رواية حنين الفصل الثاني 2 بقلم امل عبدالرازق

 



رواية حنين الفصل الثاني بقلم امل عبدالرازق

رجعت حنين البيت، خطواتها كانت تايهة وسط السكون.
المفتاح في إيدها بيرتعش، وصوت الباب وهو بيتفتح كان أعلى من أنفاسها.
الشقة اللي كانت دايمًا مليانة ضحك ودفا، بقت دلوقتي باردة، غريبة عليها كأنها مش بتاعتها.

دخلت، وسابت شنطتها على الأرض، وبصّت حواليها بصمت طويل.
كل ركن في البيت بيحكي قصة، كل تفصيلة ليها معاها ذكرى…
الكنبة اللي كانوا دايمًا بيحب يقعد عليها وياخدها في حضنه، الكوباية اللي كان بيحب يشرب فيها الشاي، حتى المفارش اللي كانت بتختارها بنفسها.
النهارده كل حاجة فقدت معناها.

مشيت على أطراف صوابعها، كأنها خايفة توقظ وجع ساكن في الجدران.
دخلت الأوضة، فتحت الدولاب، وبدأت تلم هدومها بهدوء شديد.
كل قطعة كانت بتحطها في الشنطة معاها كانت كأنها بتنتزع جزء من روحها.
الدموع بتنزل بس من غير صوت، بس كل دمعة كانت بتقول ألف كلمة.

قعدت على السرير، وطلعت ورقة صغيرة وقلم من درج الكومودينو،
الورقة اللي زمان كتبت عليها أمير أول مرة "بحبك يا أمير"
 النهارده هتكتب هي عليها “النهاية”.

بدأت تكتب…
يدها بتترعش، والكلمات بتسيح مع الدموع:

زوجي الغالي أمير…

يمكن عمرك ما تتخيل قد إيه كنت بحبك،
وقد إيه كنت مفضّلاك على أي حاجة في الدنيا.

سيبت كل حاجة ورحتلك،
سيبت إسكندرية اللي فيها أهلي وروحي وذكرياتي،
واتجوزت في طنطا علشان أكون قريبة منك.
كنت بشوفهم كل فين وفين،
بس كنت راضية، كنت سعيدة،
لأنك كنت جنبي،
وكنت حاسة إنك مكاني الآمن في الدنيا.

شُفت معاك أجمل أيامي،
وضحكت ضحك من القلب ما ضحكتوش قبل كده،
كنت بحس إن ربنا عوضني بيك عن كل تعب مرّيت بيه.

النهارده وأنا بكتب،
صدقني… مستحيل أشك فيك،
ومستحيل أصدق إنك ممكن تخوني،
حتى لو شُفت بعيني.
 انا كنت بعتبرك ابني، صاحبي، أخويا، حبيبي

بس يمكن الحب مش دايم لما الوجع يبقى صاحبه،
ويمكن البُعد أرحم من إننا نكمل ونكسر بعض أكتر.

عمري ما كنت أتخيل إني أكتب رسالة زي دِ في يوم من الأيام بس كل قصة وليها نهاية 

الأفضل لينا… إننا ننهي كل حاجة بهدوء،
زي ما بدأنا بهدوء.

أنا مش ندمانة على ولا لحظة عشتها معاك،
بس قلبي مبقاش قادر يتحمّل أكتر من كده.

دا قراري النهائي…
أنا مش عايزة أكمل معاك يا أمير.

زوجتك المحبة…
حنين

سابت القلم، وبصّت على الورقة كأنها بتودّع عمر كامل فيها.
حطّت الرسالة على السرير، وبجوارها خاتمها اللي كانت لابساه من يوم كتب الكتاب.
لمّت شنطتها، ومسحت دموعها بكفّها، لكن الدموع نزلت تاني كأنها مش عايزة تسيبها تمشي.

قبل ما تخرج من الشقة، وقفت على الباب، بصّت حواليها للمرة الأخيرة…
البيت كله ساكت، بس في السكون كان فيه صوت واحد واضح: وجع الوداع.
وقفت لحظات تتأمل الشقة التي شهدت ضحكاتها ودموعها… كل ركن فيها له ذكرى، وكل زاوية فيها جزء من قلبها.

اتنفست بصعوبة، ودموعها نازلة بهدوء، ثم مشت بخطوات بطيئة نحو الباب.

