رواية ولنا في الحلال لقاء كامله جميع الفصول بقلم منه
أيوه يا ندى، أنا جاي في الطريق، جهزي نفسك بقى النهارده نخرّج ونتفسح.
ندى:مش قلتلي إنك تعبان؟
كريم:أهو نسيته أول ما سمعت صوتك، ما انتي دواء أي تعب.
يقفل المكالمة وهو بيضحك ضحكة فاضية،
يبص في المراية، يشوف وشّه تعبان،
يغمض عينه ثواني، وبعدين يكمل طريقه كأنه بيهرب من تفكيره.
---
في البيت، الأم قاعدة في الصالة، والد كريم ماسك المصحف.
تسمع صوت الباب يتفتح.
الأب:
رجعت يا كريم؟
كريم:(بيرمي المفاتيح على الترابيزة)
آه رجعت، في حاجه؟
الأب:هو لسه السؤال ده بيتقال؟
الساعة اتنين بالليل، وراجع ريحتك دخان ومفيش فيك نفس.
كريم:يا بابا كبرتني ليه؟ مش كده برضو؟ سيبني أعيش بطريقتي.
الأب:(بهدوء حزين)
بطريقتك؟
الطريقة اللي بتخليك تنام آخر النهار وتصحى آخر الليل؟
اللي خلّتك تبقى غريب في بيتك؟
كريم:(بحدة)
غريب؟ يمكن عشان انتو اللي بعدتوا عني.
الأم:(بدموع خفيفة)
يا ابني محدش بعد عنك… إحنا اللي مستنينك ترجع.
كريم:ارجع؟ هو أنا رحت فين أساسًا؟
الأب:رحت لعالم مش ليك يا كريم،
صحابك دول مش هيفضلوا حواليك طول العمر،
بس ذنوبك هتفضل تمشي وراك في كل خطوة.
كريم:(ساكت لحظة، وبعدين بصوت منخفض)
أنا مش ملاك يا بابا، وماطلبتش أبقى كده.
الأب:ماحدش طلب تكون ملاك،
بس ربنا طلب تكون بني آدم يعرف يغلط ويتوب،
مش يغلط ويفتخر.
يسيبهم ويدخل أوضته، يفتح الموبايل يلاقي صور بنات وسهر وضحك.
يضحك هو كمان… ضحكة مالهاش معنى، ضحكة بتخبي وجع.
---
تاني يوم، الصبح، كان قاعد مع أدهم وولاد تانيين في كافيه.
واحد من صحابه (اسمه شريف):
كريم، اللي زيك المفروض يعيش لنفسه،
بلاش تفكر كتير، خليك مبسوط.
كريم:مبسوط بإيه؟ بالسجاير؟ ولا بالبنات اللي كل يوم واحدة وشها يتبدّل؟
أدهم:على الأقل اعترف إنك تايه.
شريف:تايه إيه يا عم؟ ده راجل عايش حياته!
كريم:(يبص له بسخرية)
عيش إيه يا شريف؟
ده أنا مش عارف أنام من كتر التفكير.
كل يوم بحس إني بخسر حاجه، بس مش عارف هي إيه.
شريف:سيبك من الكلام ده، الليل ده عندنا خروجة جامده، فيها بنات من الآخر!
كريم:(بعد تردد بسيط)
ماشي… يمكن أنسى شوية.
-----------------------
في الناحية التانية، مريم قاعدة مع سارة في الكلية.
مريم:سارة، أنا حلمت امبارح إن في حد بيتوب بعد ضياع طويل.
مكنتش شايفه وشه بس كنت حاسة إن ربنا كان بيحضنه.
سارة:يا رب يكون اللي في بالي.
مريم:هو أخوكي؟
سارة:أيوه، كل يوم بخاف عليه أكتر.
بقى بيصاحب بنات غريبة، وصاحبه الجديد ده شريف شكله مش سهل.
