رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل التاسع والتسعون
أيها القلبُ، تمهَّل … فإن في الصبرِ مفاتيحَ الغيب،
وفي الثباتِ أبوابَ الفرجِ إذا ضاقَ الدرب،
إنما الصبرُ بحرٌ، لا يركبه إلّا من وثقَ بمرسى الله،
تتقاذفه الرياحُ، ويظلُّ ساكنًا،
لأن اليقينَ شراعُه، والرّضا مَرساه،
فاصبرْ، فالصبرُ جُنّةُ المؤمن،
وبه تُروى جذورُ الأمل، ولو طال جفافُ السنين،
واعلَمْ أن كلَّ شدةٍ زائلة،
وأن وراءَ كلِّ بابٍ مغلق،
رحمةٌ تنتظرُ ساعةَ الفتح.
_ارتجال.
____________________________________
كُلّ مَن عليها فان، لن يبقى أحد؛ ولن يُترك إثره فوقها..
ستتبخّـ. ـر الأصوات وكأنها لم تكُن، وسيزول الإثر كما ظهر؛ إنها مغو’ية للمرء ضعيـ.ـف النفس، لا تُعا’فر طويلًا يا عزيزي، فهي أبسط مِمَّ تتخيّل أنت، وإن تقبّلت الأمر فستبكي على حماقتك، فحاول أن تُعا’فر لأجل أن تكون وصمتك شـ. ـريفة، ولا تلتفت للزينة الخا’دعة..
<“الغد’ر في أعين الخصـ.ـم خدّ’اع.”>
الصمتُ كان مُر’يبًا بشـ.ـدة في تلك الآونة، فبعد مشا’حنات وكلمات حا’دة تتقا’ذف بينهم أصبح الهدوء هو حليفهما، ولكن الأعين لم تُخفـ.ـي نو’ايا النفس، فهي الوحيدة التي تفضـ.ـح نو’ايا المرء، كان “حُذيفة” مصو’بًا مسد’سه بوجه “أمجد”، وعيناه ترمقه ببرودٍ شـ.ـديد في لحظة مشتـ.ـعلة كهذه، إصبعه في حالة إستعداد لإخراج رصا’صة الخلاص، ولكن ماذا يحدث حينما تتغيّر الخطة في لحظة كهذه ..!!.
بحركة سريعة كان “أمجد” يوجّه فو’ه مسد’سه تجاه “حُذيفة” يُطالعه بنفس البرود، فلم يعُد يمـ.ـلُك شيئًا ليبكي عليه الآن، أبتسم “حُذيفة” بزاوية فمه وعيناه ترصده بغـ.ـلٍ فا’ضح قائلًا بنبرةٍ باردة:
_أحب المفاجآت اللي مِن النوع الخاص دا، على الأقل واحد فينا هيمو’ت شَـ.ـريف.
أبتسم “أمجد” بتهكمٍ وقال ساخرًا مِن حديثه:
_يا حبيبي، تصدق كلامك لمـ.ـس حِـ.ـتة فقلبي، كلامك صحّىٰ ضميري الميـ.ـت يا سيادة الملازم.
قهقه “حُذيفة” بسخريةٍ لاذ’عة وعلّق على كلماته الأخيرة بقوله:
_يا حبيبي، أشُـ.ـك إنك عندك ضمير أساسًا.
أشار إليه “أمجد” تجاه قنا’ع الوجه الذي لا يُظهر إلّا عيناه الحا’دة وقال بتهكمٍ واضح:
_طب بما إنها آخر لحظا’تك، وريني الوش الحلو دا، عندي فضول أعرف مين مِن أحفاد اللوا واقف قدامي، أكيد مش “ليل”، أصل لو كان “ليل” كان خلّـ.ـص على طول، أصله معروف بد’مويته.
أبتسم “حُذيفة” مِن أسفل قنا’عه وقال ساخرًا:
_يا حبيبي وكمان حافظ، طب أسجد لربنا سجدة شُكر إني مش “ليل”، عشان لو كان مكاني دلوقتي كان جاب أ’جلك أول ما رجله حطت فالمكان.
هزّ “أمجد” رأسه في كلا الإتجاهين وقال:
_مش هتفرق، وتصدق مش عايز أعرف أنتَ مين فيهم، أنتم أصلكم نسخة واحدة مِن بعض، عاملين زي الأشبا’ح مبتظهروش غير فالضـ.ـلمة، مش عشان أنتم جا’مدين لا سمح الله لأ خالص، عشان أنتم جُـ.ـبنا، آخركم تمشوا فالضـ.ـلمة زي القطط الجبا’نة، إنما إحنا عُمرنا ما كُنا زيكم عشان إحنا..
قطـ.ـع حديثه بقوله الغا’ضب مشيرًا إليه:
_عشان أنتم مر’ضى، مقتنعين بحاجات متخـ.ـلفة وأنتم أساسكم خَوَ’نة ومعد’ومين الضمير والر’حمة.
أشار إليه “أمجد” بحركة عـ.ـنيفة بيَده الممسكة بالمسد’س قائلًا بنبرةٍ يملؤها الغـ.ـل:
_لأ يا حبيبي يا مُدّعي الشـ.ـرف لأ، إحنا بنجاهـ.ـد، أنتم اللي خَوَ’نة ومعد’ومين الضمير، القتـ.ـل عندكم أسمه د’فاع عن الأرض، أنتم شويَّة بس وهتـ.ـقعوا قدامنا ونكسب إحنا عشان إحنا على حق.
غَـ.ـلَت الد’ماء في عر’وق “حُذيفة” الذي إشتـ.ـدت عـ.ـضلات فـ.ـكه مِن أسفل القنا’ع وبُرزت عر’وقه أسفل زيَّه الرسمي، ولكن هل هو مجبو’رًا لسماع وغدًا كهذا الآن، هو لم يُجبـ.ـر يومًا على شيءٍ لا يُريده ولذلك وبدون أن يمنحه فرصة أخرى للتحدث بضر’بة واحدة أسـ.ـقطه مغـ.ـشيًا عليه بفعل هذا المخد’ر سريع المفعو’ل..
بصـ.ـق فوقه وهو يُتمتم بنبرةٍ تملؤها الحقـ.ـد قائلًا:
_مش مستنيك دلوقتي غير نا’ر جـ.ـهنم يا حقـ.ـير.
وضع سلا’حه في مكانه ثمّ أقترب مِنْهُ وأمسكهُ مِن قميصه وسـ.ـحبه إلى الخارج، وإن أستطاع أن يضر’ب رأسه بالجد’ار الآن لفعل ذلك وأخرج غِـ.ـلَهُ بهِ، ولكن ليس هذا ما سيشـ.ـفي حقـ.ـده تجاهه ولن يفعل ذلك حتى لا يُفسـ.ـد خطته، خرج لهم وتركه فوق الأرض الا’سمنتية ونظر إليهم دون أن يتفوّه بحرفٍ واحد..
_كُنت عارف إنُه هيستفـ.ـزك يا “حُذيفة”، بس معرفش جالك البرود دا منين، أنا لو مكانك كُنت خليتُه عا’يم فد’مُه زي الكلـ.ـب.
نظر إليه “حُذيفة” ثمّ أ’لقى نظرة على “أمجد” وقال بنبرةٍ باردة:
_لأ، محتاجه حـ.ـي، عشان أنفـ.ـذ خططتي زي ما رسمتها، وعشان أجيب حق “إسماعيل” بالطريقة اللي هتريَّحني وتريَّحُه فتُر’بتُه.
ولجا جـ.ـنديين وسحـ.ـبا “أمجد” للخارج مع بقيَّة العصا’بة إلى حيث أ’مر اللواء، نظر “عبدالله” إلى ولده ثمّ لـ.ـفّ ذراعه حول عُنُـ.ـقه وتحركا مع البقيَّة إلى الخارج دون أن يتحدث، فأعين المنتـ.ـقم تقول ما لا يستطيع قوله.
______________________________
<“أول صر’خة كانت بداية لحياة جديدة.”>
في باكورة الصباح،
كان “زين” يقف في المطبخ يُحضر الفطور لها كما أعتاد قبل أن يذهب إلى عمله، كما أعتاد هي تحظى بقيلولة هادئة بعد ليالٍ طويلة مليئة بالبُكاء والأ’لم، فها هي تخطو آخر خطواتها قبل أن تضـ.ـع طفلتها الأولى، صدح رنين هاتفه برنَّة صغيرة، مِمَّ جعله يترك ما بيَده ويرَ محتوى الرسالة التي تلقّاها مِن شقيقته:
_صباح الخير يا بشمهندس، النهاردة في عزومة بقرار مِن جدي، متنساش تجيب “حنين” وتيجي.
أبتسم بعد أن قرأ الرسالة ثمّ أرسل لها مقطع صوتي يرُد عليها بنبرةٍ هادئة:
_عيوني ليكم مقدرش أر’فض لجدي طلب بصراحة دا حبيبي، وأهي فرصة أشوفك لأنك وحشتيني وأشوف “عدنان” و “يونس”، متنسيش تحضرليلي الكيكة اللي بحبها مِن إيدك، مش هتناز’ل عنها على فكرة.
ترك هاتفه وعاد يُكمل ما يفعله ليتلقّى بعد لحظات رسالة مِن شقيقته تؤكد عليه طلبه بقلـ.ـبٍ أحمـ.ـر وكأن طلبه كان خفيفًا على قـ.ـلبها، أغلق هاتفه وبلحظة أخرى وصله صوت “حنين” مِن الغرفة، لم يكُن نداءً كما أعتاد، بل كان تأ’وهاتٍ خافتة متواصلة، ترك ما بيَده وأتجه لها بخطى ثابتة..