______
فاصل صغير 
عزيزي القارئ انا بعيط ومنهارة، أتمنى اقدر اكمل على خير
______

سارة (بنبرة باردة لكن فيها حزن خفي):
"أنتِ كدا قررتي خلاص يا حنين؟"

حنين سكتت لحظة، وبصت لها بعينين مليانين وجع، بس ما نطقتش ولا كلمة.

سارة كملت، وهي بتكتم تنهيدة:
"أنا ما بكرهكيش يا بنتي… بس يمكن القدر ماكانش رايدلكم تكملوا. بدعيلك تعيشي حياة سعيدة، مع حد تاني غير ابني."

السكوت سيطر على المكان، والهواء كأنه اتقل فجأة.
حنين عضّت شفايفها وهي بتحاول تمنع نفسها من الانهيار، بصتلها نظرة وجيعة مليانة ألف كلمة، وبعدين نزلت عينيها ومشيت.

خرجت من الباب، وسابته وراها بيتقفل على صوت كتمة قلبها.
_______

بمجرد ما الباب اتقفل ورا حنين، وقعت لحظة صمت تقيلة في البيت.
سارة وقفت في مكانها ثواني، تبص للباب اللي لسه بيتحرك، كأنها بتحاول تستوعب إن حنين فعلًا مشيت.

لكن فجأة، اتنهدت وقالت لنفسها بنبرة حاسمة:
"لأ… لازم أشوف هي سايبة إيه وراها."

طلعت بسرعة على شقة ابنها، قلبها بيدق بسرعة، وكل خطوة فيها خليط من قلق ونية دفينة.
دخلت الشقة، بصّت حواليها، ووقعت عينيها على الظرف اللي فوق السرير… وجنبه الدبلة.

مدّت إيدها ببطء، مسكت الرسالة، قلبها اتقبض وهي بتشوف اسم ابنها مكتوب بخط حنين الرقيق.
فتحتها، بدأت تقراها، وكل سطر كان بيطعنها أكتر من اللي قبله.

صوتها اتكسر وهي بتهمس:
"يا بنتي كنتِ بتحبيه بجد…"

دمعة نزلت غصب عنها، مسحتها بسرعة وهي بتتنفس بحدة.
قعدت على طرف السرير، والورقة في إيدها بترتعش.
سكتت شوية، وبعدين رفعت راسها وقالت بحزم:
"لأ… الرسالة دي ما ينفعش توصل له.
ابني لو قراها، عمره ما هيتحرك خطوة واحدة.
لازم أخفيها… لازم."

قامت، مسحت دموعها بإيدها، وبصت ناحية الورقة نظرة فيها وجع وخطة في نفس الوقت.

"أنا هكتب له أنا رسالة… تخليه من جواه يصرف نظر عنها، ويفكر في نفسه، في مستقبله.
ما هو الحب عمره ما كان كفاية."

قعدت على الترابيزة، جابت ورقة جديدة، وبدأت تكتب…
عيونها مليانة تصميم، ووشها مزيج من القسوة والدموع.

قلمها كان بيرتعش في أول سطر، كأن ضميرها بيحاول يمنعها، لكنها شدّت نفسها وقالت بصوت واطي:

"كل حاجة لمصلحته… هو اللي تعِب، وهو اللي لازم يبدأ من جديد."

بدأت تكتب بخط متعمد يكون شبه خط حنين:

أمير
بعد اللي حصل مش عايزه أشوفك تاني، مش فارق معايا مين الغلطان، انت أصلا إزاي تقعد معاها لوحدكم في أوضة مقفولة عليكم، نزلت من نظري

يمكن وجودي في حياتك كان غلطة كبيرة، يمكن حبنا كان كذبة فضلت عايشه بيها، ويمكن أنا اتسرعت لما فكرت إننا نقدر نكمّل.

اكتشفت إننا مختلفين في حاجات كتير، وإن الحب لوحده مش كفاية.

حاولت أعيش معاك بس ما قدرتش… تعبت، وقررت أبدأ من الأول من غيرك.
أوعى تحاول تيجي ترجعني لأنك هتهين نفسك أوي وهتنزل من نظري أكتر، لأن القرار دا خلاص اتاخد من قلبي قبل ما يتكتب على الورقة ومافيش فيه رجوع.
انساني، وكمّل حياتك.
حنين.
_____

خلصت الكتابة، وفضلت تبص في الورقة لحظات طويلة،صوتها اتكسر وهي بتهمس لنفسها:
"سامحيني يا بنتي… يمكن بعمل الصح، ويمكن لأ… بس قلبي مش قادر يشوفه بيتدمر."

