’ئرة الحر’بية يحو’م في المكان حتى ينتـ.ـهوا أولاد عمومته مِنهم في الداخل، وكان “سيف” على تواصلٍ مستمر معهُ يُرا’قب تحركاته حتى لا يتم الغد’ر بهِ دون أن يشعُر، في تلك اللحظة بداخل هذا السرداب كان “أمجد” يجلس فوق المقعد المذهب، يضع قدمه فوق الأخرى يستمع للحظة الجديدة التي وضعوها لمها’جمة المعسكـ.ـر الذي يتدرّب بهِ “يزيد” ورفاقه..
وقف “حُذيفة” أمام الباب بعد أن أسـ.ـقط جميع مَن قابله في طريقه مقتو”لًا، واستمع لتخطـ.ـيطهم الذي سيقـ.ـضي فيه على أخيه ورفاقه، غـ.ـلت النير’ان في صد’ره وتمـ.ـلّك الشـ.ـر مِنْهُ، أر’تفع الادرينا’لين في جسـ.ـده حتى أنَّهُ لم يستطع أن يتما’لك نفسُه ور’كل الباب الخـ.ـشبي الضعـ.ـيف بعـ.ـنفٍ بقدمه مسـ.ـقطًا جميع مَن حوله قتـ.ـلىٰ..
لم يستطع أن يتما’لك نفسُه ولم يُمهل “أمجد” فرصةً واحدة لاستيعاب ما يحدث، وبلحظة أصبح “أمجد” في مو’اجهة الأسـ.ـد وحده بعد أن سقـ.ـطت الضبا’ع وبقيّ الذ’ئب وحيدًا في قبـ.ـضة الملك، أبتسم “حُذيفة” مِن أسفل القنا’ع وقال بنبرةٍ ساخرة:
_مش عيـ.ـب لمَ تلمـ.ـلم حبة ضبا’ع صعـ.ـرانة حواليك عشان يحـ.ـموك، عـ.ـيبة كبيرة فحق الذ’ئب بصراحة.
وبعد أن كان “أمجد” مصدومًا أصبح الآن ينظر إليه ببرودٍ تام مبتسمًا باستفـ.ـزازٍ لهُ، جلس مجددًا ووضع قدمًا فوق الأخرى وقال:
_مش مستغرب مِن تصرفك بصراحة، هو دا الأسـ.ـد منذ بداية الخـ.ـليقة، مفتر’س، ومبيضـ.ـيّعش فر’يسته مهما حصل، محر’وق على صاحبك اللي راح مش كدا؟ بس دا نصيب الخا’ين يا حبيبي، ونصيبك أنتَ والخَوَ’نة اللي معاك، أنتم سبب الفسا’د دا، اللي بنعمله دا أسمه جها’د.
_”جهاد” دي تبقى أمك يا رو’ح أمك، وبحق لا إله إلا الله لأحـ.ـرقك حـ.ـي زي ما حـ.ـرقت أعز ما عندي، ومصر كُلّها، لأ مصر إيه دا العالم كُلّه هيشهد على نها’يتك، وهتفضل عامل زي اللبا’نة فبو’ق كُلّ واحد، ولو حد خا’ين هنا فهو أنتَ، والفسا’د دا فسا’دكم أنتم، الأرض دي أر’ضنا وهتفضل أر’ضنا ليوم الد’ين.
نبرته كانت حا’دة كحِـ.ـدة الر’عد، غضـ.ـبه تمـ.ـلّك مِنْهُ وأظهر الوجه الآخر لـ “حُذيفة” والذي لا يعلمه أحدٌ حتى الآن، فدومًا كان بشوشًا وهادئًا، أقـ.ـصى ما وصل إليه كان صرا’خه الغا’ضب، أما الآن فهو الوجه الآخر لا يمـ.ـس للآخر شيئًا، قابل “أمجد” هذا الإعصا’ر بابتسامة مستفـ.ـزة وقال:
_دا الكلام اللي بتقولوه عشان تد’اروا على عما’يلكم، لو أنتَ صح كُنت قدرت تمنـ.ـع المد”بحة اللي حصلت مِن كام يوم، لو أنتَ صح كان صاحبك اللي محر”وق عليه دا وقّف كُلّ دا وأنقـ.ـذ زمايله مِن نا’ر الآخرة، بس هو عمل إيه؟ إتجاب زي الد”بيحة تحت ر’جلي وقتـ.ـلته، دوّقته نا’ر الدنيا قبل ما يدوق نا’ر الآخرة.
أشـ.ـعلت كلماته جـ.ـنون “حٌذيفة” الذي أصبح صد’ره يعـ.ـلو ويهبـ.ـط بعـ.ـنفٍ، يُحاول ألا يقـ.ـتله حتى يستطيع أن يُنفـ.ـذ مخـ.ـططه مثلما يُريد، ولكن هذا الوغد يتلذذ بإستفـ.ـزازه، سَمِعَ “ليل” ابن عمّه يقول عبر السماعة:
_بيستفـ.ـزك يا “حُذيفة”، متردش عليه.
أبتسم “حُذيفة” بسخريةٍ واضحة، وبالطبع سيرد فليس هو مَن يترك وغدًا كهذا يسخر مِنْهُ دون أن يرد عليه، نظر لهُ ورفع سلا’حه في وجهه قائلًا بتهكمٍ:
_فالحقيقة وقتي معاك خلص، وأنا مبديش وقت زيادة بالذات لو حد وغد زيك كدا، فعشان كدا عذرًا، لقد نفذ وقتك أنت الآن على خط الجحـ.ـيم.