رآها تجلس فوق الفراش ووجهها ينبـ.ـض بالأ’لم ويَدها فوق بطنها المنتفـ.ـخة، أقترب مِنها قائلًا بنبرةٍ أعربت عن قـ.ـلقه:
_مالك يا “حنين” في إيه؟.
أرتفع صوتها بآ’هاتٍ متواصلة تسـ.ـتغيث بهِ وكفها المر’تجف يقـ.ـبض بقو’ة فوق راحة يَده قائلة:
_مش قادرة أستحمـ.ـل الوجع يا “زين”، شكلي بو’لد.
أطلقت صر’خة عا’لية كانت كالكُر’باج فوق جسـ.ـده، ربَّت فوق كفها برفقٍ وقال:
_ثواني هلـ.ـم حاجتنا ونتحرك على طول.
تركها وركض إلى الخارج سحب هاتفه مِن فوق الرخامية وركض مجددًا إلى الغرفة واضعًا الهاتف فوق أُذنه منتظرًا جواب الطر’ف الآخر، فتح الخزانة وأخرج مِنها الحقيبة الخاصة بها والتي جهّزتها قبل أيامٍ قصيرة، أجاب هو بنبرةٍ يشوبها التو’تر وهو يتحرك في كُلّ مكان قائلًا:
_أيوه يا بابا، لأ النهاردة أنا مش رايح..
ألتفت يُلـ.ـقي نظرة عليها مجيبًا أبيه بقوله:
_”حنين” شكلها هتو’لد، الدكتورة قالت الأسبوع دا وصحيت على و’جع شـ.ـديد ومش مبطلة صر’يخ، هاخدها أهو عالمستشفى وأنا فالطريق هبعتلك اللوكيشن، متتأخروش بس، ماشي سلام.
إتجه لها بعد أن جمع الأغراض، حملها على ذراعيه وخرج بها محاولًا مؤازرتها ببضع كلماتٍ يعلم أنها لن تؤ’ثر ولكن لا يمـ.ـلُك وسيلة أخرى لمواساتها الآن، فتلك المرة هي الأولى والأمر مـ.ـهيبًا للغاية..
بعد مرور ما يُقارب الرُبع ساعة،
كان قريبًا بشـ.ـدة مِن المشفى، برغم أنَّهُ يُريد أن يركض بالسيارة حتى لا يُصعـ.ـب الأمر عليها أكثر، ولكن خو’فه عليها وعلى صغيرته كان يستحو’ذ قلبه، قبـ.ـض على كفها برفقٍ وكأنه يؤ’ازرها، وعينه تُلقـ.ـي عليها نظرة بين دقيقة وأخرى..
أخذها ممر’ضين بعد دخوله بها المشفى وإتجها سريعًا إلى غرفة التعقيـ.ـم بعد أن نز’لت ماء الصغيرة، لَحِقَ بها هو وكفه يقبـ.ـض بلُطفٍ فوق كفها، وعيناه لا تُفا’رق عيناها الباكية ووجها الذي كان ينبـ.ـض بالأ’لم:
_”زين” أدخل معايا متسبنيش أدخل لوحدي أنا خا’يفة أوي.
ربَّت فوق كفها برفقٍ وأبتسم مر’غمًا حتى لا يُزيد مخا’وفها وقال بنبرةٍ هادئة:
_مش هسيبك حاضر، هدخل معاكي بس متخا’فيش، كُلّ حاجة هتعدي ١٥ دقيقة بس هيعدوا هوا ومش هتحسي بأي حاجة وهتخرجي وهتبقي زي الفُل.
تركها عند المفتر’ق وهو ينظر في إثرها بعد أن إ’ختفت خلف الباب، يقف وهو لا يعلم ماذا يفعل، ولكن وصله الد’عم مِن أبيه الذي وضع كفه فوق كتفه وشـ.ـدّ عليه برفقٍ، ألتفت “زين” ينظر لهُ ليقول “بدر” بنبرةٍ هادئة:
_متخا’فش هتخرج وهتبقى زي الفُل، خير إن شاء الله.
_عايزاني أدخل معاها، ما’سكة فيّا وخا’يفة.
أجابته “أيسل” التي كانت تحمل صغيرها على ذراعها بقولها الهادئ:
_الخو’ف طبيعي يا “زين”، أدخل معاها زي ما طلبت ومتقلـ.ـقش هي ر’هبة لأنها لسه أول مرَّة، هتعدي صدقني.
قطـ.ـعت الممرضة أحاديثهم بعد أن أقتربت مِنهم بقولها:
_فين شنطة الطفلة؟.
أعطاها “زين” إياها ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_محتاج أدخل معاها، المفروض أعمل إيه.
_لأ بصراحة مقدرش أفيد حضرتك ممكن تسأل الدكتورة بتاعتها لو سمحتلك هتقولك تعمل إيه.
تركتهم الممرضة وذهبت بعدها دون أن تقول شيئًا، نظر “زين” في إثرها ثمّ إلى أبيه الذي قال:
_روح أنتَ شوف الدكتورة وإحنا هنفضل هنا.
خضـ.ـع لأبيه ورحل بالفعل تاركًا فؤ’اده بينهم، بينما جلست “ميرنا” فوق المقعد بهدوءٍ تام وجاورتها “عائشة” التي كانت تشعُر بالتو’تر والخو’ف على أبنتها قائلة:
_يا مُيّسر الحال يَسر.
____________________________
<“الحنان لا يُشترى ولا يُطلب.”>
خرجت مِن المطبخ تحمل صينية معدنية متوسطة الحجم يعلوها بعض الصحون الزجا’جية التي يفوح مِنها رائحة طعامها الشهي، تقدَّمت مِنها “نُهىٰ” وعيناها مثـ.ـبتتان فوق الصحون، أبتسمت وقالت بنبرةٍ ممازحة:
_يا سلام عالروايح الحلوة، أنا عرفت “شهـاب” مبياكلش عندي ليه خلاص.
أبتسمت لها “مَرْيَم” التي جلست فوق المقعد قائلة:
_أقولك بصراحة وبدون مبا’لغة أو غر’ور؟.
_قولي.
أجابتها “مَرْيَم” وهي تنظر لها بوجهٍ مبتسمٍ بعد أن بدأت تشاركها تناول الطعام بقولها:
_”شهـاب” متعود على أكلي مِن زمان، أول ما أتعرفنا على بعض، كُنت لمَ أعمل لـ “أحمـد” أخويا أكل كُنت بعملهم معاه ومرَّة بعد مرَّة “شهـاب” خَد عليه وبقى يطلبه مِن “أحمـد” مخصوص، ولمَ أتجوزنا بقى بقى الموضوع روتين يومي، لمَ تعـ.ـبت إمبارح مقدرتش أقف فالمطبخ بقى بيدوّر على أي حاجة معمولة وبايتة عشان مياكلش مِن برّه، لدرجة إني شـ.ـكيت إنُه بيجاملني أو بيبا’لغ.
وها هي “نُهىٰ” تُصدِّق على أفعال و’لدها بقولها الهادئ:
_بصراحة بقى معاه حق، أنا مِن زمان مدوقتش أكل بالجمال دا بجد، بصراحة نَفَـ.ـسك حلو أوي فالأكل بسم الله ما شاء الله، أنا اللي هاجي آكل عندك بعد كدا.
قهقهت “مَرْيَم” بعد أن مازحتها “نُهىٰ” وقالت بوجهٍ مبتسمٍ:
_تنوري فأي وقت البيت بيتك.
صدح رنين هاتف “نُهىٰ” الذي كان فوق الطاولة إلى جوارها، رأته و’لدها “شُكري” ولذلك أجابته قائلة:
_أيوه يا “شُكري”، عند “مَرْيَم”، لأ هبات معاها النهاردة عشان أخوك موصيني عليها وهي تعبا’نة شويَّة، بتاكُل أستنى تخلّص وهخليك تكلمها … عايزها ضـ.ـروري ليه يعني أستنى شويَّة هي مش هتطيـ.ـر يعني..
نظرت لها “مَرْيَم” بعد أن تعجبت مِن إصر’ار “شُكري” في التحدث معها لترَ “نُهىٰ” تمُدّ يَدها بالهاتف قائلة:
_خُدي يا حبيبتي لاحسن أبني عنيـ.ـد ومش هيسكت.
أخذت “مَرْيَم” الهاتف مِنها وأجابتهُ بنبرةٍ هادئة قائلة:
_أيوه يا “شُكري” أزيك، أنا بخير الحمدلله، لأ مفيش حاجة شويَّة تعـ.ـب بس بسيط، أكيد يا “شُكري” أنتَ فمقام أخواتي مش محتاجة أقولك كدا، خير إن شاء الله.
أخرج “شُكري” تنهيدة عميقة وحـ.ـكّ مؤ’خرة رأسه قليلًا بتو’ترٍ ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_حاولتي تتكلمي مع صاحبتك زي ما قولتيلي.
لم تعلم بما تُجيبه، فلن تستطيع التحدث أمام والدته كما حذّ’رها “شهـاب” مِن قبل، ولذلك قالت بنبرةٍ هادئة:
_طب أستنى آكل وهكلمك.
_دا اللي قولته وهو مـ.ـصمم يعا’ند.
أخرج تنهيدة عميقة ثمّ قال بعد أن تفهّم تهرُ’بها قائلًا:
_”شهـاب” طبعًا اللي قالك متتكلميش قدام ماما مش كدا؟.
_أيوه.