مسحت دموعها بسرعة، وبدّلت الورقتين:
خدت رسالة حنين الأصلية 
وسابت الرسالة المزيفة على السرير، وجنبها الدبلة.

وقفت ثواني تبص عليهم،
وبعدين قالت وهي خارجة من الشقة:
"هو هيتوجّع النهارده… بس بكرة هيشكرني."

قفلت الباب وخرجت بهدوء،والشقة فضلت غارقة في صمتها
_______

رجع أمير البيت ملهوف، خطواته سريعة وملامحه باهتة من القلق.
كان بيحاول يتصل بحنين طول الوقت… لكن تليفونها مقفول.
كل ما يسمع صوت "هذا الرقم غير متاح حاليًا"، قلبه يتقبض أكتر.

فتح باب الشقة بسرعة، دخل وهو بيبص حواليه بعنين تايهة.
لكن أول ما خطا جوّا… وقف مكانه.
البيت ساكت… خالي من الروح.
الريحة اللي كانت بتملأ المكان — ريحة برفانها اللي بتفكره بالونس والحنان — اختفت.
كأنها خدت نفسها من الهوا.

مشِي بخطوات بطيئة، عينه بتلف على الحيطان اللي كانت شاهد على ضحكهم، دلوقتي بقت غريبة عليه.
دخل المطبخ… فاضي.
غرفة الجلوس… نورها مطفي وساكن، بتعلن النهاية.

قلبه بدأ يدق بسرعة، وصوته خرج مكسور وهو بينادي:
"حنين؟!… حنين انتي فين يا حبيبتي؟!"

مفيش رد.
كأن الحيطان هي اللي بترد عليه بالصمت.

قرب من أوضته، ماسك صدره، صوته مهزوز وهو بيقول:
"اوعي تكوني مشيتي يا حنين… متعمليش فيا كده."

دخل الأوضة بخطوات مترددة،
وبص قدامه — السرير فاضي… عليه ورقة ودبلة.

وقف ثواني، مش قادر يمد إيده.
كأن لمس الورقة هيأكد اللي هو مش عايز يصدقه.

أخد نفس عميق، مسك الورقة، وبدأ يقرأ…
كل كلمة كانت سيف بيشق قلبه شق.

 "أمير… بعد اللي حصل مش عايزه أشوفك تاني…"

عينيه دمعت فورًا.
قرا الجملة تاني، وتالت، ورابع،
صوته اتكسر وهو بيقول لنفسه:
"مستحيل… مستحيل تكون دي حنين… الكلام دا مش كلامها… مش خطها حتى!"

ودموعه نزلت غصب عنه، فضل يردد بصوت شبه هستيري:
"مستحيل!… دي حنين! دي كانت بتخاف عليا من نظرة الزعل!
أكيد في حاجة غلط… أكيد!"

جري على الباب ونزل بسرعة، قلبه بيدق زي الطبول.
دخل عند أمه وهو مستني أي أمل:
"ماما! حنين راحت فين؟! راحت فين؟!"

سارة رفعت عينيها له، ملامحها فيها برود متعمد:
"سابت البيت ومشيت من غير ما تقول حاجة…
جريت وراها وبحاول أفهم منها مردتش عليّا.
هو انت زعلتها يا أمير؟"

أمير بصوت مبحوح، وهو بيحاول يكتم انهياره:
"زعلتها أوي يا ماما… وجعت قلبها،
بس أنا لازم ألحقها قبل ما تبعد أكيد هي لسه قريبه!"

مدت إيدها بسرعة وقالت بحدة:
"استنى عندك!
إيه الورقة اللي في إيدك دي؟!"

رفع الورقة وقال وهو بينهج:
"دي ورقة لقيتها على السرير…
بس دا مش خط حنين، والله مش خطها يا ماما!
أوعي يا ماما… أوعي تكوني...."

سارة اتوترت فجأة، رفعت صوتها:
"أوعي إيه؟ انت مجنون؟
وريني مكتوب فيها إيه!"

خدت الورقة من إيده بسرعة، وبدأت تقرأ بصوت عالي متعمد، كأنها بتقرا حكم بالإعدام على حبهم:

"مش فارق معايا مين الغلطان،
نزلت من نظري،
ما تحاولش ترجعني لأنك هتهين نفسك أكتر…"

خلصت، رفعت عينيها له وقالت بنبرة فيها قسوة ووجع:
"واضح إنها لا بقت طايقاك ولا عايزه تشوفك،
وقررت تشوف حياتها بعيد عنك.
هتفضل لحد امتى متمسك بيها وهي مش عايزاك أصلاً؟ هي فكرت في نفسها، عايز إيه تاني؟
فوق لنفسك بقى!"

