![]() |
رواية السراب الفصل الاول بقلم نيما
ليس كل البدايات جيدة؛ فهناك بعض البدايات تكون مريبة، ولربما يكون القدر له دور في الموضوع بشكل أو بآخر.
بعض البدايات تكون نهاية البداية. لم تكن في أحلامها الجميلة تتخيل أن يحدث معها ذلك، ولكن للحق، من ذا الذي يستطيع أن يتخيل ما سيحدث؟
فلا دخل للإنسان في قدر محتوم ونافذ.
في وسط تلك الغرفة الباردة، التي لا يوجد بها ضوء ولا حتى شعاع للقمر، كان المكان يدل على الوحدة والألم، ولا مكان لشعور آخر يُحطم ما تبقى لها.
كانت تجلس تضم ركبتيها إلى صدرها، شاردة الذهن، لا تعلم لماذا كل هذا الألم.
منذ أن رحلت والدتها وهي تعاني من تعامل والدها معها. في بعض الأوقات، كانت تفسر ذلك على أنه نتيجة حزنه الذي أثر على معاملته، أو ربما أنه لم يعد يحب الحياة بدون والدتها . لهذا، أصبحت أفعاله مختلفة عن ذي قبل.
أما الآن، فهي في مكان لا تعرف عنه شيئًا، مع شخص غريب، لا تعلم من هو أو ما هي دوافعه. جُل ما تعرفه أنها اختُطِفت منذ يومين، وأُحضرت إلى هذا المكان. وما يحوم في عقلها سؤالان: "لماذا أنا هنا؟ ولماذا يتحدث هذا الشخص عن والدي باستمرار؟"
قطع تفكيرها دخول ذلك الشخص بشموخ وقوة، مغلقًا الباب خلفه بعنف هزَّ الجدران. أغمضت عينيها برعب، تحاول أن تصمد، لكن كيف يمكنها الصمود أمام هذا الوحش؟
اقترب منها وجلس بجانبها بعض الشيء، فابتعدت هي برعب. كان خوفها مبررًا بعد التهديد الذي ألقاه عليها في الليلة الماضية. هي بطبعها تخاف بسهولة، وتنهار نفسيتها من أقل شيء.
تحدث هو بنبرة مكر وخبث: إيه؟ القطة أكلت لسانك؟
نغم (بسخرية): لا والله، بس أمثالك الأحسن ما أتكلمش معاهم.
جذب شعرها بقوة للأسفل، مما جعلها تصرخ من الألم.
نظر لها بعنف وغضب مرددا بفحيح مميت لها
: لا يا ****! أنا مش حد تتكلمي معاه كده. وإلا والله هعمل اللي في دماغي. حاولت دفعه بعيدًا عنها، لكنها لم تستطع.
نغم بخوف تجلها على تعبير وجهها كاملا: خلاص، سيبني! مش هتكلم تاني.
وبنفس نبرته الأول صرخ بها:
وانتِ فاكرة إني هسيبك تتكلمي تاني يا ****؟
بكت وهي تتوسل إليه: طيب خلاص، سيبني.
تركها بقرف، وكأنه كان يمسك بحشرة وليس إنسانًا ثم تحدث بسخرية: واضح إنك مش مهمة عند أبوكِ، ولا إيه؟ بقالك يومين هنا وما حدش سأل عنكِ.
لم ترد عليه، فقط وضعت يدها على شعرها وبكت. شعرت وكأن أنفاسها قد خرت هربًا منها. نظر إليها بهدوء، وبدا وكأنه في الحقيقة لا يريد إيذاءها، لكنه لا يحتمل تصرفاتها، التي يراها غبية. وبينما كان على وشك التحدث، رن هاتفه. خرج من الغرفة بنفس الطريقة العنيفة التي دخل بها، وبدأت هي بالبكاء بصوت مسموع.
--- Flashback
في الليلة الماضية، كان الجو هادئًا إلا من أصوات الليل الخافتة. كانت نغم قد نامت على السرير الكبير بعد ساعات من البكاء. دخل فهد الغرفة وهو يحمل سيجارًا بين أصابعه، واقترب منها.
لاحظ أنها تتحرك في نومها، تنادي والدتها والدموع تسيل على وجنتيها. بقي ينظر إليها لبعض الوقت، يستنشق دخان السيجار ببطء. تحركت فجأة واستيقظت، تسعل بشدة من أثر الدخان. نغم (وهي تسعل): أح... أح... طفي السجاير! أح أح، هموت!
اطفأ السيجار وأعطاها كوب الماء الموجود بجانب السرير. شربته دفعة واحدة، محاولة التقاط أنفاسها، لكنها ما زالت متأثرة بالدخان. تحدثت بصوت متهدج
: لو سمحت، ما تشربش سجاير جنبي تاني.
هزَّ رأسه بلا مبالاة مرددا بصوت هداء : شكلك هتطولي هنا، فاسكتي أحسن لك، واللي حصل النهارده ما يحصلش تاني.
نهضت بغضب، واضعة يدها على خاصرتها: نغم (بانفعال): نعم؟ وانت مشوفتش هو عمل إيه؟ دخل وقال كلام وسِخ وطلب حاجات غلط! إذا كنت إنت شايف ده عادي، فبالنسبة لي لا! المرة الجاية مش هضربه بس على دماغه، أنا هخلي السكينة تشرب دمه.
كانت تتحدث عن أحد رجال فهد، الذي حاول الاعتداء عليها. لكنها دافعت عن نفسها وكادت تحطم رأسه بمزهرية. نظر إليها فهد بابتسامة جانبية: طيب، عشان تبقي عارفة، لو عملتي مشاكل تاني، أنا هسيبهم عليكِ. فبلاش شغل القطة الشرسة ده! ارتجفت من تهديده وبدأت تبكي
: أنا عملت إيه؟ هو اللي غلط، مش أنا!
حاولت الدفاع عن نفسها، لكن فهد تجاهل توسلاتها: فهد (بصوت حازم): قلت اللي عندي. وصدقيني، إقامتك هنا مطولة.
تركها وخرج من الغرفة، وتركها تغرق في دموعها.
--- Back
ظلت نغم تفكر في كل ما حدث، عاجزة عن التخلص من تلك الأفكار المهينة. لم تجد غير البكاء تفرغ به شحنة الحزن والتوتر داخلها
: يا ماما، تعالي خديني. انتِ فين يا بابا؟