_طيب هسيبك دلوقتي ولمَ ماما تكون بعيدة أبعتيلي مسدج وهكلمك أنا، بس بلاش تطنـ.ـشيني يا “مَرْيَم” بالله عليكي أنا عارف إني بر’خِّم عليكي بس أنتِ الوحيدة اللي تقدر تساعدني.
أجابته “مَرْيَم” بنبرةٍ هادئة ووجهٍ مبتسم:
_لأ ولا يهمك عادي يعني يا “شُكري” أنتَ طول عُمرك ر’خم إيه الجديد يعني، عادتك ولا هتشتريها.
صُد’م “شُكري” مِن حديثها الصريح الذي لم يتوقّعه يومًا ثمّ أجابها قائلًا بتو’عدٍ:
_هي بقت كدا، طب خلِّيكي فكراها بقى يا مرات أخويا.
قهقهت هي بعد أن أستطاعت أن تُثيـ.ـر حُـ.ـنُقه كما أعتادت ثمّ ودّعته قائلة:
_بقولك إيه بما إن “شهـاب” فسفرية شُغل وأنتَ تُعتبر فغيا’به زي الحيـ.ـطة اللي بتسند عليها فتعالى وأنتَ جاي هات معاك حواوشي لاحسن أنا حاسّة إن نِفسي هـ.ـفاني عليه أوي دلوقتي.
ولم تلبس إلّا لحظات وأعطت الهاتف إلى “نُهىٰ” التي قالت:
_الوَحَم بدأ يشوف شغله معاكي.
أبتسمت “مَرْيَم” التي أخرجت تنهيدة عميقة وقالت:
_حسّيت إن نِفسي رايحة أوي للحواوشي، بعد الجواز بأسبوع “شهـاب” خدني وروحنا كلنا حواوشي الساعة ٢ بليل، كان حلو أوي بصراحة وبعد كتب الكتاب خدني وكلنا فمطعم حلو أوي، لو كان هنا دلوقتي كان خدني وروحنا كلنا زي ما متعودين.
أخرجت “نُهىٰ” تنهيدة عميقة بعد أن دا’همتها ذكريات الحبيب الذي غادرها ورحل، رُسمت بسمةٌ حالمة فوق فمها وقالت بنبرةٍ يغمُرها الحنين:
_تعرفي يا “مَرْيَم”، زمان قبل ما “مظهر” جوزي يتو’فى، كان بيعمل كدا معايا، لمَ حمـ.ـلت فـ “شهـاب” كُنت بتوحم على حاجات فتوقيت غريب، يعني أفتكر كُنا فوقت متأخر وهو رجع تـ.ـعبان مِن الشغل ونام، وأنا بقى قعدة بمنتهى الهدوء، وفجأة نفسي راحت للمانجا وساعتها كُنا فشهر ديسمبر، يعني مفيش مانجا أصلًا، عمك “مظهر” ساعتها لَـ.ـف على محلات السوق كُلّه إنُه يلاقي مانجا مفيش، أتصل على أخوه وطلب مِنُه قفـ.ـص مانجا، طبعًا أخوه بيخزنها عنده طول موسمها قام رايح التجمع جاب القفـ.ـص ورجع، ساعتها كان على أخره وبصراحة عذرته، بهـ.ـدلته أوي ساعتها.
قهقت “مَرْيَم” بعد أن سمعت قصتها ثمّ سألتها بحما’سٍ قائلة:
_طب لمَ حمـ.ـلتي فـ “شُكري” بقى أتوحمتي على إيه؟.
نظرت لها “نُهىٰ” نظرةٍ ذات معنى وقالت بوجهٍ مبتسمٍ:
_”شُكري” بقى وأنا حا’مل فيه أتوحمت على قشطة.
_عشان كدا.
قالتها “مَرْيَم” وكأنها أكتشفت سـ.ـرًا خطيـ.ـرًا عنهُ لتجاوبها قائلة بنبرةٍ ساخرة:
_وأنا أقول بياخد القشطة مِني ليه كُلّ شويَّة.
نظرت لها “نُهىٰ” وضحكت كذلك وشاركتها الكثير مِن الأحاديث التي لا تتعلّـ.ـق ببعضها حتى يحضر “شُكري” ويُشاركهما تلك الجلسة الهادئة التي لا تزال غير مكتملة بدون شخصٍ آخر.
_________________________________
<“خطوة أخرى للأمام مِن الملك تخطو سطور النهاية.”>
بعد مرور أسبـوع كامل..
كان القصر يضـ.ـج بالضحك والحياة دون توقف، كان “زين” يدور في أرجاء القصر يبتعد عن أولاد عمومته وعلى ذراعيه صغيرته “تاليا” التي أنارت حياته قبل أسبوع، يهرُ’ب مِن هذا الهجو’م على صغيرته التي ر’فض تركها تحـ.ـت أيديهم..
وقفت “روز” إلى جوار “ليل” الذي كان يشاهدهم ويبتسم، ولج “زين” إلى إحدى الغرف وأغلق الباب خلفه ليقابله طرقات لا تتوقف فوق الباب يطالبونه بإخراج الفتاة التي أصبحت الزوجة المستقبلية لأربعة فتيا’ن حتى الآن، صاح بهم قائلًا:
_يلّا ياض أنتَ وهو بنتي مش هتتجوز واحد مِن عيالكم، أنا بنتي هتفضل فحضني طول العُمر، مش هجوزها أي واحد وخلاص.
أتاهم صوت “ليل” الحفيد مِن الخارج الذي قال ساخرًا:
_مالكم ماسـ.ـكين فبنت “زين” لي ولا كأنها آخر واحدة عالكو’كب، على فكرة بنته مش حلوة، لو عايزين عروسة عندكم “رودينا” بنتي مليون واحد يتمناها، بس أنتوا وحظكم بقى يا أوافق عليه يا لأ.
ألتفتوا جميعهم نحوه يرمقونه باستنكا’رٍ تام ثمّ أبتسم “علي” بزاوية فمه وقال ساخرًا:
_شوفوا مين اللي بيتكلم، لو’ح التلج بنفسُه، ومين اللي هيتهـ.ـف فد’ماغه ويفكّر تكون حماه يا خويا، كفاية إنك هتكون بلا’ء عليه وعلى اللي هيحط إيدك فإيده، إحنا مستحمـ.ـلينك بالعافية نا’قص نتجـ.ـنن عشان نناسبك أتنيـ.ـل.
أراح “ليل” ظهره ووضع ساق فوق الأخرى وأبتسم بزاوية فمه، أجابه بنبرةٍ باردة وقال:
_مبدئيًا لو أبنك فيوم حب بنتي أنا أول واحد هيقف فالموضوع دا وهر’فض، مش عشان أبنك لأ، عشان أنا ميشر’فنيش أحط إيدي فإيدك فيوم مِن الأيام، يا عِـ.ـرة.
نطق آخر كلمة باستفـ.ـزازٍ شـ.ـديدٍ وهو يضغـ.ـط على حروفها ببطءٍ متعمّـ.ـد، أبتسم “علي” وأمسك الوسادة القطنية وأ’لقاها تجاهه بعنـ.ـفٍ واضح وهو يقول:
_كويس إنك هتقف فالجوازة عشان أنا برضوا مرضاش تكون حما بنتي فيوم مِن الأيام، ثمّ إنك متستا’هلش تنو’ل الشـ.ـرف دا، يا لو’ح التلج.
تدخّل صوتٌ ثالث بينهما يسخر مِنهما بقوله:
_ما تقوموا تو’لعوا فبعض أحسن وتريحوني مِن صداعكم.
نظرا إلى جدهم “ليل” الذي وقف بشموخه ينظر إلى حفيديه اللذان نظرا إليه معًا، وافق “علي” على حديثه بقوله:
_معاك حق يا جدي، هات لترين بنز’ين عشان أو’لّع فيه.
أستطاع أستفـ.ـزاز “ليل” بسهولة بكلماته، ولذلك لم يمنحه الفرصة وبلحظة كان يركض خلفه في أرجاء القصر يتو’عد إليه، جلس “ليل” الجد وهو يضع قدمًا فوق أخرى يشاهدهما بوجهٍ مبتسم، ولج “علي” إلى المطبخ ممسكًا بغطاء الطنجـ.ـرة كد’رعٍ حا’مي، سحب “ليل” الملعقة المعد’نية الضخـ.ـمة وبدأ يقترب مِنْهُ وبسمةٌ مجـ.ـنونة رُسمت فوق فمه ولمعة الشـ.ـر ظهرت في عيناه..
بدأ الصر’اع بينهما دون تر’دد، “ليل” يُسـ.ـدد الضر’بات فوق الغـ.ـطاء الذي كان “علي” يرفعه في وضعيات الهجو’م الذي يشـ.ـنّهُ ابن عمه عليه، كان صوت ضر’بات الملعقة فوق الغطاء يعلو كُلّ لحظة وكأنها حر’بًا حقيقية بين عد’وين يصار’عان مِن أجل السيطـ.ـرة على المملكة، خرج “علي” راكضًا إلى غرفة المعيشة مجددًا وبدأ بتصـ.ـدي ضر’بات هذا المختـ.ـل الذي عزم على تد’ميره..
_أديلو أدي يا د’موي.
هكذا علّق “مُعاذ” مشجعًا ابن شقيقته على قتـ.ـله، وضع قدمًا فوق الأخرى وبدأ بمشاهدتهما مبتسمًا، فتلك بالنسبةِ إليه أثمن لحظاته، وبلحظة تجمّعوا في دائرة واسعة البعض يُشجع الطر’ف الد’موي، والآخر يُشجع الطر’ف الأكثر عنـ.ـفًا، وأصبحت ساحة معر’كة؛ فتح “زين” الباب بتمهـ.ـلٍ يُلـ.ـقي نظرة عليهم، وحينما رآهم مندمجون في تشجيع الطر’فين خرج بصغيرته يتسـ.ـلل كاللـ.ـص وعيناه تر’شقهم بحذ’رٍ شـ.ـديدٍ..
وبلحظة صعد للأعلى سريعًا دون أن ينتـ.ـبه لهُ أحد، ولكن لم يغفـ.ـل عن نظرات الجد الذي أبتسم وهز رأسه بقلة حيلة على أفعالهم المجـ.ـنونة، فقد أيقن بأن الجـ.ـنون أضحى عادة بهم مهما تقدّم العُمر بهم.
_______________________________
<“أصبحت جميع الأد’لة بين يَديه.”>
قُبيل المغرب في أحد الكافيهات الهادئة..
كان “شهـاب” يجلس فوق إحدى الطاولات المتراصة إلى جوار النافذة الزجا’جية الكبيرة التي تطل على الحدائق الخضر’اء وزهور الياسمين، ينتظر “لؤي” منذ قرابة الرُبع ساعة، كان يُحادث “مَرْيَم” عبر تطبيق “الواتساب” حتى لمح طيفه مِن بعيد، رفع رأسه ورآه يقترب مِنْهُ مبتسمًا وبيَده حقيبة جلـ.ـدية سو’د’اء..
جذ’ب المقعد المقابل لهُ قليلًا ثمّ جلس قائلًا بوجهٍ مبتسمٍ:
_إيه الأخبار، معلش إتأخرت عليك بس الطريق ز’حمة النهاردة بطريقة تخنـ.ـق.
أغلق “شهـاب” هاتفه وتركه إلى جواره فوق سطح الطاولة وأبتسم قائلًا:
_لأ ولا يهمك، كدا كدا بحب أقعد هنا مع نفسي، إيه الأخبار بشرني.
وضع “لؤي” حقيبته فوق الطاولة ثمّ فتحها وأخرج العديد مِن الوريقات ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_بسم الله، عايزك تتفائل القضـ.ـية دي فصالحنا، أنا بقى معايا كُلّ الأد’لة اللي تثبـ.ـت التهـ.ـمة على “جمال”، التقارير الطبية الأولى اللي أثبـ.ـتت إصا’بتك والتانية اللي أثبـ.ـتت تعرُ’ضك للهجو’م والإصا’بات اللي تعـ.ـرضتلها، ومعانا المكالمة الفـ.ـيك اللي أستخدم فيها “جمال” صوت “مينا”، دا غير اللد’ارات اللي صوّرت عربية “جمال” لمَ جـ.ـرجرك لهناك يعني كُلّ دا إثبا’تات ضـ.ـده وغير ر’فع البصمات فالمكان.
_لأ فهمني أكتر معلش أزاي هير’فعوا البصمات فصحـ.ـرا؟.
أسند “لؤي” مرفقيه فوق الطاولة مائلًا بجسـ.ـده قليلًا للأمام ثمّ أجابهُ بنبرةٍ هادئة بقوله:
_المطو’ة اللي إتغـ.ـزيت بيها ساعتها لحُسن حظك إن “جمال” ر’ماها ومخدهاش معاه فخدوها ور’فعوا البصمات عليها لقوها بصمات “جمال” وأثا’ر الأقدام على الر’مل نفس الرسمة بتاعت الكوتشي اللي “جمال” كان لابسُه، غير صا’عق الكهر’با اللي كان معاه برغم أنه أنكـ.ـر معرفته بيه بس بصما’ته كانت عليه، وفالحا’دثة الأولى الشو’مة اللي ضـ.ـربك بيها على راسك ساعتها لسّه متحفظين عليها برضه بصما’ته عليها يعني بنسبة ١٠٠ فالـ ١٠٠ لابـ.ـساه.
شرد “شهـاب” قليلًا يُفكر في حديث “لؤي” قليلًا، فبرغم ذلك هو يعلم بأن “جمال” لن يستسـ.ـلم بسهولة وسيفعل المستحـ.ـيل لينـ.ـفي التهـ.ـمة عنهُ، فيما تحدث “لؤي” مرَّة أخرى يؤكد على حديثه:
_صدقني يا “شهـاب” مش هينفـ.ـد مِنها، أنا مفيش قضـ.ـية مسـ.ـكتها إلّا وكسبتها، ودا بعد توفيق ربنا سبحانه وتعالى، والقضـ.ـية دي بالذات تبان معقـ.ـدة والطر’ف التاني مش هيعلن أستسلا’مه بسهولة بس نهاية الطريق نصـ.ـر ليك أنتَ، مش عايزك تخا’ف مش هخذ’لك صدقني.
نظر لهُ “شهـاب” للحظات ثمّ أطلق زفيرة مطولة وقال بنبرةٍ هادئة:
_واثق فربنا إنُه هينصـ.ـرني عشان أنا على حق ومبتهـ.ـمش حد زو’ر، وواثق فيك وعارف قدراتك، بس خا’يف أوي مِن يوم الجلسة، مبقاش فاضل غير أسبوع، وأنا خا’يف عشان عارف إن “جمال” مستحـ.ـيل يقول الحقيقة حتى لو على مو’ته.
نظر “لؤي” بقو’ة في عيناه وقال بنبرةٍ جا’مدة تملؤها الثقة:
_حتى لو فر’فص مرَّة وهر’ب، في حفـ.ـرة أكبر مستنياه، هياخد جز’اته يا “شهـاب” لو مش دلوقتي هيبقى بُكرة، أنا مش هسكت غير وأنا جايبله مش أقل مِن مؤ’بد، بكُلّ اللي عملوه فيك دا ميجيبش غير المؤ’بد، عارف يعني إيه يعملك عا’هة مستد’يمة حتى لو جزئيًا وتقعد فبيتك سنة كاملة بعد ما تتو’قف عن العمل، هو هينكـ.ـر الحقيقة، بس المحكـ.ـمة عارفة كويس أوي الحقيقة ولذلك أنا عارف إن القضـ.ـية دي فصفنا إحنا ومتنساش إنه خا’ن قَسَمُه وساب مجاله وإنضم لجما’عات وهو عارف أسـ.ـرار شغلكم، فتفائل شويَّة.
أخرج “شهـاب” تنهيدة عميقة مستغفرًا ربُّه سرًا، فر’غمًا عنهُ يشعُر بالخو’ف فـ “جمال” ما’كرًا وليس مِن السهل التلا’عب معهُ، هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_متفائل يا “لؤي”، ربنا يسترها وميضيـ.ـعش حقي بعد كُلّ المُـ.ـر اللي شوفته دا، هتقهـ.ـر أوي.
_متخا’فش، ولو مخدتش حقك فالدُنيا ففي ربّ كريم هياخدلك حقك فالآ’خرة، خير إن شاء الله أستعد أنتَ بس، عشان “جمال” ممكن أوي فلحظة يستفـ.ـزك فالآخر، فحاول تمـ.ـسك نفسك على قد ما تقدر.
هزّ “شهـاب” رأسه بتفهمٍ ثمّ ألتزم الصمت، فأمامه أسبوعًا فقط على موعد الجلسة، ويجب أن يُطمئن نفسه في تلك الفترة ويظل هادئًا، ولطالما معهُ عائلته ورفاقه في ظهره فلن يُهز’م مهما حدث.
_______________________________
<“عاد الحق لأصحابه، وتم الو’فاء بالعهد.”>
قُبيل العشـاء داخل إحدى المخاز’ن المهجو’رة..
كان الظلا’م يُسيطـ.ـر على المكان، والهدوء هو سيد المكان، فمنذ ليلة أمسٍ ولم يدخل شيئًا في بطو’نهم التي أعربت عن حاجتها للطعام بعد أن مضى يومًا كاملًا دون طعام، وجميعهم تم إحتجا’زهم بهِ منذ وقتٍ طويل دون سببٍ واضحٍ، وحتى الآن لم يتعرّفوا على هوية هؤلاء الرجا’ل الذين أتوا بهم إلى هذا المكان العفـ.ـن الذي يفوح مِنْهُ رائحة سـ.ـيئة..
جميعهم مكـ.ـبلين لا يستطيعون تحريك حتى إصبعًا واحدًا حتى شعروا بالخد’ر في أجسا’دهم بفضل تلك السلا’سل الحد’يدية القو’ية التي تقبـ.ـض بعنـ.ـفٍ على أجسا’دهم، الأمر بالنسبةِ لهم أصبح كفيلم رُ’عبٍ لا أكثر، فلم يحدث ذلك معهم مِن قبل، ويبدو بأن هؤلاء الرجا’ل ذو خبرة كبيرة في التعامل مع أمثالهم..
في الخارج صفّت العديد مِن السيارات السو’دا’ء أمام هذا المخز’ن، وترجّل كُلّ واحدٍ مِنهم مِن سيارته بزيّه الأسو’د الذي يُنا’فس د’كونة الليل، مشهدٍ مـ.ـهيب ومُحـ.ـبسًا للأنفاس بلا شـ.ـك، تجمّعوا في نقطة واحدة مع أكبر واحد فيهم والذي يتميّز بد’مويته وعـ.ـنفه، لمعت أعينهم بالشـ.ـر، وأيقظت صر’خات رفيقه والجـ.ـنود رو’ح الإنتقا’م بداخلهم..