أمير واقف، عينه فيها دموع، صوته مبحوح:
"ماما… حنين مستحيل تكتب الكلام دا،
أنا عارفها أكتر من نفسي!"

سارة صرخت فجأة، والغضب طلع كله:
"لو طلعت من باب البيت يا أمير…
انت لا ابني، ولا أعرفك!"

سكتت لحظة، وصوت أنفاسه تقيل.
وقف باصص في عينيها،
ثم بص على الورقة اللي في إيده، رماها على الأرض 
وقلبه بيتكسر وهو بيهمس:
"يبقى سامحيني يا ماما… أنا لازم أروح لها."

في اللحظة دِ، قلب سارة اتقبض فجأة ومبقاش مستحمل، ووجهها شاحب
تنهدت بعمق، ورجليها ماقدرتش تتحمل، وبدأت الدنيا تدور حواليها…
وبصوت خافت، قبل ما تقع على الأرض، همست:
"أمير… آه…"

وسقطت سارة فجأة على الأرض، وعيونها اتقفلت وجسمها مستسلم للاغماء،
وأمير جرى عليها بسرعة، خدها في حضنه، قلبه بيدق بسرعة، وصوت أنفاسه يملأ المكان:
"ماما! ماما! افتحي عينيكي! أرجوكِ متسبنيش"

رفع سماعة التليفون،وهو بينادي:
"الاسعاف… بسرعة! أمي—أمي هتروح مني 
_______

حنين قاعدة في المقعد ورا، رجليها متشابكة، وعيونها شاخصة في الأرض. الميكروباص مزدحم، والهواء مليان أصوات الناس والسيارات، لكنها حاسة إن الدنيا كلها ساكتة حواليها، كأن الزمن وقف.

فجأة، لمحت ست كبيرة قاعده جنبها، عيونها مليانة حنية وخبرة سنين. بصّت لها بصمت طويل، وبصوت دافي قالت:
"مالك يا بنتي؟ شايله الهم ووشك شاحب… وعينك وارمه ليه كده؟"

حنين رفعت راسها ببطء، دمعة واحدة نزلت من غير ما تنتبه. الست ابتسمت بابتسامة فيها حكمة:
"الدنيا… مش مستاهله كل الحزن اللي في قلبك. ما ضاقت إلا لما فرجت، وبإذن الله كل حاجة هترجع تمام."

حنين حاولت تبتسم بس كان صعب… بس كلمات الست دخلت جوه قلبها، كأنها أول مرة من أيام طويلة بتحس إن حد فاهم وجعها من غير ما تتكلم، لكنها سكتت مقدرتش ترد عليها وتفتحلها قلبها وتقولها في حاجات مستحيل ترجع تمام.

_______

أمير واقف عند باب غرفة الطوارئ، قلبه بينبض بسرعة، عيناه مليانة قلق على أمه. الدكتور واقف جنبه، شوية ملفات في إيده.

أمير بصله، صوته متقطع:
"طمني يا دكتور… أمي… أمي مالها؟! إيه حالتها دلوقتي؟"

الدكتور تنهد، ونظر له بجدية:
"قلبها ضعيف جدًا يا أمير… مش مستحمل أي ضغط. كويس إنك لحقتها في الوقت المناسب… بس مش ضامن المرة الجاية هتقدر تلحقها ولا لأ."

أمير اتوتر أكتر، صوته واطي ومخنوق:
"يعني… ممكن يحصل لها تاني زي اللي حصل النهاردة؟"

الدكتور رجع له نظرته الثابتة:
"للأسف… موضوع الإغماء هيتكرر معاها كتير. أبعد عنها أي ضغط وحزن، لأن ضغطها كان عالي جدًا، حاول تشوف إيه اللي مزعلها وتراضيها… وتحافظ على هدوءها. هي محتاجة راحة أكتر من أي حاجة تانية دلوقتي."

أمير قفل عينيه، وكأن كل حاجة حواليه اتقفلت حس بالمسؤولية أكتر من أي وقت فات، وعرف إن لازم يبذل كل جهده عشان يحمي أمه ويخليها مرتاحة.


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات