![]() |
رواية قناص الغرام الفصل الاول بقلم رباب حسين
في منزل بأحد الأحياء الراقية يسكنه الهدوء لا يوجد به أحد سوى شخص واحد.... يبدو عليه الهدوء عكس النيران التي تشتعل في صدره كل يوم..... نيران أشعلها الغدر ولن يطفئها سوى الانتقام.... هو قاتل مأجور..... قناص الداخلية الأسبق الذي ترك وظيفته عندما عرقلت خطة انتقامه.... ليأخذ بثأر دم لم يجف بعد في مخيلته.... يراه كل ليلة يطارده في أحلامه.... دم والده الذي سقط غدرًا أثناء تأدية عمله العسكري.... حاول معرفة من القاتل مرارًا وتكرارًا حتى أصابه اليأس وبعد وقت علم من هو القاتل الحقيقي فحاول أخذ ثأره بالقانون فبالأول والأخير هو رجل يمثل القانون وبعد أن فشل ترك وظيفته..... لم ينفك عن ملاحقته دون هوادة.... فشل في إمساك هذا القاتل ولكن سيظل يحاول ويحاول.... وفي ظل المحاولات هناك ملفات لم تستطع الشرطة أن تحقق فيها العدل بسبب التحايل على القانون فأصبح قاتل مأجور.... يحقق العدالة بسلاحه وينهي ظلم واعتداء كل غادر.... والآن هو سبب من أسباب نشر العدالة الحقيقية.... عدالة ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة
في الصباح ينزل الدرج فارس إبراهيم.... قناص الداخلية الملقب بعيون الصقر وذلك لأنه لا يخطئ بهدفه أبدًا..... ليجلس على الطاولة وجلس بجواره صديقه ومساعده الخاص حاتم وأثناء تناول الطعام قال حاتم : شكلك برده منمتش كويس
فارس : النوم بقى بالنسبالي رفاهية يا حاتم
حاتم : من كتر التفكير يا فارس..... يا ابني مش كده خف على نفسك شوية
فارس : مش قادر..... كل أما أنام بتخيل منظره وهو بيموت على إيدي وبيقولي هاتلي حقي.... منظر أمي لما عرفت الخبر وماتت في ساعتها وراه.... دفنت الاتنين مع بعض.... مع بعض يا حاتم..... أنسى أزاي؟!.... أعيش حياتي عادي أزاي؟.... أنا ادفنت معاهم وبقيت آلة بتقتل بس.... آلة بيحركها كلمة مظلوم.... كلمة هات حقي.... مبقتش بني أدم خلاص
حاتم : طيب خلاص.... إهدى بقي
فارس : هادي.... قولي فيه أخبار
حاتم : رائد كلمني الصبح وقالي إن غانم فراج ظهر على الساحة تاني
قذف فارس الخبز من يده في غضب وقال : وقاعد من الصبح وإنت عارف المعلومة ديه وساكت؟!
حاتم : يا ابني أنا لحقت.... أهدى بس وهفهمك.... هو قالي إن فيه بلاغ عن تهريب صفقة آثار جديدة هتم النهاردة وفيه كلام إن غانم هو اللي هيعملها.... يعني الكلام مش أكيد.... وبعدين رائد مبقاش عارف يقول المعلومات كلها الفترة ديه بسبب إن كل عملية بيعرف عنها معلومة بيلاقو القناص موجود وده فتح عليه العين..... حاسس أصلًا إنه عارف معلومات تانية ومش قادر يقولها
فارس : رائد هيتصرف.... أنا واثق فيه..... لو متأكد إن اللي قتل أبويا هيبقى موجود وأقدر أخد طاري منه مش هيتردد ثانية إنه يبلغني
حاتم : على العموم أنا قولتله هكلمك كمان ساعتين تكون أتأكدت من المكان والمعاد وقالي لو عرفت حاجة هبلغك
فارس : نستنى ونشوف
حاتم : بالنسبة لغسان أبو العزم هتعمل إيه في طلبه؟
فارس : هو كان عايز يقتل مين؟
حاتم : غندور المعداوي رجل أعمال معروف عنه إنه واخد قروض بمبالغ كبيرة وهرب بيها برا البلد وحاليًا بيحاول يرجع تاني ويدفع رشاوي عشان يقدر يفتح مشاريع جوا البلد