كسـ.ـر صر’ير الباب المزعج الهدوء، وإنعكست ظلا’لهم فوق الأرضية الأ’سمنتية في صفٍ طويل، تحرّكوا بخطى ثابتة إلى الداخل، أقدامهم تضر’ب الأرض مِن تحتهم، أشـ.ـتدت عـ.ـضلات أجسا’دهم وبرزت عر’وقهم، ونير’انًا حر’قت صد’ورهم حينما رأوهم، لمعت عينان “حُذيفة” حينما و’قع بصره على “أمجد” المكـ.ـبل، وشـ.ـرًا أ’عمى عيناه عن العالم وأنفرد بهِ أمام هذا الوغد الذي أبتسم لهُ بسمةٌ فو’لاذية..
_يا حبيبي، أهلًا بالزعيم المُلقّب بالد’موي ومعروف بعُـ.ـنفه، ليك شوقة واللهِ.
ظن “أمجد” أنَّهُ سوف يُثيـ.ـر جـ.ـنونه بتلك الكلمات، ولكن لم يعلم بأن أستفـ.ـزازه وإخراج شيا’طينه أمرًا صـ.ـعبًا يكاد يكون مستحـ.ـيلًا، ولكن مع “أمجد” لم يكُن الأمر صعـ.ـبًا بهذا الشكل، أبتسم وقال ساخرًا:
_كُلّ ما أفتكر اليوم اللي “جمال” خا’نكم فيه وجالنا أقعد أضحك وأنا بتخيّل فمنظركم وقتها، قمة فالمتعة أقسم بالله.
ر’ماه “ليل” بنظرةٍ محتقـ.ـرة وقال بنبرةٍ باردة:
_د’م أمك سـ.ـم زي سحنـ.ـتك، واللي زي “جمال” دا ميهمناش ولا بنز’عل عليه، دا يتعامل معاملة الكلا’ب، زي غيره، ولو فاكر كدا إنك هتستفـ.ـزني فأحب أقولك وفّر مجهو’دك عشان مش هتوصل للسـ.ـكة دي معايا.
أبتسم “أمجد” بزاوية فمه وقال بنبرةٍ ما’كرة:
_حتى لو فكّرتك بحبيب قلبك “إسماعيل” اللي سبقكم على جـ.ـهنم.
لمعت عينان “حُذيفة” بالشـ.ـر وأضطـ.ـربت وتيرة أنفاسه بدلًا مِن ابن عمَّته، فكُلّما حاول نسيان تلك اللحظة والهر’وب مِن صر’خاته التي ترن في أُذنيه يفشـ.ـل، وكأنه يُعا’قبه على شيءٍ لم يقترفه هو، فيما حـ.ـكّ “ليل” لحيـ.ـته الخفيفة برفقٍ وكأنه يُفكر في أمرٍ ما، وبلحظة غفـ.ـل الجميع فيها كانت رصا’صته السا’مة تُرشـ.ـق بر’أس أحد رجا’له بقلـ.ـبٍ جا’مد وبرودٍ تام، صمتٌ قا’تل خيّـ.ـم على المكان لثوانٍ قبل أن يصر’خ بهِ “أمجد” بشـ.ـرٍ قائلًا:
_هتند’م يا “ليل” على فعلك دا، هيكون قصادها مش أقل مِن ١٠ رجا’لة مِن رجا’لتك.
ضحك “ليل” عاليًا قرابة الدقيقتين دون توقف بعد أن أضحكته كلماته تلك، تحت عينان “أمجد” التي أعربت عن شـ.ـرٍ سيطول الجميع وعلى رأسهم “ليل”، توقّف “ليل” بعدها ونظر إليه بوجهٍ مبتسمٍ وأنفاسٍ ل’اهثة ثمّ قال بنبرةٍ ساخرة:
_ضحكتني أوي يا “أمجد” بجد، يا حبيبي فاكر نفسك هتخرج مِن هنا حـ.ـي؟ ومِننا إحنا؟ يا حبيبي أقل واحد فينا هنا بيعذ’ب الضحـ.ـيَّة بتاعته بحتت مو’س ماشية فالحـ.ـيط، عارف صوت الصر’ير المز’عج دا، دا أقل عذ’اب عندنا، مش عذ’اب جسـ.ـدي بالعكس، دا عذ’اب نفسي مِن الدرجة الأولى، أصلنا فرز أول كُلّنا.
تقدَّم مِنْهُ عدة خطواتٍ ثمّ توقّف أمامه وأشار تجاه القتيـ.ـل وقال بنبرةٍ باردة:
_اللي خد رصا’صة فد’ماغه دا، حق الجـ.ـندي اللي ما’ت بنفس المو’تة دي، كُلّ واحد فيكم قتـ.ـل جـ.ـندي بطريقة مؤ’ذية، وأنا خدت حق أول جـ.ـندي، زي ما قتـ.ـلتوهم هتتقـ.ـتلوا زيهم، بنفس الطريقة، وأنتَ مصيـ.ـرك بين إيدين الجدع دا.
أنهى حديثه مشيرًا تجاه “حُذيفة” الذي كان أشبه بالذ’ئب المفتر’س الذي ينتظر شارة رئيس القطيـ.ـع، ولم يستطع “أمجد” أن يُخـ.ـفي نظرة الخو’ف التي لمعت في عيناه، وقد أيقن بلحظة أن نها’يته تقترب رويدًا رويدًا، وستكون على أيدي هذا الو’حش، ألتفت “ليل” كي يعود إلى مكانه ولكن قبل أن يخطو خطوة توقّف وألتفت بنصف جسـ.ـده ينظر لهُ قائلًا بنبرةٍ جا’مدة:
_وعلى فكرة، “إسماعيل” فأعلى درجات الجـ.ـنة، هو والجـ.ـنود اللي كانوا معاه، وبياكلوا أحلى أكل دلوقتي، ساعتها قتـ.ـلتوه وهو جعان بدون ر’حمة، ونفس المصير هتشوفوه النهاردة، زمان الجوع بينهـ.ـش فمصا’رينكم دلوقتي، بس مش هتاكلوا للأسف، رجا’لتنا عارفين إنهم فالجـ.ـنة ونعيمها كفاية إن كُلّ واحد فيهم مُلقّب بالشهـ.ـيد، إنما أنتم فنا’ر جـ.ـهنم وبئس المصير، وخلّوا جها’دكم ينفعكم.
عاد مِن جديد إلى مكانه ووقف ينظر لهم جميعًا، وبلحظة أنتشـ.ـروا بشكلٍ مخـ.ـيف في المكان، أسلـ.ـحتهم بأيديهم يستعدون للقـ.ـصاص، وبعد صمتٍ دام لدقائق معدودة بدأوا يسقـ.ـطون واحدٍ تلو الآخر، مثلما حدث مع رجا’لهم يفعلون نفس الشيء، لا يستحقون الر’حمة مهمًا كان الأمر، كُلّ ما يحدث يتم تصويره، حتى يروا أهالي الشهد’اء تلك المشاهد وتهدأ نير’ان قلوبهم، ويرتاحوا هم في قبو’رهم..
قُتـ.ـل مَن قتـ.ـل، وعُد’م مَن أعد’م، ولم يتبقّى إلّا الرأس المد’برة، وتلك هي مهـ.ـمة “حُذيفة”، وضع آخر قطـ.ـعة حطـ.ـب ببرودٍ شـ.ـديدٍ ثمّ إلى “أمجد” بعينان تُرسل شـ.ـراراتٍ لم تُرَ ولكنها تُحَس، مثلما حدث مع “إسماعيل” ها هو يحدث مع “أمجد” بلا ر’حمة، جـ.ـرّده “حُذيفة” مِن قميصه، ومشهد رفيقه يُعاد للمرَّة التاسعة عشرة بعد المائة أمام عيناه، رد’مه بالحطـ.ـب؛ يتحرّك وكأنه إنسانًا آليًا، يَداه تعلمان طريقها جيدًا وعقله يُرسل إشاراته لجميع أعـ.ـضاء جسـ.ـده..
وضع آخر قطـ.ـعة ثمّ نظر ببرودٍ شـ.ـديدٍ في عينان “أمجد” الذي كان ينظر لهُ مترقبًا ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_متعملش كدا يا “حُذيفة”، هتشيـ.ـل ذ’نبي.
أبتسم “حُذيفة” بزاوية فمه، وعيناه مثـ.ـبتتان فوقه يُطالعه ببرودٍ تام، ثمّ جاوبه بآلية قائلًا:
_لأ مش هشيـ.ـل ذ’نبك بالعكس، أنا هاخد الثواب، القـ.ـصاص واجب، وأنا خدت عهد على نفسي يوم د’فنة أخويا ما هيهـ.ـدالي بال غير وأنا جايب حقه بإيدي، وعشان هو يرتاح أنتَ لازم تمو’ت عشان حقه يرجع ونا’ر أهله تبرد، اللعبة خلصت خلاص يا “أمجد”.
أنحنى للأسفل بجذ’عه العلوي ورفع بالزجا’جة الكبيرة ثمّ فتحها بهدوءٍ شـ.ـديدٍ، فتحها وأ’لقى الغطاء بإهما’لٍ وبدأ يسكب البنز’ين فوقه وهو يدور حوله ببطءٍ وعيناه تنظر في عينان “أمجد” الذي أدرك بأن “حُذيفة” لا يمزح، أ’لقى بهِ بعيدًا بعد أن وقف في نقطة البداية، أخرج عُلبة كبر’يتٍ مِن جيبه وأخرج مِنها عو’دًا وأشـ.ـعله ببرودٍ تام وهو ينظر إلى “أمجد”..
تحدث بنبرةٍ باردة وقا’سية وعيناه مثـ.ـبتتان فوقه قائلًا:
_الميَّة والنا’ر دايمًا ضـ.ـد بعض، والنار دايمًا بتعشـ.ـق أي مادة بتتفا’عل معاها فتد’مير أي حاجة، النا’ر بتحب تاكل أي حاجة تقابلها، حتى لو كان إنسا’ن، الشـ.ـر لازم يتغـ.ـلب، وعشان يتغـ.ـلب والنا’ر تختـ.ـفي لازم الميَّة تطـ.ـفيها، بس النهاردة النا’ر دي هتحقق العد’الة لأول مرَّة، عشان هتحر’ق أقذ’ر بني آدم على وش الأرض، مَن قتـ.ـل يُقتـ.ـل يا “أمجد” ولو بعد حين، ودي نها’يتك ومتحلمش إني هشـ.ـفق عليك عشان أنا مستني اللحظة دي مِن زمان أوي … دوق نا’ر الدُنيا قبل ما تقيم للأبد فنا’ر جـ.ـهنم.
أنهى حديثه وأ’لقى بعو’د الكبر’يت فوق الحـ.ـطب لتشتعـ.ـل النا’ر فورًا تُحيط جسـ.ـد “أمجد” الذي صر’خ عاليًا حينما بدأت النير’ان تآ’كله، أخرج “حُذيفة” تنهيدة عميقة بعد أن أتى بحق رفيقه ورأى العد’و ينا’ل ما نا’ل مِنْهُ، شَعَر بالراحة تغمُـ.ـر قلبه ولذلك سرعان ما أرتسمت أبتسامة راضية فوق فمه، ألتفت نحو أولاد عمومته ورفاقه الذين كانوا يقفون على مقربةٍ مِنْهُ وينظرون لهُ بأبتسامة راضية..
أبتسم إليهم هو كذلك ثمّ أشار إليهم بنجاح مهـ.ـمتهم التي كانوا يظنونها ستكون أصـ.ـعب مِمَّ يكون، أغلق الكاميرا واقترب مِنهم دون أن يتحدث، فعيناه قالت كُلّ ما يُريد فمه أن ينطـ.ـق بهِ، أخرج “حسـام” تنهيدة طويلة وقال بنبرةٍ تغمُـ.ـرها الراحة:
_حق الغا’لي رجع خلاص، هينام النهاردة مر’تاح.
أنشغلوا جميعهم بالأحاديث الجانبية وتوثيق تلك اللحظات السعيدة، فها هم فازوا بأول حر’بٍ، في إنتظار بقيَّة حرو’بهم التالية والتي ستكون حر’ب “شهـاب” أمام “جمـال” أمام القا’ضي في قلـ.ـب المحكـ.ـمة التي ستكون ساحة الحر’ب بينهم، أخرج “مينا” هاتفه ونظر إلى صورته رِفقة “إسماعيل” التي إلتقطها في آخر مقابلة لهم، تمعن النظر في وجهه الذي كان يُشعره بالراحة والهدوء..
لمعت عيناه مجددًا وأضطـ.ـربت أنفاسه، وصوته أختر’ق رأسه بكلماتٍ عديدة كان يقولها لهُ دومًا، كم مرَّة أخبره أنَّهُ أخيه، كم مرَّة أخبره أنَّهُ مصدر الأ’مان والراحة بالنسبةِ إليه، فوحده مَن يعلم أسـ.ـرارًا عنهُ لا يعلمها غيره، شَعَر بيَد تُضع فوق كتفه يُشـ.ـدد عليه برفقٍ، ألتفت “مينا” برأسه ينظر لهُ بعينان دامعتين ليؤازره الآخر بقوله الهادئ:
_عارف إنك مو’جوع، بس صدقني هو فمكان أحسن مِن هنا بكتير، أدعيله يا “مينا”، مش محتاج غير الدعاء دلوقتي.
لم يستطع “مينا” أن يتحكّـ.ـم في نفسه أكثر مِن ذلك، فسـ.ـقطت عبراته تشـ.ـق طريقها فوق صفحة وجهه، وأضطـ.ـربت وتيرة أنفاسه؛ بدأ صد’ره يعلو ويهبط مجيبًا إياه بنبرةٍ أعربت عن ضيا’عه:
_غـ.ـصب عني يا “شهـاب”، عارف يعني إيه أقربهم لقـ.ـلبك يفا’رقك مرَّة واحدة؟ “إسماعيل” دا كان أخويا، بيـ.ـر أسـ.ـراري، أنا لمَ كُنت بتخنـ.ـق محدش كان بيسمعني غيره، لمَ كُنت بتعـ.ـصب وأز’عق وأكسّـ.ـر كان بيعرف يتعامل معايا، عارف أزاي يهديني ويطبطب على قـ.ـلبي، كان كُلّ حياتي.
ضمّه “شهـاب” بقو’ة ذراعيه إلى أحضانه يواسيه على فُرا’ق رفيقهم الذي كان رحيله فا’جعة، ولكن علاقته بهِ لم تكُن كغيره، فهذا الثنائي كان أقرب لبعضهم عن غيرهم، ربَّت “شهـاب” فوق ظهره وقال بنبرةٍ هادئة:
_فالجـ.ـنة دلوقتي يا صاحبي، أدعيله وإهدى، إهدى ومتعملش فنفسك كدا.
أقترب “ليل” مِنهم وو’اسى رفيقه بهدوءٍ تام دون أن يتحدث، فمو’ت “إسماعيل” ترك بداخلهم فجو’ة كبيرة لن تلتئـ.ـم مهما طال بهم الزمن.
_______________________________
<“فو’ضى عا’رمة في قصر العائلة.”>
في أُمسية هذا اليوم..
كانت “روان” في غرفتها منذ صبيحة اليوم تعمل على فستان زفافها الذي كُلّما مرّ بها الوقت كانت تُنجز بهِ شيئًا جديدًا، وفي الطابق السُـ.ـفلي كانوا الأحفاد الشبا’ب يجتمعون والشجا’ر محتد’م بينهم، كان الجد يرافقهم منذ بداية الجلسة حتى مـ.ـل مِنهم وأصا’به الأ’لم في رأسه ولذلك هر’ب مِنهم إلى مكتبه مغلقًا الباب خلفه، أخرج زفيرة عميقة وقال:
_يخربيت الصد’اع، منكم لله و’جعتولي راسي.
جلس فوق الأريكة الجلـ.ـدية، ومسح بكفيه فوق وجهه مراتٍ متتالية حتى مسح على خصلا’ته الفـ.ـضيَّة، قام بتشغيل مبرد الهواء وأمسك برأسه مِن كلا الجانبين بأ’لمٍ واضحٍ، ولجت “روز” لهُ وجلست إلى جانبه قائلة:
_صد’عت طبعًا مِن صوت أحفادك.
نظر لها بطر’ف عينه وأجابها بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_صد’عوني أكيد، تير’ان بتجعّـ.ـر بجد مش طبيعي دول مجا’نين.
وضعت يَدها فوق صد’ره وربَّتت عليه قائلة بنبرةٍ هادئة:
_أعملك قهوة؟.
هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_ياريت يا “روز”، لسّه عندي شغل قد كدا عايز أخلّـ.ـصه.
أبتسمت هي برفقٍ وأجابته بنبرةٍ هادئة قائلة:
_عيوني يا حبيبي.
تركته وخرجت دون أن تنبث بحرفٍ آخر، وعيناه رافقتها حتى أ’ختفت خلف الباب الذي أُغلق مجددًا خلفها، أراح رأسه للخلف وأغمض عيناه وقال بنبرةٍ هادئة مبتسم الوجه:
_مكُنتش عارف أزاي عايش مِن غير الدلع دا، حظك مِن دهب طول عُمرك يا ابن “سالم الدمنهوري”.
في الخارج داخل غرفة المعيشة..
كانت أصواتهم عالية تكاد تصيب الآخرين بالصـ.ـمم، وقف “مُعاذ” في منتصف الغرفة وقال بنبرةٍ عالية وعيناه تدور فوق وجوههم:
_اللي هيتحرّك مِن مكانه همسكه أز’فه النهاردة، جـ.ـنان أبوكم دا مش عليّا، أنا أَجَـ.ـن مِن اللي خلـ.ـفوكم.
أبتسم “شريف” بزاوية فمه بسخريةٍ واضحة وقال:
_تكونش فاكر بتتعامل مع أطفال صغيرة تشـ.ـخط فيهم الشخـ.ـطة هيخا’فوا ويقعدوا مؤدبين، وَحِّد الله فقـ.ـلبك يا عمّ.
نظر إليه “مُعاذ” وبلحظة أستشا’ط غضـ.ـبًا مِن نبرة صوته وسخريته ليُشهر سبابته بوجهه يرُد عليه بنبرةٍ حا’دة قائلًا:
_بقولك إيه يالا بلاش أنتَ معايا أنا مجـ.ـنون ولو حطيتك فد’ماغك يبقى بألف سلامة، أسأل مجرّب يا حبيبي.
قهقه “شريف” عاليًا على كلماته التي أضحكته، نظر إليه وجاوبه بنبرةٍ ساخرة قائلًا:
_حابب أشوف، أصل بعيد عنك أنا واحد بيحركه فضوله.
تقدَّم مِنْهُ “مُعاذ” وبسمةٌ مجـ.ـنونة تُرسم فوق فمه، كبّـ.ـل يَديه وقال بنبرةٍ حا’دة:
_ولا، هتجـ.ـنن عليك عالمسا وأنتَ مش قدي.
ر’فع “شريف” حاجبه عاليًا وقال بنبرةٍ متحد’ية:
_وريني يا جا’مد وخليك قد كلامك.