مريم:ساعات الناس الوحشة بتقرب من الطيبين عشان تشدّهم،
بس ربنا لو كاتبله الهداية،
هييجي له نور من حيث لا يحتسب.
---
الليل جه،
كريم في العربية، الموسيقى شغالة،
بس جواه حاجة بتتخبط.
يفكر في كلام أبوه، في دموع أمه، في الرسالة اللي ما ردش عليها من سارة.
يضرب المقود بإيده وهو بيقول بصوت مكسور:
> "أنا مش وحش… أنا بس مش عارف أرجع."كان قاعد في عربيته ساكت بعد ما قال الجملة دي،
المزيكا لسه شغالة، بس دماغه راحت بعيد.
افتكر لما كان صغير، أول مرّة دخل الجامع مع أبوه،
وقتها كان فخور إن الناس بتسلم عليه وتقول “ابنك مؤدب يا حاج مصطفى”.
ضحك ساعتها، ضحكة طفل بريء…
دلوقتي نفس الضحكة لو رجعت، يمكن تبكيه بدل ما تفرّحه.
رجع البيت بعد نص الليل،
امه نايمة على الكنبة مستنياه،
والنور لسه مفتوح.
راح يطفيه، قامت مفزوعة.
امه: كريم؟! ده إنت؟
قلبي وجعني يا ابني، أنا كل يوم بخاف أسمع عنك خبر وحش.
كريم:(بهدوء متعب)
يا ماما بلاش الكلام ده… أنا كويس.
الأم:كويس؟
الكويس ده اللي كل يوم بيرجع ريحته دخان ووشه باين عليه التعب؟
يا ابني، أنا شايفاك بتضيع بعيني ومش عارفة أعملك إيه.
كريم:(يحاول يضحك)
ما تقلقيش يا ماما، ربنا كبير.
الأم:آه كبير، بس إنت اللي صغير أوي قدامه…
قوم صلي ركعتين، يمكن قلبك يتهدّى.
كريم:(بصوت واطي)
أنا لو وقفت أصلي دلوقتي، الأرض مش هتستحملني.
الأم:ربنا أحنّ من كده، يا ابني، جرب بس.
يسكت، يبص للأرض، وبعدين يقول:
كريم:معلش يا ماما، أنا تعبان شوية… هشوفك الصبح.
يدخل أوضته ويقفل الباب وراه.
يحاول ينام، بس كل ما يغمض عينه، وشوش الناس اللي وجعهم بتظهر.
البنت اللي ضحك عليها، صاحبه اللي خالف ضميره بسببه،
ووش أبوه اللي في كل مرة بيشوفه، بيحس بالعار.
---
تاني يوم،
أبوه كان مستنيه على الفطار.
الأب:صباح الخير.
كريم:صباح النور.
الأب:هتفضل كده لحد إمتى؟
كريم:كده إزاي؟
الأب:
كده تايه، لا شغل مظبوط، ولا بيت، ولا حتى نفسك مرتاحة.
كريم:
(بضيق)
يا بابا أنا مش طفل، سيبني أعيش زي ما أنا عايز.
الأب:
أيوه، عيش، بس ما تجيش بعدين تقول “يا ريت”.
أنا عمري ما كنت ضدك، بس لما تبص في المراية وتلاقي نفسك غريب، متلومش غير نفسك.
كريم:
(ساكت، وبصوت هادي)
غريب؟
هو أنا من إمتى كنت قريب أصلاً؟
---
بعد الظهر،
كريم خرج يقابل شريف وأدهم والناس.
قعدوا في كافيه، ضحكوا، شربوا، اتكلموا في كلام فاضي.
بس بين كل ضحكة والتانية، كريم عينه كانت سرحانة.
أدهم:
مالك يا كريم؟ دماغك فين؟
كريم:
ولا حاجه… كنت بفكر بس.
شريف:
تفكر في إيه؟ ده التفكير ده اللي خرب علينا حياتنا!