صمت فارس يفكر قليلًا ثم قال : بس غسان أبو العزم برده حواليه شكوك كتير وبعدين ما أنا رفضت أشتغل معاه قبل كده.... هو ليه مصر للدرجة ديه؟
حاتم : مش عارف.... بس إنت سمعت عنه حاجة من رائد؟
فارس : لا..... بس وأنا في الخدمة سمعت إن حواليه شبهات.... لا مش هشتغل معاه.... مش عايز أدخل في تصفيات عصابات.... أنا ليا طريقتي وأسلوبي ولو دخلت في حرب العصابات ديه هروح في داهية
حاتم : طيب أسأل رائد وأتأكد
فارس : أشوف موضوع غانم الأول وبعدين أبقى أتأكد براحتي
انتها من الطعام وبعد وقت اتصل رائد بحاتم فنظر فارس الذي يقف أمام نافذة المنزل يتأمل المشهد الخارجي في صمت ثم انتبه لحديث حاتم عندما سمعه يقول : أيوة يا رائد.... اه أنا عنده في البيت
رائد : طيب أنا عرفت إن احتمال كبير غانم هو اللي يقوم بالعملية.... لما أقفل معاك هبعتلك العنوان بس خلي بالك ميحاولش فارس يقف في مكان مكشوف أو قريب لأن الداخلية هتبقى هناك برده مستنية أي إشارة عشان تهجم
حاتم : تمام.... هبلغه
أنهى حاتم المكالمة وقص له ما قاله رائد وأرسل له العنوان الذي ارسله رائد وبدأ فارس في الإستعداد.... وبعد أن أعد بندقيته ونظر إلى الرصاص في يده ثم وقعت عيناه على صورة والده ووالدته فنظر إليهما في حزن ممزوج بالإصرار والغضب.... نيران تلتهم صدره كلما تذكرهما.... ينظر إلى المنزل الذي أصابه الحزن واليأس.... عيناه تبحث عنهما في كل مكان..... لا تقلقلا.... فيومًا ما سآتي عند هذا القبر أعلن لكما أني وفيت بوعدي وقتلت من تسبب في خراب هذا المنزل.... حل الليل وذهب فارس إلى العنوان الذي أرسله رائد ووقف من بعيد.... بعد وقت لاحظ تحركات رجال الشرطة في المكان وظل يترقب مثلهم.... مر ساعة حتى ظهرت سيارات تقترب من المكان..... ظل يراقب إلى أن نزل الرجال ودخلو المبنى.... حاول فارس رؤية غانم ولكن فشل..... استمر في المراقبة حتى وصلت سيارات أخرى ونزل منها أحد الرجال ورأى فارس واحد من هيئته من الخلف يبدو وكأنه غانم.... ابتعد عن السيارة وبدأ يتقدم من المبنى في أثناء استعداد فارس لأطلاق الرصاص ولكن لم يستطع أن يصوب عليه انتظر حتى يجد فرصة أخرى.... بعد وقت داهم رجال الشرطة المكان وحدث تبادل لإطلاق النيران داخل المبنى ورأى فارس غانم يهرب من الباب الخلفي للمبنى ومعه حارسان شخصيان فاستعد فارس ليطلق الرصاص عليه بعد أن تأكد من إنه هو غانم حقًا وحاول الشرطي المكلف بمراقبة المبنى من الخارج اللحاق بهما وفي أثناء إطلاق فارس للرصاص وقف الشرطي حائل بينهما ليتلقى الرصاصة بدلًا من غانم فنظر فارس إلى هذا الشرطي في صدمة فقد أرداه قتيلًا دون قصد.... حاول فارس أن يسيطر على نفسه ولكن كان غانم قد هرب بالفعل..... أخذ فارس سلاحه وغادر المكان على الفور وعاد إلى منزله وكان حاتم ينتظره هناك وعندما دخل المنزل وقف أمامه في قلق وقال : ها.... عملت إيه؟
ألقى فارس حقيبته أرضًا في غضب وقال : قتلت واحد غلط.... قتلت حد من البوليس غلط.... أنا مش عارف إيه خلاه يجي يقف قدام الرصاصة في الوقت ده.... أعمل إيه دلوقتي؟
حاتم في صدمة : يا نهار مش فايت.... قتلت واحد من الشرطة!.... طيب هنعمل إيه في المصيبة ديه؟!
فارس : مش فارق معايا أتحاكم ولا لا.... أنا فارق معايا الراجل اللي موته بإيدي.... راجل ملوش ذنب.... برئ..... عملت فيه اللي اتعمل في أبويا بالظبط.... راجل خارج حاطط روحه على إيده عشان يحقق العدل ويقبض على الناس اللي خاربين البلد بالأسلحة والآثار وأنا قتلته.... أكيد ليه أهل وزوجة وعيال.... أنا مش هعرف أسامح نفسي على اللى عملته ده أبدًا.... مش هعرف
حاتم : أهدى يا فارس.... ما أكيد مش قصدك يعني.... هو اللي نصيبه يقف قدام واحد ميساوش ويموت بداله.... مش ذنبك يا فارس.... إهدى بس
فارس : مش ههدى.... أنا هموت من اللي عملته
جلس فارس ووضع رأسه بين راحتيه.... أنفاسه الحارقة تخرج بقوة وكأنه يحارب الدموع في عينيه.... جلس حاتم بجواره ورتب على عاتقه وقال : بص يا فارس.... إحنا معندناش حل غير إننا نشوف أهله فين ونساعدهم.... لو عنده أولاد صغيرين نصرف عليهم.... ونتكفل بيهم.... لو مراته محتاجة فلوس نديها
فارس : وده هيعوضهم عن أبوهم اللي راح.... هيعوض مراته عن جوزها اللي مات من غير سبب؟.... كان عوضني أنا
حاتم : مفيش حاجة هتعوضهم.... بس متنساش إن مفيش راجل شغال في الداخلية مش بيخرج كل يوم وهو عنده احتمال ٩٠٪ إنه ممكن ميرجعش.... إهدى بس.... أنا الصبح هروح أشوف الدفنة بتاعته وهعرف كل حاجة عنه وهاجي أقولك.... بس فيه حاجة عايز أقولك عليها قبل ما تدخل أوضتك ومشفش وشك تاني النهاردة.... غسان كلمني تاني عايز يعرف هتعمل إيه
فارس : مش موافق أشتغل معاه..... بلغه بده وقوله مش هغير رأيي
تركه فارس وهو يشعر بالضيق وذهب إلى غرفته وكعادته اختلى بنفسه وبأحزانه وحيدًا.... حل الصباح وذهب حاتم ليتقصى ما يحدث وبعد وقت كان يقف في جنازة هذا الشرطي.... وجد أن هناك فقط فتاة صغيرة ذات الثامنة عشر تقف وحيدة تتلقى العزاء وتبكي بشدة.... ظل يراقبها من بعيد حتى انتهت مراسم الدفن وعادت إلى منزلها.... كانت تسكن في أحد الأحياء القديمة فوقف حاتم بالأسفل ينظر إلى المنزل من الخارج وبعد قليل وجد أحد الرجال يقترب منه وقال : واقف كده ليه يا أستاذ؟
حاتم : أنا كنت عايز أعزي في المرحوم.... الشويش مهيب
الرجل : الله يرحمه.... أنا عطوة صاحب المحل اللي تحت بيته.... واجبك وصل يا أستاذ.... أصل هو مقطوع من شجرة ومفيش رجالة تاخد عزاه.... أنا هبلغ بنته ندا إنك جيت تعزي بس أقولها حضرتك مين؟
حاتم : أنا الظابط علاء.... كنت معاه يعني في الدخلية وكده وملحقتش الدفنة فا قلت أجي أعزي هنا..... هو ملوش حد خالص؟
عطوة : لا يا باشا ملوش حد.... بنته يا عيني غلبانة.... ده لسه حتى صاحب البيت قايلي إنه يأما يعلي عليها الإيجار يا أما يطردها وهي لا بتشتغل ولا ليها دخل.... وفين وفين على ما تاخد معاش أبوها
حاتم : هي عندها أد ايه؟
عطوة : يعني ١٨ أو ١٩ سنة.... حاجة كده يعني
حاتم : بتدرس؟
عطوة : اه.... في كلية فنون جميلة.... ديه رسامة إيه درجة أولى
حاتم : طيب بص يا عطوة ده رقمي..... لو صاحب البيت طردها كلمني وأنا هاجي أخدها وهدبرلها مكان تبات فيه
عطوة : تسلم يا باشا ربنا يكرمك يارب.... والله هتاخد فيها ثواب..... ديه بت يتيمة وغلبانة
حاتم : ربنا يقدم اللي فيه الخير
ذهب حاتم إلى منزل فارس وقص له كل ما حدث وقال فارس : يعني ملوش غير بنت واحدة.... طيب لو الراجل كلمك بلغني وتعالى نشوف شغلنا
حاتم : شكلك لسه متضايق
فارس : وهفضل متضايق..... بس خلينا نشوف الرجالة وصلو لغانم ولا لا
في المساء اتصل عطوة بحاتم وأبلغه أن مالك العقار قد طرد ندا من المنزل وقذف بثيابها وآثاث المنزل بالشارع وهي تجلس عليه تبكي..... علم فارس بما حدث وزاد غضبه فطلب من حاتم أن يذهب ويحضرها إلى منزله.... ذهب حاتم ووقف أمامها وهي تبكي وجهها شاحب بشدة فقال : البقاء لله يا أنسة ندا
رفعت ندا وجهها البرئ تنظر إليه بعيون طفلة.... من يراها يظن أنها أصغر من سنها.... تبدو كالأطفال بتعابير الوجه الباكي فقالت : حضرتك مين؟
حاتم : أنا كنت أعرف والدك ووصاني عليكي كتير لو جراله حاجة أفضل جنبك أنا وفارس صاحبي
ندا : بس.... بابا عمره ما حكالي عنكم
حاتم : مفتكرش هيقولك على كل زمايله ومعارفه.... متخافيش يا ندا إحنا هنحميكي..... إعتبري نفسك بقى ليكي أبين بدل واحد..... قومي يلا ومتقعديش كده.... هو شكله كان عارف إن صاحب البيت راجل مفتري
ندا : ربنا يسامحه..... ده بهدلني
حاتم : طيب قومي متخافيش..... تعالي معايا
حملت حقيبتها الصغيرة وبيدها برواز للوحة تقوم برسمها بنفسها وذهبت معه.... كانت تشعر بالخوف والقلق منه ولاحظ حاتم ذلك فقال وهو يقود السيارة : متخافيش.... أنا عارف إنك قلقانة وده طبيعي بس لما تعرفينا مش تخافي مننا أبدًا.... إحنا هنحميكي زي ما مهيب قالنا
نظرت له ندا في حزن وصمتت..... وصلت ندا إلى منزل فارس ونظرت له من الخارج وقالت : ده بيتكم؟!
حاتم : ده بيت فارس صاحبي..... إحنا عايشين مع بعض
فتحت ندا عيناها في صدمة وقالت : وأنا هعيش معاكم؟!
حاتم : الليلة بس.... ومن بكرة هبدأ أدور على مكان خاص ليكي.... بس الوقت أتأخر أوي ومش هعرف أتصرف.... متخافيش
دخل حاتم ودخلت خلفه ندا بخطى مترددة.... تشعر برهبة داخل صدرها وتنظر حولها بكل اتجاه حتى فتح حاتم الباب ودخل ليفسح لها المجال فنظرت داخل المنزل ورأت فارس يواليها ظهره وينظر من النافذة في صمت كعادته وقال حاتم : إدخلي يا ندا
إلتفت فارس لتقع عينه عليها.... وجدها شابة جميلة..... كان يتوقع أن تبدو أصغر من ذلك فعقد حاجبيه واقترب من حاتم وهمس له قائلًا : مين ديه؟
نظر له حاتم وقال : ندا مهيب
نظر عند الباب ووجدها تدخل في خجل واقتربت منه ليرى ملامح وجهها بوضوح.... توقف الزمن لدقائق.... واختفت الأصوات من حوله ليسمع فقط صوت دقات قلبه.... تعلو وتعلو دون هوادة.... كانت تقترب منه وكل خطوة تقربها له تعصف بكل ما به من صلابة.... نظر داخل عيناها ليرى لونها الأخضر الذي يعشقه.... فهو يشعر بالهدوء فقط عند رؤية الزرع الأخضر ويبعث في قلبه الطمئنينة..... صمتت الكلمات وتبدل حال فارس ليعلن قلبه عن ناقوس الخطر يضرب بصدره منبئًا ببداية عشق ممنوع يطرق باب قلبه بل لم يطرقه فقط دخل واستقر به دون استأذان....