جُـ.ـنّ جـ.ـنون “مُعاذ” الذي إنها’ل عليه بالضر’بات العنيـ.ـفة، بدأ الشبا’ب بتشجيعه؛ وبدأ “شريف” بتصـ.ـديه وفر’ض سيطـ.ـرته عليه بطريقته الخاصة وبلحظة أصبحت ساحة معر”كة بينهما، وجّه “عُمير” حديثه إلى ابن عمّه “فاروق” الذي كان يجاوره قائلًا:
_أخوك بيعشـ.ـق المر’ازية فخلق الله، و “مُعاذ” أصلًا محدش بيقدر عليه، حتى جدي.
أبتسم “فاروق” ونظر إليه مجيبًا إياه بنبرةٍ هادئة بقوله:
_عندك حق، بس “شريف” أخويا برضوا مجـ.ـنون، أنا عارف أنا بقولك إيه.
خرج “ليل” الجد مقتحـ.ـمًا جلسته وصوته يعلو بإنفعا’لٍ واضحٍ قائلًا:
_ما كفاية بقى أنا مش عارف أروح مِنكم فين تاني، صوتكم جايب لمكتبي جوّه أنا مش عارف أشتغل يا بغـ.ـل يا اللي محسوب عليّا ابن ..!!.
ألتفت “مُعاذ” ينظر إلى أبيه بعد أن ترك “شريف”، وبالطبع كلماته لم تروق لهُ ولذلك قال بنبرةٍ عالية:
_في إيه يا حج أنتَ هو أنا جيت جنبك ..!!.
صـ.ـقّ “ليل” على أسنانه بعنـ.ـفٍ وصر’خ بهِ بغضـ.ـبٍ قائلًا:
_صوتك يا حقيـ.ـر واصلي لجوّه، أنا مصد’ع وعندي شغل عايز يخلـ.ـص مش عارف أخلّـ.ـصه بسببكم، ما تهدوا بقى يا تروحوا فأي حِتة.
اقتربت “روز” مِنْهُ في تلك اللحظة وبيَدها فنجان القهوة خاصته، ترَ الشـ.ـد والجذ’ب بين زوجها وو’لدها كما كان يحدث مِن قبل، وها هو و’لدها يرُد على أبيه يُبدي أعتر’اضه على الرحيل بقوله:
_وأنا مش عايز أخرج أنا مرتاح فالقعدة هنا.
تدخّلت “روز” في تلك اللحظة قبل أن يسو’ء الأمر ويتشا’جرا سويًا بقولها الهادئ المتعقـ.ـل:
_تعالى يا “ليل” قهوتك جاهزة أهي، أنا هتكلم معاه.
ولكن قبل أن يتحرّك “ليل” رفع سبابته في وجهه وقال بنبرةٍ متو’عدة:
_وربي وما أعبُد يا “مُعاذ” لو صوتك أو صوت واحد فيكم وصلي جوّه لهوريكوا ليلة عُمركم ما شوفتوها.
وقبل أن يتحرّك أو يتفوّه أحدهم بحرفٍ قا’طعهم ولوج الشبا’ب منصو’رين في مهـ.ـمتهم التي كانت الفصـ.ـيل الوحيد في حياتهم للعودة بحقوق الراحلين، نظر إليهم “ليل” الجد هُنَيهة ثمّ أ’لقى سؤاله عليهم قائلًا بترقبٍ:
_عملتوا إيه طمنوني؟.
نظروا إليه جميعًا للحظات ثمّ نظروا إلى بعضهم البعض وكأن على رؤوسهم الطير، ولكن قرر الحفيد الأكبر أن يُجيبه بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_الحمدلله، رجّعنا الحقوق لأصحابها، أول ليلة هيناموا فيها مرتاحين.
أبتسم “ليل” الجد في تلك اللحظة ولمعت عيناه بسعادة وراحة لم يتذوّقها منذ وقتٍ طويل، أخرج تنهيدة عميقة وطويلة، ثمّ قال بنبرةٍ هادئة:
_مُبارك عليكم يا رجا’لة، فرّحتوني واللهِ، كدا “أمجد” أنتهـ.ـى خلاص، عقبال “جمـال” و “سليم”، ووقتها بس أقدر أقولكم أنتهت الحر’ب خلاص، مفيش بعد كدا صر’اعات، ولا حرو’ب، ولا خو’ف، وهنعيـ.ـش حياتنا زي ما إحنا عايزين وأحلى.
علّق “شهـاب” على كلماته الأخيرة بنبرةٍ هادئة أ’خفى خلفها مخا’وفه وقـ.ـلقه بقوله:
_أنا خا’يف مِن الحر’ب اللي جايَّة، خا’يف أخسـ.ـر قدام “جمـال” بعد دا كُلّه.
وباللحظة التالية قلّـ.ـص “ليل” الجد المسافة بينهما ووقف أمامه مباشرةً ينظر في عيناه التي كانت تفضـ.ـح مخاو’فه مِن القادم، وضع يَده فوق كتفه وشـ.ـدّ عليه برفقٍ، وخرج صوته قو’يًا حتى لا ينحد’ر هو خلفها ويضـ.ـعف في نهاية الدرب:
_مش عايزك تخا’ف يا “شهـاب” طول ما إحنا فضهرك، وخلّي عندك ثقة فربنا حقك مش هيضـ.ـيع، ربك منتقـ.ـمٌ جبا’ر، معاك ربنا أولًا، ومعاك أحسن محامي، وإحنا معاك طول الوقت مش هنسيبك، أنتَ زي أحفادي بالظبط يا “شهـاب” متفرقش عنهم حاجة، أهدى أنتَ بس وسيبها على ربنا.
أخرج “شهـاب” تنهيدة عميقة يُخرج معها مشاعره السـ.ـلبية التي تُسيطـ.ـر عليه طيلة الوقت، هزّ رأسه برفقٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_ونعمة بالله، طول ما أنتم جنبي أنا مطمن، خصوصًا أنتَ، برتاح أوي طول ما أنتَ جنبي، بحس كأن أبويا اللي سا’ندني.
أبتسم “ليل” ولمعت عيناه بالفرحة حينما سمع كلماته التي ربَّتت على قلـ.ـبه الخا’ئف وقال بنبرةٍ هادئة:
_عارف يا ابني، كلامك دا بيفرحني قد إيه، وربنا يعلم معزِّتك فقلـ.ـبي كبيرة أزاي، وطالما شايفني فمقام والدك الله يرحمه فعايزك تطمن، عشان مفيش أب بيسيب أبنه مهما حصل، وواثق إنك هتكسب القـ.ـضية وترجع منصو’ر ومجبو’ر الخاطر كمان.
حرّكهُ قـ.ـلبه هذه المرَّة، ضمّه “شهـاب” دون أن يتفوّه بحرفٍ آخر، دلّهُ قلبه الذي لم يُخـ.ـطئ يومًا نحو دربه، وبعد أن رأى الصبر والمؤازرة والد’عم مِنْهُ لم يستطع أن يمنـ.ـع نفسُه مِن معانقته، فلأول مرَّة يشعُر بالأ’مان بين ذراعين ر’جُلٍ غير أبيه، وصدقًا لم يبخـ.ـل “ليل” عنهُ هذه المرة ومنحه ما حُرِ’مَ مِنْهُ منذ زمنٍ طويلٍ، داعيًا المولى عز وجل أن ينصـ.ـره على الشـ.ـر ويعود منتصـ.ـرًا.
______________________________
<“رَبِحَ الفتى حر’به، ورأى السعادة في نهاية دربه.”>
بعد مرور خمسة أيامٍ..
كانت هناك ضحكات طفولية سعيدة تعلو بين الفينة والأخرى، ضحكات أشتاق لسماعها، ولحظاتٍ د’افئة بين عائلته الصغيرة تُنسيه مر’ارة الأيام التي مرّ بها، كان يقف في منتصف الغرفة ير’فع صغيره عاليًا، وضحكاته الرنانة وصر’خاته الحما’سية تعلو بين الفينة والأخرى، وفي المقابل كانت الضحكة تُرسم بإتساعٍ فوق فم “سعيد” الذي قرر أن يمنحه صغيره بعضًا مِن وقته..
أنزله مجددًا ومنحه قُبلة حنونة فوق خَدَّه الصغير، ثمّ قال بنبرةٍ ضاحكة وهو ينظر لهُ:
_إيه عجبتك للدرجة دي؟.
صر’خ “مُراد” ونظر حوله بتلهُفٍ منتظرًا أن ير’فعه أبيه مِن جديد، ولكن تلك المرَّة ر’فعه “سعيد” بذراعٍ واحدٍ وكأن الصغير أصبح كعصفورٍ صغير يُحـ.ـلق في عنان السماء، وبدأ يتحرّك في أنحاء الغرفة تاركًا صغيره يستكشف المكان مِن حوله، في تلك اللحظة ولجت “هند” وبيَدها كوب الشاي الخاص بزوجها بيَد وقنينة الرضاعة الخاصة بصغيرها باليَد الأخرى..
و’قع بصرها على هذا المشهد العفوي الذي أعتادت رؤيته، تلك الدقائق اللطيفة التي تجمع زوجها وصغيرها معًا، أبتسمت حينما رنّت ضحكات صغيرها عاليًا يُعرب عن سعادته مِن خلالها، تحرّك “سعيد” بهِ تجاه الحديقة الأمامية بعد أن فتح الباب الزجا’جي المطل عليها حيث لفح الهواء بشرته الناعمة وكأنه يدغدغه، ها هي أشعة الشمس تسـ.ـقط على بشرته وزقزقة العصافير تعزف سمفونية في أُذنيه..