عيش يومك وخلاص.
كريم:
(بصوت مكسور)
هو أنا لسه عندي "يومي" أصلاً؟
كل الأيام بقت شبه بعض، نفس الناس، نفس التعب، نفس الذنب.
شريف:انت بتفكر كتير أوي يا ابني، تعالى بس الليله دي، نخرج عند أحمد، بنات ومزيكا وننسى الهم ده كله.
كريم:
(يتردد لحظة وبعدين يقول)
تمام، يمكن أضحك شوية.
---
في الوقت ده،
كانت مريم قاعدة في بيتها بتذاكر وهي بتسمع قرآن وبتكتب ملاحظات في كشكول صغير.
دخلت سارة عليها مكالمة فيديو.
سارة:مريومة! أنا تعبت، والله تعبت.
مريم:فيه إيه يا سارة؟
سارة:كريم أخويا… بقيت مش عارفاه، بيكلم بنات، بيخرج مع ناس شكلهم مش تمام،
كل ما أحاول أتكلم معاه، بيزعقلي.
مريم:اهدّي، بصي، هو مش شايف إن اللي بيعمله غلط،
بس يوم ما يشوف الحقيقة… هيندم على كل لحظة عاشها بعيد.
سارة:بس أنا مش ضامنة اللحظة دي تيجي قبل ما يتأذي.
مريم:لو ربنا كاتب له الهداية،
هيجيله في الوقت اللي قلبه يكون خلاص تعب فيه من البُعد.
سارة:انتي متأكدة؟
مريم:أكتر من متأكدة.
بس لازم تفضلي تدعي له،
وساعات، ربنا بيبعث حد يهدي قلوب الناس من غير ما يحسّوا…
مين عارف، يمكن يكون الدور عليكي أو عليا.
سارة:(بابتسامة حزينة)
يا رب.
---
الليل جه،
كريم خرج مع شريف والناس.
ضحكوا، شربوا، صوت المزيكا عالي.
بس في نص السهرة، وهو ماسك الكوباية،
شاور له واحد كان قاعد بعيد — واحد قديم من أصحابه اللي زمان كان بيروح معاه الجامع.
الولد ده قام وقال له بهدوء:
صاحبه القديم:
كريم، انت لسه هنا؟
ما تعبتش؟
كريم:(بصدمة)
مالك؟ بتتكلم كأنك شيخ!
صاحبه القديم:
أنا بس كنت زيك، لحد ما فهمت إن كل الضحك ده ما بيملاش القلب.
كريم:(بغضب)
ما تنصحنيش! أنا مش ناقص فلسفة.
صاحبه القديم:
أنا واجب عليا انصحك وافهمها زي منتا عاوز، متسبش نفسك لما تقع ربنا غفور رحيم ربنا قال تعالولي ف اي وقت.
مشي وسابه، وكريم قاعد ساكت،
يبص حواليه يلاقي البنات بتضحك، المزيكا بتعلي،
بس هو مش سامع غير صوت في دماغه بيقول:
> “لحد إمتى؟”
---
رجع البيت الصبح،
أبوه كان نازل للشغل، شافه وهو داخل.
الأب:لسه راجع دلوقتي؟
كريم:آه، كنت مع صحابي.
الاب ربنا يهديك يا ابني،
أنا مش هزهق من الدعاء لك، بس خايف تيجي اللحظة اللي تندم فيها بعد فوات الأوان.
يسيبه ويمشي،
وكريم يفضل واقف في الصالة لوحده،
يبص في الأرض، ووشه متغير.
كريم (لنفسه):
هو ليه كل الناس بتسيبني، حتى وأنا اللي بعدت؟
هو أنا فعلاً كده مبسوط؟
ولا أنا خلاص بقت حياتي عاده، وجوايا موت؟
يا رب لو لسه بتسمعني، ساعدني أرجع.