لم يقل عن الطيور المُحـ.ـلقة في السماء شيئًا، وكأنه إنضم لسُلا’لة الطيور المها’جرة كفردًا حديثًا، رنّت ضحكة طفولية تخت’رق زقزقة العصافير، كان “مُراد” يشعُر بالفرحة لأول مرَّة، وكأنه يرَ الحياة لأول مرَّة، ضحك “سعيد” بعد أن رأى فرحة صغيره وحما’سه، ولم يبخـ.ـل عليه بالأمر ولذلك تحرّك في أنحاء الحديقة الواسعة يمنحه المزيد مِن السعادة..
_هتفضل تلف بيه كدا؟ خلّي بالك هياخد على كدا على طول.
هكذا سألته “هند” بعد أن جلست فوق المقعد الخـ.ـشبي ووضعت كوب الشاي فوق سطح الطاولة وقنينة صغيرها، بينما أجابها “سعيد” بنبرةٍ هادئة ووجهٍ مبتسمٍ قائلًا:
_وإيه يعني لمَ ياخد على كدا، أنا موجود أهو مش شايفة فرحان أزاي.
أشهر “مُراد” سبابته الصغير تجاه العصافير التي تُحـ.ـلِّق في السماء عاليًا، أتسعت عيناه بدهشة وتمتم بكلماتٍ مُبهمة وكأنه يُريد أن يلحق بها، ضحك “سعيد” وتحرّك خطوات عديدة للأمام وكأنه يلحق بها بالفعل مِمَّ جعل الصغير يضحك ويُحرك أطر’افه بلهفة في الهواء، لحظات وأنزله “سعيد” ضاممًا إياه إلى أحضانه يُغدقه بقبلاته قائلًا:
_إيه الحلاوة دي كُلّها، مبسوط يا عمّ؟.
تقدَّم مِن زوجته بخطى هادئة ثمّ جاورها في جلستها وأجلس صغيره فوق قدمه وقال بنبرةٍ هادئة:
_شوفتي ضحكته حلوة أزاي، حبيب قلب أبوه.
أنهى حديثه وأغدقه بسيلٍ مِن القبلات، بلحظة بدأت ضحكات الصغير تعلو مِن جديد، وبحركاتٍ عفوية كان يضع كفه الصغير فوق وجه أبيه وكأنه يُريد أن يمنـ.ـعه ولكنهُ لا يستطيع، أخذت “هند” قنينة الرضاعة ور’جّتها قليلًا ثمّ نظرت إلى صغيرها وقالت:
_هاته يا “سعيد” عشان أأكله.
أجلسه “سعيد” مجددًا وقال بنبرةٍ هادئة بعد أن مدّ يَده يأخذ القنينة مِنها:
_هاتيها أنا هأكله.
لم تر’فض أو تُعا’رض، بل أعطته إياها وتابعته وهو يُطعم الصغير الذي أستجاب سريعًا وكأنه أنتظرها لوقتٍ طويل، أبتسم “سعيد” حينما رأى تلهُفه الشـ.ـديد تجاه الطعام، تحدث بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_ليك حق تجوع يا عمّ، واخد خدمة فايڤ ستار هنا يا ربّ الإقامة تكون عجباك بس.
قهقهت “هند” بخفةٍ ثمّ بدأت تتحدث معهُ في العديد مِن المواضيع المختلفة، تاركين الصغير يتلذذ بتلك اللحظة التي تكون أثمن مِن أيُ شيءٍ آخر، وبين الفينة والأخرى يتابعه “سعيد” حتى لا يغفـ.ـل عنهُ دقيقة تُكلفه الكثير.
______________________________
<“جاء اليوم المنتظر، حان وقت المرا’فعة.”>
بعد مرور يومين – داخل المحكـ.ـمة..
كانوا يجتمعون في الساحة الكبيرة ينتظرون السماح لهم بولوج القاعة التي ستتضمن العائلة والمتهـ.ـم، كان “شهـاب” يقف بعيدًا شارد الذهن، كفه يضـ.ـغط بعنـ.ـفٍ فوق الكرة المطا’طية، أعصا’به مشد’ودة وخـ.ـفقات قـ.ـلبه لا تهدأ، فلم يتبقّى سِوى دقائق وتبدأ حر’بًا جديدة في الداخل، كانت “مَرْيَم” تقف إلى جواره، عيناها مثـ.ـبتتان فوقه وحالتها لا تقل عنهُ شيئًا..
مدّت كفها الد’افئ وأمسكت بكفه البارد، بلحظة شَعَرت ببرودة أطر’افه التي تدُل على تو’تره وخو’فه مِمَّ ينتظره في الداخل، أخذت نفسًا عميقًا ثمّ قالت بنبرةٍ هادئة تُحاول طمئنته:
_متخا’فش يا “شهـاب”، خير إن شاء الله أنا متفائلة، مش أنتَ بتصدق إحساسي، أنا إحساسي بيقولي إن كُلّ حاجة هترجع لمسارها الصحيح، وحقك هيرجعلك، إحنا كُلّنا جنبك.
أبتـ.ـلع غُصَّـ.ـته بتروٍ ثمّ نظر لها، عيناه فضـ.ـحت خو’فه مِن المنتظر المجهو’ل، قـ.ـلبه يُخبره بأن الأمر لن ينتهي بتلك السهولة، مسح فوق وجهه بكفيه ثمّ أخرج تنهيدة عميقة وقال بنبرةٍ أعربت عن قلـ.ـقه:
_خا’يف أوي يا “ريما”، خا’يف أوي بجد أنا مش قادر أتطمن، حاسس إني هطلع خسـ.ـران، “جمـال” هيعمل أي حاجة عشان ميخسـ.ـرش قدامي حتى لو هو فعلًا اللي عملها.
شـ.ـدّت على كفه برفقٍ وقالت بنبرةٍ هادئة في محاولةٍ مِنها لتهدأته:
_متخا’فش صدقني هتكسبها، خلّي عندك إيمان فربنا أكتر مِن كدا، الخو’ف دا ر’هبة عادي، بس أول ما “لؤي” يد’افع هتطمن شويَّة، هو وعدك وكُلّنا جنبك وأنا أولهم.
نظر في عيناها قليلًا يُحاول رؤية الصدق والأ’مان الذي أعتاد عليهما بهما، فخو’فه هذا ليس بيَده؛ حاول أن يهدأ قليلًا ويُطمئن نفسُه، أقترب “شُكري” مِنْهُ وقال بنبرةٍ قو’ية محاولًا بـ.ـث القو’ة بهِ:
_خليك واثق إنك صاحب حق، ومفيش واحد بيتناز’ل عن حقه مهما حصل، أقعد ومتظهرش خو’فك، عشان دا هيحسسه إنُه الطر’ف الأقو’ى وهو فالأساس ضعـ.ـيف، أي مشا’حنات بين الطر’فين عادية بس لمَ الأد’لة تتقدم ويتأكدوا مِن صـ.ـحتها تقدر تطمن، أنا جنبك متخا’فش.
نظر لهُ “شهـاب” قليلًا ثمّ أر’تمى في أحضان أخيه محاولًا أن يجد الأ’مان بين ذراعيه كما أعتاد، ضمّه “شُكري” وربَّت فوق ظهره قائلًا:
_متخا’فش أنا معاك على طول، مش هسيبك مهما حصل.
في تلك اللحظة أقترب “لؤي” ومعهُ “يوسـف” ليُقدم لهُ الد’عم، وقف أمام “شهـاب” بهيبته بعد أن أرتدى ثياب المحاماة وقال بنبرةٍ جا’مدة:
_مش عايزك تبيِّن خو’فك أو تو’تُرك مهما حصل، وأي كلام هيتقال مِن الطر’ف التاني حاول تتجا’هله هيكون كلام مستفـ.ـز غرضه إنُه يخرّجك عن شعورك عشان تغـ.ـلط قدام القا’ضي، طبعًا دا بعينهم فلازم تفضل ما’سك نفسك، وأكيد هما هينكـ.ـروا الأد’لة اللي هقدمها وهيشـ.ـككوا فصـ.ـحتها لأن دا الطبيعي، فأمسك نفسك على قد ما تقدر ومتخا’فش أنا فضهرك والقضـ.ـية فصالحنا إحنا هما بس هيفر’فصوا عشان ميباتش شكلهم و’حش خصوصًا إن المحامي بتاع “جمـال” زميل منا’فس ليّا وهيعمل المستحيـ.ـل عشان ميخسـ.ـرش قدامي.
نظرت لهُ “مَرْيَم” وقالت بنبرةٍ يملؤها الخو’ف والتو’تر:
_يعني إحنا أساسًا الطر’ف الكسبان.
هزّ رأسه برفقٍ مؤكدًا على كلماتها، بينما تحدث “يوسـف” وقال بنبرةٍ هادئة:
_متقلـ.ـقش، هتعدي خليك هادي أهـ.ـم حاجة.
_”شهـاب مظهر العطار”، أتفضلوا.
نظروا جميعًا إلى مصدر الصوت ثمّ نظروا لبعضهم بترقبٍ شـ.ـديدٍ، وجميع الأعين ثُبـ.ـتت فوق “شهـاب” الذي حاول أن يهدأ، فتلك هي الحر’ب الحقيقية التي أنتظرها طويلًا، يجب أن يفوز فيها؛ فهو ملك تلك الحر’ب الذي يُحا’رب أعد’اءه دون توقف، فها هي لحظة الحسـ.ـم، وها هي بداية الحر’ب.
_______________________________________
